نهضت "ليلى" لتلملم كل أثر يشير إلى وجود ذلك الرجل... أو المريض الغريب الذي ظهر فجأة ثم اختفى كما أتى.
أعادت الكراسي إلى أماكنها، رتّبت الأدوية، مسحت الأرضية، ووضعت الأدوات التي استخدمتها في أماكنها.
ثم دخلت إلى الغرفة الصغيرة الملحقة بالصيدلية — وهي مخزن بسيط فيه مساحة مخصصة للصلاة — وبدّلت ملابسها، فقد كانت تحتفظ فيها ببعض الملابس الاحتياطية.
غسلت وجهها، وأخذت نفسًا عميقًا قبل أن تفتح باب الصيدلية مجددًا، لتستقبل من يبحث عن دواء لدائه.
جلست قليلاً تتصفح الأخبار عبر هاتفها، علّها تجد شيئًا يدل على هوية الرجل... خبر، صورة، أي شيء.
لكن لا شيء. وكأن الليل الماضي لم يكن.
قطعت صوت أفكارها خطوات خفيفة قادمة من الباب.
رفعت رأسها، فإذا بسيدة في السبعين من عمرها، ذات شعر أبيض كالثلج في الخارج، تدخل بابتسامة لطيفة على وجهها.
نهضت "ليلى" على الفور لاستقبالها، وردّت الابتسامة بأخرى كبيرة.
أمسكت بيدها وساعدتها على الجلوس، وسحبت لنفسها كرسيًا لتجلس قربها.
سألتها بود:
— كيف حالكِ يا جدتي؟ كيف مرت ليلتك؟
كانت تُناديها "جدتي" لأنها تشبه جدتها المتوفاة، ولم تكن تراها كمريضة، بل كأم أو صديقة.
أجابت السيدة التي تُعرف بـ"ماريا":
— بخير، بخير يا عزيزتي ليلى... وأنتِ، كيف حالكِ؟ تبدين متعبة قليلاً.
وضعت "ليلى" يدها على يد ماريا تطمئنها:
— أنا بخير يا جدتي، لا تقلقي. فقط أرق بسيط.
ثم أضافت برفق:
— أتمنى أن لا يكون بكِ بأس، هل تؤلمين من شيء؟
تنهدت ماريا وهي تمسك بمفاصلها:
— آآه يا ابنتي... لم أذق النوم الليلة، ألم مفاصلي لم يتركني.
نهضت ليلى لتجلب لها دواءً يخفف من ألمها، وقالت:
— سأعطيكِ شيئًا يهدئ الألم إن شاء الله.
ثم توقفت فجأة وسألتها:
— هل سمعتي شيئًا غريبًا الليلة الماضية؟ صوتًا؟ شجارًا؟
ردّت ماريا بهدوء:
— لا يا عزيزتي... الليلة كانت عاصفة وموحشة. لم يجرؤ أحد على مغادرة منزله، فكيف بشجار؟
ثم نظرت إليها متعجبة:
— لماذا؟ هل حدث شيء ما؟
هزّت ليلى رأسها نفيًا:
— لا، لا شيء مهم... فقط كنت أتحقق إن كانت هناك أحداث غريبة في المدينة.
ابتسمت ماريا مطمئنة:
— الحمد لله، كل شيء كان هادئًا.
غادرت ماريا بعد حديث قصير واحتضان دافئ، بينما جلست ليلى على كرسيها، شاردة الذهن.
إذا كانت الليلة الماضية عاصفة كما قالت ماريا، والناس لم يغادروا منازلهم، فكيف جاء ذلك الرجل؟
ومن أين؟ وكيف نجا؟ ولماذا هو وحده وسط كل ذلك؟
مرت الساعات، واستقبلت ليلى مرضاها ككل يوم، لم تبخل على أحد بدواء أو دعاء.
لكن عقلها كان مشغولًا... بقوة.
أخبار الطقس حذّرت من عاصفة جديدة قادمة في المساء، وأوصت بإغلاق المحلات قبل التاسعة.
قررت ليلى أن تستمع للنصيحة هذه المرة، فأغلقت الصيدلية في تمام الثامنة وخمس وأربعين دقيقة...
وغادرت.
دخلت ليلى إلى شقتها الصغيرة، التي كانت مكوّنة من مطبخ، وصالة للجلوس، وغرفتي نوم.
وضعت حقيبتها، ونزعت معطفها الثقيل وكأنها أزاحت ثقل العالم عن كتفيها.
خلعت حجابها، وبدّلت ملابسها إلى بيجامة فضفاضة مريحة.
ثم اتجهت إلى المطبخ، وفتحت الثلاجة لتتفقد ما يمكنها طهوه للعشاء.
أخرجت الجزر، الفلفل، والفطر، وقررت أن تصنع شوربة ساخنة كما كانت والدتها تعلمها دائمًا في أيام الشتاء الباردة.
حين انتهت، وضعت الخبز بجانبها، وانتقلت إلى الصالة لتتناول عشاءها الخفيف وهي تشاهد التلفاز.
لكن فجأة، كسر الصمت صوت الباب وهو يُفتح.
وضعت الملعقة على الطاولة ونهضت بسرعة، قلبها ينبض بقلق…
من القادم؟!
لكن ما إن رأت من عند الباب، حتى تنفّست براحة وقالت بدهشة:
— إنتِ؟!
كانت فتاة ترتدي زي المستشفى، وقد علّقت معطفها قرب الباب، ثم نزعت حذاءها وقالت بابتسامة مرحة:
— أجل، أنا! هل كنتِ تنتظرين أحدًا غيري؟
قالت ليلى وهي تتقدم نحوها مبتسمة:
— لا، لا أحد… فقط تفاجأت! تعوّدتِ أن تُخبِريني قبل أن تأتي.
رفعت الفتاة هاتفها وقالت:
— البطارية انتهت ولم يكن لدي وقت لشحنه.
ثم اقتربت منها وهي تمسك بيدها، وقالت بوجه طفولي:
— عزيزتي ليلى، صديقتي الصدوقة، الحبيبة، الغالية…
قاطعتها ليلى ضاحكة:
— جميلتي إليان، صنعت شوربة لذيذة قبل قليل… إن كنتِ جائعة، فهيا تفضّلي.
وغدًا عطلة، أعدك أن أطبخ لكِ ما تشائين.
صرخت إليان بحماس وهي تحضنها:
— أحبك! أحبك يا ليلى!
ابتعدت ليلى مازحة وهي تتظاهر بالضيق:
— ابتعدي عني! رائحتك كارثية!
قالت إليان بنبرة طفولية:
— أنتِ لا تحبيني!
ضحكت ليلى:
— بل أحبكِ… لكن اذهبي للاستحمام أولًا، وسأجهز لك الطعام.
جلست ليلى مقابل إليان، تشاهدها وهي تتناول عشاءها بشهية.
قالت إليان، وهي تحتسي الشوربة بحرارة:
— ما بكِ يا ليلى؟ تبدين غريبة... وكأنكِ لستِ هنا.
أجابت ليلى وهي تسند ظهرها إلى الكرسي:
— لا شيء... فقط بعض التعب.
ثم أردفت:
— وأنتِ؟ كيف كان دوام المستشفى اليوم؟
وضعت إليان الملعقة جانبًا وتنهدت بعمق:
— أقسم لكِ، كان كارثيًا. لم أتنفّس طوال الأسبوع، ناهيك عن النوم!
رفعت كوب الماء، شربت قليلاً، ثم تابعت:
— البارحة تحديدًا… كان هناك رجال يرتدون الأسود، عددهم كعدد الأطباء والممرضين، أو حتى أكثر!
عدّلت ليلى جلستها وقد بدا عليها الاستغراب:
— رجال يلبسون الأسود؟ من هم؟ ولماذا هم في المستشفى أصلاً؟
أجابت إليان:
— لا أعرف بالضبط. لكن بعض الممرضات قلن إنهم يبحثون عن رجل... في منتصف الثلاثينيات تقريبًا.
ارتفع توتر ليلى، فسألت بسرعة:
— من هذا الرجل؟ ولماذا يبحثون عنه؟ هل حدث شيء؟
هزّت إليان رأسها نفيًا:
— لا علم لي، لكن ما أعرفه أن كل المسؤولين الكبار كانوا مجتمعين مع أحد أولئك الرجال الليلة الماضية.
ورأيت رئيس المستشفى بنفسه — ذلك المتغطرس الغبي — ينحني لهم كالخادم، ويقول:
"لم يأتِ أي مريض غريب، سيدي."
صمتت ليلى. لم تعلّق، لكن قلبها امتلأ بالأسئلة.
إما أن ذلك الرجل خطير ومطلوب... أو أنه ابن أحد العوائل الغنية والنفوذة في موسكو.
قطعت إليان سيل أفكارها، وقالت:
— ليلى! أين ذهبتِ بأفكارك؟ أناديك مرارًا ولا أسمع منكِ ردًا!
ابتسمت ليلى بخفة وقالت:
— أنا معكِ... فقط أفكر.
ثم سألتها بصوت هادئ:
— إليان، لو ظهر أمامكِ رجل أو امرأة وهو ينزف… ماذا ستفعلين؟
نظرت إليها إليان بتعجب:
— سأُجري له إسعافات أولية، ثم أتصل بالإسعاف طبعًا. هذه بديهيات!
سألتها ليلى من جديد:
— وماذا لو رفض الذهاب إلى المستشفى؟
أجابت إليان بلهجة حاسمة:
— عندها سأخاطب الشرطة والإسعاف معًا. أي شخص يرفض العلاج ويبدو بحالة غريبة... لا بد أن وراءه قصة مقلقة.
ثم أضافت وهي تنظر إليها بشكٍّ خفيف:
— لكن من أين جاءت هذه الأسئلة الغريبة؟!
قالت ليلى وهي تأخذ الصحون من أمامها متجنبة النظر إليها:
— لا شيء… مجرد أفكار خطرت في بالي.....
*************
كان الفجر قد تسلل بهدوء عبر نوافذ الشقة الصغيرة، يغمر الجدران بضوء باهت بارد، لا يكاد يوقظ شيئًا سوى القلب.
استيقظت ليلى دون منبّه، وكأن صوت المؤذن في الحلم هو من ناداها،
"الصلاة خير من النوم..."
فنهضت، وأضواء المدينة لا تزال خافتة، والثلج يغطي الأرصفة كسجادة من الصمت.
توضأت، ثم وقفت للصلاة.
ركعت، وسجدت، ودمعة خفيفة تسللت من عينيها دون إذن...
كانت تحمل في طيّاتها سؤالًا لم يُقال، وخوفًا لم يُعترف به، ورجاءً لم يتوقف منذ تلك الليلة.
بعد الصلاة، مدت يدها نحو المصحف الصغير الذي تحفظه بجانب الوسادة،
فتحته بعشوائية، فوقعت عيناها على الآية:
> ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾
أعادت قراءتها مرارًا... ثم تمتمت بصوت خافت:
— يا رب، إن كان ما فعلته خيرًا، فاربط على قلبي.
وإن كان شرًا، فاغفر لي جهلي، ولا تتركني لوحدي فيما لا أعلم.
دخلت ليلى إلى المطبخ لتتفقّد ما لديها من مكونات، تنوي أن تفي بوعدها لإليان وتعد لها طعامًا كما وعدتها البارحة.
كانت أم ليلى من أصول عربية، وقد ورثت عنها بعضًا من مهارات الطبخ العربي،
تلك الأطعمة الغنية بالتوابل والبهارات، ذات النكهة الغريبة واللذيذة في آن واحد، التي لا يستطيع من يتذوقها أن يتوقف بسهولة.
وإليان، رغم أنها روسية الأصل، كانت من عشّاق هذا النوع من الطعام.
الروس عمومًا لا يُعرفون بحبهم للأطعمة الحارة، لكن إليان كانت الاستثناء، بل كانت تعشق تلك النكهات وكأنها ذوقٌ وُلد معها.
في كل مرة، كانت ليلى تستعين بوالدتها عبر الهاتف، لتحضّر طبقًا جديدًا ومميزًا، تسعد به قلب صديقتها الصغيرة.
نظرت ليلى إلى المكونات في المطبخ، لكنها لاحظت أن بعض الأمور ناقصة.
ارتدت حجابها، ثم معطفها الثقيل، وغادرت إلى أقرب محل لشراء ما تحتاجه.
عادت بعد ساعة تقريبًا، وما إن دخلت حتى توجهت مباشرة إلى المطبخ.
نظرت حولها، ثم إلى الأريكة، حيث ما زالت "الأميرة النائمة" إليان في سباتها العميق.
نظرت ليلى إلى الساعة، كانت تشير إلى العاشرة صباحًا.
تنفّست الصعداء، وحمدت ربها على أن لديها وقتًا كافيًا.
بدأت في إعداد الطعام، تنقلت بين القدور والأطباق بروح مرحة، تطبخ ما لذّ وطاب، بكل حبّ تعلّمته من أمها… وبكل نية طيبة في قلبها.
وحين انتهت، دخلت الحمّام لتغتسل، تغسل عن جسدها رائحة الطعام، وعن روحها شيئًا من التعب.
أذّن الظهر، فصلّت بطمأنينة، ثم جهّزت نفسها، وقررت أن تتجه نحو الصيدلية.
رغم أن هذا اليوم عطلة، إلا أنها شعرت بأن ترك الباب مفتوحًا في وجه من يبحث عن دواء هو نوعٌ من الرحمة... لا تُغلق فيه الأبواب على الأوجاع.
****
دخلت ليلى إلى الصيدلية، فتحت الأضواء ونفضت الغبار عن الرفوف القليلة.
لم يكن في الشارع أحد سوى بعض المارة، يسيرون بخطى سريعة اتقاءً لبرد الشتاء القارس.
جلست خلف الطاولة، وأخرجت مفكرتها.
دوّنت بعض الحاجيات، ونظّمت ما تبقى من الأدوية، ثم جلست تتلو بعض الآيات بهدوء.
قطع السكون صوت جرس الباب.
رفعت رأسها، فإذا بامرأة في أواخر العشرينات تدخل، تمشي برقة، تمسك بطنها الذي دلّ على حملها، ووجهها البشوش احمرّ من شدّة البرد.
نهضت ليلى من مكانها بسرعة، وضعت ما في يدها داخل الدرج، ثم تقدّمت لتساعدها على الجلوس على الكرسي.
— كيف حالكِ، سيدة لوسيا؟
قالتها ليلى بابتسامة ترحيب دافئة.
أجابت لوسيا بتعب وصوت ثقيل:
— أنا بخير، عزيزتي ليلى... وأنتِ، كيف حالك؟
قالت ليلى:
— بأفضل حال، والحمد لله.
ثم مدّت يدها تمسح برفق على بطنها:
— وكيف هو عزيزنا "كيفن"؟ كم تبقّى له حتى يُنير الدنيا ؟
ضحكت لوسيا ومسحت بطنها بحنان:
— بضع أسابيع فقط، كما قالت الطبيبة... ليس بالكثير.
قالت ليلى بسعادة:
— كم أنتظر عزيزنا كيفن... ليرى هذا العالم ويملأه نورًا وحياة.
قالت لوسيا مبتسمة:
— نعم، نعم... سيأتي قريبًا، إن شاء الله.
سألتها ليلى بلطف:
— هل تعانين من ألم؟ أرجو أن تكوني بخير.
قالت لوسيا:
— لا تقلقي، فقط جئتُ لأشتري بعض الفيتامينات والأدوية التي وصفتها لي الطبيبة.
أخذت ليلى الورقة من يدها، ثم نهضت لتجلب ما كُتب فيها.
— تفضّلي، سيدتي... هذه هي.
أخذت لوسيا حاجتها بعد أن دفعت ثمنها، ثم نهضت بصعوبة للمغادرة.
ساعدتها ليلى بابتسامة حنونة حتى خرجت من الباب.
…
مضت هذه الأيام على وتيرة واحدة.
ليلى تركض بين الصيدلية والبيت، بين إعداد الطعام وصلاة الخاشعين.
تحاول أن تنسى الرجل… أو تتظاهر بذلك.
لم تعد تستطيع فعل شيء، لقد أعانته لوجه الله، وأحسنت الظن به، وتركت أمره لله.
الشّـــجَـــن