احسست بالرياح الباردة القادمة من باب القبو تصطدم بأذنيّ التي تجمع فيهما الدم من ضغط الموقف
قدمت قدما وأخرت الأُخرى متجها إلى هناك محدقا بالظلام خلف الباب والذي كان بدوره يحدق بي!...
صدر صوت صرير إثر احتكاك مفاصل الباب الصدئة بعضها ببعض بعد أن دفعته بأطراف إصبعي الوسطى والبِنصر موسعا من رقعة الظلام التي تطل علي وفي نهايتها كان هناك نور شحيح... لتظهر من بينه أول عدة درجات ويلتهم الظلام باقيهن
نزلت أول درجة والثانية والثالثة... و كان كل ما اسمعه هو صوت وقع اقدامي على بلاط الدرج المتكسر وصوت ضربات قلبي في اذني ومؤخرة رأسي من الأسفل...
غصت في الظلام وأنا أفكر: ألن يغلق الباب من تلقاء نفسه بسبب أنني دخلت قبوا مسكونا اتبع بخلوقا ما كما يحدث في الأفلام...
نظرت خلفي ووجدت أن الباب بقي مواربا كما وجدته...
أكملت النزول حتى وصلت إلى نهاية الدرج والتي كانت قبوا فسيحا مليئا بالأرفف الحديدية كما في كل الأقبية...
ويوجد تلك خلف تلك الرفوف الحديدية _المليئة بالصناديق مختلفة الخامات بين حديد وخشب وورق مقوى مليئة بالأوراق والعدة المتنوعة _ من الأعلى نوافذ مستطيلة ممتدة يغطيها العشب الذي منع أشعة الشمس من الدخول إلا أشعة شحيحة منها...
لم يكن سوداويا لتلك الدرجة... حتى أنني استطعت أن اسمع صوت زقزقة العصافير ونباح كلبٍ ما من الخارج!!..
صوت اصطدام... سمعت صوت اصطدام كرة حديدية صغيرة على الأرض عدة مرات ثم اتبعها صوت تدحرجها على الأرض الباطونية*...
اتبعت مصدر الصوت وأصبحت أبحث بين الرفوف بحثًا عن كرة الشعر تلك... قد تسألونني كيف لا أخاف منها؟
حقيقة إن شكلها مُروع... ووجودها بحد ذاته غريبا... وظهورها المفاجئ يسبب لي توترا... لكني وفي النهاية اعتقد أنني بدأت أتعود عليها!!..
انحنيت على ركبتي ووضعت يدي على تلك الأرضية المُغبِرة واطللت برأسي أسفل الرفوف... فوجدت ظلًا في نهاية القبو!..
وقفت ونفظت كفي بعضهما ببعض واتجهت نحوه بحذر وأنا اتقدم بوتيرة مترددة وأنفاس أجاهد في جعلها طبيعية!..
اقتربت من نهاية القبو وكما هو متوقع لم أجد شيئًا...
عدت أدراجي وانا استغل فرصة وجودي هنا في استكشاف هذه الغرفة التي لم يدخلها أحد غيري منذ سبعة سنوات
هذا ما اعتقدته قبل أن اتمعن حولي وأجد آثار الغبار غير متساوية... مما أكد لي أن هناك أحد يدخل ويخرج بين كل فترة وفترة !!!..
نظرت حولي وأنا أتنفس بصوت مرتفع من فمي حتى أوقفته لثانيتين بعد أن لفتت انتباهي جسم مغطى بقماش أبيض يكاد أن يسقط من عليه
تقدمت له وأزلت عنه الغطاء بقوة ليتناثر الغبار من حولي ويتنعكس عليه أشعة الشمس التي تحارب لتقتحم ظلمة هذا القبو الموحش...
وجدت أن هذا الجسم الذي كان مغطًا هو مرآة قديمة متسخة الأطراف بطبقة خضراء مزرقة نتجت عن تأكسدة الفضة وتلف الطلاء الداخلي للمرآة وتعرضها للرطوبة والغبار *...
كانت وكأنها نسخة مصغرة من المرايا التي تظهر في أفلام الرعب الكلاسيكي..
تركت الغطاء القماشي المهترء جانبا رافعا يدي اليسرى منتويا أن أزيل طبقة خفيفة من الغبار عنها ما لم يوقفني صوت فحيح لزج من خلفي!
التفت مسرعًا لأرى مصدر الصوت ولم يتسنى لي أن استوعب شيئا حتى رأيت كرة شعر سوداء عنكبوتية بدون ملامح ما عدا ابتسامة واسعة واسنان صفراء حادة ولعاب متطاير تركض نخوي بسرعة مرعبة...
قفزت نحوي مصطدمة بوجهي موقعةً إياي للخلف وأنا أفكر في هذه اللحظة وبدون داعي ( هل سوف أصبح فينوم*!!)...
وقعت على الأرض والتي تكن أرضية القبو الباطونية بل كانت أرضا عشبية ندية!!..
لفحت نسمات هواء عليلة ورطبة محملة بالندى قسمات وجهي وعابرة خلال أقواس أذنيّ وقارسةً لأنفي بشكل محبب.
فتحت عيني انظر حولي لأجد المكان قد تحول وأن القبو أمامي يطل علي من إطارٍ خشبي مستطيل وكان نصف جسدي داخله والنصف الآخر في غابة مشبعة باللون الأخضر وضباب مائل للزرقة بسبب انعكاس النباتات عليه وتخلل بعض أشعة الشمس التي لم تظهر في لوحة فنية خطفت نظري ولبي.
