فصل الاول : ما قبل العاصفة
كانت الساعة تشير إلى الثانية عشرة منتصف الليل، في إحدى ليالي الشتاء الطويلة، حيث كانت العواصف الثلجية تصرخ في الخارج، والريح تعصف بكل ما تجده أمامها.
داخل الصيدلية الصغيرة الواقعة في شارع جانبي شبه مهجور، كانت "ليلى" تُضبضب أغراضها استعدادًا للإغلاق. لم يزرها أحد منذ ساعات، لا مريض، ولا حتى عابر سبيل يسأل عن مسكن أو دواء. الهدوء الموحش بالخارج، والمطر الذي تحول إلى ثلج، جعلا فكرة العودة إلى المنزل أشبه بمهمة مستحيلة.
أخذت حقيبتها ووضعت السماعتين على أذنيها، محاولة عزل نفسها عن صوت الريح، وتقدمت نحو الباب لتغلق الصيدلية. لكنها توقفت فجأة.
كان هناك، أمام الباب، رجل في منتصف الثلاثينيات ، جالس على الرصيف، يتكئ على الحائط، والدم يغمر جانبه الأيسر. قميصه الأبيض، الذي كان ناصعًا كالثلج، أصبح مشبعًا بلون أحمر داكن، كأن الحياة كانت تنزف منه مباشرة.
ترددت... ثم اقتربت بخوف يمتزج بالرهبة، محاولة أن تحدد إن كان ما زال حيًا أم لا.
انحنت قربه، وسمعت أنفاسه الثقيلة تتقطع، فنادت بصوت مرتجف:
— سيدي... هل تسمعني؟ هل أنت بخير؟!
لم يجبها. أعادت النداء، حتى فتح عينيه بصعوبة، ونظر إليها بعينين نصف مغمضتين وهمس:
— لا... لا أريد مستشفى... ولا شرطة...
حاولت مناداته مجددًا، لكنه غاب عن الوعي. أخرجت هاتفها بسرعة لتتصل بالإسعاف، لكنه تمتم بصوت مبحوح، شبه غائب:
— لا... تفعلي...
نظرت إليه بحيرة، لم يكن أمامها خيار. لم تستطع تركه هناك لينزف حتى الموت، ولم يكن الاتصال بالإسعاف خيارًا طالما هو يرفض. تنهدت، وجمعت شجاعتها.
رغم أنه كان أطول منها بكثير، وذا بنية عضلية أقوى، إلا أنها بذلت كل ما في وسعها لتسنده وتدخله إلى الداخل. كان سحب جسده مهمة صعبة، لكنها نجحت في النهاية، وأجلسته على أحد الكراسي، ثم وضعت كرسيًا آخر ليمد رجله المصابة.
ارتدت قفازاتها الطبية، وبدأت ببطء تفتح قميصه لتكشف الجرح، ثم مسحت الدم المتدفق بمحاولة يائسة لإيقافه.
الجرح كان عميقًا... وربما أصاب أحد الأعضاء الداخلية، لكنها لم تكن متأكدة. لم تتعامل مع حالة كهذه من قبل. لم تكن طبيبة، بل صيدلانية.
نادت عليه من جديد:
— سيدي، يجب أن نذهب إلى المستشفى، هذا الجرح خطير!
فاجأها حين قبض على يدها بقوة رغم إصابته، وقال بصوت خافت لكنه حازم:
— فقط... خيّطي الجرح... أرجوك...
حاولت أن تسحب يدها وقالت:
— لكن الجرح عميق... لا أعلم إن كانت أعضاؤك الداخلية بخير أم لا...
وقبل أن يغيب مجددًا، تمتم:
— أنا بخير... فقط أوقفي النزيف... افعلي أي شيء...
وقفت لحظة في صمت. لم يكن بيدها إلا أن تفعل ما يطلبه.
بدأت تُحضّر أدواتها، استجمعت كل ما تعرفه، كل ما تعلمته خلال دراستها، وكل ما تعلمته من صديقتها التي درست الطب. أوقفت النزيف بعد عناء، ثم بدأت تنظيف الجرح وتعقيمه.
