الإلقاء

الإلقاء

20 0

الفصل السادس: الإلقاء

استيقظت ليلى متأخرة. كان ضوء الشمس قد بدأ ينساب من بين الستائر، لكنه بدا خجولًا، ضعيفًا… كأنه لم يستطع أن يُبدّد ما علق في صدرها من أفكار البارحة.

جلست على السرير، مدت يدها نحو هاتفها بتردد… لا رسائل، ولا مكالمات.

أغمضت عينيها للحظة، وقالت في نفسها:

"الحمد لله…"

اغتسلت، وتوضأت، وصلت ركعتين تطوّعًا، ثم جلست على سجادتها، تدعو كما تفعل كل صباح:

> "اللهم وجّه قلبي لما تحب، لا لما أرغب، وأبعدني عن فتنة تُشبه الرحمة وتُخفي السمّ."

بعد وقتٍ قصير، خرجت إلى الصيدلية. كان الجو باردًا، لكنه ليس كأمس. والناس عادوا إلى الشوارع، فلم تكن الثلوج تعيقهم اليوم.

عادت إلى روتينها كأن شيئًا لم يحدث. استقبلت المرضى، رتّبت الأدوية، قدّمت النصائح، وابتسمت كما اعتادت.

ورغم أن من يراها يتعجب من هدوئها، إلا أن حربًا خفية كانت تدور في داخلها… ما بين صوت العقل وصوت القلب.

أخذت نفسًا عميقًا، ونظرت إلى الساعة، كانت تشير إلى السادسة مساءً.

أغلقت الصيدلية، ثم أرسلت رسالة إلى إليان:

> "مرحبًا إليان، سأذهب إلى ذلك الرجل. أعتذر منكِ لأنني لم أسمع لنصيحتكِ، لكن… أريد أن أراه."

لم يأتِ رد من إليان، لكنها كانت تعرف أن صديقتها لا تستطيع الرد بسبب عملها في المستشفى.

سارت ليلى في الشارع قليلاً، فالتقطت عيناها سيارة سوداء تقف في زاوية الطريق — كانت هي نفس السيارة التي رأتها من قبل يوم جاء الرجل إليها.

مشت بخطوات واثقة، رغم أن في داخلها خوفًا لا يوصف.

طرقت زجاج السيارة برقة، وقالت:

"أنا أعلم أنكم رجال ذلك الشخص... خذوني إليه."

فتح أحدهم الباب، ونظرت إلى من يجلس بالمقعد الأمامي، ثم نزل وفتح لها الباب الخلفي.

قال بنبرة محترمة:

"تفضلي، سيدتي."

دخلت ليلى إلى السيارة وقالت بحزم:

"توقّف عن إخبار سيدك… لا أريده أن يعلم أنني أتيت بنفسي."

تعجّب الرجل من دقتها، وكأنها قرأت ما كان على وشك فعله.

ثم أردفت ليلى بصوت خافت، وهي تنظر من النافذة:

"مَن هو سيدكم؟"

لم تأتها أي إجابة.

فتمتمت بسخرية هادئة:

"يبدو أن سيدكم يعرف جيدًا كيف يجعل رجاله يصمتون…"

توقّف السائق عن القيادة عندما وصلا إلى قصرٍ كبير، يشبه القصور الفيكتورية القديمة.

كانت ملامحه تشي بالعراقة أكثر من الفخامة، بنوافذ عالية مقوسة، وأبواب خشبية ثقيلة مزخرفة بنقوش دقيقة، كأنها نُحتت بيد فنانٍ عاشقٍ للتفاصيل.

واجهته مكسوّة بالحجر الرمادي المعتّق، تتسلّقها أغصان اللبلاب الأخضر كأنها ذكريات قديمة تأبى الرحيل، بينما تعانق شرفاته الواسعة أعمدة من الحديد الأسود المشغول على الطراز الكلاسيكي.

أمام القصر امتدت حديقة فسيحة، هادئة، تغمرها رائحة التراب بعد المطر.

أشجار الصنوبر والسرو مصطفّة بترتيب غريب، كأنها تحرس المكان بصمت مهيب.

