الفصل الرابع

الفصل الرابع

17 0

عندما فتح آدم عينيه، لم يكن هناك ظلام مطلق... بل ظلال ناعمة تُضيء غرفةً لم يعرفها من قبل.

كان مستلقيًا على سرير ضخم — سرير يبدو كأنه سُرق من جناح أحد نبلاء العصور الوسطى، أو من قصرٍ قوطّيٍّ لم يرَ النور منذ قرون. أربعة أعمدة خشبية سوداء، محفورة بزخارف حلزونية معقدة، تحتضن الستائر الثقيلة التي انسدلت من كل جانبٍ بالكامل، تحيط به كشرنقةٍ مخمليةٍ تحجب عنه رؤية أي شيء خارجها، كأن العالم نفسه توقف عند حدود قماشٍ ثقيلٍ لا يسمح حتى للهمسات أن تتسرّب.

حاول تحريك رأسه ببطء. رقبته تؤلمه كأنه نام ألف عام في وضعية خاطئة. أدار رأسه داخل الشرنقة الثقيلة من الستائر، فتفاجأ بفراغٍ ضيقٍ عند طرفها الأيسر — فتحة صغيرة لم تُغلق بالكامل، كشِقٍّ تسرّب من خلاله بصيصٌ خافتٌ من الضوء.

ومن ذلك الشِقّ، رأى ما وراءه: طاولة صغيرة موضوعة قرب السرير، فوقها شمعدان فضّيّ، شمعته المشتعلة تقطر ضوءًا أصفر متعبًا يفضح جزءًا من الجدران العالية.

زفر بصوتٍ مبحوح. لم يشعر بملابسه الثقيلة، خفّةٌ باردة تغلّفت بها أضلاعه. مدّ يده بتردّد، سحب الغطاء عن صدره العاري، ثم نظر إلى أسفل أضلاعه. لا أثر هناك.

الحفرة التي فتحها رافين — تلك الهاوية الصغيرة في منتصف صدره — اختفت بالكامل، لا جرح، لا ندبة، لا دم جافّ. فقط جلده الذي بدا أنظف من أيّ وقتٍ مضى، كأنه لم يُخترق قط.

ارتفع صدره في شهيقٍ بطيء، تلاشى في زفيرٍ ساخر خرج من بين شفتيه:

«عظيم… لم يتركوا لي حتى دليلي.».

أدار رأسه ببطء داخل الشرنقة الثقيلة، عينيه تتفحّصان الأعمدة الخشبية التي تنهض من زوايا السرير مثل أوتادٍ مظلمة. لمح فوقه نقوشًا دقيقة على الخشب، كلماتٌ بلغةٍ لم يتعلّمها يومًا، لكنها بدت مألوفة بشكلٍ يحرّك شيئًا غامضًا في صدره.

مدّ يده بكسل، لمس حافة الستار المخمليّ، وترك أصابعه تنزلق عليه كأنه يتحقق من حقيقته… أو من حقيقة وجوده داخله.

تنفّس بعمق، ثم تمتم لنفسه بسخريةٍ باهتة:

«ها هي الجنة إذن… شرنقةٌ باردة تخيط جسدي لتقذفني حيًّا من جديد. لم أمت بما يكفي على ما يبدو.»

عندما خرج آدم من شرنقة الستائر الثقيلة، شعر للحظة كأنه يخطو من بطن مخلوق قديم إلى عالمٍ أكبر منه بكثير. الستائر انفرجت خلفه ببطءٍ كأجنحةٍ سوداءٍ تخلّت عن فريستها طوعًا.

كانت أمامه غرفةٌ هائلةٌ في حجمها — من اتساعها وحده أيقن أنها يمكن أن تحتضن أربعة أو خمسة من بيوت قريته الطينية و الخشبية الصغيرة، وتترك بينها ممراتٍ لا يبلغها دفء ولا جدران. السقف البعيد يختفي في ظلالٍ معلّقةٍ بعنادٍ على عوارض خشبية عالية. الأرضية باردةٌ كصدر قبر، حجارتها الرمادية تومض حين يلامسها ضوء القمر المتسلل من نافذةٍ عملاقةٍ تحتل جدارًا كاملًا.

هناك، قرب النافذة، انتصب كرسيٌ خشبيّ فخم — تحفةٌ قاتمة من خشبٍ داكنٍ منحوتٍ بنقوش دقيقةٍ تلتف حول مسنده كأفاعٍ جامدة. قاعدته مبطنة بقماش مخمليٍ قاتم، أطرافه مرصعة بحواف معدنية تومض في ضوء القمر كوشمٍ سريّ. بدا الكرسي أشبه بعرشٍ صغيرٍ سُرق من جناحٍ ملكيٍّ مهجور، موضوع هنا عمداً ليليق بمن يجلس عليه.

وعليه كانت تجلس — ليليث.

كانت مسترخيةً على الكرسي، ساقٌ فوق أخرى، ذراعاها متشابكتان بخفّة على مسندٍ مائلٍ قليلًا، كأنها تأخذ وضعية شخصٍ يملك حق الحكم على كل شيء يراه. شعرها القصير الأسود انسدل فوضويًّا على وجنتيها، يعكس بياض بشرتها ويزيده برودةً. عيناها الحمراوان كانتا مثبتتين خارج النافذة — تراقبان القرية الصغيرة التي بدت كدميةٍ ساذجةٍ تحت حراسة الغابة.

لم تلتفت إليه فورًا. ظلّت عيناها مسمّرتين على تلك البيوت الطينية، الضوء الخافت، الدخان الصاعد من بعض المداخن. بدت وكأنها تدرس تفاصيل العالم من فوق، كملكةٍ تراقب مملكتها التي لم تعرف أنها مملوكة أصلًا.

و بلا كلمة ولا حركة زائدة — حرّكت رأسها ببطء، فقط بقدر ما يكشف ابتسامةً نصف حاضرة على شفتيها، ثم رفعت عينيها نحوه.

تلك العيون لم تسأله شيئًا… كانت فقط تنتظر أن يعترف — بأنه تأخر كثيرًا في الوصول.

كان آدم واقفًا هناك، على بُعد خطوة من النافذة، صدره يعلو ويهبط كأنه يحاول التمسّك بحرارةٍ ما زالت عنيدة بداخله.

ليليث لم تلتفت تمامًا، بل تركت عينيها تنزلقان عليه بنصف كسَل، ثم عادت تنظر نحو قريته أسفل التلّ.

قالت بصوتٍ ناعمٍ متدلٍّ من حافة الابتسامة:

«أنتَ تبدو أفضل مما توقعت… رغم أنك ما زلت لا تشبه شيئًا جديرًا بالبقاء.»

ابتسم بسخريةٍ جافة — ردّ ابتسامتها بشقّ شفتين متعبتين. قبل أن ينطق بكلمة، كانت قد حرّكت جسدها.

وقفت.

ليليث — باندفاعٍ خاطف، كأن الظلال قذفتها للأمام — قفزت من عرشها الخشبي الفخم. وقفت أمامه في رمشة عين، بخفةٍ أقرب إلى طيفٍ خُلِق من وهج القمر وحده. كل خصلات شعرها القصير ارتجفت لثانيةٍ مع حركتها، قبل أن تستقرّ حول وجهها مثل إكليلٍ من ظلامٍ صامت.

وخلفها… كان المشهد كاملاً. القمر الذي كان مجرّد فتحة في العتمة صار فجأة قبرًا مضاءً بالكامل — نافذةٌ مشرعةٌ على ضوءٍ باردٍ لامعٍ انسكب خلفها كأنه تاجٌ من فضّةٍ حيّة. ارتدت الهالة على جسدها الضيق، على كتفيها، على بشرتها الشاحبة، فجعلتها تبدو أكثر من كائنٍ غامض… جعلتها تبدو، للحظة واحدة، أجمل شيءٍ رآه آدم في حياته كلّها.

وأدرك ذلك بوضوحٍ مؤلم — أنه رغم الدم والظلال والحفر التي تركتها فيه… كانت ليليث وستظل أجمل لعنةٍ طاردته. جمالٌ بلا ذمة، بلا قيد، بلا قلب.

كان بوسعه أن يمدّ يده في تلك اللحظة — أن يلمس وجهها، أن يجرّ روحه نحو حتفه راضيًا — لكن عينيها كانتا أسرع.

نظرت إليه نظرةً واحدةً، كمن يعرف تمامًا ما يدور في صدره قبل أن يفكّر فيه، ثم بدأت تدور حوله ببطء — حركة دائريّة باردة كدبيب قطرة سمّ في شريان قلبه.

همست وهي تدور، كل كلمة تلامس مؤخرة عنقه قبل أن تلّفه وتصفعه من الجهة الأخرى:

«أنظر إليك… قطعة لحمٍ مهترئة تتظاهر أنها ما زالت تصلح للعبة أكبر منها. أتظن أن إصلاح ثقبٍ في صدرك سيجعلك مختلفًا؟»

اقتربت أكثر، أطراف شعرها تلامس هواءه كأنه يحترق.

«هل ظننت حقًا… أنني أصلحتك لتنجو؟»

ثم أكملت دورتها، حتى وقفت خلف كتفه مباشرةً، همست بجانبه بصوتٍ أخفّ من أن يوصف:

«ربما أصلحتك… فقط لأرى كيف ستتحطّم بشكلٍ أجمل المرة القادمة.»

مالت برأسها قليلًا ناحية أذنه، وكأنها تُسلّي نفسها بفضوله المرتبك، ثم تمتمت بسخرية ناعمة، تكاد تلامس عقله مثل شظيّة ثلج:

«وبصراحة… لولا حركتك الأخيرة — تلك الدائرة البائسة التي أبعدت رافين وأجلت موتك مؤقتًا — لكنت تركتك هناك تموت وحدك، جثة باردةً على الحجاره. لكنك أثبتَّ… أنك مختلف فعلًا عن البقية. غلطة صغيرة… لكنها كافية لأراك تموت مرة أخرى — بطريقةٍ أبهى.»

ظلّ آدم واقفًا، كتفاه مشدودان كوترٍ لم ينكسر بعد. زفر ضحكةً قصيرة خرجت ثابتةً هذه المرة، لا تحمل رجفة الخوف، بل شيئًا يشبه التحدي المتعمّد.

أدار رأسه قليلًا، بما يكفي لتلتقي عيناه طرف نظرتها المتوهجة خلفه، ثم رفع ذقنه ببطء، كمن يعرض عنقه للسيف… متحديًا.

قال بصوتٍ منخفض، لكنه ثابت كحجرٍ قديم:

«مختلف؟… أعرف ذلك. ولولا أنني مختلف، لما كنتِ هنا تدورين حولي مثل قطةٍ جائعة تنتظر من يجرؤ على ركلك.»

توقّف لحظة، ترك الابتسامة تعتلي زاوية فمه، ساخرةً مستفزةً:

«أجل… سأتحطّم. ربما غدًا. ربما الآن. لكن تأكدي… حين أسقط، سأسقط وفي فمي قضمةٌ منك.»

نظرت إليه نظرةً واحدةً فقط — نظرة لم تمنحه فرصةً لكلمةٍ، ولا لفكرةٍ، ولا لقطرة دفاع. في تلك اللحظة، أدرك أنه مهما انتفض وتحدّى، فهي لا تزال تمسك بالخيوط كلها، تشدّها متى شاءت، وتقطّعها متى شاءت.

وقبل أن يسمح لعقله أن يستجمع صوته، أو يرفع حاجبه حتى، رفعت ليليث يدها بخفة — إيماءة بالكاد حرّكت الهواء، لكنها فتحت تحته بابًا لم يره. شعر بأن كل شيء ينخلع عنه: الأرض، الضوء، صقيع الحجر، وحتى ظلّها الذي التصق به.

ثم وجد نفسه هناك — واقفًا أمام القصر مباشرةً. نفس القصر الذي ابتلعه أول مرة، بجدرانه العالية الباردة كقلبٍ حجريّ، أبوابه الموصدة كفمٍ لا يشبع.

لفحته رياح الليل القاسية. تحت قدميه، الأرض الموحلة التي يعرفها. أمامه، البوابة الحديديه الهائلة، تنظر إليه كفمٍ قد يفتحه مرة أخرى — إن تجرّأ.

ولم تدعه ليليث يذهب بلا لسعةٍ أخيرة — كان صوتها يهبط عليه من مكانٍ لا يُرى: نبرةٌ ناعمة بقدر ما هي مشؤومة، تتغلغل في عظامه وتصفعه بابتسامةٍ غير مرئية:

«لا تعد مجددًا… إلا إن كنتَ قادرًا على حماية نفسك، يا مختلف.»

ثم اختفى كل شيء.

انطفأ صدى حضورها، وبقي الليل حوله ثابتًا، والقصر صامتًا كقبرٍ بلا شاهد.

لم ينظر آدم خلفه وهو يبتعد عن القصر. لم يجرؤ. كان الليل كثيفًا، يضغط عليه بين الأشجار كجسدٍ ثقيلٍ يُحاول ابتلاعه من جديد، لكن قدميه ظلّتا تمضيان في الطين الرطب دون تردّد.

كان صدره مشتعلاً بأسئلةٍ لم يجد لها فماً يصرخ بها، فتركها تحترق في جمجمته كشرارةٍ بلا منطفىء.

من يكون سيث؟

اسمٌ تردّد داخل عقله أكثر من مرة، حشره رافين في رأسه كإبرة صدئة ثم مضى… من رافين أصلاً؟ هذا الشبح الذي يختفي ويظهر كحدّ سكين… كيف امتلك تلك القدرة؟

وليليث؟

رفع عينيه نحو شريط القمر الذي يلمع بين الأغصان — كأنه يرى ملامحها على وجه الليل كله. كيف يمكن لشيء أن يكون بهذا الجمال… وهذا الخراب معًا؟

كان قلبه يحاول أن يقنع نفسه أن ما رآه ليس أكثر من سحر سحرٌ عادي مثل الذي سمع عنه ألف مرة في حكايات القرى أو رآه أحيانًا في أسواق المدن. هكذا يكون الخوف أقل وحشية، أقل غرابة.

لكن شيئًا داخله كان يهمس بإصرارٍ لئيم: ما رأيته ليس سحرًا عاديًا. ليس حيلةً ولا تعويذةً محفوظة. ما كانت تفعله ليليث… هذا شيءٌ آخر، شيءٌ لا يشبه أي ساحرٍ قابله أو سمع عنه.

ومن هي أصلًا؟

ساحرة؟ شيطانة؟ كابوس حيّ؟ كان يكره هذه الكلمة الأخيرة أكثر — شيطانة — لا يريدها، يرفضها. يفضّل أن يظل الأمر خدعةً عظيمةً على أن يصدّق أن العالم أكبر من سحرٍ وتعاويذ.

"لماذا أنا؟... لأنك الوحيد الذي لم يهرب؟ لأن جرحك يجعلك تشبهها؟ أم لأن عينيك رأتا ما لم يُرَ منذ زمن سيث؟”

كان يغمض عينيه أحيانًا وسط الظلال، يهمس لنفسه: ربما أستيقظ… ربما كانت كابوسًا.

لكنه كان يسمع وقع خطواته وحدها تجيبه: لا أحد يحلم بهذا الوضوح.

واصل سيره، حتى بدأت ظلال الغابة تنفرج. ظهرت أطراف الأشجار المألوفة، طريقٌ يعرفه عن ظهر قلب، انعطف حيث انعطف ألف مرة من قبل، كأنه يمشي إلى صدر أمّه حين كان طفلًا.

لكن صدره هذه المرة ضاق أكثر، كلما اقترب. شيءٌ في الريح تغيّر. رائحة الدخان. رائحة الرماد. رائحة لحمٍ لم يعرف فرصةً ليشيخ أو يهرب.

توقف عند حافة التلّ، ركبته انثنت كأنها لم تحتمل أن تحمله خطوةً إضافية.

كانت قريته هناك — أو ما بقي منها.

قريته… تلك البيوت الطينية التي ظنّها صامدةً للأبد، بأبوابها الخشبية الثقيلة وجدرانها التي قاومت الشتاء والرياح عشرات السنين — كانت الآن كومة من الطين الأسود والطوب المحترق.

لم يبقَ منها سقفٌ سليم، ولا جدارٌ يكتمل.

بقايا الجدران وقفت مثل أسنانٍ مكسورة في فكٍ بلا فم، يتصبّب منه الدخان كأنّه يزفر أرواح من كانوا فيه.

تقدّم خطوةً.

كل خطوة كانت تصفع حذاءه برمادٍ دافئ، رمادٍ كان قبل ساعات بيتًا أو بابًا أو شخصًا يتنفّس.

كانت هناك جثث. لم تُخفِها النار كلّها — بعضها تمدّد فوق الأنقاض بلا رأسٍ أو ذراع. بعضها حُشر تحت الأحجار المتكسّرة، أقدامٌ صغيرةٌ بارزة، أصابعُ أطفالٍ جمدها الموت قبل أن تفلت من صدر أمهاتهم.

لم يجرؤ أن ينطق كلمةً.

ظلّ يحدّق في الأجساد المدفونة نصفها تحت الركام — كانوا أناسًا يعرفهم، يناديهم كل صباح بأسمائهم.

الآن صاروا أحجارًا وصمتًا.

لم تنجُ امرأةٌ هنا، ولا شيخٌ هنا، ولا طفلٌ هنا.

كانت القرية كلها لوحةً واحدةً من رمادٍ ودخانٍ وأشلاء، كأن أحدًا مرّ عليها لا ليهدمها… بل ليتركها عبرةً عاريةً، ناصعةً مثل جرحٍ بلا ضماد.

وقف آدم هناك، كأنه وحده الشاهد الوحيد — وحده الناجي الوحيد من حريقٍ لم يسأل إن كان هذا وقته.

كان يريد أن يصرخ.

لكنه لم يجد صوتًا.

كل شيءٍ فيه كان يشبه ما حوله — مهدومًا، متفحّمًا، بلا جدارٍ يحميه من الليل.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فٍلمورا (بين عالمين)

المؤلف Vhsalem
2025/10/23 مستمرة
قائمة الفصول (5)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة