لم ادقق على اخطاء املائية
.
.
.
.
.
.
.
كان الصمت يثقل صدر لارين، حتى كاد يسمع قلبها صوته أعلى من أي شيء آخر. وقفت أمام الرموز التي أضاءت بخفوت، تلمع مثل نجوم صغيرة على أرض إسمنتية باردة. يداها ارتجفتا، لكنها لم تتراجع، بل حاولت أن تفكّك الخطوط بعينيها، تبحث عن منطق خفي، عن شيء يجعل هذه الفوضى مفهومة.
وفجأة، صوته العميق اخترق السكون:
– "توقفي عن العدّ… لن تنفعك الأرقام."
التفتت برأسها بحدة، لتجد عيني إيثر تراقبها من خلف القضبان. كان واقفًا بثبات، كتفاه العريضتان ينعكسان كظلٍّ مرعب على الجدار. عيناه تلمعان في الظلام وكأنهما تعرفان أكثر مما ينبغي.
قالت بصوت مبحوح:
– "أنت تعرف معناها، أليس كذلك؟ هذه الرموز ليست صدفة."
اقترب خطوة أخرى، حتى صار صوته أقرب، ينساب بثقل داخل أذنها:
– "إنها ليست رموزًا… إنها خريطة. خريطة للخروج من هنا، لكن ليست كل الأبواب تؤدي إلى النجاة."
زفرت لارين بقوة، وكأن صدرها لا يحتمل كل هذه الكلمات الثقيلة. اقتربت أكثر، حتى صارت المسافة بينهما مجرد قضبان صدئة تفصل عالمين. مدت يدها المرتجفة إلى الأمام، لمست الحديد البارد، وقالت بحدة:
– "إذن، أخبرني… ما هو هذا المكان؟ ولماذا نحن هنا؟"
ظل صامتًا لحظة، كأن الصمت نفسه امتحان. ثم تكلم بصوت منخفض، لكنه محمّل بالغضب المكبوت:
– "هذا المكان ليس مشفى كما يظنون… إنه سوق."
ارتجفت لارين، عيناها تتسعان وهي تهمس:
– "سوق؟"
أجاب ببطء، كل كلمة كالسيف:
– "نعم. من ينجو من تجاربهم يصبح مادة لبحثهم القادم، ومن يفشل… يُقطّع. أعضاءه تُباع لدولة أخرى، بصفقات سرية، كأننا لسنا بشرًا بل قطع غيار."
شهقت لارين، يديها تتراجعان إلى صدرها وكأنها تحاول حماية قلبها من الطعنات التي تصبّها كلماته. لم تصدّق أولًا، لكن عقلها أعاد ترتيب كل المشاهد التي مرت بها: الوجوه الشاحبة، المرضى الذين يختفون فجأة، الدماء التي كانت ترى بقعها في الممرات، والأصوات المكتومة خلف الأبواب المغلقة. كل شيء صار واضحًا بشكل مرعب.
قالت بصوت مرتعش:
– "أنت… رأيتهم يفعلون ذلك؟"
اقترب إيثر أكثر، حتى صار وجهه في مواجهة وجهها تقريبًا عبر القضبان. عيناه كانتا باردتين، لكن صدقه كان يلسعها مثل نار:
– "رأيتهم يفتحون صدور رجال ونساء أحياء… فقط لأن تجاربهم لم تعطِ النتائج المطلوبة. رأيت كيف يكتبون على ملفاتهم: فشل – صالح للتفكيك."
غطّت لارين فمها بيدها، دموعها انسابت رغمًا عنها. لم تعرف إن كان بكاء خوف، أو غضب، أو إحساسًا بالذنب لأنها نجت بينما آخرون صاروا سلعة.
لكن إيثر لم يترك لها فرصة للانهيار، تابع كلامه بصرامة:
– "أنت هنا لسبب. أنتِ مختلفة. دمك، عقلك… شيء فيك يجعلهم يترددون قبل أن يحولوك إلى رقم. لكن لا تخطئي… إذا فشلتِ، فلن يرحموك."
ارتعشت لارين، قلبها يخفق بجنون. حاولت أن تتمالك نفسها، سألت بصوت مبحوح:
– "ولماذا… لماذا تخبرني أنت بهذا؟ ما الذي يجعلك تثق بي؟"
ساد صمت قصير. إيثر خفض رأسه قليلًا، وكأنه يبحث عن إجابة في الظلام، ثم رفع نظره إليها من جديد.
– "لأنني لست مثلهم. كنت جزءًا من تجاربهم، لكنني نجوت… بطريقة ما. وأنا أحتاجك، تمامًا كما تحتاجينني. وحدنا معًا يمكننا أن نخرج من هنا."
رفعت لارين عينيها إليه، لأول مرة شعرت أن صوته لا يحمل مجرد غموض، بل حزم يختلط بألمٍ قديم.
اقتربت خطوة، همست:
– "إذن، فلنخرج… دلّني على الطريق."
ابتسم ابتسامة بالكاد تُرى في الظلال، ابتسامة غامضة مليئة بالمرارة:
– "الطريق محفور في الرموز التي أمامك. كل رمز ليس مجرد خط، بل مفتاح لباب. لكن الأبواب ليست متشابهة… بعضها يقود إلى الحرية، وبعضها يقود إلى غرف أخرى أشد ظلمة."
انحنت لارين على الأرض، تمرر أصابعها على الخطوط المنقوشة. بدت أشبه بخريطة سماوية، مسارات نجوم تلتقي وتتقاطع، دوائر صغيرة تمثل كواكب، وخطوط متعرجة مثل مدارات غير مألوفة.
قالت بفضول مضطرب:
– "هذه ليست مجرد رموز… هذه رسمة فلكية. شخص ما تركها هنا عمدًا."
رد إيثر ببرود:
– "بل تركوها لتضليلك. إن لم تفهميها جيدًا، ستسيرين نحو نهايتك بنفسك."
فجأة، سُمعت أصوات خطوات قادمة من الممر البعيد. ضوء مصباح قوي تسلل من أسفل الباب الحديدي، وصوت رجال يتحدثون بلغة عسكرية قاسية. تجمّدت لارين في مكانها، قلبها يقفز في صدرها.
لكن إيثر أشار لها بسرعة:
– "قفي خلف الظل… لا تظهري وجهك."
أطاعت بلا نقاش، التصقت بالجدار، بينما الباب يُفتح بعنف، ورجلان بملابس بيضاء يدخلان الغرفة. بيد أحدهما ملف أحمر، وبيد الآخر مصباح يسلط ضوءه مباشرة على الرموز.
تظاهر إيثر بالبرود، عيناه إلى الأرض. أحد الرجلين قال للآخر:
– "هذه العينة ما زالت صامدة… ربما تصلح للتجربة القادمة."
ثم نظر باتجاه لارين، وكأنه يدرسها بعيني صياد، قبل أن يكتب شيئًا في الملف ويغلقه.
– "إذا فشلت مثل الآخرين… نرسلها مباشرة."
ضحك الثاني ضحكة باردة:
– "القلب وحده يكفي ليملأ خزان حسابنا البنكي."
تجمدت لارين، لم تستطع أن تتنفس. كلماتهم انغرست في ذهنها مثل خناجر.
غادر الرجلان بعد دقائق، تاركين الباب يُغلق بصدى ثقيل. عادت العتمة، وعادت أنفاسها اللاهثة.
اقتربت من إيثر مرة أخرى، عيناها تغليان بالدموع والغضب:
– "لقد سمعتهم… كل كلمة. إنهم يبيعوننا."
أومأ إيثر ببطء:
– "الآن فهمتِ. لم يعد أمامنا إلا أن نختار: إما أن نصبح سلعة… أو أن نصبح خطرًا عليهم."
رفعت لارين رأسها بعزم جديد، دموعها ما زالت تنساب لكنها لم تعد بكاء ضعف، بل بداية إدراك. مدت يدها عبر القضبان، كأنها تبحث عن وعد، عن تحالف.
وضعت يدها في يده الضخمة، شعرت بحرارة صلبة تحيط بها. همست بصوت بالكاد يُسمع:
– "فلنكن الخطر."
.
.
.
.
.
.
ا
نتهى البارت 🦋
.
.
.
.
رأيكم بالبارت ✨
.
.
.
تابعوني على حساب الانستا
_jo_yana_
و على التيك توك
Joj_yana
.
.
.