الاتصال

الاتصال

22 0

الفصل الخامس:  الاتصال

صباح اليوم التالي…

لم تكن ليلى قد استيقظت من نومها بسهولة.

رغم أن إليان بقيت إلى جانبها طوال الليل تراقبها بقلق، إلا أن نومها كان متقطعًا، ثقيلًا، كأن عقلها لا يريد أن يتوقف عن التفكير، وقلبها لا يكفّ عن الخفقان.

رفضت أن تنام إليان بجوارها، رغم أنها اعتادت ذلك أغلب الليالي، فكانت كثيرًا ما تترك غرفتها وتنام عند ليلى، لكن هذه المرة رفضت ليلى الأمر رفضًا قاطعًا.

إلا أن إليان لم تُعر اعتراضها اهتمامًا، فأخذت وسادتها، ونامت بجوارها كما تفعل دائمًا.

استيقظت ليلى على صوت المنبّه.

نهضت ببطء، توضأت، وصلت الفجر، وبقيت على سجادة الصلاة دقائق طويلة، تدعو الله أن يُطمئن قلبها:

"اللهم إن كنتُ قد أحسنت، فاحفظني... وإن كنتُ قد أخطأت، فاسترني."

غادرت الشقة بعدما ودّعت إليان، التي كانت تتأهب للذهاب إلى المستشفى، ونزلت إلى الشارع البارد، تحمل حقيبتها، وحجابها الرمادي يلوح خلفها مع الريح.

سمّت باسم ربها، وفتحت الصيدلية لتستقبل المرضى، واحدًا تلو الآخر، مما لم يُتح لها الفرصة للتفكير في شيء سوى خدمة زوّارها، ومداواة آلامهم، وإعطائهم الدواء لدائهم.

كان من بين مرضاها اليوم السيدة "لوسيا" مع طفلها الرضيع "كيفن".

دخلت السيدة لوسيا، وما إن فتحت الباب، حتى استقبلتها ليلى بابتسامة مشرقة، فقالت لوسيا بصوت دافئ:

— صباح الخير يا ليلى.

كان صوتها أشبه بشروق الشمس بعد ليلة عاصفة.

أما مجيء كيفن معها، فكان كهدية من السماء لليلى.

فلوسيا لم تكن مجرد مريضة، بل كانت أشبه بأخت كبرى، خصوصًا أنها كانت أوّل من زار صيدلية ليلى بعد افتتاحها، وأحيانًا كانت تأتي لزيارتها حتى دون أن تكون مريضة، فقط لأنها تحبها.

جلست لوسيا على الكرسي، ولم تفارق عينا ليلى طفلها الصغير.

كانت تحدثه تارة، وتضحكه تارة أخرى، وتقبّله وتمسك يديه الصغيرتين بحنان.

نظرت لوسيا إليها بمحبة، وهي ترى كيفن يضحك دون توقف في حضرة ليلى.

— أتمنى ألّا يكون عزيزنا كيفن مريضًا؟ قالت ليلى وهي تقبّله.

— الحمد لله، ليس كذلك، فقط نفد خافض الحرارة من المنزل، وجئتُ لأشتريه… وأردت أن أريكِ كيفن أيضًا.

— يا إلهي… أتمنى أن تزوروني كثيرًا، لا تعلمين كم أفتقده!

— نعم، نعم، سنفعل… كثيرًا.

غادرت السيدة لوسيا، تاركةً ليلى تبتسم، وتشعر وكأن فراشات السعادة ترقص في صدرها.

لم يكن أحدٌ قادرًا على تغيير مزاج ليلى كما فعلت لوسيا اليوم، فقد كان لمجيئها وقع مميز في قلبها.

عادت ليلى إلى ترتيب الأدوية الجديدة على الرفوف، عندما قطع صوت الهاتف تركيزها.

كان يرنّ، برقمٍ مجهول، لا يظهر فيه اسم المتصل.

ترددت، ثم تجاهلته… لكن الهاتف رنّ مجددًا.

تسمّت باسم الله، وردّت على الاتصال، بصوت خافت يحمل نبرة خوف:

— مرحبًا…

جاء صوت رجولي، هادئ، لكن بشوش:

— مرحبًا، سيدتي ملاك…

عرفت أنه هو، من نبرة صوته، ومن طريقة مناداته لها.

صمت كلاهما لثوانٍ، كأن الصمت كان يحمل أكثر مما يستطيع الكلام أن يقوله.

— سيدتي، هل أنتِ معي؟

قال الرجل.

— نعم.

— أولًا، أعتذر عن إرسال الرجل الذي أخافك… لقد كان من الخطأ أن أبعثه إليك.

ليلى لم تردّ، فقط كانت تستمع.

— كنتُ فقط أريد رؤيتكِ… أردتُ التحدث إليك، لكن لم يُتح لي الوقت لأتي بنفسي.

ظلّت ليلى صامتة.

— سيدتي… هل تسمعينني؟

— نعم.

قال الرجل بنبرة راجية:

— هل يمكنني أن أراكِ؟

ردّت ليلى بحزم، تحاول إخفاء خوفها:

— كلا.

أكمل الرجل بهدوء:

— أعلم أنني شخص غريب، وربما أبدو مخيفًا…

معكِ كل الحق أن تظنّي بي ما تشائين،

ولا أطلب منكِ أن تثقي بي،

لكن أقسم لكِ أنني لن أؤذيكِ أبدًا.

لم تردّ ليلى، فقط ظلّت تستمع، والنبض في قلبها يتسارع.

قال أخيرًا:

— هذا رقمي.

إن غيّرتِ رأيكِ يومًا، فقط اتصلي أو أرسلي رسالة، وسأبعث أحدهم ليقلكِ.

— وبالطبع… لن يكون ذلك الرجل.

ثم أغلق الخط، وترك ليلى في صمتها… وأفكارها.

جلست ليلى على الكرسي، وعيناها لا تفارقان الهاتف الذي بين يديها.

بقيت على هذا الحال مدة طويلة، شاردة الذهن، لا تُبعد ناظريها عن الشاشة، وكأنها تنتظر شيئًا ما... أو تخشاه.

قطع شرودها المفاجئ صوت الهاتف وهو يرن من جديد، مما جعلها تفزع ويسقط الهاتف من يدها.

أمسكت به بسرعة، بخوف شديد، وكأنها تمسك بأداة خطيرة جدًا.

أقبلت بوجه الهاتف نحوها لترى من المتصل، وتضرعت في قلبها ألا يكون ذلك الرجل مرة أخرى.

وما إن رأت اسم المتصل حتى حمدت ربها مرارًا وتكرارًا، ثم أجابت على الفور.

جاءها صوت إليان من الجهة الأخرى، ليُطمئن فؤادها قليلًا:

— ألو، ليلى؟

قالت ليلى بسرعة:

— نعم، نعم، إليان، هل كل شيء بخير؟

أجابت إليان:

— نعم، لا شيء… لكن الليلة لدي خفارة، فلن أستطيع المجيء.

قالت ليلى بهدوء:

— حسنًا، انتبهي لنفسكِ.

ردت إليان:

— وأنتِ أيضًا… لا تتأخري بالعودة إلى البيت.

رجعت ليلى إلى المنزل في وقتٍ أبكر من العادة، كون الجو لم يكن جيدًا رغم أنه شهر أبريل.

لكن الحوار الذي دار بينها وبين ذلك الرجل على الهاتف لم يغادر عقلها.

رغم أنها حاولت بكل الطرق أن تركز على عملها، ورغم أنها قد رفضت الأمر وقالت إنها لن تذهب…

إلا أن قلبها كان يقول لها — وبشدة — اذهبي، من غير توقف، بينما عقلها كان مُصرًّا على تجاهل الأمر، رافضًا له رفضًا قاطعًا.

وصلت ليلى إلى منزلها، ونزعت حجابها، وأقبلت لتغسل وجهها وتصلي.

وبعدها أسلمت نفسها إلى السرير، وغرقت في سباتٍ طويل، متجاهلةً كلًا من عقلها وقلبها.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فِي لَيْلَةٍ يَنايِرَ العاصِفَةْ

المؤلف الشّـــجَـــن
2025/08/31 مستمرة
قائمة الفصول (5)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة