العائلةُ لا تتعاضدُ كما يصوّرونها في الأفلام ، العائلةُ تتشاركُ لحظاتٍ معيّنةً كما فُرِضَ عليها أن تفعل ، تتشاركُ بضعةَ مشاعرَ سخيفةٍ متعلّقةٍ بالموقفِ و تعملُ بموجبها ، عائلةُ والدتي هكذا على الأقلّ.
لم أبدّل ملابس الخروج ، بأمرٍ غيرِ مباشرَ من خالتي العُظمى ، و ظللتُ في المطبخِ مع أُمّي و جدّتي ، أنتظرُ السّيّدَ جوناثان ابنَ الدّوقةِ كي يشرّفنا بزيارته ، حسنٌ ، أنا لا أسخرُ منه الآن ، بل أسخرُ من والدته و ما تفرضُه من طقوسٍ علينا ؛ سألَتْ جدّتي إعدادَ خمسةِ أطباقٍ متنوّعة ، و جدّي أرسلته إلى السّوقِ كي يتبضّعَ للحبيبِ هدايا و تذكارات ، و البقيّةُ أمرتهم بالتّرتيبِ و الكناسة ، و جلسَتْ تحيكُ له وشاحاً من الصّوفِ إلى قربِ المدفأة ، وصلَ بها الحالُ إلى أن ترجّتنا كي نتحلّى بأقصى درجاتِ اللّطفِ في تعاملِنا معه لئلّا ينفرَ منّا ، و لكي يكرّرَ زياراتِه الطّوعيّةَ دائماً ؛ أرجو أن يمرَّ هذا اليومُ على خير.
نضجَ الغداءُ منذُ برهة ، و منذُ برهة ، باتَتْ خالتي تروحُ و تجيءُ في الممرّاتِ و تأمرُنا بأن نخرجَ و نبحثَ عن أميرِها ، لم يخطر في بالها أنّ جدّي لم يعد كذلك بعد ، و أنَّ إحدانا ، على الأكيد ، لن تخرجَ في هذا الجوِّ لتبحثَ عن رجلٍ بالغٍ في فمه لسانٌ و في جيبِه هاتفٌ نقّال.
صحيح ، كيف سيصلُ إلى القريةِ و وسائطُ التّنقّلِ جميعُها محظورة؟ أيُعقَلُ أنَّه يكذب؟ لماذا سيفعل؟ ما الفائدةُ من خبرٍ كهذا بعدَ سنواتِ غيابٍ لا أدركُ عددها؟
جلستُ جانباً أخاطبُ نفسي ، و فكّرتُ في حالي أنا أيضاً ، ماذا لو بلغَني أنَّ ليام قادمٌ أيضاً ، و لم يأتِ ، على ذاتِ النّحوِ بالضّبط ، لن يكونَ الأمرُ سيّئاً إلى هذا الحدِّ بصراحة ، سوف أجدُها حجّةً ملائمةً لأتخيّلَه في الأرجاء ، و سوف أبني حياةً كاملةً سعيدةً لبنُها كذبةٌ صغيرة ، لن يعتذرَ لاختلاقها ، فهو لن يجدَ فيها ، كما لن أفعل ، أيَّ سوء ، مجرّدُ كذبةٍ ستجعلُني أعيشُ سعادةً مُؤقّتة ، سعادةَ توقّعِ حضورِه في أيّ وقتٍ و انتظارِه طوالَ الوقت ، لن أمانعها ، سأسرُّ لوجودِها حتّى يومَ تندثر.
و في لحظةٍ ما من لحظاتِ هذا النّهارِ العجيب ، رنَّ الجرس ، و أحلَّ السّكونَ و الصّدمةَ على كلِّ من في البيت ، لم ينتبه قبيلَ الصّوتِ أحد ، بما فيهم أنا ، إلى حقيقةِ أنّنا متشوّقون لرؤيةِ جوناثان ، كيفما كانَ شكلُه ، كيفما أصبحت عيناه البنيّتان ، و كيفما أصبحت طباعُه ، نحنُ جميعاً راغبون في رؤيتِه ، و متحمّسون لأجلِ ضمِّه إلى اجتماعنا التّعيسِ الصّغير ، إلى العائلةِ من جديد.
وقفتُ في الممرّ ، مثلي مثلُ أُمّي و جدّتي ، راقبنا خالتي تتوجّهُ بحبورٍ نحوَ الباب ، تتنفّسُ و تصلّي بصوتٍ عالٍ ، و تضطربُ في صياغةِ الاثنين ، فلا يفهمُ لها كلامٌ أو علّة.
فتحتِ البابَ أخيراً ، و ظهرَ من ورائه شابٌّ فارعُ الطّولِ نحيلُ القوام ، شعره كستنائيٌّ مسترسلٌ و طويلٌ إلى حدٍّ ما ، ترافقُ حضورَه الأضواءُ الحقيقيّةُ منها و الخياليّة ، فلا نرى وجهَه بإمعانٍ في عتمةِ البيت
_"أُمّي"
خاطبَ خالتي ، بعفويّةٍ تفيضُ عن خجله المفرط ، لا أخالُه خجولاً ، لا أدري لماذا.
أدخلتْه خالتي بسرعة ، و ارتمَتْ عليه تحتضنُه و تستنشقُ عطرَه ، لم ترَه منذُ وقتٍ طويل ، مُذْ كانَ عودُه غضّاً ناعماً ، مُذْ كانَ لا يدركُ من البابِ نصفه ، و ها هو الآن ، يملؤه ، و لو كانَ في خيالي فقط.
لا أظنُّه كانَ غائباً عن ذاكرةِ خالتي ، و لا أظنّ ، بالمثل ، أنَّها غابَتْ عن ذاكرته في يومٍ من الأيّام ، كلاهما ما كانَ غائباً ، كمثلك يا ليام ، لم تغب عن حياتي ، لقَدْ كنتَ و في غيابك ، حاضراً دوماً ، أرجو أن أراكَ في القريبِ العاجل.
شهقتُ بسريّةٍ تامّة ، و احتجزتُ في صدري نفساً عميقاً شبهَ متخوّف ، رأيتُ خالتي الصُّغرى أيضاً ، تقفُ بالبابِ و ترمقُ الحضنَ العائليّ الصّغير ، ثمَّ تلوّنُ قناعاً لطيفاً ، تصطنعُه لتغطّي على سوادِ حقدِها ، و تلاقي الشّابَّ الذّي بدأتْ أستارُ وهمِ الرّجولةِ تسدلُ عنه ، و يعود ، هنالك في الحضنِ الذّي كوّنه و منحَه ما هو عليه الآن ، طفلاً صغيراً ، يبكي ، و يخشى أن تفلته والدتُه دون أن يشبعَ من تحنانها.
مرَّ الوقتُ بعذوبةٍ مُعيّنة ، عذوبةِ المشاعرِ الصّادقةِ السّاطعةِ من حيث يقفان ، أنهَتْ كلَّ هذه الأحلامِ المُختلّةُ الوحيدة ، و ذهبَتْ تقطعُ العناقَ بحجّةِ رغبةِ الجميعِ في ملاقاةِ جوناثان من جديد ، تقولُ دائماً أنّها ربَّتْه كأمّه ، و ضاقَ بها العالمُ لفراقِه ، أكثرَ ممّا ضاقَ بوالدتِه ، لا أظنُّها ذاتها تصدّقُ هذه التّرّهات ، أتفعل؟
دخلَ جوناثان بسلاسة ، و سلّمَ على كلِّ واحدةٍ منّا بصوتٍ راكنٍ ناضج ، شدّته جدّتي إلى حضنها ، كذلك فعلَتْ والدتي ، و اقتربَ بكلِّ سرور ، إلى أن جاءَ دوري ، كنتُ لا زلتُ أتتبّعُ تغيّرَ ملامحه ، أظهرَ ابتسامةً جانبيّةً شبهَ متفاجئة ، و ضغطَ على كفِّ يدي عندما صافحَني ، كانَ يقصدُ تذكيري بنفسه ، و يا إلهي ، تذكّرتُ شيئاً عنه ، طالما كانَ مُزعجاً ، أكثرَ ممّا كانَ ليام عندما أخذَ هاتفي و غيّرَ الخلفيّةَ إلى صورتِه كي يري الصّفَّ أنّني من فعلتُ ذلك ، و أكثرَ ممّا كنتُ أنا عندما أعطيتُ رقمَه للبنتِ المُعجبةِ به كي تزعجَه ، جوناثان يتخطّى كلَّ هذه الأمورِ التّافهة ، إلى حدِّ كنتُ لا أجرؤ على مخالفتِه في طفولتي ، لم يكن هنالك طفلٌ في القريةِ يفعل ، كانَ زعيمَنا الكبير ، و كانَ يعاقبُ بشدّة
لقَدْ كنّا أطفالاً على أيّةِ حال ، لا أظنُّه ما يزالُ يحوزُ هكذا أفكار ، أيفعل؟
_"كيف حالُكِ يا حلوة؟"
حسنٌ ، هذا أكثرُ غرابةً بكثيرٍ من الإزعاج..
لم يلحظ ما قالَ أحد ، فقد اضمحلَّ ما بين التّهاني و تعابيرِ الاشتياق ، و عادَ نعتُه هذا إلى مكانتِه الواقعيّة ، بلا أيّةِ قيمة ، كلمةٌ هوائيّة ، لم تصفني بغيرِ هذا اللّسان ، حتّى لو كانَتْ مجاملة..
ليتكَ هنا يا ليام ، ليتكَ تسمع ما لم توجّهه لي في حياتك ، ليتكَ ترى كم هي الكلمةُ فارغةٌ عندما لا تلفظُها عيونُكَ اللّمّاعة.. اشتقتُ إليك.. أفلا تقبلُ أنتَ أيضاً؟
يا أيُّها الحاضرُ في غيابك؟
__________
حُرِّرَ في ليلةِ الثّاني من شباطَ عامَ ألفين و أربعٍ و عشرين
بعضُ أفكارِ الفصلِ مستوحاةٌ من فهمِ الكاتبةِ الخاصِّ لأغنيةِ فيروز "تعا و لا تجي"
دلع☆