مسارات متقاطعة

مسارات متقاطعة

137 0

الخذلان لا يأتي من الغرباء ...بل ممن لا نتوقع ذلك منهم ✨

كان الليل قد بسط ظلاله على ميلانو، بنسيمه اللطيف وهمسه المتسلل بين شقوق الأرصفة. لا ضجيج يعلو على الصمت، سوى دقّات قلبٍ ينتظر… ينتظرها.

وقف ماركو أمام المبنى، مستندًا إلى سيارته السوداء اللامعة، يُقلّب هاتفه بين يديه بتردد. اقترب إصبعه من زر الاتصال… لكنه لم يضغط.

ظهرت...فيفيان.

نزلت الدرج بخطى هادئة، تحمل في ملامحها البساطة الأنيقة التي لا يقدر على اصطناعها أحد. كانت ترتدي سترة جلدية سوداء، وبنطال جينز ضيق، وشعرها منسدل بانسيابية على كتفيها كأن الليل انسدل معها.

رآها، فابتسم.

رأته، فابتسمت.

تقدّم بخفة نحوها، فتح لها باب السيارة، وقال بنبرة وادعة:

– "أنتِ كالعطر… لا تأتي متأخرة، بل تأتي لتُكملي ما ينقص."

ضحكت بهدوء وهي تجلس بجانبه.

– "وهل فاتني شيء؟"

– "كلّ شيء فاتني حتى جئتِ."

تحركت السيارة، وانطلقت بهما إلى عالمٍ آخر، لا يشبه الهدوء الذي تركاه خلفهما. في الطريق، تكررت تلك النظرات الخفيفة، تلك الابتسامات المتواطئة، وتلك الكلمات الصغيرة التي لا تُقال، لكنها تُفهم.

وبعد دقائق، وصلا.

بوابة حديدية ضخمة فُتحت ببصمة خاصة لماركو، ومع عبورهم إياها، بدا كأنهما خرجا من عالم البشر إلى أرض لا تعترف بالقوانين.

الضجيج أول ما استقبلهم.

صوت المحركات العالية، أضواء النيون التي تقطع الظلام بخطوط ساطعة، دخان العوادم، ورائحة البنزين المحترق التي تغلّف الهواء.

السيارات مصطفة على الجانبين، وجمهور مكتظّ يترقّب ما سيحدث، والقلوب مشدودة إلى الحلبة.

في تلك اللحظة، تقدم جيني، أحد أصدقاء ماركو وسائقه المساعد، يضع خوذته تحت ذراعه وابتسامة واثقة على وجهه.

– "أهلاً بكِ آنسة فيفيان، الليلة… لن تري ماركو الذي تعرفينه، بل ماركو الذي ينتمي إلى هذا المكان."

ثم التفت إلى ماركو قائلاً:

– "الميدان ينتظرك يا سلاش كل الأنظار عليك."

ماركو لم يُجِب جيني.

كان ينظر فقط إلى وجه فيفيان.

– "هل أنتِ مستعدة لتري ماركو الحقيقي؟" سألها بصوت منخفض.

أجابت وهي تهز رأسها بابتسامة فيها مزيج من الفضول والخوف الجميل:

– "إن كان هو نفسه الذي أشعر به الآن… فأنا مستعدة."

ومع آخر كلمتها، بدأت موسيقى الحلبة تشتد، والمحركات تزمجر كوحوش تستعد للانقضاض

انسلّ ماركو من بين الحشود إلى السيارة، وفتح الباب ليفتح لها عالماً آخر لم تعرفه من قبل.

– "ارفعي قدميكِ، اليوم لن تكوني متفرجة. ستجلسين إلى جواري في قلب الحلبة."

نظرت إليه بدهشة خفيفة، وصوتها خرج شبه هامس:

– "أنا… سأشارك في السباق؟!"

– "أجل، إلى جانبي. أريد أن تشعري بكل التفصيل، بكل انحناءة، بكل انطلاقة. أريدكِ أن تشهدي ماركو حين يكون على طبيعته."

كانت قد رفعت حاجبيها، محاولة إخفاء ارتباكها، لكن يدها لامست عن غير قصد خوذة السباق، فتراجعت قليلاً.

