تداعَتْ أحلامي تباعاً في هذا البيت ، أرى جدرانَه الصّفراءَ تستهلكُ طاقتي و أيّامَ عمري واحداً تلو الآخر ، تستهلكُ شبابي و حلاوةَ روحي ، تستهلكُني أنا ، تستهلكُ شخصيّتي و سعادتي ، و أقفُ أنا أتابعها ، لا أحرّكُ ساكناً.
أجلسُ أحياناً أمام إحدى نوافذِ البيتِ العتيق ، أتابعُ الشّمسَ و النّاسَ المترامين في دفئها هنا و هناك ، و أفكّر ، هل أنا الوحيدةُ التّعيسة؟ ألا يجرّبُ غيري هذه المرارة؟ لماذا؟ ألأنّ لي أهلاً أنانيين لا يرون إلّا رغباتهم؟ ألأنّني لم أعد أحظى بالحُبِّ من بعدِ رحيلِ والدي؟ ألأنّني أنمو بعكسِ الشّمس؟ أنمو إلى العتمةِ و لا أفرُّ من تبعاتها؟
لا أدرك ، حتّى الشّابُّ الوحيدُ الذّي اهتمَّ بي في يومٍ اضمحلَّ تواجدُه ، غادرَني ، و عندما لاقتنا الظّروفُ تجاهلَني ، أكادُ أختنق ، أكادُ أُجَنّ أيضاً ، و لا أستطيعُ أن أشكو ، ما من أحدٍ أشكو إليه تعبي و تلفي و قلّةَ حيلتي ، و عندما أفتحُ فمي ، تُسلّطُ عليّ فوّهاتُ الأسلحة ، من الاستخفافِ إلى الاتّهاماتِ و الشّتم ، إلى أين أذهبُ يا اللّٰه ، أخبرني أرجوك ، إنّني عاجزةٌ و قَدْ ضاقَتْ بي كلُّ الأماكن..
أفقتُ في وقتٍ متأخّر ، كانَ البيتُ يعجُّ بالأصواتِ و رائحةِ النّزاعات ، صوتُ جدّي غيرُ واضح ، إذاً فخالتي الصّغرى ، و على العادة ، قَدْ وجدَتْ فرصةً لتضعَ عنها قناعَ اللّطفِ و المسكنة ، و أبانَتِ السّوادَ الذّي ، و مع أسفي ، لا يراه إلّا ضحايا سُمِّه القاتل ، لم يره غيري ، و لم يداوِني أحدٌ و لم يعترف بإصابتي أحد ، ظلَّ هذا السّمُّ يأكلُني من الدّاخل ، بصمت ، حتّى متُّ و أنا على قيدِ الحياة.
نهضتُ بعدَ عدّةِ مناقشاتٍ فارغةٍ مع نفسي ، و توجّهتُ نحو بابِ الغرفة ، استرقتُ السّمعَ إليهم ، كانوا يتحدّثون في أمرٍ ما ، في صالةِ البيت ، و قَدْ تصاعدَتْ وتيرةُ الحديثِ كثيراً ، إلى حدِّ لم أعد أرغبُ في سماعهم ، لقَدْ تعبت ، تعبتُ و أنهكت ، تعبتُ تعبتُ تعبت.. لم أعد قادرةً على احتمالِ شيءٍ بعد..
ماذا تقول؟ نعم ، تقولُ على الأكيدِ أنّها المظلومةُ الوحيدةُ على وجهِ الأرض ، و أنّنا بسببِ أعمالها _الخيريّة_ قَدْ صرنا ما نحنُ عليه اليوم ، و لولاها لمتنا منذُ عقود ، لمتنا جوعاً و برداً ، و كلُّ ما فعلته ، و بحسبِ ذاكرتي ، أنّها ، براتبها و تعبها غير الموجودِ في أرضِ والديها ، دفعَتْ في البيتِ ما ندفعُه جميعاً ، و لكن أنا ، أنا لم أكن أدفع قبلما وُظّفت ، و اضطرَّتْ للتّصدّقِ عليّ في عدّةِ مرّاتٍ كي يتسنّى لي إكمالُ دراستي ، تقولُ أنّني ناكرة ، و هذا ليس دقيقاً تماماً ، هي تكرهني فحسب ، تكرهني كثيراً ، و هذا واضحٌ للجميع ، عدا أُمّي و جدّيّ ، لقَدْ تعبتُ يا ربّي.
فتحتُ البابَ أخيراً و خرجت ، لقيتُ جوناثان واقفاً في الممرّ ، ممتعضاً إلى حدٍّ ما ، و والدتُه تمسحُ على كتفه ، أخشى أنّ سمّ الأفعى الصّفراء قَدْ طالَه أيضاً ، أخشى ذلك.