وبينها تنتشر مصابيح حجرية صغيرة، بعضها مضاء بضوء خافت مائل إلى الصفرة، يُضفي على الحديقة ملامح الغروب الدائم.

أزهار نادرة نمت على جانبي الممر الحجري المؤدي إلى مدخل القصر؛ زهور بنفسجية وأخرى بيضاء، يشبه عبيرها صلاةً صامتة تتصاعد مع البخار الخفيف المنبعث من الأرض الباردة.

نافورة حجرية صغيرة تتوسط الحديقة، كان ماؤها ينحدر برقة، كأنها تهمس باسمٍ ما... لم يُكشف بعد.

كل شيء في المكان — الهواء، الضوء، الصمت — كان يوحي بشيءٍ عالقٍ بين الماضي والحاضر... كأن الزمن نفسه توقّف عند هذا الباب.

ما إن وصلت إلى الباب الداخلي للقصر، حتى أقبل الخدم واحدًا تلو الآخر، مصطفين بشكل مرتب ومنظّم، وكأن الجميع كان يعلم بمجيئها وينتظرها.

اقتربت منها امرأة في الخمسينيات من عمرها، ذات ابتسامة جميلة ووجهٍ بشوش، وقالت وهي تشير إلى الداخل:

"تفضّلي سيدتي، من هنا الصالة."

كانت الصالة لا تقل فخامةً عن الخارج.

واسعة، وكل ركن من أركانها يشهد على الذوق الرفيع: الجدران المزينة، الأثاث الفاخر، البيانو الذي يقف على بُعد أمتار، وكأنه ينتظر من يعزف عليه لحناً ناعماً.

شعرت ليلى وكأنها عادت إلى القرن العشرين.

قطع ذهولها صوت خطوات رشيقة تقترب، مما جعلها تقف على قدميها بشيء من التوتر ممزوجٍ بالاحترام.

دخل الرجل الذي كانت تنتظره، وهو يمد يده قائلاً:

"مرحبًا، سيدتي."

نظرت ليلى إليه مطوّلاً، من رأسه حتى أخمص قدميه، تتأمل ملامحه وتتذكر شحوبه تلك الليلة... ثم تعود لتنظر إليه الآن، بكامل صحته وابتسامته الهادئة.

قال مجددًا، ولا يزال يمد يده:

"سيدتي؟"

عادت ليلى إلى الواقع، وضعت يدها على صدرها وقالت:

"أعتذر، لكن لا يمكنني مصافحتك."

نظر إلى حجابها، وفهم ما تعنيه، ثم أشار لها بالجلوس قائلًا:

"لا حاجة للاعتذار، بل أنا من يجب أن يعتذر. تفضّلي."

جلست ليلى وهي تغضّ بصرها.

كسر الصمت صوت الخادمة وهي تضع فنجان القهوة وبعض المرطبات على الطاولة.

قالت ليلى بابتسامة، عندما انحنت الخادمة للمغادرة:

"شكرًا لكِ."

عاد الصمت من جديد.

ارتشفت ليلى من فنجان القهوة، ثم تنفّست بعمق وقالت:

"هل جرحك بخير؟"

ابتسم الرجل وهو ينظر إلى موضع الجرح:

"أنا بخير... بفضلكِ، آنستي."

رغمًا عنها، ابتسمت ليلى باطمئنان وهمست:

"الحمد لله."

ثم تابعت بنبرة جدية وهي تنظر إليه:

"الرجل الذي جاء ذلك اليوم... هل فعلتَ له شيئًا؟ هل قتلته؟"

ضحك الرجل وهو يأخذ رشفة من قهوته:

"لا أعلم ما الذي تظنينه بي، لكنني بالتأكيد لم أفعل شيئًا كهذا.

وإن كنتِ لا تصدقين، سأطلب منه أن يأتي لتريه."

قالت وهي تضع فنجان القهوة:

"لا داعي. فقط أخبرني، ما الذي تريده مني؟"

وضع الرجل فنجانه وقال:

"أريدكِ أن تعملي معي."

قاطعته قائلة:

"كلا، لا أريد أن أختلط بعملك."

قال بابتسامة هادئة:

"ليس معي مباشرة... بل أريدكِ طبيبةً لابن أخي."

نظرت إليه باستغراب:

"سيدي، أنا صيدلانية، لستُ طبيبة، ولا طبيبة أطفال."

قال وهو يعدّل جلسته:

"أعلم، لكنكِ الوحيدة التي أثق بها."

قالت ليلى بجديّة أكثر:

"إن كانت ثقتك بي بسبب تلك الليلة، فأي شخص كان سيفعل ما فعلتُه."

أجاب:

"بل أنتِ فقط."

وقفت وهي تحمل حقيبتها:

"سأغادر الآن، سيدي."

أمسك بيدها سريعًا وقال:

"إذا وافقتِ... سأساعدكِ في علاج والدكِ."

نظرت إليه بصدمة، ثم إلى يده وهو يمسكها وقالت بصرامة:

"سيدي، أبعد يدك عني أولًا،

ويبدو أنك تعلم عني أكثر مما ينبغي... وإذا كنتَ تبتزّني بحياة والدي، فسأتصل بالشرطة حالًا."

ترك يدها فورًا وقال:

"لست أهدّدكِ، أقسم... فقط خانني التعبير."

قاطع حديثهما صوت الهاتف يرنّ.

نظرت ليلى إلى شاشة هاتفها، فإذا بها إليان.

أغلقت المكالمة مباشرة، لكن إليان عاودت الاتصال، مرارًا.

قال الرجل بهدوء:

"ردّي، طمئنيها."

فتحت ليلى الاتصال، وما إن فعلت حتى جاءها صوت إليان الغاضب:

"اللعنة يا ليلى! لماذا لا تردين؟ هل تعلمين كم خفت؟! هذا الهراء الذي كتبتيه... لو لم تردّي كنت سأتصل بالشرطة! هل أنتِ بخير؟ هل ما زلتِ على قيد الحياة؟!"

قالت ليلى ضاحكة:

"كنت على قيد الحياة قبل هذا الصراخ، أما الآن فطبلة أذني تمزقت."

صرخت إليان مجددًا:

"ليلى! هل تمزحين الآن؟!"

قالت ليلى:

"سنتحدث لاحقًا، سأغلق الآن."

أغلقت الاتصال، ونظرت إلى الرجل:

"أعتذر عنك."

قال مبتسمًا:

"لا بأس."

وقبل أن تخرج، قال مجددًا وهو يمسك بأكمام قميصها بلطف:

"سأنتظر إجابتك."

غادرت ليلى عبر الطريق نفسه.

في الخارج، كان في استقبالها نفس الرجل الذي جاء إلى الصيدلية ذات يوم.

قالت له مازحة بابتسامة:

"يبدو أن سيدك لم يقتلك."

ردّ الرجل متعجبًا من كلامها:

"رغم أن سيدي يبدو مخيفًا أحيانًا، إلا أنه لطيف... ليس كما تظنين."

قالت وهي تدخل السيارة:

"سيدك، الذي كان يراقبنا من هناك... ما اسمه؟"

قالت ليلى وهي تدخل إلى السيارة:

"سيدك الذي ينظر لنا من هناك... ما هو اسمه؟"

نظر الرجل إلى الأعلى حيث كان يقف صاحب القصر خلف إحدى النوافذ المرتفعة، يراقبهم بصمت، يده خلف ظهره ونظراته لا توصف.

أجاب السائق وهو يشغل المحرك:

"اسمه... أليكسي ديمتري."

رفعت ليلى حاجبيها ببطء، تمتمت باسمٍ غريب عنها:

"أليكسي..."

ثم صمتت، نظرت إلى نافذة القصر للحظة، لكنها لم تلمحه... كأنه اختفى.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فِي لَيْلَةٍ يَنايِرَ العاصِفَةْ

المؤلف الشّـــجَـــن
2025/08/31 مستمرة
قائمة الفصول (5)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة