موطنُ الخيال

موطنُ الخيال

24 0

رأيتُه ، رأيتُه من جديد ، رأيتُه كما عهدتُه طوالَ سنواتِ رفقتنا ، يضعُ سمّاعاتِه و يبتسمُ لي على عجلة ، أمامَ بوّابةِ المدرسةِ حيثُ كُنّا نتودّعُ كلَّ يومٍ و نفترق ، و لسوءِ حظّي ، كانَتِ الرّؤيا في رأسي ، حُلماً عابراً لا صلةَ له بأحداثِ حياتي.

فتحتُ عينيّ ببطء ، علّي لا أفقدُ هالةَ الحُلمِ الورديّ في خوضِ واقعٍ أسود ، علّي لا أفقدُه ، علّي أعاودُ مشاهدتَه مرّةً بعدَ مرّة ، و لا أستيقظ أبداً ، أبداً أبداً.

تحرّكتُ قليلاً أستكشفُ موقعي من بعدِ ما يئست ، لمحتُ ساعتي الرّقميّةَ تضيءُ بجانبِ رأسي ، السّاعةُ الخامسةُ فجراً الآن ، و أنا مرتميةٌ فوق الأريكةِ في صالةِ البيت ، غافيةٌ منذُ ساعاتٍ قليلةٍ غيرِ مريحةٍ و لا بأيّ شكل ، و فقط لئلّا أظلَّ مع خالتي الصّغرى في مكانٍ واحد ، هذه المرأةُ مُختلّة ، تجعلُني أتساءلُ في كلِّ يومٍ عمّا إذا كنتُ أحقدُ على البشريّةِ أو على حياتي أو عليها ، أو أكرهُ وجودي بقربها فحسب ، و ما من إجابة ، أرجو أن ، حسنٌ لن أرجو ، هذا يكفي.

نهضتُ رويداً ، و جئتُ بحاسوبي المحمولِ الموضوعِ إلى قربي ، بحثتُ عن مسوّدةِ البريدِ الإلكترونيّ التّي كتبتُها مساءَ البارحةِ للشّركة ، رسالةُ اعتذارٍ و إذنٍ و طلبِ إجازةٍ جديدة ، نسختُها ، أرفقتُ معها معلوماتي و نشرةَ الطّقسِ و نسخةً عن إجازتي الماضيةِ و قرارِ الحكومة ، لئلّا يجدَ المديرُ أيّ منفذ ، ثمَّ أرسلتُها ، ممتاز ، أصبحَ في إمكاني النّومُ بسلام.

و لكن ، يبدو أنّني لن أفعل.

مررتُ على غرفةِ النّومِ المشتركة ، سحبتُ منها ملابسي بسريّةٍ تامّة ، اعتماداً على تصاعدِ وتيرةِ الغمغمة ، ثمَّ تسلّلتُ بسرعةٍ إلى الحمّام ، اغتسلتُ على استعجالٍ بالماءِ قارسِ البرودة ، ارتديتُ ملابسَ الخروج ، و غادرتُ البيتَ لأتابعَ انبعاثاتِ الصّبحِ في مكانٍ ما ، وحيدة ، تماماً كما كنتُ طوال حياتي.

هدأتِ العاصفةُ منذُ ساعات ، لكنَّ الجوَّ على العكسِ منها ، لم يهدأ على الإطلاق ، فتارةً ما يكونُ صاقعَ البرودة ، و تارةً ما ينحازُ إلى الدّفء ، لا أحدَ يدري كيف و لماذا.

لا تُهِمُّ هذه الأمور ، المُهِمُّ أنّ الحكومةَ لم تسمح بالرّحلات ، و لن تفعلَ قبلَ أسبوعٍ حسبَ الإعلانِ الرّسميّ ، لذلك ، سأرتمي مجدّداً في موطنِ التّعاسةِ هذا ، سأظلُّ مدفونةً فيه طوالَ العطلة ، أرجو ألّا أظلَّ إلى الأبد.

مررتُ بين المنازلِ القريبة ، توغّلتُ في القريةِ إلى وسطِها ، و رحتُ أبحث ، بغيرِ أن أدرك ، عن بيتِ ليام ، أذكرُ أنَّه كانَ في هذا الشّارع ، فقَدْ صدفتُه ذاتَ صباحٍ هنا ، و مشيتُ معه إلى المدرسة ؛

كنتُ بصحبةِ ماي الأُولى على صفِّنا في ذلك اليوم ، و صديقاتها اللّائي يكرهنني ، أو ربّما لا يحبّونني ، ماي تعرفُه ، تعرفُ ليام جيّداً ، سمعتُ أنَّها ارتادَتْ معه ذاتَ الكليّة ، و كانَتْ في مجموعةِ أصدقائه ، و لم أجرؤ على سؤالها عن الأمر ، ثمَّ مرّتِ السّنون ، و لم أعد أقابلُ أيَّهما.

