كان الظلام كثيفًا، بلا شكل، بلا صوت، بلا زمن. للحظة، لم يكن هناك شيء، وكأن العالم نفسه توقف عن الوجود.
ثم—
عاد كل شيء دفعة واحدة.
وجد آدم نفسه واقفًا في الغابة، أمام القصر مباشرة، أنفاسه متقطعة كما لو كان قد غطس في أعماق بحر مجهول للتو. الهواء هنا كان مختلفًا—أكثر برودة، أكثر واقعية—لكنه لم يشعر بالراحة. بل كان جسده كله في حالة من الصدمة، كما لو أن كيانه بالكامل قد تمزق للحظة وأعيد تجميعه من جديد.
رفع يده ببطء، يمررها فوق وجهه كما لو كان يتحقق مما إذا كان لا يزال موجودًا بالفعل. قلبه كان ينبض بقوة، لكن ليس من الخوف… بل من إحساس غريب لم يستطع تسميته.
ما الذي حدث للتو؟
وقف هناك، يحدق في القصر الغارق في الظلام حيث اختفت ليليث قبل لحظات. لا شيء تحرك، لا ظل، لا صوت. كأن القصر نفسه كان يراقبه بصمت، يتحداه أن يعود.
أغمض عينيه للحظة، يحاول استيعاب الموقف. ما فعلته ليليث لم يكن مجرد نقل فوري. لم يكن حتى سحرًا كما يعرفه. لم يكن هناك أي أثر للطاقة، لم يكن هناك تلك الارتعاشة المعتادة في الهواء… كان الأمر كما لو أن الواقع نفسه قد تصدّع وألقاه هنا دون أن يترك أي أثر.
فتح عينيه ببطء، وألقى نظرة أخيرة على القصر. كان بإمكانه الشعور بذلك—بأن هذه لم تكن النهاية. بل كانت البداية فقط.
زفر ببطء، ثم استدار متجهًا إلى حيث كان أصدقاؤه بانتظاره. لم يكن لديه إجابات بعد، لكن كان لديه يقين واحد: لن يترك هذا القصر يبتلعه مرة أخرى دون أن يعرف الحقيقة.
وسط الظلال المتراقصة داخل القصر، وقفت ليليث عند النافذة، ساكنة كتمثال منحوت بدقة، لكن عينيها الحمراوين توهجتا بخفوت وهي تراقب آدم من بعيد. كان يقف هناك، أمام القصر، لا يتحرك، لا يهرب. مررت أصابعها ببطء فوق زجاج النافذة البارد، وكأنها تحاول لمس الطاقة التي تركها خلفه.
ابتسمت نصف ابتسامة، لا سخرية فيها، بل فضول نادر. كان من المفترض أن يكون قد أصيب بالذعر، أن يتراجع مترددًا كما يفعل البشر عادة، أن يحاول إقناع نفسه بأن ما رآه كان مجرد وهم… لكنه لم يفعل.
أمالت رأسها قليلًا، كمن يراقب صيادًا يخطو بحذر داخل فخ غير مرئي، قبل أن تهمس لنفسها:
"لن تهرب، أليس كذلك؟"
"ولماذا يهرب؟"
توقفت يدها للحظة، لكن وجهها ظل هادئًا. لم تلتفت، لم تبحث عن مصدر الصوت، لم تكن بحاجة إلى ذلك.
كان هناك، في مكان ما خلفها، يختبئ في الظلال كما يفعل دائمًا، يراقب، يترقب، يملأ المكان بحضوره حتى وهو غير مرئي.
"أراكِ مهتمة كثيرًا بهذا البشري."
كان صوته منخفضًا، لكنه يحمل تلك النبرة اللاذعة التي لم تستطع إخفاء الغضب المكتوم فيها. كأن الكلمات خرجت رغماً عنه، كأنها تحترق وهو ينطق بها.
لم تجب ليليث فورًا، فقط أبعدت يدها عن النافذة، استدارت ببطء، عيناها تحدقان في الظلام العميق الذي يملأ القاعة. لم يكن هناك أحد… لكن ذلك لم يخدعها.