مرّت ساعة... ثم أخرى. اليد ترتجف، لكنها تصر. كانت هذه أول مرة تخيط فيها جرحًا بهذا العمق، لكنها واصلت، غرزًا بعد غرزة، حتى انتهت منه أخيرًا وهي بالكاد تقوى على الوقوف.
نظفت المكان، وراقبت تنفسه. أعطته مسكنًا ومضادًا حيويًا، ثم جلست أمامه تراقب حرارته، عينيها لا تفارقه، تنتظر أي إشارة سوء، أو تنهيدة ألم.
لم تكن تعلم من هو... ولا ما قصته... لكن شيئًا ما في داخله جعلها تخشى عليه أكثر مما تخاف من الموقف نفسه.
مرت دقائق ثقيلة، كأن الزمن تجمّد في تلك الصيدلية الباردة. كانت "ليلى" تنظر إلى وجهه الشاحب وقد غلبته الحمّى، بينما قطرات العرق تتجمع على جبينه رغم برودة الليل القارسة.
نهضت لتجلب منشفة مبللة، وعادت تمسح وجهه بلطف. ثم وضعت ضمادات باردة مكان العرق، علّها تخفف الحمى ولو قليلاً.
أعطته حقنة مضاد فيروسات عبر الكانولا، ثم جلست من جديد تراقب أي تغير يطرأ عليه.
مرت الساعات ببطء حتى بدأ الفجر ينبثق، وصدح صوت الأذان من مكان بعيد، ليكسر صمت الليل وأفكار ليلى المتشابكة.
كانت أفكارها تدور حول الرجل الغامض الذي أمامها:
من هو؟ هل فعلت الصواب بإبقائه هنا؟ كان يجب أن أتصل بالإسعاف... ماذا لو مات بين يدي؟ ماذا سأفعل؟
بين الخوف عليه، والخوف من المجهول، كانت عيناها تبحثان عن إجابة.
لكن صوت المؤذن، رغم بعده، كان عميقًا، هادئًا، كأن الله يرسل به الطمأنينة إلى قلبها المرتجف.
"الله أكبر"... همست بها من خلف شفتيها، ورددتها مع الأذان، وهي تستشعر عظمة الله ورحمته، وقالت في نفسها:
كما أتى هذا الرجل فجأة... ستأتي رحمة ربي أيضًا، ليس عليّ أن أخاف، ما أفعله ليس خطأ.
نظرت إلى الرجل الذي يحارب الألم، ثم نهضت وأقبلت على ربها. ركعت له وصلت، صلاة لم تشبه أي صلاة أدّتها من قبل... كانت أهدأ، وأصدق، وأقرب للسماء.
دعت له من قلبها:
اللهم اشفه، اللهم أعده إلى الحياة، لا تتركه بين يدي هكذا.
أنهت صلاتها، والتفتت إليه، ولاحظت أن الحمى بدأت تخف قليلًا. شعرت ببعض الراحة، فاتكأت على الكرسي لترتاح، وما لبثت أن غفت.
---
استيقظت على ضوء الصباح يتسلل من زجاج الباب. نهضت بفزع، تنظر حولها... لم يكن أحد هناك.
شعرت بالذهول، وتساؤل مرّ في عقلها:
هل كانت ليلة البارحة حلمًا؟ كابوسًا؟ هل تخيلت كل شيء؟
نظرت إلى يديها، إلى الأرض، تبحث عن أثر... وإذا بشيء يسقط منها.
انحنت لترفعه، فإذا به معطف الرجل... ذاك الذي كانت قد وضعته فوقه في الليل.
تساءلت:
إذاً أين هو؟ متى غادر؟ وكيف؟
نظرت حولها، تبحث عن أي شيء تركه خلفه، فلاحظت ورقة على الطاولة.
أخذتها، كانت قصيرة... لكن كلمتها أثقل من كل شيء:
"شكرًا لكِ يا ملاكي الحارس."
قرأت الورقة مرارًا، قلبتها على الوجهين، لعلها تجد شيئًا آخر... اسمًا، رقمًا، أي علامة.
لكن لا شيء سوى هذه العبارة.
جلست على الكرسي، منهكة القوى، تحدّق في المكان وتهمس لنفسها:
— كل شيء كان حقيقيًا... كان هنا، الليلة الماضية... لقد غادر دون أن أشعر، رغم حالته تلك...
الشّـــجَـــن