ليته يظهرُ من جديد ، لن أتجاهلَه كي أبعدَ عنّي الشّبهاتِ كما فعلتُ في ذلك الصّبحِ البعيد ، سوف أقتربُ منه ، سوف أسلّمُ عليه و أعرّفُ بنفسي ، هذا ليس خاطئاً ، فهذا ما يفعلُه الرّفقةُ دائماً ، أولم يكن صديقاً لي؟ فما الذّي سوف يختلفُ اليوم؟

توغّلتُ في الشّارع ، بحثتُ عنه في الشّرفاتِ و أمام الأبواب ، لم أجد إلّا خيالاتي المتناثرةَ هنا و هناك ، لم أجد إلّا مواطنَ شوقي و محبّتي و دفءَ ذاكرتي ، وجدتُ كذلك الخيبة ، المُسطّرةَ في كلِّ صفحةٍ من صفحاتِ مذكّراتي ، أو المعنونةَ لها بمعنىً أدقّ.

توقّفتُ عند أحدِ الأبواب ، هذا البابُ مميّز ، مميّزٌ بطريقةٍ ما و كأنّني أعرفُ ساكنيه ، و كأنّ العمرَ قَدْ حطَّ عنده من ذي قبل ، و عادَ يحطُّ من جديدٍ اليوم ، فما تراه يخفي؟

تحرّكَ البابُ بغتةً ، فاستعجلتُ التّحرّكَ لئلّا يستهجنَ أمري الخارجُ منه ، مشيتُ و مشيت ، ثمَّ اختبأتُ في مدخلِ بناءٍ آخرَ مفتوحِ الباب ، و استرقتُ النّظرَ إلى موقفي المتروكِ عنوةً ، كانَ الواقفُ فيه رجلاً غريباً لا أعرفُه ؛ ما به قلبي ينبضُ بعنف؟ أمن التّوتّر؟ أم لحسباني بأنّني سأرى ليام فعلاً؟

أهذا موطنُه؟ أم أنَّه موطنُ خيالاتي و أوهامي؟ ما المميّزُ فيه إلى حدِّ خلقَ فيَّ شعوراً ، شعوراً حقيقيّاً تماماً ، و على الرَّغمِ من أنّ دواخلي لا ترحّبُ بهذا النّوعَ من التّحوّلات؟

خرجتُ مهمومة ، أداري اضطرابي ، و أتلفّتُ ذاتَ اليمينِ و ذاتَ الشّمال ، تخيّلتُه يخرجُ من أحدِ الأبواب ، يقفُ ، و يبتسمُ لي ، يبتسمُ كما كانَ يفعلُ في أيّامِ الثّانويّة ، ابتسامةً رقيقةً بريئة ، يشردُ في أثناءِ إظهارِها ، تلمعُ عيناه ، و تثبتان في محاجرهما ، تثبتان و تبرقان ، أمام وجهي أنا..

لم ينظر إليّ أحدٌ بذاتِ الطّريقةِ على الإطلاق ، لا قبلَكَ و لا بعدَك ، و لم أقدّر نظراتِكَ في وقتِها على أحسنِ ما يجب.. لم أفهمها و لم أحلّلها.. يا إلهي.. يا إلهي كم أشتاقُ إلينا..

هل ستعودُ و تنظرُ إليّ بذاتِ الطّريقةِ إذا ما التقينا من جديد؟ لم تفعل ، لم تنظر إليّ أبداً و برغمِ أنّكَ خاطبتني..

لماذا لم تنظر؟ هل خسرتُكَ بفعائلي؟ هل خسرتُكَ بغبائي؟ كنتَ تخبرُني دائماً بأنّني الأغبى ، ألا تمرّرُ لي تصرّفاتي طالما كنتَ تعرف؟

لا يُهِمّ ، فليام الذّي في ذاكرتي ، لم ينظر بعدُ إلى غيري ، لم ينظر إلى أحد ، أُحِبُّه هو ، أنتَ لا أعرفُك..

تلفّتُّ حولي من جديد ، ألتحفُ دفءَ الذّكرياتِ و حرارةَ النّدم ، أتلفّتُ في موطنِه ، هذا موطنُ ليام ابن الذّاكرة ، هذا الموطنُ الذّي ننتمي إليه ، و لو ما عادَ و أحيا نفسه ، لو ظلَّ مدفوناً هنالك.. و لو دفنني هنالك برفقتِه.. و حتّى لو كنتُ أكذبُ على نفسي ، لا بأس..

________

حُرِّرَ في ليلةِ الأوّلِ من شباطَ عامَ ألفين و أربعٍ و عشرين

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فيلموجرافيا

المؤلف دلع☆⁩
2025/08/28 مكتملة
قائمة الفصول (14)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة