خرجنا معاً من بيتِ جدّي ، أنا بحريّةٍ تامّةٍ غيرِ معتادة ، و جوناثان محمّلاً بتمنيّاتِ السّلامةِ و رجاءِ الانتباهِ من الجميع ؛ عدتُ أرى أغصانَ خالتي اليابسةَ تمتدُّ خلفَه و تتكسّرُ في دربها إليه ، لم تجلس معه بعدَ الغداءِ وقتاً كافياً ، لم تشبع من وجودِه و من أحاديثِه بعد ، لكنَّه باقٍ ها هنا أيّاماً بعدُ ستسرُّ فيها بإطلالته و ستحدّثُه براحتها ، حسنٌ ، أنا على علمٍ بأنّ أعواماً بطولها غيرُ قادرةٍ على أن تعوّضَها عمّا ضاع ، أنا أهوّنُ علينا أفعالنا بعضَ الشّيءِ فحسب ، ربّما يجبُ أن أنحازَ عن هذه الأفكار ، لستُ مهتمّةً بمشاعرها إلى هذا الحدِّ على أيّةِ حال.
سرنا ساكتين ، عبرنا شارعَ البيتِ إلى شارعٍ فرعيٍّ أكبرَ بقليل ، ثمَّ منه إلى شارعِ السّوقِ الفرعيّة ، أردتُ أن أدلَّه على محلِّ الملابسِ الأشهرِ في القرية ، و أن أعرضَ عليه قطعةً قَدْ نالَتْ إعجابي على الواجهة ، غيرَ أنَّني و في آخرِ لحظةٍ توقّفت ، تذكّرتُ أنّني أسيرُ إلى قربِ شابّ ، و لم أكد أتعرّفُ إليه فوقَ ذلك.
الشّوارعُ هنا مرصوفةٌ بأحجارٍ بركانيّةٍ عملاقة ، لا تمرُّ في خلالها السّيّارات ، لا تمرُّ إلّا عرباتُ الباعةِ و الدّراجاتُ الهوائيّة ، يتراكضُ فيها الأطفالُ ما بين النّاسِ بغيرِ حياء ، و يقفُ رجلٌ ، يبدو غريباً عن القرية ، و يرسمُ المارّةَ و قطعَ السّماءِ من هنا و هناك ، بلا هدف ، لا يبيعُ شيئاً.
تمكنُ ملاحظةُ الشّقوقِ في الجدرانِ ببساطة ، إذ تتدلّى الأعشابُ المتسلّقةُ منها و إليها ، و تسكنُ إليها ، و كأنّها ، منزلُها الأساسُ و حاميها الوحيد ، لربّما كانَتْ كذلك في الحقيقة ، لمَ لا؟
نظرتُ إلى جوناثان ، هكذا دون مناسبة ، التفتَ إليّ في ذاتِ اللّحظةِ و على سبيلِ المصادفةِ البحتة ، كنتُ أحاولُ بدءَ حديثٍ ما ، و بالرّغمِ من أنّني لستُ معتادةً على ذلك ، و لم يحاول مساعدتي ، استدارَ مع أوّلِ لافتِ نظرٍ حديثٍ حوله ، بائعِ بطّيخٍ أبكمَ في الجهةِ الأُخرى من الشّارع ، يدفعُ عربتَه الكبيرةَ وحيداً ، و يستخدمُ صفّارةَ أطفالٍ في لفتِ الانتباهِ إليه ، يفعلُ هذا منذُ الأزل ، لا أدري ما اللّافتُ إلى هذا الحدّ ، ربّما لأنّه لا يعرفُه بعد ، ممكن
_"ظريف"
لفظَ كلمتَه الأولى أخيراً ، و لفظَ عن طريقِها الإحراجَ و الجمود ، همهمتُ على إثرِها ، و ابتسمت ، لا أدركُ داعياً ، أرجّحُ احتمالَ أنّني ، و بصفاءِ نيّة ، قَدْ راقَني شكلُه و هو يتابعُ البائعَ العجوزَ ، و يميلُ برأسه أكثرَ كلّما ازدادَتِ المسافةُ بين موطئينا ، أو أنّني أجاملُه ، لستُ بارعةً في المجاملةِ كذلك
_"أذكرُ في مرّةٍ أنّني سرقتُ منه ، أتذكرين؟"
_"سرقتَ منه؟"
سألتُه ببلاهةٍ جذبَتِ انتباهَه إليّ ، استدارَ إليّ بطاقةٍ حديثة ، و زمَّ شفتيه كما يفعلُ البطُّ ريثما ابتلعتُ دهشتي ؛ ليسَتْ لديّ فكرةٌ عن الفعلِ المُشينِ الذّي يتحدّثُ عنه ، أيّامُنا الماضيةُ مشوّشةٌ ضبابيّةٌ في رأسي الهالكة ، اللّهمّ إلّا زيارتَه الأخيرةَ لبيتِ جدّي ، جلسنا يومها أمام المدفأةِ طوالَ اليوم ، و تبادلنا بضعةَ أحاديثَ فارغة ، كانَ يحاولُ مواراةَ دموعه بها طوالَ الوقتِ ، و كنّا ، جميعاً ، قادرين على رؤيتها و الإحساسِ بها ، لربّما يحزُّ في نفسي هذا المشهد ، لذا أتذكّرُه ، و لكن ، ماذا عن الرّجلِ المسكين؟
_"كنتِ معي ألا تتذكّرين؟ سرقنا الصّفّارةَ و أمسكَ بنا جدّي"
_"أحقّاً فعلنا؟"
_"أنتِ فعلاً لا تذكرين من أكون"
_"ماذا تقصد؟"
عدتُ أسألُ بذاتِ البلاهة ، أسألُ كيف اكتشفَ الحقيقةَ الكامنةَ من مجرّدِ محادثةٍ تافهةٍ متعلّقةٍ بذكرىً غائرة ، أنا لا أذكرُ من يكونُ بالضّبط ، و ليس لأنّني لا أتذكّرُ وقتي معه.
وضعَ يدَه في جيبِه ، و بسرعةِ البرق ، أخرجَ منها قطعةً صفراءَ صغيرة ، جفلتُ على إثرِ رؤيتها ، و شُدِقَ فمي..
متى!؟ متى فعلَ هذا!؟ لم يقربِ البائعَ حتّى!
_"يا إلهي! جوناثان!"
أطلقَ السّيّدُ ضحكةً مختلّةً عاليةَ الأصداء ، تبعتها صفّارةُ البائعِ الذّي توقّفَ على بعدِ أمتارٍ كي يبيعَ أحدَ المارّة ، كانَتْ مزحةً ، لا أدري كيف أصفُها بصراحة ، تجعلُني أودُّ تجاهلَ أهلِ القريةِ و خالتي و كلَّ شيء ، و ضربَه ، يا إلهي
_"هذه معي منذُ البدايةِ يا بلهاء ، أمزح"
_"لئيم!"
تزايدَتْ ضحكاتُه ، و تضاعفَتْ آنما ضربتُ على رأسي منزعجة ، هل أضربُه الآن؟ ماذا أفعل؟
مشيتُ أمامه أعربُ عن استيائي ، لحقَ بي بعدَ برهة ، لم يوقفني و لم يفعل شيئاً ، مشى إلى قربي ، بغيرِ أن يبرّرَ لنفسِه أو يعطي اعتباراً لما جرى منذُ قليل ، و بصراحة ، بدأتُ أجاريه في ذلك ، مزحتُه سخيفة ، لكنّها ، و بطريقةٍ ما ، قَدْ حسّنت من مزاجي و لا تستحقُّ أن أحمّلَها أكثر.
توقّفَ عندَ أحدِ محالِّ الملابسِ في منتصفِ الطّريق ، و شدَّ كنزتي كي أتوقّفَ معه و حيث يريد ، عرفتُ عندها أنَّه ذاتُه المحلُّ الذّي أردتُ اصطحابَه إليه منذُ البدء ، و لم أصرّح أمامه برغبتي ، بحجّةِ أنّ المحلّ نسائيّ ، لم أعرف كيف وقعَتْ هكذا مصادفة ، و لستُ مهتمّة ، أريدُ فقط أن أعرفَ ما في باله
_"أتعرفين؟ لم أتوقّع أنّكِ حلوةٌ الآن ، كنتِ بشعةً في طفولتِكِ"
استدرتُ نحوه متفاجئة ، مصدومةً بكمِّ الصّراحةِ التّي انهالَ بها على رأسي بغتةً ، و دون مناسبة؛ لنقل أنّني أعرفُ شكلي ، لم يكن على أحسنِ حالٍ بصراحة ، و لكن!
هذا جارح!
_"شكراً لك"
_"أنا جادّ ، كانَ شعرُكِ خارجاً من الحرب ، و كنتِ تضعين نظّاراتٍ لا تكفي عيني ظربان ، كنتِ تشبهين بائعَ خضراوات"
_"توقّف جوناثان!"
أسكتُّه بصوتٍ أعاقَه التّأثّر ، و جعلَه يصدرُ رفيعاً قليلَ الهيبةِ مثقلاً بالإنزعاج ، حسبتُه سيضحكُ منه ، بيدَ أنَّه لم يفعل ، ظلَّ يحدّقُ في المحلِّ ليس كأنَّه قَدْ فعلَ شيئاً ، أخالُه لم يفهم بعد ، و يجبُ أن أشرحَ له
_"أمازحكِ يا بليدة ، ألا تقبلين المزاح؟"
_"و أنتَ كنتَ تشبهُ الفتيات ، و لا زلت ، لولا طولُكَ لأخطأ النّاسُ فيك"
قطبَ حاجبيه لبرهة ، يبتلعُ استجابتي الانفعاليّةَ مع جوفه ، ثمَّ التفتَ نحوي بوجهٍ جامدٍ مستفزّ ، و رفعَ كتفيه ، هل استسلم؟ بهذه السّهولة؟
_"حسنٌ ، معكِ حقّ ، هذا مزعج"
أيعتذر؟ أيقصدُ أنّني أزعجتُه؟ أم أنّه يقفلُ الحديثَ ليس إلّا؟
لم أدرك جواباً ، و بغيرِ ذلك ، فقَدْ بتُّ أشعرُ بالنّدمِ إزاءَ ردِّ فعلي العنيف ، و مع أنَّه يستحقُّ أن أضربَه بصراحة ، لا أدري لماذا ندمتُ في هذه المرّةِ بالذّات ، و على الرَّغمِ من أنّني كثيراً ما قابلتُ النّاسَ بهذا الأسلوب ، و لم أفكّر في مشاعرِ أيّهم من قبل ، يا إلهي كيف أعتذر؟
سكنتُ و هو برهةً وجيزة ، عادَ من بعدِها لتحريكِ المشهد ، شدَّ ذراعي من كمِّ كنزتي ، و شرعَ يشيرُ إلى الكنزاتِ المعروضةِ في واجهةِ المحلّ ، دون أن ينبس بحرف ، و أنا ، رحتُ أتابعُه دون رغبة ، ماذا يريدُ الآن؟
_"انظري ، أيُّها ينفعُ كهديّةٍ لفتاة؟"
_"الأذواقُ تختلف ، ستفرحُ فتاتُكَ لو أهديتها شيئاً يعجبُها هي"
_"صديقتي"
_"ما الفرق؟"
رفعَ كتفيه ، و عادَ يبتسمُ بذاتِ الحماسةِ و يراقبُ الملابس ، لن يتورّطَ معي في الأسئلةِ و الأجوبة ، حتّى و هو ، و قَدْ أثبتَ رأيي بأعنفِ طريقة ، ليس خجولاً أبداً ، لا أدرك ما يريدُ و ما يهدفُ لفعله ، هذا الشّابُّ عجيبُ الطّباع ، و ربّما هذه طباعُه ، ربّما هذا جوناثان ، الذّي بتُّ أتوقُ للتّعرّفِ إليه
_"إذاً ، ما الذّي يعجبُكِ؟"
_____________
حُرِّرَ في الثّاني من شباطَ عامَ ألفين و أربعٍ و عشرين
دلع☆