– "لكنني لا أجيد هذا… لا أفهم شيئًا عن السرعة… ولا عن الحلبات."

اقترب منها، وضع يده برفق على وجنتها، وقال بابتسامة فيها مكر الحماسة:

– "لا تقلقي، سأقودك كما يقود الموسيقي أوتاره. كل ما عليكِ فعله هو أن تثقي بي. أعدك… ستحبين الأمر، بل… ستُدمنينه."

ثم انحنى قليلاً وهمس في أذنها بصوت خفيض جعل الدم يتدفق في عروقها كالعاصفة:

– "الحياة بلا أدرينالين؟ لا طَعم لها."

نظرت إليه لثوانٍ، ثم أومأت برأسها، متوترة… متحمسة… بين الإثنين.

ارتدت الخوذة التي أعطاها إياها، وجلست بجانبه داخل السيارة المعدّلة، وكان صوت المحرك كالوحش المستعدّ للانقضاض.

قبل أن يبدأ تشغيل السيارة، ظهر من خلف الجمهور رجل طويل القامة، يرتدي سترة جلدية حمراء، ونظارات شمسية داكنة، يمشي وكأنه لا يعترف بالأرض التي تمشي عليها قدماه.

– "آه، ماركو كونيغ… لم أتوقع أن تأتي الليلة ومعك فتاة، هل تسعى لأن تجعل خسارتك أكثر رومانسية؟"

كان المتكلم إيريك فالديز، أكثر من منافس… عدوّ قديم.

ابتسم ماركو بسخرية، أخرج علكة من جيبه ووضعها في فمه بلامبالاة، ثم قال وهو يستند إلى سيارته:

– "على الأقل، جئتُ بوجه جميل… أما أنت، فجئتَ بنفس غطرستك القديمة."

ضحك بعض المتفرجين، فأطلق إيريك نظرة نارية قائلاً:

– "هل تجرؤ الليلة أن تتحدى؟ سباقٌ حقيقي؟"

ماركو لم يُجِب، فقط فتح صندوق سيارته الخلفي، وأخرج مفتاحًا فضيًا براقًا لسيارة بورش طراز حديث لم تُرَ كثيرًا في شوارع ميلانو.

رفع المفتاح أمام الحشود، وقال بهدوء قاتل:

– "الفائز يأخذها."

أطلق إيريك صفيرًا مبهورًا.

– "رائع… سيارة أحلامي. أتمنى ألا تبكي عندما تراها تُسجّل باسمي."

رد ماركو دون أن يلتفت إليه حتى:

– "الحُلم… ليس لك. بل للذي يعرف كيف يقود الخوف."

المحركات بدأت تهدر.

والجمهور بدأ يبتعد عن المسار.

وعيون فيفيان… كانت معلقة عليه وحده.

من بعيد، كانت إيزابيلا واقفة بجانب صديقاتها من طبقة ميلانو اللامعة؛ تسريحات متقنة، عطور فرنسية، ونظرات مستعلية لا تُكسر بسهولة. لم تكن ممن يرتادون حلبات السباق، لكنها جاءت الليلة بدعوة خاصة، وربما... فضول خفي لترى أخاها يتسابق امامها لأول المرة ....هل كان الامر يستحق شجاره مع والدها ؟؟

عيناها تجوّلت في المكان حتى توقفتا على مشهد صادم:

فيفيان… في المقعد المجاور لماركو.

انكمشت حاجباها بدهشة.

– "ما الذي تفعله هناك؟ لماذا هي مع ماركو؟ لماذا لم تخبرني؟"

أسئلتها كانت تتزاحم داخل رأسها، لكنها أجّلتها إلى حين انتهاء السباق. ليس لأنها تنازلت عن الإجابات، بل لأنها لا تحب تفويت المشاهد الكبرى. وكان هذا… أحدها.

وقبل أن يتسرب القلق منها أكثر، ظهر لوسيفر كأنه خرج من ظلّ الليل، بابتسامته العابثة، وشعره المنسدل كأنه لم يعرف يومًا فرشاة مشط.

– "أوه، ها قد أتت الساحرة..."

قالها وهو يقترب منها، يراقب عينيها قبل أن يراقب الحلبة.

– "ما الذي تفعله هنا؟ ظننتك تكره التجمعات…"

أجابها دون أن يبعد نظره عنها:

– "جئت لأشهد فوز صديقي… ماركو. لا يفوّت أحد لحظة كهذه."

– "صديقك؟ ماركو؟ ما الذي يحدث بحق الجحيم…؟"

لم يُجبها. هو لم يأتِ لماركو… بل أتى ليراها. وكل شيء آخر كان عذرًا مناسبًا.

في هذه اللحظة، علا صوت هدير المحركات… واصطفّ المتسابقون.

ثلاث... اثنتان... واحدة…

انطلااااق!

انطلقت السيارات كالرصاص. الأرض اهتزت. الهواء احتشد. والعيون اتسعت.

فيفيان في الداخل، رغم خوذتها، كانت تكاد تسمع دقات قلبها أعلى من صوت المحرك.

– "تمسّكي جيدًا، فراولتي!"

صرخ ماركو وهو ينعطف يسارًا بانحراف حادٍ جعل السيارة تميل لثانية كاملة قبل أن تستقر على مسارها.

صرخت، ثم ضحكت، ثم صرخت مجددًا.

المنعطفات كانت ضيقة كالإبر، والسرعة تشطر الهواء.

إيريك أمامهم، يقود بثقة قاتل محترف، كأنه يعرف المسار من ذاكرته.

ماركو من خلفه، يناوره، يضغط، يبحث عن ثغرة.

الوقود يُحرق، الدخان يتصاعد، والمقاعد ترتجف.

عند أحد المنعطفات، قام إيريك بحركة مدهشة، "دريفت" خاطف جعل الجمهور يصرخ بحماسة.

– "لقد تجاوزك! لقد فعلها!"

قال أحد المتفرجين.

لكن ماركو لم يكن ليقبل الخسارة.

لم يكن ليهدي سيارته لأحد… خصوصًا إيريك.

وعند آخر لفة، وُلدت معجزة.

ماركو دار بسيارته دورة كاملة على نفسها، كأنها تدور حول جاذبية ما، والتفّ من خلف إيريك ليجد نفسه في الأمام.

صرخ أحدهم:

– "مستحيل! كيف فعلها؟! إنها… حركة مستحيلة!"

الحلبة انفجرت بالصراخ.

فيفيان أمسكت بالمقعد بكل قوتها، لكنها كانت تبتسم.

تشعر، للمرة الأولى، أنها لا تخاف… بل تحيا.

خط النهاية يقترب.

وماركو كونيغ…

اجتازه أولاً.

فوزٌ نظيف، مذهل، فوضوي… تمامًا كما يحب.

السباق انتهى، لكن الحلبة لم تهدأ.

الصرخات تعالت، وصدحت الآهات مع عاصفة من التصفيق، وكأن الجمهور كله قد انفجر دفعة واحدة. عيون الجميع كانت على ماركو، الذي لم يعد متسابقًا فحسب، بل كان نجم الحلبة في تلك اللحظة.

تدافع الناس نحوه، يلقونه بأجسادهم وكأنهم لا يريدون أن يفلت من بين أيديهم. حاول أن يبتسم، لكنه كان بالكاد يستطيع التنفس وسط الحشود.

حين أفلته الحشد أخيرًا، وقف أمام فيفيان، التي كانت تنظر إليه بتلك الدهشة المحمومة في عينيها.

– "فراولتي، هل أنتي بخير؟"

همس بصوت خافت، كان فيه قلق، لكنه لا يخفي سعادته.

– "أصبحت عصير فراولة، لكنني بخير!"

ضحكت وهي تمسح على وجهها الذي أصبح مغطى ببعض آثار الدهشة والعرق، لكنها كانت بخير.

ثم، وعلى نحو غير متوقع، قال بصوتٍ ثابت لكنه مليء بالصدق:

– "أنتِ تعرفين، فراولتي، أنا أحبك بكل حالتك."

كان ذلك لحظة حقيقية بينهما، لحظة من النقاء والصدق وسط الفوضى.

وفي تلك اللحظة، نظر إلى المكان من جديد ليجد إيزابيلا على بعد مسافة قصيرة، عيونها مليئة بالتساؤلات والشكوك. كان من الواضح أنها لا تفهم ما الذي يجري هنا، وكأنها لم تتوقع أن ترى هذا المشهد، وأن ترى فيفيان بهذا الشكل.

أخذ ماركو نفسًا عميقًا، ثم قام بمسك يد فيفيان برفق، ليخطو نحو إيزابيلا، عينيه لا تفارقان وجهها المستغرب.

بينما هم في الطريق، سمع صوتًا مألوفًا من وراءهم.

– "هاي هاي يا صاح، أترك لنا بعض الشهرة!"

كان لوسيفر يضحك، ويمازح ماركو، كان سعيدًا باللحظة، ومشغولًا بالتسلية.

وصل ماركو وفيفيان إلى إيزابيلا، التي كانت تقف هناك، غير قادرة على فهم ما يحدث، ملامحها متجمدة، وكأنها تُشاهد مشهدًا لم تكن تتوقعه أبدًا. وقفت على أطراف أصابعها، وارتسمت في عينيها تلك الأسئلة التي كانت تنتظر إجابة.

قبل أن تُحاول أن تسأل عن سبب وجود فيفيان بجانب ماركو، يده في يدها، همس ماركو بسرعة، محاولًا تهدئة الأجواء، لكن صوته كان خافتًا وحذرًا.

– "نحن متزوجان."

قالها بصوت جاد.

لحظة من الصمت، ثم...

صمت طويل، وكأن الهواء قد تجمد في تلك اللحظة.

توقفت إيزابيلا، كأنها لم تسمع ما قاله للتو.

عينها تلمع بالدموع، وكأنها لا تصدق ما سمعت.

– "ماذا؟!"

شهقت.

ثم كان هناك شيء في عيونها، شيء يُشبه الخيانة. كانت كأنها تُسحب إلى عالم آخر، إلى عالم لا تريد أن تكون جزءًا منه.

في تلك اللحظة، كان كل شيء قد تغير.

كانت تلك الدموع تقول أكثر من كلمات.

الضوء انطفأ من عينيها.

إيزابيلا، المتوّهجة دومًا، تلك التي لا ينكسر فيها شيء، شعرت وكأن الأرض تحتها قد انقسمت فجأة إلى هاويتين.

وقفت تحدّق فيهما — ماركو، أخوها، وفيّفيان، أقرب الناس إلى قلبها — لكنهما الآن يقفان كجدارين غريبين، لا يشبهان ملامحها ولا ذكرياتها.

نطقت، وصوتها كان حادًا كالسكاكين:

– "أهذا ما كنتما تخفيانه عني؟! أخي… وصديقتي… أحب شخصين من المفترض أن أثق بهما… لكنكما استغفلتُماني!"

لم يكن في صوتها رجاء ولا دموع. فقط لهجة امرأة تحطّمت، ثم قررت أن تنهض وهي تحترق.

– "لماذا؟ لماذا لم تخبراني؟!"

رفعت إصبعها نحوهما، وكأنها تُدينهما في محكمة صامتة:

– "كنت سأوافق بطبعي… كنت سأفرح لأجلكما! لكن أنتما… عاملتماني كالبلهاء… كأنني لا أستحق أن أعرف… كأنني لا أُحتَرم!"

ثم همست بمرارة، وقد شدّت على كلماتها:

– "من الآن… لا أخ لي… ولا صديقة لي… لا أريدكما في حياتي."

استدارت، كأنها قررت أن تخلع ماضيها كما يُخلع الرداء، ثم مشت بخطى سريعة، دموعها تُهدد بأن تنفجر في أية لحظة.

فيفيان هرعت خلفها، وجهها شاحب وملامحها مذعورة:

– "إيزابيلا… من فضلك، دعيـ…"

لكن ماركو أوقفها، أمسَك بيدها برفق.

– "دعيها، فراولتي… هي بحاجة إلى بعض الوقت. سأحلّ الأمر، أعدك."

ثم جذبها إليه، يربت على كتفها، يحاول أن يعيد لها بعض الأمان الذي خسرته لتوّه.