توجّهتُ إليهما ، و هنالك ، بلغتني أصداءُ الكلمات ، بلغني حسبانها لكلِّ حركاتي ، بلغني لؤمها المعتاد ، بلغتني سخريتها من شكلي و أسلوبي و تخصّصي و حياتي ، بلغني كلّ هذا ، كلُّ كلامها السّابقِ عادَ يُغرَسُ في صدري ، و بسبب كلمةٍ واحدةٍ فقط ، تلك النّاكرة ، هذا ما قالته ، بدايةً..
_"هيّا بنا"
كلّمَني جوناثان ، بغتةً ، و راحَ يدفعُني نحو غرفةِ النّومِ من جديد ، متجاهلاً نداءاتِ أُمّه الخافتة ، كانَ يعلم ، يعلمُ بغيرِ أن أحكي ، و لمجرّدِ تواجدِه في مجرى الحدثِ اليوم ، كم أنَّ طاقتي قَدْ أُريقَتْ في محاولاتي للدّفاعِ عن كرامتي و شخصيّتي و نفسي ، عن شعوري ، الذّي تميتُه هذه الحيزبونُ يوماً بعد يوم..
و يقولون اصبري ، علامَ؟ على عمري الضّائعِ في متاهاتٍ لا طعمَ لها؟ على الأذيّةِ التّي أشاهدها و غيري قادرٌ على ردِّها؟ على ضياعي في أمكنةٍ لا يفهمني فيها أحد؟ أم على ضعفي؟ كم سأصبرُ بعد؟ أخبرني يا ربّ ، أنجدني يا ربّي
_"بدّلي ملابسك ، سنخرج"
_"إلى أين؟"
_"لا تناقشي ، بسرعة"
دفعَني من جديد ، و أغلقَ البابَ من بعدي ، لم أعرف ما أفعل ، لذلك و بلا أيِّ تردّد ، نفّذتُ ما أرادَ ، ارتديتُ ملابسي و سرّحتُ شعري ، ثمَّ خرجتُ أمامه إلى الحمّامِ و غسلتُ وجهي و أسناني ، لم أتباطأ على الإطلاق ، و لم أناقش نفسي في شيء ، أقدمتُ على كلِّ هذا ، ثمَّ ندهتُ عليه.
بدا وجهُه غريباً ، بدا جامداً ليس فيه شيءٌ ممّا رأيتُه من قبل ، و يمكنُ أن أبصرَ في قلبِ كلِّ هذا الجمود ، غضباً ، و بغضاً ربّما..
خرجنا من البيت ، خرجنا دون إذنِ أحد ، خرجنا و النّقاشاتُ تتصعّدُ و تزدادُ حدّةً ، خرجنا من قبرِ الأحلامِ ذلك ، خرجنا.
أرشدَني جوناثان إلى سيّارتِه المركونةِ أمام سورِ البيت ، و قادَني إليها دون أن ينطق ، أردتُ استيقافَه ، أردتُ أن أشرحَ له ، أن أخبرَه من أنا قبلَ أن أخسرَه هو الآخر ، أردتُ أن أدحضَ كلَّ الافتراءاتِ التّي قيلَتْ أمامه في حقّي ، أردتُ أن..
_"جوناثان"
وقفَ مع النّداء ، تماماً عند السّور ، و التفتَ نحوي بوجهٍ ، لنقل أنَّه قَدْ تخلّى عن الغضبِ إلى حدٍّ ما ، و أنا ، أنا أضعتُ أنا من ثمّ مفاتيحَ اللّغة ، أين سأبدأ و ماذا سأقول ، أتراه سيصدّقني؟
_"أنا.. أنا لستُ كما تقول.. لستُ سيّئة.."
تلعثمتُ في كلامي ، و اجتاحتني رغبةُ البكاءِ حتّى بدأ جسدي يرتجف ، شدّني ابن خالتي من ثمّ ، و لفّني بذراعيه ، لفّني بالدّفءِ و المحبّةِ و الأُلفة ، لفّني بكلِّ ما افتقرتُ إليه خلال سنواتِ عيشي ها هنا ، لقَدْ علم ، بلغَ الحلّ دون أن يعلمَه أحد ، بلغَ الحلَّ الذّي لم يبحث غيرُه عنه ، لم يطالبني بالصّبر ، لم يستهون آلامي و جراحي.. شكراً جوناثان.. شكراً لك..
_"أعلم ، لا تبكي ماري ، لا أحدَ سيؤذيكِ بعدَ الآن"
همسَ لي ، همسةً سكنَتْ قلبي و أسكنَتْ إليه السّكينةَ و الطّمأنينة ، جوناثان ليس أبي ، و ليس ليام ، لكنَّه فعلَ كلّ شيءٍ حلمتُ أن يفعلَه الاثنان في عزِّ تعبي و مشكلاتي.
مسحَ على شعري بهدوء ، ثمَّ أشارَ إلى السّيّارةِ كي نصعدَ فيها ، همسَ لي من جديد ، لم أفهم كثيراً ما قالَ ، سمعتُ لفظَ رحلة ، و حسناً ، ستكونُ هذه أوّلَ و أجملَ رحلةٍ سأخوضُها في عمري.
وضعتُ يدي في جيبي ، أتحقّقُ من هاتفي ، لم أجده ، يبدو أنّني نسيتُه في الدّاخل ، و مع الأسف ، لا أستطيعُ المغادرةَ بلا أن أنتشله من هنالك..
_"سأحضرُ هاتفي ، دقيقة"
_"أنتظرُكِ"
أسرعتُ الحذوَ إلى البيت ، سمعتُ تلك المجنونَ ما تزالُ تحاولُ إيجادَ أهميّتها في هذه الجدالاتِ غيرِ المُجدية ، أحضرتُ هاتفي من غرفةِ النّوم ، و ركضتُ نحو الباب ، اعترضت طريقي خالتي الكبيرة ، تماماً عند المخرج ، و سألتني أن أقفَ و أكلّمها للحظة ، و قلتُ نعم ، ماذا سأقولُ مثلاً؟
_"جوناثان.. تعرفين.. لا أريدُ أن يكرهَ المكانَ هنا فلا يأتي من جديد.. أخبريه أنّها صدفة.."
وقفتُ أتابعُها ، أتابعُ أنانيّتها المفرطةَ التّي بدأت تبلغُ الشّخصَ الوحيدَ الذّي أرادَ سماعي و فهمي ، هي حتّى لم تفكّر فيه ، لم تفكّر في كمِّ التّعاسةِ التّي سيلاقيها هنا ، يا إلهي.
اقتربتُ من البابِ ريثما تابعَتْ حديثها الهوائيّ الفارغ ، فتحتُه و استرقتُ النّظرَ إلى جوناثان البعيد ، ليس له ذنبٌ في كلِّ ما يحدث ، لكنَّه اختارَ الوقوفَ معي ، أليس خيراً من كلِّ أهلي؟ هذا الذّي غيّبته عنّي السّنون؟
أمعنتُ النّظرَ قليلاً ، و إذ بي ألمحُ خيالاً آخرَ إلى قربِ العزيز ، خيالَ أحلامٍ طويلةٍ غائرةٍ و بادية ، أحلامِ عمرٍ طويلٍ جدّاً..
خيالَ ليام..
شابٍّ متوسّطِ الطّولِ ممتلئ الجسد ، أسود الشّعر ، و أبيض الوجه ، يضحكُ ، تلمعُ ضحكتُه من كلِّ هذا البعد ، تلمعُ في ليلاتي أشدِّها حلكةً ، يا إلهي ، يا إلهي أكادُ أقع..
حاولتُ تحريكَ ساقيّ عبثاً ، شُلَّ جسدي ما بين احتمالاتِ الحراكِ و الغرقِ في سحرِ اللّحظة ، و عندما تحكّمتُ فيه ، بدأ ليام رحلته الجديدةَ بعيداً من هنا..
فتحتُ البابَ سريعاً ، و لمّا بلغتُ الدّربَ أوّله ، عرفتُ أنّني أضعفُ بألفِ مرّةٍ من أن أقدرَ على الحراك ، أضعفُ بألفِ مرّةٍ من أن أواجهَ ليام الآن..
قلبي يخفقُ بقوّة ، يطرقُ بشدّةٍ تتزايدُ في عمقِ صدري ، أشعرُ بأنّ الوقتَ قَدْ توقّف ، توقّف بنا ، هو يرحلُ و يشدُّ ظلالَ أحلامي وراءَه ، و أنا ، أنا أشاهدهم يغادرون..
دون حراك..
_____________
حُرِّرَ في ليلةِ السّادسِ و العشرين من شباطَ عامَ ألفين و أربعٍ و عشرين
هذا الفصلُ لم يُخطَّط لتواجده ، و لم يُكتَب في وقتِ كتابةِ بقيّةِ الفصول ، و إنّما أضيفَ فيما بعدُ بحسبِ ما ارتأت الكاتبة
دلع☆