(لقد دخلت الى عالم آخر عبر المرآة!!!...)
عكر علي صفو الأجواء وأمواج تفكيري أصوات هسهسة غليظة من خلفي والتي كانت تعود لتلك العنكبوت...
انتفضت واقفا مبتعدا عنها ولم أتحول لـ(فينوم) بل وعلى ما يبدو أنني انتقلت لعالم آخر خلف مرآة تقبع في قبو الجامعة!...
هربت العنكبوت إثر انتفاضي وأصوات احتكاك جسدها ببعضه بعضا وقرقعة أرجلها المفصلية على العشب الندي علق بأذني وأشعرني بالغثيان وبضيق في منصف قفصي الصدري
تجول بعيني في هذه الغابة الساحرة متقدما بضع خطوات للأمام
ابتسمت بعدم تصديق لأن أحد خيالاتي قد تحقق وها أنا في غابة ساحرة مكتظة بالضباب الرطب سرعان ما انمحت ابتسامتي واكفهر وجهي وسحبت الدماء منه واحسست وكأنها نزلت في بطني وأثقلت أطرافي عندما وجدت أن المرآة لم تعد موجودة
تلفتت حولي كالمجنون أبحث عنها على أمل زائف بأن أجدها
فقدت الأمل تماما وانهرت على الأرض جالسا إلى جذع شجرة بأنفاسي الثقيلة والقلق والتوتر اعتريا رئتاي واضطرب نبضي...
نظرت حولي ولذلك المكان الذي دخلت منه كرة الشعر تلك...
فوقفت أنفض يدي وملابسي عازما التوجه عكس اتجاه ذهاب كرة الشعر والتي كانت بحجم قطة قبل الدخول للمرآة والآن هي بحجم كلب..
باشرت في المشي مبتعدًا لكن توقفت بتردد وأنا افكر لما لا ألحق بها
اعدت توجيه جسدي وأقدامي جهة ذهاب العنكبوت وأمسكت بفرع شجرة بحجم مضرب البيسبول مستعدا لأي هجوم قد يبدر من أي مخلوق عجيب
ظللت امشي لما يقارب الساعة وأنا أتوغل داخل تلك الغابة والتي بدأ الظلام يكتسيها والخوف بدوره اكتساني ودفعني للركض مسرعا وبشكل عشوائي في الغابة علّي أجد مخرجا أو نهرا أشرب منه بسبب عطشي ويرشدني إلى أي مكان...
ركضت حتى أحسست بقصور دمي وأعضائي وثباتهم في أماكنهم إثر سقوطي من علي منحدر طيني بشكل مفاجئ فتجمع كل الدم في رأسي وأحسست بإنضغاط احشائي...
فأصبحت أتدحرج بشكل عشوائي تلك الدحرجة التي لم أستطع منعها وأنا أشعر بالأغصان المتناثرة على الأرض تطعن جلدي والطين يلوث ملابسي الصوفية فاتحة اللون ويلوث معها أجزاء متفرقة من وجهي
توقفت أخيرًا عند نهاية المنحدر بعد اصطدام رأسي بشيء ما أثناء السقوط
احسست برأسي ينزف دما واصبحت الرؤية مشوشة امامي وشعرت بارتخاء فكي السفلي والمريء إثر إصابتي بالغثيان
اصبحت أفكر بأشياء عشوائية مُبارِكًا لنفسي أنني وعلى ما يبدو أصبت بإرتجاج دماغ متكرر أثناء حالة هشاشة دماغية... إذ أن دماغي اصبح أكثر حساسية بعد الحادث الأول ولم يتعافى بعد في تلك المدة القصيرة!...
قطع علي وصلة هلوستي الداخلية ظهور كرة الشعر السوداء جانب جسدي المشلول وقريبا من رأسي وامام عيني المشوشة والتي ابصرت بها وجه كرة الشعر الذي كان كالنفق المظلم... حتى أن فمها ذي الأسنان الحادة اختفى
حاولت أن اقاوم نوبة الإغماء التي نجحت في محاولة سحبي إلى ظلمات اللاوعي، وآخر ما رأيته هو نصف وجه بشري انعكس داخل وجه كرة الشعر المظلمة يبتسم ابتسامة شيطانية بأسنان أظن أنني رأيتها حادة
لتتشابك رموش وتطبق أجفاني بعضها فوق بعض بعد تلاشي كرة الشعر العنكبوتية على شكل دخان أسود في الهواء والذي دفعته الرياح على وجهي ليشعرني بلسعات رملية قبل أن أفقد الوعي تمامًا...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* الأرض الباطونية: هي الأرض المصبوبة بالإسمنت بدل تغطيتها بالبلاط
* يطلى الزجاج من الخلف بالفضة والألمينيوم مكونا طبقة عاكسة وهي المرآة ويطلى بطبقة أخرة مثبتة له ، وتعرضها للرطوبة والإهمال يسبب تأكسد الفضة والألمينوم مكونا طبقة سوداء او خضراء مزرقة على الأطراف... وهي تعتبر تلف داخلي يصعب تنظيفه
* قصور الدم او بمصطلح آخر القصور الذاتي وهو بسبب تحرك جسم ما بشكل مفاجئ مع وجود اشياء بداخله مانعت من تغير حالتها الحركية مثل ممانعة جسدك عن تغيير وضعيته الحركية ورجوعه إلى الخلف عند انطلاق السيارة بشكل مفاجئ وهذا ما حدث مع دماء واعضاء إيلفار
رأيكم يهمني 🫂💞☺️
مع خالص الحب والتحية Luseana Morkan 🌷🤍