أصوات لزجة تصدر عن أقدام الصراصير في هذا المكان...
رائحة رطوبة إمتزجت بالعفن فاحت وأصبحت تعبق بالإجواء بشذاها النتن...
ضوء شمس ضئيل دخل من بين قضبان تلك النافذة الصغيرة التي لا تتسع لرأسي ...
صوت خطوات قادمة...
طل عليّ من خارج القضبان بهيئته منحنية الظهر ويديه المتشابكتين بتوتر أمام صدره ناظرا بعينيه للأسفل ثم يرفعها لي معتذرا وهو يتمتم:
ــ"أنا أعتذر صديقي إيلفار... لم أقصد أن يصل بك المطاف إلى هنا"
نظرت له بابتسامة صفراء وأنا اقترب منه قائلا:
_" لا عليك كوبر... "
حتى وصلت قرب قضبان السجن الحديدية وأخرجت يدي من بينهما بسرعة منقضا عليه ممسكا اياه من كتف ملابسه المهترئة وأهزهه بعنف وأنا اتحدث بغيظ :
_......
لحظة!...
أنتم تتسائلون بالطبع سبب تحول الأحداث فجأة ووصولي خلف القضبان..
حسنًا سوف أخبركم...
بعد أن ابتعدنا أنا وكوبر عن الغابة...
أمسينا نمشي في سهل كبير وواسع تكسوه الخضرة بامتداد البصر وقد بدأت الشمس بالغروب وهي ترمي علينا أشعتها التي أمست برتقالية اللون..
نمشي باتجاه الافق الوردي أمامنا في منظر تُلخَّص فيه معاني الجمال..
وفي نهاية هذا السهل من بعيد كان هناك تلةٌ وقفت الشمس على رأسها في منظر خلاب، فحثثنا الخطا حتى وصلنا عندها وصعدناها حتى وصلنا قمتها وما كان خلفها....
لم يكن هناك خلفها شيء!...
مجرد مروج أخرى خضراء بامتداد البصر كما خلفنا....
نظرت قليلا بملامح متشنجة لكوبر والذي كان يتقدمني بعدة خطوات وأنا أقول:
_" هل ما زال علينا أن نمشي كل هذه المسافة؟!... "
نظر كوبر لي قليلا لينطق وأخيرا وهو يوزع نظره بيني وبين الفراغ:
_"لقد وصلنا"
نظرت له وللفراغ وأنا اقول بتشنج:
_"هل وصل بك الحال ان تعيش وحدك في هذا المرج الواسع "
نظر كوبر لي قليلا باستغراب ثم نظر بعدها للأسفل خصوصا عند قدمي وكأنه انتبه لشيئا ما...
ليمد يده ممسكا بيدي بعدها ساحبا إياي عدة خطوات للأمام لأصبح بمحاذاته....
ليتحول العالم من حولي فجأة... وغدا هذا المرج الأخضر الواسع قرية كبيرة تصدر عنها أصوات الحياة المختلفة من اصوات السوق وضحكات الأطفال.
وقفت متسمرا مكاني من هول الصدمة... صدمة من تحول المكان وصدمة أخرى من جماله!...
حيث كانت البيوت المبنية من الطين والخشب والقش موزعة بترتيب وانتظام باختلاف اطوالها والذي لم يبلغ طول المبنى وسط المدينة والذي يبدوا كمبنى لكبيرهم...
شدني كوبر من كم قميصي مرتين مفيقا إياي من الصدمة لأنظر له وهو يقول:
_"هذه القرية التي أعيش بها... رافيلا... قرية الأقزام.. "
ثم أشار لي بيده الأخرى جهة القرية وهو يحث الخطى للامام:
_ "هيا فلنكمل... "
لحقته بخطاي حتى صرت بجانبه حتى وصلنا حدود القرية ليشير لي كوبر عندها بالإنخفاض قليلا كي نستطيع التسلل بهدوء دون لفت الأنظار لنا...
كانت بيوت تلك القرية بأحجام طبيعية نسبيا.. ليس وكأنها لأقزام ويجب أن تكون أصغر من ذلك... سوف اسأل كوبر لاحقا..
مشينا قليلا حتى وصلنا لبيت وحيد على أطراف القرية...
ففتح كوبر الباب وأشار لي بالدخول قائلا:
_"تفضل بالدخول... هذا هو منزلي. "
كان الباب تقريبا بطولي حيث أن طوله يصل حتى حاجبيّ... فأحنيت رأسي قليلا ودخلت هذا المنزل الأقرب لكوخ والذي كان ظريفا جدا من الداخل كما الخارج...
قد تظن انه منزل مليء بالفوضى بسبب أن كوبر يعيش به بمفرده.... لكن لا... كان نظيفا ومرتبا نسبيا... ولا يوجد به الكثير من الغبار..
فقط بعض الأواني والملاعق المعلقة على الجدار... وحوض صغير ومنخفض بطول كوبر لغسل الأطباق وطاولة طعام جلب لها كرسيا آخر لأجلس عليه.
دواليب تخزين صغيرة خشبية بمحاذاةِ الحوض وأعلاه... ويوجد بها الأطباق والأكواب وزجاجاتٌ صغيرة للبهارات والكثييير من المربيات الشهية والعسل.
وكان هناك باب دائري خشبي في طرف بعيد من المنزل والذي اتضح انها غرفة نوم كوبر!!..
جلست على الكرسي الذي جلبه لي كوبر وأنا أنظر حولي بإعجاب بهذا المنزل الصغير الخلاب والأشبه بمنازل الاقزام في القصص الخيالية...
قطع علي وصلة التأمل هذه كوبر الذي وضع امامي صَنيّةً طعام عليها كأس من عصير البرتقال، وقرصٌ من الخبز كان أشبه بالخبز الفرنسي الدائري، وبعض المربى التين في صحن خشبي جميل...
وقف كوبر بجانبي قائلا بعينيه الواسعة:
_"تفضل بعض الطعام لا بد أنك جائع …"
ابتسمت ابتسامة واسعة مشمرا عن اكمامي لأبدأ بدهن المربى على الخبز متناولا اياه بنهم وقد نسيت غسل يدي من شدة الجوع (فكرت وانا آكل انه لا بد وأن شكلي كان مثل غول شره لم يأكل منذ ثلاثة ايام) كان مجرد تفكير لم آبه به وأكملت وأنا على نفس الحال
جلب كوبر كرسيا آخر ووقف عليه وبدأ يطبب جرح رأسي ويعقمه بعشبة ما بعد أن هرسها ووضعها على رأسي ولف عليها بعض الأقمشة التي بدت مثل الضمادات الطبية...
امتقع وجهي بعد أن تذكرت (لقد نسيت جرح رأسي)!!!
لا بد وأن لدي نزيف داخلي بعد الارتجاج الثاني الذي حدث لي إثر سقوطي... وسأعاني في الأيام المقبلة الكثير من الصداع والغثيان المتكرران بشكل مزعج...
ولكن وللغرابة أنني لم أحس بشيء من هذه الأعراض بعد أن مشيت لفترة طويلة وأنا أفكر بأشياء متشابكة وكثيرة واحتمالات لا حصر لها، وماذا من الممكن أن يحصل وماذا حدث في عالمي وأشياء أخرى اجهدت نفسي بالتفكير بها إلى جانب جهدي الجسدي الذي بذلته...
انهى كوبر ما كان يفعله برأسي ونزل عن الكرسي وأعاده مكانه ثم جلس عليه امامي وأصبح يتحدث فيما يجب أن نفعله لاحقا فقال:
_" الآن قد غربت الشمس وحل الليل ويجب أن تأخذ قسطا من الراحة... غدا سنذهب للسيد توم كبير القرية وسنتحدث معه عما حدث لك ونطلب مساعدته في اعادتك لعالمك والنجاة من ملاحقة لورد الظلام لك. "
إعادتي لعالمي؟
هل سأعود لعالمي حيث الناس المملون مجددا... لم يخطر لي ذلك... لقد ظننت أنني سأخوض مغامرة ما تنتهي بمبارزة سيوف بيني وبين لورد الظلام لتخلّد ذكراي كبطل أسطوري في هذا العا...
قاطع كوبر أفكاري سائلا بعد أن جلس قليلا ينتظر إجابتي:
_"هل سمعتني صديقي إيلفار؟... لا تقلق فنحن معتادون على مساعدة الناس من غير الأقزام... كالبشر والعمالقة وغيرهم "
فكرت قليلا بكلامه... حسنا هذا يفسر سبب أحجام بيوتهم الطبيعية نسبيا...
تحول مجرى تفكيري بسرعة بعد أن استوعبت شيئا فابتسمت ببلاهة بعد أن راودتني فكرة أنني في عالم سيد الخواتم وأنني سأقابل أشجارا تتكلم...
استغرب كوبر صمتي المتواصل وابتسامتي البلهاء فقال وهو يقوم عن كرسيه متجها إلي:
_"لا بد أن هذه آثار وقوعك على رأسك يجب أن تنام وتنال قسطا من الراحة كي يزول عنك التعب والإعياء صديقي إيلفار "
نظرت له بملامحي المصدومة وأصبحت أحد عيني ترمش بشكل جزئي (هل يعتقد أنني جننت بسبب سقوطي على رأسي!!!)
