انتهَتْ أيّامُ زيارةِ جوناثان في غمضةِ عين ، و غادرَ العزيزُ بأنسِه و الأُخوّةِ التّي حُرِمتُ منها سنيناً ، ثمَّ تبعتها إجازتي ، و صارَ يجبُ أن أعودَ ، و بأقصى سرعة ، إلى عملي المقيتِ في مدينةِ الأشباحِ تلك ، و إلّا سينالُ أحدُ المُوظّفين نصيبي من غضبِ المُدير ، أو سيراكمُه لي ، أعرفُ كم يُحِبُّ التّأنيب.
ودّعتُ أُمّي و جدّيّ ، بطيبِ نيّةٍ في هذه المرّة ، حملتُ حقيبتي ، و جررتُ قدميّ إلى الخارجِ بغيرِ رغبة ، كعندما كنتُ أخرجُ إلى الحضانةِ في طفولتي.
لا يمكنُ الاحتفاظُ بالأيّامِ الحلوة ، و لا يمكنُ تفادي أقبحها ، كلُّها تولّدُ ذكرياتٍ متفرّقةً مجتمعة ، فيلموجرافيا أنتَ المخرجُ و أحدُ الأبطالِ فيها ، و في لحظةِ تنظرُ إليها من بعيد ، ستجدُ أنّ لها جماليّةً ما وُجِدَتْ و لن تُوجَدَ في غيرِها ، أؤمنُ بهذا ، أوقنُ به ، حتّى لو شككتُ به ، سيظلُّ حقيقةً قابلةً للنّقاش ، و واقعةً قاطعةً في مناسباتٍ أُخرى.
مشيتُ في الطّريق ، غيرِ العاصفِ في هذه المرّة ، و تابعتُ الأشجارَ و العصافيرَ و المارّة ، الهواءُ قارسٌ و الشّمسُ ساطعةٌ مسلّطةُ الأشعّة ، جوٌّ مُمرِضٌ من الدّرجةِ الأُولى ، و جميلٌ أيضاً.
الكلبُ نائمٌ بسلامٍ أمام البوّابة ، و صاحبُه يعملُ في الجهةِ الأُخرى ، يدقُّ أحدَ المساميرِ بتأنٍّ شديدٍ لئلّا يزعجَه ، و أحدُ الأطفالِ واقفٌ يراقب ، يراقبُ صوتَ الكلبِ المُميّزَ في الشّخيرِ و التّنغيم ، مشهدٌ ظريفٌ آخر.
وصلتُ أخيراً إلى موقفِ الحافلة ، كنتُ أتمنّى في أعماقي لو أرى ليام جالساً من جديد ، سيختلفُ ردُّ فعلي أقسمُ بذلك ، لكنَّه لم يكن ، كانَ المقعدُ الشّاغرُ قادراً على استثارةِ أحزاني الدّفينة ، و قادراً على إحياءِ خيباتي أكبرها ، واحدةً تلو الأُخرى ؛ ليام كانَ البطلَ في الفيلموجرافيا الأعزِّ خاصّتي ، كانَ من بدأ صياغتَها و من أعادَ إحياءها من جديد ، بغيرِ أن يحضر حقَّ الحضورِ فيها ، بطلٌ فريدٌ قادمٌ من الذّاكرة ، و ساكنٌ في الخيالِ و إليه ، أحنُّ إليه ، أحنُّ إلى مشاعرِه الرّقيقةِ التّي ما استطاعَ في يومٍ إخفاءها برغمِ أنَّه حاول ، أحنُّ إلى صوته الجميل ، إلى عينيه الحلوتين الغاليتين ، عينيه ، لوحة الطّبيعةِ الأغلى ، المعروضةِ بكاملِ ألوانها و مشاعرها عليّ أنا فقط ، على روحي المنهكةِ المتعبة ، المُضمّدةِ باهتمامه النّفيسِ و بكلماته البسيطةِ مكمونةِ المقاصد ، أُحِبُّكَ يا ليام ، و سوف أظلُّ أذكرُكَ حتّى آخرِ يومٍ في حياتي.. سأظلُّ أُحِبُّكَ كيفما كانَتِ الظّروف ، حُبّاً صادقاً و رقيقاً ، أقصدُه و أعنيه و لا أحتوي غيره.