"وهل هذا يزعجك، رافين؟"
ساد الصمت للحظة، وكأنه كان يزن رده، ثم جاء صوته أكثر حدة، لكنه لا يزال مخفوتًا، كأنه يخرج مباشرة من أعماق الظلال نفسها.
"إنه مجرد بشري، ليليث. ضعيف… وعمره قصير. لا أفهم لماذا تضيّعين وقتك عليه."
ضحكت، ضحكة ناعمة، لكن كان فيها شيء يشبه التحدي، كما لو أنها تستمتع بإشعال شرارته أكثر.
"يا له من كلام كبير، رافين. لكن لا تقلق…" مررت أصابعها في الهواء، وكأنها تلامس شيئًا غير مرئي أمامها، وكأنها تحاول استفزازه دون حتى أن تراه. "لن يحلّ مكانك."
ظل الصمت معلّقًا بينهما، ثقيلاً، مشحونًا بشيء لم ترد تسميته. ثم جاء صوته من الظلام، هذه المرة أكثر هدوءًا، لكن فيه شيء آخر، شيء بارد وخطير.
"أتمنى أن يكون يستحق اهتمامك… قبل أن يحترق."
ثم—اختفى الصوت تمامًا.
لم يتحرك شيء في القاعة، لم يكن هناك أي دليل على أنه كان موجودًا من الأساس. لكن ليليث فقط هي من عرفت الحقيقة.
وقفت هناك للحظة أخرى، قبل أن تبتسم ابتسامة صغيرة، نصفها ترفيه ونصفها… شيء آخر تمامًا.
"هذا سيكون ممتعًا."
ثم استدارت، واختفت في الظلال كما لو كانت جزءًا منها.
كان الهواء باردًا وثقيلاً وسط الأشجار، وكأن الغابة لم تستطع بعد أن تتحرر من الظلال التي أحاطت بالقصر. لم يكن الضوء الخافت المنبعث من القمر كافيًا لاختراق العتمة بالكامل، لكن آدم استطاع رؤية أصدقائه الخمسة يقفون هناك، أنفاسهم متقطعة وأجسادهم متعبة كما لو كانوا قد فروا من وحش حقيقي.
كان توماس يقف في المنتصف تقريبًا، يده على ركبته وهو يلهث، وجهه شاحب، لكنه كان لا يزال يحاول التماسك.
ما إن رأوه حتى توقفت أنفاسهم للحظة، ثم اندفع دانيال نحوه أولًا، صوته يحمل خليطًا من الذعر والارتياح:
"آدم! تبًا، هل أنت بخير؟!"
قبل أن يتمكن من الرد، تبعه توماس، رغم تعبه، زفر ببطء ثم تمتم:
"يا رجل… أقسم أنني ظننت أنك لن تخرج من هناك أبدًا."
نظر إليه آدم للحظة، ثم قال بصوت منخفض لكنه جاد:
"أنتم بخير؟"
ضحك توماس ضحكة جافة، ثم أشار إلى نفسه وهو يرد:
""بالتأكيد. لقد عشت للتو أسوأ كابوس في حياتي، شعرت أني داخل حكاية لعنات قديمة، ركضت كالمجنون، وكدت أسقط ثلاث مرات… لكن نعم، أنا بخير تمامًا."
"
رغم نبرته المعتادة، إلا أن وجهه لم يكن يعكس أي تهريج.
آدم شعر أن الجميع في حالة بين الإنهاك والصدمة. وجوههم مرهقة، أنفاسهم لا تزال غير منتظمة، وعيناهم تحملان أثر الخوف الذي لم يتلاشَ بعد.
"القصر…" تمتم سامي بصوت ضعيف، وكأن مجرد ذكره كان كافيًا لإعادته إلى الداخل مرة أخرى. "لقد كان… حيًا. كأنه كان يريد ابتلاعنا."