أما إيزابيلا، فقد ابتعدت عن الساحة، تبحث عن زاوية للعزلة. كانت تنفجر بصمت.

لكن أحدهم لحق بها… خطواته كانت مختلفة… أكثر هدوءًا، أكثر صدقًا.

لوسيفر.

ظهر خلفها، ابتسامته المعتادة اختفت، وصوته هذه المرة بدا حقيقيًا:

– "إيزابيلا…"

استدارت، والدموع تتراقص في عينيها:

– "هل كنت تعرف؟ هل كنت تعرف أنهما معًا؟!"

قال بسرعة:

– "لا. أقسم أنني عرفت الآن… مثلك تمامًا. صدقيني."

تنهّدت، لكنها لم تجد في ذلك راحة.

– "كل الناس سيئون… خونة… حتى أقربهم إليّ."

– "لا تقولي هذا، إيزابيلا. هم ناضجون، وحرّان… هذا لا يعني أنهم أرادوا إيذاءك."

– "كفى… لا أريد رؤية أحد… لا أحد."

انفجرت بالبكاء، كأنها كانت تمسك بكل شيء طوال الوقت، ثم… لم تعد تستطيع.

وبلا تفكير، وبغرابة لا تشبهه…

اقترب لوسيفر منها… ثم احتضنها.

تفاجأت، تجمّدت… للحظة بدت كأنها ستدفعه بعيدًا، لكنها لم تفعل.

بل… احتضنته هي أيضًا.

دفنت رأسها في صدره، كأنها تبحث عن أي شيء يشبه الثبات في عالمها المتكسّر.

كان قلبه يدقّ بسرعة، غير مصدق ما يحدث. أغمض عينيه، وكأنه يحتضن حلمًا خائفًا من أن يستيقظ منه.

ثم، وبحنان غريب على لوسيفر، مسح دموعها بأنامله.

– "تأتين معي؟ أخرجك من هذا المكان؟"

رفعت نظرها إليه، صامتة، لكنها… أومأت.

ثم مدت يدها، أمسكت بيده.

يده الدافئة تلمس أصابعها المرتجفة، تتشبث به وكأنها تمسك بعالم لا تريد أن ينهار أكثر.

خرجَا معًا… والليل حولهما، لكن في قلبه… شمسٌ لم يشعر بها من قبل.

...................

في جهةٍ أخرى من هذا العالم المتشابك،

استفاقت روكسان على ضوء خافتٍ يتسلّل عبر الستائر الثقيلة، كأن الصباح هنا لا يستعجل النهوض.

عيناها نصف مغمضتين، شعور ثقيل على رأسها… وحقيقة أغرب من أن تُفهم.

كانت في غرفةٍ غريبة، مترفة، الجدران مغطاة بورق ذهبي، والمفروشات تشبه قصور العصور الوسطى…

لكن لا شيء مألوف. لا اسم، لا مكان… لا شيء.

اعتدلت ببطء، تأملت جسدها… لا خدوش، لا أثر لأي سوء… لكن عقلها لم يكن بخير.

"أين أنا؟"

نزلت من السرير ببطء، قدماها العاريتان تلامسان أرضية خشبية ناعمة.

اقتربت من باب الغرفة، فتحته ببطء… حتى كاد صريره يُسمع في أنحاء القصر كله.

خرجت.

درَج رخامي فخم أمامها، يتسلّل للأسفل.

خطت نحوه بتردّد، قلبها يخفق كأن شيئًا سينقضّ عليها في أية لحظة.

كل خطوة كانت أشبه بحلم، أو كابوس.

وحين وصلت أخيرًا إلى الطابق السفلي…

رأته.

من بعيد، جالسًا قرب المدفأة، النيران تتراقص خلف ظهره، وكأنها تكتب اسمه بلغة اللهب.

لم ترَ وجهه بعد… لكنها عرفته.

ذلك الظهر… تلك الهالة…

لا يمكن أن تخطئه.

رفاييل ديلورا.

تجمّدت. للحظة، فكّرت أن تتراجع، أن تعود وتغلق على نفسها الباب وتصرخ حتى تستيقظ.

لكنه سمع صوت أنفاسها، أو ربما… شعر بها.

التفت.

كأن الزمن توقف.

عيناه، العميقتان كبحرٍ لا قرار له، التقتا بعينيها.

ابتسم. بابتسامة رجلٍ يملك مفاتيح الهدوء والجنون في آن:

– "روكسان… أخيرًا استيقظتِ، أيتها الأميرة النائمة. يومٌ كامل وأنتِ غائبة. هل كنتِ تنتظرين قبلة الحب الحقيقي كما في أفلام ديزني التافهة؟"

رفعت حاجبيها، لم تكن في حالةٍ تسمح لها بالاستفزاز… لكنها لم تكن ضعيفة.

اقتربت خطوة، نظرتها حادة، صوتها ثابت:

– "لا وجود للحب الحقيقي، سيد رفاييل… وأظن أن هذا ليس موضوعنا الرئيسي. ما الذي أفعله في قصرك؟"

لم يغضب. لم يُفاجأ.

بل فقط، أمال رأسه قليلًا وقال بنبرة أشبه بدعوة لا يمكن مقاومتها:

– "تعالي… لنتناول العشاء. ونتحدث قليلًا."

جلست روكسان على طرف الطاولة الطويلة، تلك التي قد تتسع لاثني عشر شخصًا… لكن الليلة، لم تكن سوى هي وهو.

الشموع الرفيعة كانت تنزف نورًا شاحبًا على الصحون الفاخرة، والعطر في الجو لم يكن عاديًا… مزيج من توابل شرقية ونبيذ معتّق وشيء لا يُفسَّر، شيء يُسمّى رفاييل.

أمامها: كلُّ شيء تُحبّه.

معكرونة بصلصة الليمون والزبدة كما تحبّها. لحم مطهو بدقّة كأن من أعدّه يعرف مزاجها بعد منتصف الليل.

حتى كأس العصير، بنكهة التوت الأسود المفضّلة لديها، تنتظرها على الجهة اليمنى، تمامًا كما كانت تطلبها.

حدّقت في المائدة ثم رفعت نظرها إليه، وقلبها ينبض بشتّى الأسئلة.

هل… هل تحسّس على ذوقي؟ من أين عرف كل هذا؟ هل كان يراقبني؟

لكنها لم تسأل.

أُخذَت لحظةً بالتفاصيل، ثم قَطع أفكارها صوته… ذاك الصوت الرخيم ذو النبرة الجافة الجادّة:

– "لندخل في صلب الموضوع."

وضع الشوكة جانبًا، مسح فمه بمنديل أبيض مطرّز، ونظر إليها مباشرة.

– "يبدو أنكِ تعرفين أنني لا أنتمي إلى عالم القانون. أنا لست رجل أعمال. أنا… خبير صفقات، قد تكون غير قانونية قليلًا."

رفعت حاجبها، وضحكت بسخرية ناعمة:

– "قليلًا؟"

أمال رأسه، واعترف دون تردّد:

– "أجل، أنتِ على حق. غير قانوني... بتاتًا.

لكن هكذا نشأت. وهذا ما أريد فعله. لست نادمًا، ولن أعتذر."

صمت.

نظرت إليه نظرة مشوشة بين الغضب والدهشة، وقالت بنبرة لا تخلو من حدّة:

– "وما دخلي أنا بكل هذا، سيد رفاييل؟"

ابتسم، لكن لم تكن ابتسامة رجل عاشق، بل رجل يُلقي بكِ في الهاوية بابتسامة:

– "أنا لم أجبرك على تقبيلي، أليس كذلك؟

أنتِ من فعل ذلك."

ثم نظر في عينيها، كأنّه يخترق دفاعاتها واحدًا تلو الآخر.

– "وحان وقت دفع الثمن، آنسة روكسان.

لا أحد يرتكب خطأً… ولا يندم عليه."

🎬🎬🎬🎬🎬🎬🎬🎬🎬🎬🎬🎬🎬🎬🎬🎬🎬🎬🎬🎬🎬🎬🎬🎬🎬🎬🎬🎬

هاي

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ســيــدتــي __ 𝓜𝔂 𝓛𝓪𝓭𝔂

المؤلف x_mariana_1
2025/07/24 مستمرة
قائمة الفصول (5)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة