الزائر الغريب

الزائر الغريب

29 0

مرّت ثلاثة أشهر كاملة منذ تلك الليلة الغريبة.

عادت ليلى لحياتها كما كانت تعيشها من قبل،

رغم أن شهر أبريل قد حلّ، إلا أن البرد لم يرحل بعد.

الأمطار ما زالت تنهمر، والصواعق ترسم خطوطًا من نار في السماء الرمادية.

صباح يوم الاثنين، فتحت ليلى باب الصيدلية كعادتها، ودخلت.

بدأت بمسح رفوف الأدوية، والطاولة، والكراسي…

كانت تحب أن تشيع حولها رائحة نظيفة لطيفة — فراولة، أو خوخ — تبعد بها عن الأجواء رائحة الأدوية المعتادة، كي يشعر المرضى ببعض الراحة والسكينة.

وضعت القماش من يدها عندما شعرت أن أحدهم دخل.

رفعت رأسها، وأقبلت نحوه بابتسامة مرحة.

كان رجلًا في منتصف الأربعينات، بلحية خفيفة سوداء وبشرة حنطية…

لا يشبه سكان المدينة في شيء.

فالروس غالبًا أصحاب بشرة بيضاء، وشعر أشقر أو بنيّ فاتح،

وعيون كحجارة الزمرد أو الياقوت، زرقاء أو خضراء.

أما هذا الرجل…

فطوله، وبنيته، وعيناه العسليتان، وبشرته الحنطية، وبدلته السوداء…

كلها جعلته يبدو بهيئةٍ مهيبة، فيها كاريزما لا تُنكر.

تعجّبت ليلى من مظهره، من اختلافه، لكنها لم تُظهر شيئًا من ذلك.

قالت له، كما تقول لأي مريض:

— صباح الخير، سيّدي. كيف يمكنني مساعدتك؟

أجاب الرجل سؤالها بصوته العميق:

— هل تذكرين، يا آنسة، ليلة الخامس عشر من يناير؟

تجمّدت ليلى للحظة.

ثم ردّت بصوت خافت، تحاول أن تتصنع القوة:

— لا... لا أذكر. ذاكرتي ليست قوية.

ثم أضافت وهي تبتعد قليلًا، تمشي نحو رف الأدوية حيث هاتفها:

— هل يمكنني مساعدتك، سيدي؟ هل تحتاج إلى دواء... أو أي شيء آخر؟

اقترب الرجل منها خطوة، وقال بنبرة هادئة:

— سيدتي... ملاك...

لكن قبل أن يُنهي كلمته، رفعت ليلى هاتفها في وجهه بسرعة وقالت بصوت حازم:

— سيدي، خطوة واحدة أخرى وسأتصل بالشرطة.

تراجع الرجل بسرعة خطوتين إلى الوراء، رافعًا يديه:

— آنستي، أرجوكِ... أنا لا أريد إيذاءك، أقسم لكِ. فقط اسمعيني للحظة.

صاحت ليلى، وقد بدأ صوتها يرتجف:

— غادِر... أرجوك. أنا لا أعلم شيئًا.

نظر الرجل إليها، ثم أخرج ورقة صغيرة من جيبه ووضعها على الطاولة:

— هذا رقم سيدي... الذي أنقذتِه في تلك الليلة.

إنه فقط... يريد أن يشكرك.

ثم غادر.

تركت ليلى واقفة في مكانها، لا تتحرّك، لا تُصدق ما حدث.

يدها ما زالت تمسك بالهاتف، لكنه الآن يرتجف في قبضتها.

سحبت قدميها بصعوبة، وكأن الأرض أصبحت ثقيلة.

جلست على الكرسي خلف الطاولة، ودفنت رأسها في كفّيها.

بردٌ شديد اجتاح جسدها…

كأن روحها غادرت للحظات، وتركَتها وحيدةً في زحام من الأسئلة لا تنتهي.

لم تستطع ليلى أن تنهض من مكانها…

جلست لساعات لا تشعر بمن حولها، ولا بما حولها.

كل شيء تجمّد.

حتى شعرت بلمسة دافئة على كتفها، وصوت حنون يهزّها برفق:

— ليلى، عزيزتي… هل أنتِ بخير؟

رفعت ليلى رأسها ببطء، وجهها شاحب، عيناها تغمرهما الدموع.

— جدتي…

قالت السيدة ماريا بصوت قلق:

— ليلى، هل كنتِ تبكين؟ هل حدث شيء؟ هل سمعتِ خبرًا عن والديكِ؟ هل كل شيء بخير؟

مسحت ليلى وجهها بكفّيها الصغيرتين، تحاول أن تُخفي ما بها:

— لا... لا شيء يا جدتي، كلهم بخير.

فقط… شعرت أن ضغط دمي انخفض قليلًا من التعب. لا تقلقي.

جلست السيدة ماريا إلى جوارها، وبدأت تمسح على ظهرها بحنان:

— لا أعلم ماذا يجري معكِ، يا ابنتي…

لكن أسأل الله أن يُخفف عنكِ، ويريح قلبك.

لم تستطع ليلى أن تمسك نفسها أكثر.

ارتمت في حضنها بقوة… كأنها طفلة صغيرة تهرب من عالم لا تفهمه.

كانت بأمسّ الحاجة إلى هذا الحضن…

ذلك الحضن الدافئ المليء بالراحة، المليء بالصدق.

فأمها وأباها بعيدين عنها…

لا تستطيع زيارتهم بسبب عملها، وهم لا يستطيعون المجيء بسبب مرض والدها وانشغال والدتها.

وكان قلبها يفتقد حنانهم كل يوم.

…

غادرت السيدة ماريا بعد أن أخذت أدويتها، وقبل المغادرة طلبت من ليلى أن تُغلق الصيدلية وتستريح قليلاً.

فعلت ليلى ما طلبته منها.

لم يكن في جسدها ذرة قوة تكفي لمواصلة اليوم…

عادت ليلى إلى منزلها، والأفكار لا تفارق رأسها:

"لماذا جاء ذلك الرجل بنفسه؟"

"وإن كان يريد شكرها، لماذا لم يأتِ السيد الذي أنقذته بنفسه؟"

دخلت شقتها، نزعت عنها المعطف والحجاب، ثم ارتمت على سريرها مباشرةً — على غير عادتها.

أرادت أن يضمّها السرير ويبعدها عن كل شيء…

وفعل.

احتضنها الصمت، وسرعان ما أخذها النوم إلى أرض الأحلام.

لكن لم يدم طويلًا…

شعرت بيد تهزّها، وصوت مألوف يقول بهدوء:

— ليلى... استيقظي، عزيزتي، هل أنت بخير؟

فزعت ليلى من نومها، فتحت عينيها على مصراعيها وهي تلهث:

— من؟ من هناك؟

قالت إليان، وهي تلمّ شعرها المتشابك:

— ما بكِ؟! لمَ هذا الفزع؟ هل كنتِ تحلمين بكابوس؟

تمتمت ليلى، وهي تفرك عينيها:

— لا شيء...

نظرت إليها إليان باستغراب:

— غريب... الساعة السابعة مساءً، وأنتِ نائمة بهذا الشكل؟ أين الصيدلية؟ أين الصلاة؟! ما الذي يجري معكِ يا ليلى؟

نهضت ليلى بجزع:

— السابعة؟ حقًا؟!

أشارت إليان إلى الساعة:

— نعم، إنها كذلك.

صرخت ليلى بدهشة:

— السابعة مساءً؟!

أمسكت إليان بذراعها، وأجلستها:

— اجلسي أولًا، واستجمعي شتات نفسك. ما الذي يحدث؟ أخبريني، فأنتِ لست بخير.

حاولت ليلى أن تداري الأمر:

— فقط... متعبة قليلًا.

لكن إليان لم تقتنع، قبضت على يديها ونظرت في عينيها بصرامة:

— ليلى، أخبريني الآن. ما الذي يحدث؟ من زارك؟ من أزعجك؟

لم يكن أمام ليلى خيارٌ آخر.

فعيون إليان الخضراء تعرف كيف ترى الخوف.

سردت لها كل ما حدث…

من تلك الليلة في الخامس عشر من يناير، حتى مجيء الرجل اليوم.

صرخت إليان وقد اتسعت عيناها:

— كل هذا... ولم تخبريني؟!

يا مجنونة! ماذا لو كان مجرمًا؟ ماذا لو كانوا يراقبونك؟ كان عليكِ إخباري من البداية!

ثم نظرت إلى الورقة التي تحمل الرقم، وانتزعتها:

— سأُجري الاتصال بنفسي.

حاولت ليلى منعها:

— لا، إليان، لا تفعلي. أرجوكِ، لا أعرف من يكون، ولا ماذا سيحدث...

لكن إليان لم تستجب.

اتصلت بالرقم، وفتحت المكبر الصوتي، ليصل الصوت لليلى أيضًا.

— مرحبًا، قالت إليان بصوت حاد.

جاء الرد من رجل بصوت رجولي هادئ:

— مرحبًا، سيدتي.

قالت إليان بلهجة صارمة:

— أخبر رجالكم ألا يقتربوا من صديقتي بعد الآن.

وإلا... فستكون الشرطة بانتظاركم.

ثم أغلقت الهاتف، ومسحت الرقم، ومزقت الورقة،

ثم أمسكت بكتفي ليلى وقالت بجدية:

— إن خابروا أو اقتربوا منكِ مرةً أخرى، أخبريني فورًا.

أو اتصلي بالشرطة دون تردد.

مرّت تلك الليلة باردة… ككل الليالي في موسكو.

لكن كلمات إليان، رغم غضبها، كانت كفيلة أن تُهدّئ شيئًا من رعب ليلى.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فِي لَيْلَةٍ يَنايِرَ العاصِفَةْ

المؤلف الشّـــجَـــن
2025/08/31 مستمرة
قائمة الفصول (5)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة