بدأ هتون المطر الرقيق بالهطول على الأرض والإصطدام بوجهي مع لفحة الهواء البارد التي تجمد أنفي وأذنيِّ وتلسع شفاهي... وتُكوِّن بعض الندى على أهدابي وعلى سترتي الصوفية
أخذت نفسا عميقا من الهواء المنعش والبارد والمشبع برطوبة الأمطار لعل ذلك يخفف من وتيرة نبضات قلبي
ابتلعت لعابي الذي جف أو تجمد بسبب الهواء البارد الذي دخل لفمي...
ثم نزلت من على الرصيف متوجها لسيارة الأجرة التي أوقفتها وأنا أشعر بأن الهواء يدخل عبر ياقتي حتى رقبتي؛ فأحسست ببعض القشعريرة
توجهت إلى ذلك المحل الصغير القريب من المقهى الذي أفضل أن احتسي فيه فنجانا من الشاي مع فعل أشياء عشوائية مثل مشاهدة فيديو او الدراسة او القراءة
دخلت المحل فلفح وجهي البارد هواء المكيف الساخن
:"اوووه، مرحبا عزيزي إيلفار لم أرك منذ اسبوع "
كان ذلك صوت الرجل السمين صاحب المحل والذي تقفر من عمره خمسين عاما وتقفر معها صحة صوته بسبب السجائر
فابتسمت له وقلت
"أوه مرحبا سيد جون، كيف حالك "
فرد السيد جون:
" بخير... وانت بني ما الذي تفعله بالخارج في مثل هذه الأجواء "
ضحكت ضحكة بسيطة مردفا وأنا اتوجه لذلك الرف الذي يحوي مجموعة من دفاتر الملاحظات التي تكون بحجم كف اليد:
" جئت كي آخذ دفعتي الجديدة من دفاتر الملاحظات "
ضحك صاحب المحل وقال:
" أنت تذكرني بِإبراهام لينكولن ... حيث أنه كان يحتفظ دائما بأوراق صغيرة في جيب قبعته يسجل عليها ملاحظاته "
"واو حقا!!"
قلتها بعد ان اخذت ثلاثة دفات بابتسامة متصنعا الدهشة رغم معرفتي بهذه المعلومة من قبل من باب التهذيب واللباقة
حيث انني قرأت سيرة إبراهام لينكولين وكيف كان يستخدم قبعته الويلة والشهيرة (Stovepipe Hat) كدرج يضع فيها قصاصات اوراق او رسائل او اشياء لا يريد أن ينساها
وضعت ما في يدي على الطاولة وحاسبت ثم خرجت مودعا السيد جون
بمجرد أن فتحت باب المحل للخروج استقبلتني نسمات الهواء المتجمدة حاملة معها زخات المطر التي عادت للإلتصاق بي
توجهت اللى المقهى المجاور الذي أرتاده تقريبا كل يوم وجلست على نفس الطاولة والتي أظن أن لا أحد يجلس عليها معتقدين أنني من اشتريتها بسبب كثرة تواجدي هناك
(كانت فكرة عشوائية خطرت لمخيلتي)
طلبت فنجانا من الشاي كالعادة وشطيرة مربى البرقوق الشهية مستعدا لفتح الرواية التي اشتريتها (مرتفعات عاصفة) كي اتصفحها وأرى أثر اصحابها القدامى عليها
كانت أوراقها تميل للون البرتقالي وكأن الصدأ بدأ يأكلها وبعض؛أطرافها مطوية للداخل ومتكسرة وتفوح منها رائحة الورق القديم
وجدت بعض الخربشات على الصفحة الاولى، والصفحة الاخيرة كانت ممزقة من المنتصف ولحسن حظي انها ورقة فارغة
صحيح انني قرأتها من قبل إلكترونيا، لكن اقتناء طبعة نادرة منها هي كنز بالنسبة لي على الاقل...(المرة القادمة سأبحث عن نسخة من رواية البؤساء)
أغلقتها بعد أن وصل طلبي المعتاد وبدأت فطوري وأنا انظر حولي للضباب من خلال زجاج المقهى محاولا التفكير في شيء غير كرة الشعر العنكبوتية تلك
قاطع علي جسة الإسترخاء هذه حضور إليان وجلوسه أمامي بحماس وبتلك الإبتسامة والتي تعني وجدت مصيبة... اقصد مغامرة جديدة
انحنيت بنصف جسدي على الطاولة وأنا انظر له نظرات مترقبة وقلت:
"إذن؟ "
ظل صامتا لعدة ثواني ثم انحنى مقتربا مني وهو يهمس بحماس
"اكتشفت سر خطيرا... ليس خطيرا كثيرا، لكنني لم أجد كلمة اخرى اقولها او اعبر بها"
رفعت حاجبي انتظر كمالة الحديث... فاتبع بصوت متحمس:
" يوجد قبو في الجامعة!!.. "
نظرت له لدقيقة أحاول استيعاب تلك المعلومة التي يعرفها الجميع
أدرك نظراتي التي كان ينتظرها لأنه قال ما قاله ليرى تعابيري هذه فاكمل مرة أخرى:
" ليس هذا الخبر، بل انه متعلق بتاريخ الجامعة... جامعتنا جامعة عريقة وتاريخية... وتعلم ايضا انه تم قتل احد الطلاب في ذلك القبو... إذن... "
تسللت افكار إليان من عينيه الى عقلي بطريقة إلهامية مدهشة... حيث أنه بعد تلك الحادثة التي حدثت منذ سبعة أعوام مُنع الطلاب من دخول القبو تماما...
إذن هذا هو وقت المغامرة!...
ابتسمت له بعد ذلك بمعنى "أنا جاهز ! "
اعتدل إليان في جلسته بحماس قائلا:
"انتظرنا ايها القبو... نحن قادمان . "
ثم استرخى في جلسته لنبدأ في التخطيط لتلك المغامرة القصيرة بعد أن حصل على طلبه
كل ما كان علينا فعله هو وضع خطة محكمة كي نستطيع التسلل إلى ذلك القبو بطريقة لا تستطيع كاميرات المراقبة التقاطنا من خلاله
اتفقنا على يوم الثلاثاء كموعد لإقتحام ذلك القبو واستكشافه ويجب علينا ارتداء اقنعة كي لا نكتشف وفعل اشياء أخرى مثل تلك التي في الأفلام
شعرت بالحماسة و تعتريني وشقت الإبتسامة وجهي حتى شعرت بأن وجهي على وشك أن يتمزق
حل المساء وظللنا نتسكع لباقي الوقت حتى حان موعد العودة للسكن...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يوم الأربعاء
كنت اتمشى بملل في أروقة الجامعة واضعا يدي في أجياب بنطالي مستعدا للمحاظرة القادمة... وكنت أتذكر فشلنا الذريع البارحة
حيث أن ما حدث أننا ذهبنا لإستكشاف الممر الذي يقبع فيه القبو والبحث عن طرق أخرى لدخول القبو كالنوافذ وغيرها لكننا لم نجد شيئا يساعدنا
وأيضا طريق القبو لم يكن مؤمنًا كفاية، ولم تكن هناك كاميرات مراقبة صريحة موجهة نحو باب القبو... بل كانت موجهة في الطريق بشكل عام مع بعض النقاط العمياء والتي حاولنا إستغلالها بكل الطرق الممكنة
(كنت اشعر وكأننا في احد الروايات البوليسية لأجثا كريستي)
وصلنا عند الباب بأمان وحاولنا فتحه لكن كالمتوقع كان مغلفا، ولذلك جلبنا معنا أداة قد تساعدنا بفتح ذاك الباب الذي أستغرب كيف لم يتهالك مع السنوات
اقتربنا من الباب وحاولنا فتحه لكن ما حدث أن الدماء ضخت بقوة عبر رقبتي إلى دماغي وشكلت ضغطا على أذني وتجمدت أطرافي عندما سمعنا صوتا جاء من خلفنا
"ماذا تفعلان؟! "
تجمدنا لعدد من الثواني
حتى قررنا الإلتفات لنرى دكتور فليتشر يقف خلفنا مقطبا حاجبيه بنزق وضيق
وشفتيه كانتا مقوستين للأسفل
كان انذاك أشبه ببروفسور سنايب من سلسة هاري بوتر بنظراته تلك..
"دكتور فلتشر ؟! "
قالها إليان بتوتر بينما أنا لم أستطع إبتلاع ريقي الجاف حتى؛ بسبب الصدمة
وقد أصبحت لوزتيّ بحجم حنجرتي فلم أستطع أن اتكلم ايضا
تكلم دكتور فلتشر بنبرة مرتفعة بصوته صوته البارد والحازم القوي
"هل تعلمان أن التواجد هنا ممنوع... ويمنع على الطلاب دخول للقبو... لماذا تخالفان الأوامر؟ "
فكت عقدة لساني بصعوبة وقلت محاولا التظاهر بالبساطة
"جئنا نستكشف . "
"تستكشفان ها... أنا مصدوم من تصرفكما هذا، كيف لطالبين مثلكما أن يقدمى على تصرف كهذا... أنتما لم تخترقا قانونا بل عدة قوانين... أولا التسلل للقبو... وثانيا حيازة أدوات ممنوعة... وثالثا تبجحكما أمام دكتوركما الجامعي... ماذا تقترحان أن أفعل لكما"
قال آخر جملة من باب اللعب بأعصابنا وأنا اعرف هذه الحيلة...
لكن وفي نفس الوقت... تباً لم يكن يجب علي التصرف بتلك الطريقة أو التحدث من الأساس
فقد زادت التهم علينا
اعتذرنا عما بدر منا على وعد أن لا نكررها... وبعد ذلك.... تركنا نمضي... وبسهولة... بعد أن ربت على كتفينا بنفس التعبيرات على وجهه ثم أمرنا بالإنصراف
لا ألومه على صدمته من فعلتنا فنحن نعتبر من الطلاب المجتهدين...
(أنا بالفعل افعل اشياء كثير خارج الجامعة..واتجنب فعلها في الجامعة أو قريبا من شخص أعرف أنه من نفس الجامعة حفاظا على السمعة الجامعية...)
لا اعلم كيف انتهى الأمر هكذا
فدكتور فلتشر معروف بقسوته وحزمه
ونحن كنا ننتظر منه رد فعل مبالغ به
لكنه فاجأنا بتصرفه الغير متوقع... وعذر أننا طالبين نجيبين!... أكاد اجزم أنه لم يستخدمه طيلة حياته
والأهم من هذا كله كيف اكتشف أمرنا ؟!...
لست مقتنعا بحجته ولا اشعر بالإطمئنان تجاهه... ففعلة كهذه كنت انتظر منها إنذارا أو فصلا من الجامعة لمدة أسبوع على أقل تقدير... لكن هذا ما حدث!...
تجلى لي باب قاعة المحاضرة التي سأدخلها على بعد عشرة امتار
كنت سأحث الخطى لأدخلها لكنني توقفت دقيقة بعد أن نخر رأسي صداع غريب أبهِم الرؤية أمامي...
لأحاول استيعاب ما خُيّل لي ما رأيته أو أنني بالفعل رأيته...
رأيت كرة الشعر تلك تخرج مسرعة من نفس القاعة التي كنت سأدخلها بعد ثوانِ!...
كانت سوداء قاتمة وتمشي بسرعة
وصوت النقرات المتتابعة واللزجة لقوائمها على الأرض أصابني بالغثيان
تابعتها بنظري حتى كادت تختفي...
أدركت ذلك بسرعة وأصبحت أتتبعها وأنا أكاد لا أشعر بقدميّ؛ بسبب هروب الدماء منهما وتركزها في عنقي وأصداغي
أصبحت أشعر بأمعائي تتقلص وتختلط ببعضها بعضا...
وصلت إلى آخر مكان دخلت إليه كرة الشعر تلك
وقد كان القبو...
والذي وبشكل مفاجئ
كان بابه مواربا... وتخرج منه الرياح!...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رأيكم أحبابي 😊💓
كامل الحب Luseana Morkan 🦋✨