تنهّدتُ أتفاعلُ مع نفسي ، ثمَّ ارتميتُ على المقعدِ ريثما تحضرُ الحافلةُ و تأخذُني من هنا ، ربّما كانَ يجبُ أن أقبلَ عرضَ جوناثان و أرافقَه بسيّارته منذُ أيّام ، لكن لا بأس ، كلُّ الخياراتِ طالما كانَتْ ممكنة ، فهي جيّدة
_"مرحباً"
نهضتُ مع رنينِ السّلامِ في أذني ، و رددتُه لصاحبته بالرّغمِ من استغرابي ، هذه إيانا الفتاةُ المتفائلة ، التّي ما عدتُ أراها منذُ وقت ، و سمعتُ مجرّدَ السّمعِ منذُ يومين ، أنّها مع تيري الآن ، أتمنّى لهما التّوفيق.
كلُّهم عادوا يا ليام ، إلّا أنت.
أفسحتُ لها المجالَ كي تجلس ، كانَتْ تبتسمُ بحياء ، على عادتها ، و تنظرُ في الأرض ، ترغبُ في سؤالي عن حالي ، لكنّها لا تعرفُ كيف تبدأ ، ما تزالُ كما تركتُها ، لم يتغيّر فيها شيء ، و أظنُّ تيري ما يزالُ كما كانَ أيضاً ، مهتمّاً بها ، كيفما كانَتِ الأوضاع ، أنا فعلاً أتمنّى لهما كلَّ الخير ، فكلاهما يستحقّه
_"كيف حالُكِ إيانا؟ مرّ وقتٌ طويل"
_"بخير.. و أنتِ؟"
_"بخيرٍ أيضاً ، أعملُ لا زلتُ في الشّركةِ ذاتها"
_"و أنا بتُّ أعملُ أيضاً في المدينة"
_"رائع!"
وصلَتِ الحافلةُ و نحنُ نتحدّثُ عن العملِ و الاختصاصاتِ و ما إلى ذلك ، أجّلنا حديثنا للرّحلةِ الطّويلةِ من ثمّ ، و توجّهنا نحو الحافلة ، استدرتُ في تلك اللّحظةِ نحو المقعد ، و كأنّ ليام ما يزالُ هنالك منذُ الأسبوعِ الماضي ، يلفُّ وشاحَه حول عنقه كما كانَ يفعلُ في الثّانويّة ، و يبتسمُ لي ، يبتسمُ كما لم يبتسم أحد..
اغرورقَتْ مقلتاي بالدّموع ، تركتُها تتحرّرُ بصمت ، بهدوء ، تركتُها تعنونُ ختامَ فيلم انتظارِ ليام ، الفتى الذّي سيظلُّ مميّزاً ، مهما بدا عاديّاً ، مهما حدث.
ستستمرُّ الحياةُ يا صاحبَ الابتسامةِ الحلوة ، إن كنّا معاً أو لم نكن ، ستظلُّ في ذكرياتي ، و سوف تتجدّدُ لقاءاتُنا في خيالي ، فيلموجرافيا متجدّدة ، ستظلُّ حيّاً في داخلي يا حبيبَ القلب ، ستظلُّ ما دامَ آخرُ رمقٍ في هذه الرّوحِ لم يُزهَق بعد ، إلى اللّقاء ، إلى اللّقاءِ يا أجملَ ذكرى ، اعتنِ بنفسكَ جيّداً ، كن بخير ، لأجلِ تلك الفتاةِ الغبيّةِ التّي كنتَ مهتمّاً بأمرها في يومٍ من الأيّام ، دعني أكن جزءاً منك أيضاً ، جزءاً من فيلموجرافيا فريدةٍ خاصّةٍ بك.
صعدتُ إلى الحافلة ، و جلستُ إلى قربِ إيانا كي نتبادلَ أطرافَ الحديث ، لم تتحرّك الحافلةُ بعد ، ستفعلُ بعدَ عشرِ دقائق تقريباً ، و سوف نستغرقُ وقتاً أطول إلى المدينة ، أرجو ألّا تنتهي الأحاديث بنا ، ليسَتْ أيٌّ منّا تجيدُ التّحدّثَ و الأخذَ و الرّدّ.
سمعتُ هاتفي يصدرُ رنّاتٍ متتاليةً في الحقيبةِ من ثمّ ، فتناولتُه بسرعةٍ كي أرى ما الأمر ، خفتُ على جدّتي من وعكةٍ ما ، فهي كثيرةُ الحساسيّةُ قليلةُ الرّاحة ، بيدَ أنّ الرّسائلَ فحواها مختلفٌ تماماً ، كانَتْ من جوناثان
"ماري"
"نعم"
"ألستِ قادمةً اليوم؟"
"أنا في الطّريق"
"أنتظرُكِ في شقّتي حالما تنهين ، سأذهبُ مع أصدقائي إلى مطعمٍ و أريدُ أخذكِ معنا"
"المالُ لا يكفي يا جوناثان ، لا أستطيع"
"على حسابي يا معتوهة ، أنا من دعوتُكِ"
"ما المناسبة؟"
"دون مناسبة ، لا ترفضي الدّعوةَ هذا عيب"
ضحكتُ في سرّي من سذاجتِه ، و من إلحاحِه الذّي لن ينتهي قبل أن يراني أمام شقّته ، أعرفُه جيّداً
"حسنٌ يا جدّي ، أرسل لي موقعَ الشّقّة"
"ممتاز ، و اسمعي ، لن تستغربي من رفاقي أظنُّكِ تعرفين واحداً منهم"
"حقّاً؟ كيف؟"
"ذكرتُ اسمَكِ أمامه ، و قالَ أنَّكِ كنتِ معه في الثّانويّة"
عضضتُ على شفتي ، حاولتُ قمعَ التّوهّجِ الخانقِ في لُبِّ صدري ، بيدَ أنّ الأمرَ كانَ صعباً..
ما هذا؟ هل أنا سعيدة؟
احتجزتُ نفساً عميقاً ، و حرّرتُه على دفعاتٍ و أنا أراقبُ الرّسالة ، ماذا أفعل؟ كيف أردّ؟ ماذا سيقولُ جوناثان؟ يا إلهي..
"أحقّاً؟ ماذا أحضرُ معي إذاً؟ ما رأيكَ بالورد؟"
"وردَ ماذا؟ في أحلامكِ يا معكرونة!"
ضحكتُ ، بجدّيّة ، و عدتُ أتأمّلُ رسالتَه كي أضحكَ أكثر ؛ لقَدْ رفضتُ أن يقطفَ من وردِ جدّتي في الحافظات ، و حرّضتُها عليه أيضاً لئلّا يستطيعَ سلكَ دربِ التّودّدِ المخادع ، الوردُ غيرُ متفتّحٍ بعد ، لا أدري ما كانَ يريدُ به و هو على هذه الحال.
لحظة ، هل نعتَني بالمعكرونةِ أيضاً؟ لن ينسى في حياتِه أنّني أحرقتُ المعكرونةَ بعدَ منتصفِ اللّيل و نحنُ جائعان ، لمَ لم يطبخ حضرتُه؟
سأريه! ها أنا قادمة!
"هيّا بربّك ، أستظلُّ حاقداً عليّ؟"
"و سأزيدُ حقداً الآن! بخيلةٌ عليّ و كريمةٌ على النّاس!"
"لا تتذمّر هكذا ، سأحضرُ لكَ أيضاً"
"لن ينفع ، لقَدْ كسرتِ قلبي"
"كفَّ عن هذا يا سخيف"
"خاصمتكِ"
"جو!"
"حسناً حسناً يا بليدة! أحضري ما تريدين ، و ستنالين جزاءكِ عندما تصلين ، خاصّةً فيما يتعلّقُ بالكذب"
و عند هذا الحدّ ، الذّي وضعَه السّيّدُ المُتذمّرُ جوناثان ، و حاولتُ تفاديه عبثاً ، تنتهي الفيلموجرافيا الفريدةُ البسيطةُ لي مع ذكرى ليام المتعشّقةِ في كافّةِ أركانِ روحي ، و سوف نصنع _إن ترك المتذمّرُ لنا مجالاً_ واحدةً حاضرةً بأيدينا ، ربّما يحدثُ هذا ، و ربّما لا يفعل ، من يدري؟ ليس في الحياةِ ما هو ثابت ، أليس كذلك؟
ماذا يقولُ ليام العزيزُ في هذا؟
يا إلهي!
لقَدْ أحيَتْ حماسةُ جوناثان في داخلي مشاعرَ غافيةً منذُ زمنٍ سحيق ، تدافعَتْ على إثرِ ذلك ، و خلقَتْ في داخلي حرارةً عاليةً عالية ، حرارةَ سعادةٍ فريدةٍ لا توصفُ بمجرّدِ الكلام ، و قَدْ تكونُ أكبرَ سعادةٍ في حياتي بطولها..
أكادُ أصرخ أيضاً بعدما كدتُ أبكي أمام المقعد!
لقَدْ خسرتُ كثيراً على طولِ أشهر ، و الآن في أسبوعٍ واحد ، عوّضتني الحياةُ كثيراً
أنا سعيدة؛
سعيدةٌ كما لم أكن مُذ كنتُ في الثّانويّة
_____________
"إلى روزماري العزيزة ، من جوناثان
عيدُ ميلادٍ سعيد ، برغمِ أنَّه ليس عيدَ ميلادكِ و أنا أعرف ، أريدُ فقط أن نحتفلَ معاً بشيءٍ ما ، كعائلة ، ألستِ عائلتي؟
أعرفُ كم واجهتِ من صعوباتٍ في بيتِ جدّي ، أنا أيضاً فعلتُ مع والدي ، نحنُ متشابهان في هذه الأمور ، لذلك أرغبُ في تعويضنا عمّا فقدنا
هذه هي مناسبةُ دعوتكِ ، أريدُ أن تكوني معي ، أن أشعرَ بالقوّةِ معكِ ، حتّى بين أصدقائي ، و أن تشعري بالقوّةِ لوجودي معكِ ، أينما كنتِ ، و مهما تعدّدَ الغرباءُ حولكِ.
بالنّسبةِ لليام ، لا أعرفُ ما نوعُ علاقتكما ، لكنَّه ارتبكَ كثيراً عندما لفظتُ اسمكِ ، كما ارتبكتِ و أنتِ تحاولين السّؤالَ عنه ، ماذا أقولُ لكِ؟
لقَدِ انفصلَ منذُ فترةٍ عن فتاةٍ جميلةٍ لم يرتح لها أحدُنا ، و عندما سألناه لماذا ، أخبرَني أنّه يشعرُ و كأنّه قَدْ تركَ قلبَه في الثّانويّة ، و كلُّ التّجاربِ من ثمَّ فاشلة
ليام شابٌّ رائع ، و صديقٌ عظيمٌ و غالٍ ، أنتِ لا تعرفين كم وقفَ بجانبي ، و كم ساعدَ كلَّ من في الجوقة ، صوتُه رائع
ها قَد أخبرتُكِ عنه ، ألم ترغبي في ذلك؟ في تلك اللّيلة؟ ألم تسأليني عنه فقط؟
لم أستطع إخباركِ بصراحة ، فقد شعرتُ بالغيرةِ عليكِ ، تعلمين ، أنتِ أختي الصّغرى و الوحيدة ، لا أرتاحُ لفكرةِ أن تسيري مع شابٍّ ببساطة ، أحتاجُ للبحثِ و التّقصّي.
و الآن فكّرت ، أريدُ أن أمنحَكِ حُبَّ العائلةِ اليوم ، في خطواتكِ نحو الشّركةِ التّي ما دعمَها أحد ، و في رغبتكِ في الوجودِ إلى قربِ ليام ، في حمايتكِ من أيّ ما يمكنُ أن يحدث ، و في استذكارِ أيّامكِ الحلوة ، مع والديكِ هنا ، و حتّى في الوجودِ إلى قربي ، أريدُ أن أكونَ عائلتكِ ، و أنتِ كذلك ، ستكونين عائلتي
شكراً لكِ ماري"
_____________
"روزماري ، لقَد مرَّ وقتٌ طويلٌ جدّاً ، كيف حالُكِ؟ أين كنتِ تدرسين و ماذا تفعلين؟
سمعتُ أنّكِ تخرّجتِ منذُ وقت ، و تعملين في شركةِ اتّصالاتٍ كبيرة ، أخبرني ابنُ خالتكِ بهذه الأمورِ دون أن يعي ، جوناثان العزيزُ لا يدركُ ما يقولُ حتّى آخرِ لحظة.
على أيّةِ حال ، أنا لا زلتُ أدرس ، دراستي طويلةُ الأمدِ و الأمرُ مزعجٌ بصراحة ، لا أعرفُ إن كنتِ مهتمّة ، أريدُ فقط أن أعرفَ لماذا تجاهلتِني في موقفِ الحافلة ، هذا الأمرُ مزعجٌ هو الآخر
كنتُ أرغبُ في أن أحادثكِ ، في أن أعرفَ أخباركِ و أجدَ فرصاً جديدةً للتّواصل ، و أنتِ كنتِ مهتمّةً بأخي الأصغرِ فحسب ، لا زلتُ أفكّرُ في الأمرِ مُذْ قابلتُكِ
تعرفين أنّني أريدُ محادثتكِ ، إذا رأيتِ هذه الرّسالةَ كلّميني ، اشتقتُ إليكِ"
______________
حُرِّرَ في ليلةِ الرّابعِ من شباطَ عامَ ألفين و أربعٍ و عشرين
كلُّ الشّكر لكلّ من قرأها
دلع☆