امسك بي من مرفقي يحثني على الوقوف ومرافقته قائلا:
_"هيا صديقي إيلفار يجب أن ترتاح "
دخل غرفة نومه وأخرج العديد من الأغطية الثقيلة ليفرشها لي على الأرض في منتصف المنزل في أكثر بقعة قد تستوعب طولي وأنا ممدد على الأرض وجلب وسادة وغطائا صوفيا آخر يقيني برودة الليل
دخلت في فراشي الذي أعده كوبر وكان قريبا من المدفأة بعد أن أطفأ كوبر الأضواء وقال لي:
_"تصبح على خير صديقي إيلفار... "
ثم ذهب بعدها لغرفته لينام... فوضتت رأسي على الوسادة لأغط مسرعا في نوم عميق بسبب التعب وبدون وصلة الأفكار الليلية والتي لا داعي لها هذه الليلة....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_"إيلفار... إيلفار... صديقي إيلفار... هيا أستيقظ "
كان هذا صوت كوبر الذي أيقظني صباحا بعد أن أشرقت الشمس وهو يهزني قليلا كي أستيقظ...
فتحت عينيّ بعد أن داعبت أنفي روائح الخبز الساخن وتلك الرائحة التي اشتقت لها كثيرًا... رائحة الشاي!!..
اعتدلت جالسا فوجدت كوبر يقف بجانبي يحمل بعض الملابس قائلا وهو يقدمها لي بحركاته المتوترة والقلقة والتي يبدو انها جزء من شخصيته... فقال وهو منحني الرأس ويرفع عينيه لي:
_ " صباح الخير صديقي إيلفار... هيا يجب أن نذهب إلى السيد توم... لقد حضّرت الإفطار وجلبت لك بعض الملابس... الحمام خارج المنزل في الجزء الخلفي... اذهب واستحم وأبدل ملابسك هذه... "
_" صباح الخير كوبر... حسنا سأذهب الآن "
وقفت بكسل وأنا أتمنى العودة للفراش مجددا لكنها كانت أمنية مستحيلة...
اخذت الملابس وخرجت من هذا الكوخ ليلفح هواء الصباح النقي وجهي لتسري قشعريرة في كامل بدني مما حفز عندي رغبة العودة للفراش وإكمال وصلة نومي التي انقطعت قبل قليل...
نفضت تلك الأفكار من عقلي وأنا أتجه حيث قال لي كوبر وأنا اتثائب وامدد عضلات جسدي لآخذ حماما سريعا وأبدل ملابسي بتلك الملابس التي جلبها كوبر..
كانت الملابس عبارة عن قميص وكأنه من الخيش بأكمام طويلة اظطررت لرفعها حتى أسفل المرفقين... وفتحة مثلثة عند الصدر مربوطة بخيط بني رفيع
وبنطال أزرق أجهل نوع خامته الثقيلة وحذاء جلدي بني برقبة طويلة
انهيت استحمامي وارتداء ملابسي ووضعت تلك المنشفة المرفقة مع الملابس فوق رأسي كي لا أصاب بالزكام أو يحصل شيء لعصبي الخامس إثر استحمامي صباحا وخروجي في هذا الجو البارد
دخلت للكوخ مجددا ووجدت كوبر انتهى من تحظير الفطور... بيض وخبز وجبن وزبدة ومربى وزبدة السمسم* وأهم شيء (الشاي)...
جلسنا للإفطار وبعد أن انتهينا وقف كوبر قائلا:
_"هيا يجب أن نذهب للطبيب الآن كي يرى جرح رأسك "
خرجنا من منزل كوبر وتوجهنا إلى داخل القرية جهة السوق والذي بدأ الباعة فيه بفتح محالهم منادين الناس لبضائعهم...
عدة منهم ينادي لخضاره وهناك من ينادي لأقمشته وهناك صوت طرق حديد من محددة ما... وأصوات نشر خشب بالقرب منها يصدر من محل للنجارة...
وصلنا اخيرا لبيت بعيد قليلا عن الضجة... فتح كوبر الباب ودخل لأدخل خلفه ليتضح لي أنها عيادة وليس منزلا...
حيث أنه كان هناك ممرضتين: واحدة تسجل على الأوراق وواحدة تمشي بين المرضى وتطمئن عليهم والذين كان عددهم قليلا نسبيا...
رجل عجوز يسعل في زاوية وامرأة تصطحب طفليها تجلس في مكان آخر ورجل متعب يجلس في مكان ثالث بأنف محتقن وعدة أقزام متفرقين في المكان..
اقترب كوبر مني بعد أن أخذ دور لنا واشار لي لمكان كي نجلس به...(شعرت كأنه والدي الذي يصطحبني للمستشفى عندما أمرض) ابتسمت لتلك الخاطرة اللطيفة التي جائت لمخيلتي ..
فنظر لي كوبر قليلا ثم نظر للدور وعلى ما يبدو أنه يظن أن حالتي تزداد سوءًا ويجب أن نرى الطبيب بسرعة...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*زبدة السمسم: والمتعارف عليها هي (الطحينية) وهي مصنوعة من السمسم وذكرتها هكذا لأجل السياق الروائي ... توضع عادة بحانب المربيات والأطعمة الحلوة لأنها تمنع زيادة مستوى السكر في الدم وتكسر طعم الطعام الحلو كثيرا.
رأيكم يا حلوين ❤
مع كامل الحب Luseana Morkan ❤
لوسيانا موركان ❤