"وليس فقط القصر!" أضاف دانيال بسرعة، وكأنه يريد التخلص من الكلمات قبل أن يفكر فيها كثيرًا. "المرآة… انعكاساتنا لم تكن تتبعنا! كانت تتحرك وحدها!"
توماس نظر إليه لثوانٍ، ثم زفر وهو يمرر يده على وجهه:
"لا أريد حتى التفكير في ذلك الآن. اللعنة، لا أريد أن أسمع كلمة 'مرآة' مرة أخرى في حياتي."
ساد الصمت للحظة. الهواء البارد كان كثيفًا حولهم، محملاً بشيء لا يمكنهم رؤيته، لكنهم شعروا به.
ثم، ولأول مرة منذ سنوات، وجد نفسه يتذكر الأسطورة القديمة التي كبر وهو يعتقد أنها مجرد خرافة يرويها الشيوخ لإخافة الأطفال. لكنه الآن… لم يعد متأكدًا.
"ماذا لو… لم تكن مجرد أسطورة؟"
اقترب منه دانيل قليلًا، متوترًا، وقال:
"علينا الرحيل يا آدم. لا يجب أن نعود إلى هنا أبدًا."
كان لا يزال هناك شيء آخر عليه فعله.
نظر إليهم جميعًا، ثم قال بصوت حازم:
"عودوا أنتم. هناك أمر علي التأكد منه."
"ماذا؟"
"إلى أين ستذهب؟" سأل توماس، نبرته لا تزال تحمل لمحة من المرح المتعب، لكنه كان واضحًا أنه بدأ يشعر بالقلق.
آدم لم يرد مباشرة. استدار ببطء، واتجه إلى الطريق المؤدي إلى كوخ معلمه إلياس.
كان بحاجة إلى إجابات.
وصل آدم إلى كوخ إلياس بخطوات سريعة لكنها متزنة، وكأن شيئًا ما كان يدفعه للمضي قدمًا رغم ثقل الأفكار التي تدور في رأسه. كان الليل قد أرخى سدوله، والهواء البارد يملأ الغابة بصمت ثقيل، لكن الضوء الخافت المتراقص من نافذة الكوخ كان دليله الوحيد وسط العتمة.
توقف أمام الباب للحظة، ثم رفع يده وطرقه بلطف، لكن بحزمٍ واضح. لم ينتظر طويلًا حتى سمع صوت تحرك من الداخل، تلاه فتح الباب ببطء. ظهر إلياس، معلمه، بملامح هادئة، وعينين تحملان دهشة خفيفة لرؤية تلميذه يقف عند بابه في ساعة متأخرة كهذه.
"آدم؟" قال بصوت دافئ لكنه يحمل بعض القلق.
"ما الذي جاء بك في هذا الوقت؟"
انحنى آدم احترامًا قبل أن يرفع رأسه، محاولًا الحفاظ على اتزانه رغم الاضطراب الذي يملأ صدره.
"أعتذر على قدومي في هذه الساعة، معلمي،"قال بصوت ثابت لكنه يحمل شيئًا خفيًا، شيئًا لم يستطع إلياس تجاهله.
لكن… هناك أمرٌ لا أستطيع تأجيل.""
تأمل إلياس ملامحه لبرهة، ثم أفسح له المجال للدخول دون كلمة أخرى. دخل آدم بخطوات محسوبة، وقف للحظة يراقب ألسنة اللهب المتراقصة في الموقد، قبل أن يجلس على الكرسي المقابل لمعلمه.
"ما الأمر، بني؟"
سأل إلياس، وهو يسند مرفقه على الطاولة، ينظر إلى تلميذه بتركيز الأب الذي يشعر أن ابنه يحمل ثقلًا على كاهله.
أخذ آدم نفسًا عميقًا، ثم زفره ببطء قبل أن يقول بصوت منخفض، لكنه محمل بشيء أثقل مما يبدو:
"معلمي… ما الذي تعرفه عن القصر المهجور؟"
قطب إلياس حاجبيه قليلًا، مستغربًا السؤال. "القصر؟" قال بهدوء، وكأنه يبحث عن سبب قد يدفع آدم لسؤاله عن هذا المكان تحديدًا.
"أجل،"
أكمل آدم، نبرته لم تكن مجرد فضول، بل كان هناك شيء آخر خلفها. شيء جعل إلياس يعدل جلسته قليلًا، وكأن جسده استجاب لجدية تلميذه دون أن يدرك.
"سمعت عنه مثل الجميع،"
قال المعلم بعد لحظة صمت قصيرة.
"مجرد حكايات قديمة، يقال إنه مسكون، وإن من يدخله لا يعود كما كان… لكنني لم أعره اهتمامًا كبيرًا، فمعظم هذه القصص تكون مجرد خرافات يتناقلها الناس."
آدم ظل صامتًا للحظة، قبل أن يرفع عينيه بثبات إلى معلمه، وقال بصوت أكثر عمقًا:
"إن كانت مجرد خرافات، فلماذا أشعر أنني لم أخرج من هناك كما كنت؟"
ساد الصمت في الكوخ. لم يكن صمتًا مريحًا، بل كان أشبه بظل ثقيل تسلل بين ألسنة اللهب، جعل المكان أكثر برودة رغم الدفء الظاهر.
إلياس لم يتحدث فورًا، لكنه درس ملامح آدم بعمق، كما لو أنه يحاول رؤية شيء خلف عينيه، شيئًا لم يكن تلميذه مستعدًا لقوله بعد.
"ما الذي حدث هناك، آدم؟"
سأل أخيرًا، بصوت هادئ لكنه يحمل قلقًا خفيًا.
رفع آدم نظره ببطء، وعيناه تعكسان ثقلًا لا يمكن تجاهله. ثم، بصوت خافت، لكنه واضح كأنه اعترافٌ لا مفر منه، قال:
"رأيتها."
لم يكن بحاجة إلى قول المزيد. رأى إلياس شيئًا يتغير في نظراته، وكأنه قد لمس جزءًا من الحقيقة التي لم يكن مستعدًا لها من قبل.
ساد الصمت للحظات، لم يتحرك فيها شيء سوى ألسنة اللهب المتمايلة في الموقد تلقي بظلال مرتعشة على الجدران، كأنها كائنات خفية تتحرك بهدوء في العتمة، تراقب بصمت ما يجري دون أن تتدخل.
الجو كان مشحونًا، ليس فقط بسبب ثقل الحديث، بل بسبب شيء آخر… شيء غير ملموس، لكنه موجود.
إلياس لم يبدُ عليه الانزعاج، لكنه لم يكن مرتاحًا أيضًا. استند إلى ظهر كرسيه، تأمل آدم للحظة بنظرة هادئة، قبل أن يقول بصوت متزن:
"رأيتها، إذن؟"
لم تكن هناك مفاجأة حقيقية في صوته.
آدم لم يجب فورًا. كان يراقب ملامح معلمه، يدرس ردود فعله، ينتظر شرارة صغيرة… خطأ بسيط… أي شيء قد يكشف الحقيقة التي بدأت تتشكل في ذهنه.
لكن إلياس كان حذرًا.
"نعم." قال آدم أخيرًا، نبرته محسوبة،
وكأنه يلعب
لعبة لا يعرف قواعدها بالكامل بعد.
"رأيتها… وليليث ليست كما يُقال عنها."
إلياس لم يعلق مباشرة، فقط أمال رأسه قليلًا، كأنه يزن الكلمات في عقله. ثم قال:
"هذا متوقع… فالأساطير نادرًا ما تعكس الواقع بدقة."
كانت إجابة ذكية، لكن ليست كافية.
آدم لم يتراجع. ظل يحدق في معلمه، ثم قال ببطء، وكأنه يرمي شِباكًا حول فريسته:
"الغريب، معلمي، أنني عندما كنت هناك… رأيت أشياء لم يكن من المفترض أن أراها. تفاصيل لا يعرفها أحد… تفاصيل لم أسمع بها من قبل."
أدار إلياس رأسه قليلًا، للحظة فقط، قبل أن يعيد نظره إلى آدم. كانت حركة بسيطة، لكنها لم تخفَ عنه.
لقد رآه يحاول إخفاء شيء.
آدم أكمل، نبرته كانت هادئة، لكن فيها حدة مخفية:
"ولكن الغريب أكثر، أنك لم تسألني عن أي منها."
ساد الصمت.
إلياس لم يغير تعبيره، لكنه لم يرد فورًا أيضًا. فقط تأمله للحظة، وكأنه يقرر أفضل رد ممكن.
ثم قال أخيرًا، بصوت منخفض لكنه واضح:
"و هل كنتَ ستخبرني بها إن لم تفكر في الأمر بنفسك؟"
آدم لم يتوقع هذا الرد، لكنه لم يغير شيئًا. على العكس، جعله أكثر يقينًا.
"إذن، كنت تختبرني؟"
إلياس ابتسم نصف ابتسامة، لكنها لم تكن دافئة كعادته.
"أحيانًا، يا بني، الطريقة الوحيدة لجعل شخص ما يرى الحقيقة… هي أن تجعله يكتشفها بنفسه."
آدم لم يتحرك، لكنه شعر بقشعريرة باردة تسري في داخله. ليس بسبب الكلمات فقط، بل بسبب ما لم يُقال.
إلياس لم يتظاهر بأنه لا يعرف.
بل كان يدفعه ليرى الحقيقة دون أن يخبره بها.
لكن لماذا؟
آدم لم يكن متأكدًا بعد… لكنه عرف شيئًا واحدًا.
معلمه لم يكن مجرد راوي لأسطورة.
بل كان جزءًا منها بطريقه او بأخري.
جلس آدم أمام معلمه إلياس، عيناه لا تفارقان ملامحه، يترقب الكلمات التي ستخرج من فمه. في الضوء الخافت المنبعث من الموقد، بدا وجه إلياس أكثر إنهاكًا من المعتاد… وكأن مجرد ذكر هذه القصة كان يستنزف منه شيئًا لا يمكن تعويضه.
آدم لم يرمش حتى، انتباهه كان حادًا، وكأن كل خلية في جسده تنتظر الجملة التالية.
إلياس مرر يده على لحيته البيضاء، وكأنه يزيل غبار الزمن قبل أن يتابع:
"أنا لم أكن هناك وقت وقوع الأحداث، لم أكن حتى قد وُلدتط...."
ثم توقف للحظة، قبل أن يقول بصوت منخفض، لكنه يحمل ثقل سنوات طويلة من المعرفة:
"لكني سمعتها من المصدر ذاته. من سيث."
تجمدت ملامح آدم للحظة، لكن إلياس تابع قبل أن يمنحه فرصة للسؤال:
"لقد عرفت القصة من فم ملك الشياطين السابق نفسه، وهو وحده من يعرف الحقيقة كما كانت."
ثم، بعد لحظة صمت مشحونة، نظر مباشرة في عيني آدم، وقال بصوت خافت لكنه مليء بالثقل:
"والحقيقة… أسوأ بكثير مما تتخيل."
أدار إلياس وجهه ناحية النار، يتأمل ألسنتها المتوهجة، وكأنها تروي له حكاية قديمة لم يطوها الزمن بعد.
كانت عيناه شاردتين، نظراته غارقة في ذكريات أثقل من أن تُحكى بسهولة.
انتظر آدم بصمت، أفكاره متشابكة كخيوط العنكبوت، تحاول استيعاب ما حدث داخل القصر. ظن أنه يعرف السحر، أنه يفهم قوانينه، لكن ما اختبره الليلة قلب كل شيء. كان مقتنعًا أن ليليث ساحرة، متمكنة من فنون سحرية معقدة، لكن الطريقة التي قذفته بها خارج القصر دون أن يشعر بأي طاقة… جعلت الشك يتسلل إليه، ينهش أفكاره بصمت.
كانت كل خلية في جسده تصرخ أن ما حدث لم يكن سحرًا بشريًا… بل شيئًا آخر.
زفر ببطء، ثم قال بصوت هادئ لكنه مثقل بالأفكار:
"انا بحاجة إلى معرفة الحقيقة، معلمي… أخبرني بكل شيء عن القصر."
إلياس لم يبدُ مصدومًا، بل نظر إليه بعينين تلمعان بنظرة عميقة، كأنه توقع هذا السؤال يومًا ما. جلس على كرسيه الخشبي، ومرر أصابعه فوق لحيته البيضاء، ثم حدق في ألسنة اللهب المتراقصة في الموقد.
"منذ زمن بعيد، قبل قرون من الآن، لم تكن فلمورا كما تعرفها اليوم." ا
، صوته هادئ لكنه محمل بثقل السنين
نظر آدم إلى ألسنة اللهب، لكنها لم تكن الشيء الوحيد الذي تحرك أمامه. كان وجه إلياس مزيجًا من الظل والنور، كأنه انعكاس لحقيقة لم يرها أحد منذ أجيال.
"في ذلك الزمن، فلمورا لم تكن موطنًا للسحرة. لم يكن فيها سحر على الإطلاق. كانت مجرد قرية مثل أي قرية أخرى، أهلها يزرعون الأرض، يصطادون، ويعيشون أيامهم بسلام."
خفض رأسه قليلًا، ثم أضاف بصوت خافت:
"إلى أن جاء سيث."
اتسعت عينا آدم قليلًا. سيث… هذا الاسم؟ لا بد أنه سمعه من قبل، لكن من أين؟
تابع إلياس، وكأن ذكر اسمه قد سحب منه روحًا عالقة في صدره منذ سنوات.
"سيث… لم يكن بشرًا. كان ملكًا في عالمه، لكنه لم يكن كالبقية. لم يهتم بالحروب، لم يبحث عن الدمار، بل كان… مختلفًا. أراد شيئًا لم يكن ينبغي له أن يريده."
تأمل آدم عيني معلمه، محاولًا فهم المغزى وراء هذه الكلمات.
ثم أكمل إلياس ببطء، وكأن كل حرف ينطوي على لعنة قديمة:
"تخلى عن مملكته، ونزل إلى الأرض، واختار أن يعيش هنا، بين البشر. ليس بدافع الغزو، ليس بدافع التدمير… بل لسبب آخر."
انعكست النيران على عينيه المتجعدتين، عندما أضاف بصوت ثقيل:
"أراد أن يكون بشريًا."
آدم شعر بقلبه ينبض بسرعة غير مألوفة. التوتر بدأ يتسلل إلى ملامحه، لكنه لم يكن بسبب القصة… بل بسبب ذلك الاسم، سيث. منذ لحظات فقط، كان يقف داخل القصر، أمام ابنته ليليث، ولم يكن يدرك.
إيلينا… القصة القديمة، الفتاة البشرية التي قُتلت في النهاية… هل يعقل أنها…؟
داخل الكوخ، كان الصمت يثقل الهواء. إلياس لا يزال جالسًا، عينيه مثبتتان على ألسنة اللهب التي تتراقص داخل الموقد، بينما كان آدم يحدق به، ينتظر منه المزيد من الكلمات، المزيد من الأجوبة.
لكن قبل أن يتكلم أي منهما، انفتح الباب بعنف، ارتطم بالحائط بقوة، فتراقصت النيران داخل الموقد وكأنها ارتجفت للحظة.
وقف هناك، عند المدخل، شاب بالكاد يستطيع الوقوف.
آدم تجمد في مكانه. قلبه سقط إلى قاع معدته وهو يحدق في القادم.
"توماس…؟"
كان واحدًا من أصدقائه، أحد الذين دخلوا القصر معه. لكنه… لم يكن يجب أن يكون هنا.
وجهه كان شاحبًا كالموتى، أكثر شحوبًا مما يمكن أن يكون عليه أي إنسان. عيناه متسعتان بشكل غير طبيعي، لا تومضان بأي حياة، فقط سواد غريب بداخلهما. أنفاسه كانت متقطعة، لكنه لم يكن يلهث كمن أنهكه الركض، بل كمن يحاول استعادة شيء قد فُقد منه.
آدم لم يكن قادرًا على تحريك جسده. كان هناك شيء خاطئ، خاطئ جدًا.
"معلمي…"
صوت توماس لم يكن طبيعياً. كان أجوفًا، كأنه يخرج من مكان بعيد، مكان لا ينتمي إليه بعد الآن.
لم يتحرك إلياس، لكنه تبادل نظرة حذرة مع آدم، وكأنه فهم الأمر قبل أن ينطقه أحد.
"ما الذي حدث؟" سأل بصوت منخفض، لكن بحذر واضح.
توماس لم يجب فورًا، بل تراجع خطوة إلى الداخل، بينما تحركت أصابعه ببطء، كما لو لم يكن متأكدًا من كيفية استخدامها.
ثم— رفع رأسه، وعيناه التقتا بعيني آدم مباشرة.
في تلك اللحظة، تغير كل شيء.
"اهربوا."
كلمة واحدة فقط، لكنها حملت ثقلًا جعل الهواء في الغرفة أكثر برودة.
آدم شعر بجسده يتصلب، بينما راقب توماس وهو يقف هناك، عينيه لا تزالان فارغتين.
"رافين… سيقتل الجميع."
جاءت الكلمات متكسرة، وكأنها خرجت بصعوبة من شفتيه.
"لقد قتلني… وسيلحق بكم."
في تلك اللحظة، انطفأت كل الأصوات في رأس آدم، ولم يبقَ سوى صدى تلك الجملة تدوي داخله.
إلياس استقام في مكانه، نظراته أصبحت أكثر تيقظًا. لم يسأل كيف أو لماذا، فقط استمع.
لكن آدم؟
آدم كان يحدق في توماس، وفي تلك اللحظة… عرف الحقيقة.
هذا لم يكن توماس.
الطريقة التي وقف بها، الطريقة التي تحركت بها أصابعه ببطء، كيف كانت عيناه فارغتين بلا أي بريق…
هذا لم يكن صديقه.
"من أنت؟"
خرجت كلماته حادة، مليئة بالشك.
لم يبتسم توماس، لم يتردد، لكنه لم يتحرك أيضًا. فقط نظر إليه، وعيناه أصبحتا أكثر ظلمة… ثم همس بصوت بالكاد يُسمع، صوت لم يكن توماس قادرًا على امتلاكه حتى في حياته:
"أوه، آدم… ألم تفهم بعد؟"
ثم—
ابتسم.
تلك الابتسامة… لم تكن تخصه.
كانت تخص ليليث.
آدم شعر بقشعريرة تسري في عموده الفقري. لم يكن بحاجة إلى سماع المزيد، لكن توماس—أو بالأحرى، الشيء الذي كان يسكن جسده—قرر أن يمنحه إجابة أخيرة قبل أن ينهار كل شيء.
"أنا هنا لأحذركم. لكنني… لن أستطيع البقاء طويلًا."
ثم، كأن شيئًا ما قد كسر داخله، ارتجف جسده بعنف، وانهار على الأرض كما لو أن الخيوط التي تحركه قد قُطعت فجأة.
عندما سقط، أدرك آدم الحقيقة المروعة—توماس كان ميتًا منذ البداية.
والآن، عاد فقط ليحمل لهم رسالة أخيرة… من ليليث.
لكن لماذا؟ ولماذا تحذرهم؟
إلياس تقدم ببطء، ركع بجانب الجسد الملقى على الأرض، مد يده إليه بحذر، ثم همس:
"لقد رحل."
آدم لم يستطع الرد.
لكنه لم يكن بحاجة إلى ذلك.
لأنه في تلك اللحظة، فهم شيئًا واحدًا فقط:
ليليث لم تكن العدو الوحيد الذي كان عليه القلق بشأنه.
Vhsalem