الفصل الخامس

الفصل الخامس

12 0

ظلّ آدم واقفًا هناك، تحت رائحة الدخان واللحم البارد. لم يتحرّك في البداية — كأنه واحد من تلك الجثث المرمية نصفها فوق الركام، نصفها تحته. كان صدره يعلو ويهبط بلا صوت، كأنه يلتقط أنفاسًا لا يعرف كيف يتنفّسها أصلًا.

ثم تحرّك.

لم يعرف كيف.

قدماه انزلقتا على الطين المتفحّم، خطوته الأولى جرّت الثانية، والثانية جرّت كل شيءٍ خلفها.

كان يسير وسط قريته — أو ما تبقى منها — وعقله يسير في اتجاهٍ آخر، اتجاهٍ مليء بأسئلةٍ لا يملك لها أبوابًا.

هل فعلها رافين؟

ظلّ السؤال يعضّ جمجمته كدودةٍ حية. لو كان رافين من حرق كل هذا… فلماذا؟ أم أنّ هناك غيره؟ شخصٌ آخر؟ ظلّ آخر لم يُرَ بعد؟

خطا فوق بقايا كوخٍ صغيرٍ كان يومًا مجلسًا لصبيةٍ يلعبون فيه. الآن صار موقدًا مفتوحًا لأشلاءٍ لم تجد من يجمعها.

أكان بينهم ناجٍ؟

همس لنفسه: ربما… ربما اختبأ أحدهم…

لكن حتى هذا الهمس بدا ترفًا ساذجًا وسط هذا الصمت الذي يصرخ: لا ناجين هنا إلا أنت.

تقدّم أكثر، خطوته كانت أثقل من التي قبلها، عيناه تتنقلان بين الأحجار المكسّرة، بين الجثث التي لا تملك حتى أن تُسجّى. كان عقله يتفتت:

لماذا؟

لماذا هو؟ لماذا هم؟ لماذا الآن؟

وبينما الأسئلة تنخر رأسه مثل مطرٍ حامض، وجد نفسه يقف أمام شيءٍ مألوف وسط كل هذا الخراب.

أمامه، كان بيتٌ لا يشبه سواه — أو ما تبقى منه.

ركامٌ متفحّم، جدارٌ وحيدٌ صامدٌ نصفه، بقايا عتبةٍ خشبيةٍ لم تلتهمها النار بالكامل.

بيت إلياس.

معلمه.

الوحيد الذي وضع في رأسه فكرة أن هناك في هذا العالم «قوة» أكبر من خوفه، أكبر من قريته، أكبر من النار نفسها.

آدم لم يفكر أن يقف هنا — لكن قدميه قادته إليه، كأن جسده يعرف أن تحت هذا الرماد قد يكون هناك شيءٌ يستحق أن يُنقذ.

ظلّ يحدّق في العتبة المكسورة، أنفاسه ثقيلة، وأصوات الأسئلة لا تزال تلسعه من الداخل: أين أنت يا إلياس؟ هل احترقتَ معهم؟ هل تركتَ لي شيئًا؟ أو تركتَني وحدي…؟

ظلّ واقفًا أمام ركام بيت إلياس، يتفحّص الأبواب المحترقة، العتبة المتفحّمة، بقايا الجدار المائل كأنه آخر ما يشهد بأن هذا المكان كان بيتًا يومًا ما.

كان يوشك أن يخطو للداخل، أن يزيح حجرًا هنا أو هناك، فقط ليُقنع نفسه أن لا شيء نجا.

لكن الصوت جاءه كطعنةٍ مفاجئة في ضجيج الصمت.

صرخة.

كانت ضعيفة، كأنها سُحبت من صدرٍ نصفه مدفون تحت الحجارة. لكن ما فيها من الألم كان كافيًا ليشقّ صدر الليل كله. صرخةٌ قصيرة، مشروخة، ثم همهمةٌ بين حشرجةٍ بكائيةٍ وصوتٍ لم يُقتل بعد.

فتاة.

صوتٌ لأنثى، لم يفكر في اي شئ الان، كل ما عرفه أن هناك أحدًا حيًّا. أحدًا لم تلتهمه النار، ولا الدخان، ولا الخراب.

اندفع.

ركض فوق الأحجار، انزلقت قدمه على الرماد الرطب، سقط على ركبته، شتم بصوتٍ لم يسمعه غيره، ثم جذب نفسه واقفًا كأنه ينتزع صدره من تحت الركام.

راح يقلب الحجارة بيديه، أصابعه جُرحت فورًا، شقوق الطين المسخّن بالنار أحرقت أطرافه، لكنه لم يتوقف.

كلما سحب حجرًا، زاد الصوت وضوحًا — أنينٌ صغير، محاولةٌ واهنة لأن تقول أنا هنا.

دفع آخر حجرٍ ثقيل، حتى انكشف وجهها — وجهٌ مغبرّ، شَعرٌ أسود التصق بجبينٍ مكسوٍّ بدمٍ ناشف، وعينان نصف مفتوحتين، تحاولان أن تراه وسط دوار الألم.

مدّ يده إليها.

«لا تتحركي… أنا معك.»

سحبها ببطء، كتفها تعلّق بين الحجارة للحظة، فسمع شهقة ألمٍ مزّقت صدره قبل صدرها. ثم انتشلتها يداه — خفيفةٌ كدمية، لكنها مثقلةٌ برائحة الدخان وكدماتٍ تغطي صدرها وذراعها.

أسندها إلى حجرٍ أكبر، أخذ يزيح خصلات شعرها عن عينيها المغمضتين. صدرها كان يعلو ويهبط ببطءٍ خطير.

زفر همسًا لنفسه:

«أحتاج وقتًا… فقط ابقي معي.»

رفع يده اليمنى، رسم بإصبعه على الهواء دائرةً صغيرةً مرتعشة. الكلمات خرجت من حلقه مبحوحةً — تعويذة شفاء بسيطة، بالكاد تضيء أطراف أصابعه بضوءٍ أصفرٍ باهت.

«ڤيراس… نُور… إيلارا…»

شعر بثقلٍ يجثم فوق صدره — هو نفسه شبه مستنزف، جسده كُسرت فيه طاقةٌ كان يحتاجها ليهرب لا ليُنقذ. لكنه استمر. دفع ما بقي فيه، كأنه يسكب آخر شرارةٍ في صدرها.

ومض ضوءٌ أصفر باهت من راحة يده، تمدّد خيطًا رقيقًا فوق صدرها المشروخ، التحم جرحٌ هنا، هدّأ نزيفٌ هناك. لم يشفيها بالكامل — الجروح الأعمق بقيت تحفر تحت جلدها — لكن لون وجهها تحرّر من الزرقة، وأنفاسها استعادت إيقاعًا بطيئًا يقول: ما زلتُ هنا… ليومٍ آخر.

سحب يده، أنفاسه تلاحقت كأنه هو من حفر قبرًا داخل صدره للتو. أسند ظهره إلى حجرٍ بجانبها، أرخى كتفيه المنهكين، ثم حرّك رأسه قليلًا يتفحّصها للمرة الأولى بعيونٍ أكثر هدوءًا.

وجهٌ شاب — لكنه لم يعد طفلة. أقلّ منه سنًّا، نعم، لكنه ليست صغيرة لدرجة أن تفرّ هاربة من خرائب البيوت. عيناها، حين تفتحان يومًا، ستبوحان له إن كانت مجرد ابنة نجار… أو شيءٌ آخر نجا معه من الحريق.

همس لنفسه، صوته مبحوح فوق الرماد:

«من أنتِ… ولماذا بقيتِ أنتِ؟»

ظلّ آدم جالسًا بجوارها، يراقب صدرها وهو يعلو ويهبط ببطءٍ كأنه يحارب الليل ثانيةً ليكسب أنفاسه يومًا آخر.

يده الملطخة بالدم والرماد استندت على الحجر خلفها، بينما رأسه انحنى إلى الخلف، عيناه تحدّقان في ظلال الدخان الذي يتصاعد من بقايا البيوت حوله.

غاب لحظةً في الفراغ.

مالذي حدث هنا؟

صورٌ متلاحقةٌ عبرت في ذهنه كقطع زجاجٍ حادة: القرية تحترق… رجال يصرخون… نساء يجرون أطفالهم إلى بيوتٍ لم تستطع أن تحميهم… صوت صراخٍ آخر، لم يسمعه لأن خطواته حملته بعيدًا حينها.

لو كان هنا…

لو لم يسقط في فخ رافين… لو لم تسحبه ليليث بين ظلالها وألعابها… هل كان يستطيع أن يمنع هذا؟

هل كان سيقف بينهم، يواجه من أشعل النار بيدٍ عاريةٍ وتعويذةٍ بائسة؟

هل كان سيحرق قبلهم أم معهم؟

ثم انتقل بصره إليها.

الفتاة الغريبة.

وجهها نصف مطمورٍ بالدم والرماد، لكن ملامحها لم تخدعه — لم يرها من قبل. ليست من بيوت الطين التي يعرفها بيتًا بيتًا، اسما اسمًا. من أين خرجت؟

من دفنها هنا؟

كيف نجت وحدها؟

تسللت الفكرة إلى صدره كسمّ بطيء: أيمكن أن تكون سببًا؟

هزّ رأسه في داخله — جزءٌ منه احتقر نفسه للحظة لأنه فكّر في هذا الاحتمال. لكن جزءًا آخر لم يتعلّم بعد كيف يغفر لأي شيءٍ غريبٍ نجا من حريقٍ ابتلع كل شيءٍ مألوف.

مدّ يده، دفع خصلة شعرٍ مبتلّةً بالدم بعيدًا عن وجهها، همس لنفسه بصوتٍ خافتٍ ينزف حيرةً أكثر من اتهام:

«من أنتِ… ولماذا بقيتِ أنتِ حين احترقنا جميعًا؟»

ظلّ آدم جالسًا هناك، ظهره مستندٌ إلى الحجر البارد، كتفاه العاريان تلمعهما شرارات النار المشتعلة من بقايا الأكواخ حوله. كان صدره مكشوفًا للريح التي اعتاد أن يهرب منها كل ليل داخل غرفته الطينية، تحت بطانيةٍ مهترئةٍ كانت تخبّئه من لسعة البرد.

أما الآن — فلا بيت، ولا بطانية، ولا جدران تكبح الريح. النار وحدها تحيطه، لكنها لا تدفّئه بقدر ما تذكّره بما التهمته قبل ساعات.

مدّ يده إلى الأرض، حفن رمادًا من تحت قدميه، تركه يتساقط من بين أصابعه كأنه يختبر إن كان ما حوله حقيقيًا أو كابوسًا. بينما رأسه يضيع بين أسئلةٍ تزدحم أكثر مما يطيق: من هي الفتاة؟ لماذا بقيت؟ من دمّر القرية؟ لو كان هنا، هل كان سيوقف هذا الحريق؟

لكن وسط شرود أفكاره، وخز إحساسٌ غريب جلده. شيءٌ زحف من عموده الفقري حتى مؤخرة رأسه — إحساسٌ لا صوت له ولا ظلّ له، لكنه يهمس بأن الليل لم يتركه وحيدًا.

لم يرَ شيئًا — لم تلمح عيناه أي عيونٍ وسط سواد الغابة. لكن شيئًا ما تحت جلده أقسم له أنه مراقَب.

عيونٌ كثيرة… متربّصة… تنتظره كأنه فريسةٌ لم تكتمل.

لم يعرف: هل هي عيون ذئابٍ تترصّد بقايا النار كي تختطف جثةً؟ أم ظلالٌ أعمق — بقايا الشيطان الذي مزّق هذه البيوت وألقى به وسط الرماد؟

ظلّ ساكنًا، كتفاه العاريان يبردان أكثر مما يجب، بينما الشرارة الأخيرة تتلاشى بجانبه. وكل ما حوله يهمس بلا صوت:

هناك من يراك… سواء رأيته أم لا.

ظلّ آدم جالسًا هناك، عاري الكتفين، نصف جسده ملوث بالرماد والنار والبرد معًا. لم يتحرّك. لم يغمض عينيه تمامًا. فقط ظلّ يراقب ظلال الليل وهي تتمدد وتضيق حوله، يراقب بقايا النيران وهي تتوهج ثم تخفت، ثم تعاود الزفير بشعلةٍ أخيرة، ثم تخمد.

العيون — تلك التي لم يرها أبدًا — ظلت تسكن في إحساسه كدبيبٍ تحت جلده. لم يلتفت لها، لم يطردها، لم يدعُها. ظلّ يجلس وسط الركام، قرب جسدٍ صغيرٍ أنقذه من تحت الحجارة قبل ساعات، كأنه يحرس شرارةً أخيرة يرفض أن تنطفئ قبله.

وحين تصدّع السواد أخيرًا، زحفت أول خيوط الضوء من حافة التلال. شقّت سواد الدخان رماديةً ثقيلة، ثم اشتعلت حواف الأكواخ المحترقة بنورٍ باهتٍ يشبه الندم.

الشمس بزغت على ما تبقى — جثث متفرقة، أطلال طينية ذائبة، أكوام حجارةٍ كأنها عظامٌ مكسورة لم تجد من يدفنها. النار التي لفّت الليل بالدفء انطفأت، وتركته وحده في صقيعٍ رماديٍّ لا يُداريه سوى جسده الذي لم يعرف غطاءً إلا ظله.

تنهّد آدم بصوتٍ مبحوح، كأنه يطرد الليل من صدره. أدار رأسه ببطءٍ نحو الفتاة التي أسندها الليلة الماضية إلى حجرٍ نصف محترق. كان صدرها يعلو ويهبط بانتظامٍ خافت، خصلات شعرها تلاصقت بوجنتها الملطّخة بالسخام.

ثم — رأى يدها تتحرّك ببطءٍ. أصابع صغيرة تقبض على لا شيء، تبحث عن شيء.

ثم — جفناها ارتعشا. خطٌ من الضوء لامس بياض عينين نصف مغمضتين، تبحثان عن أوّل صورةٍ تعيدهما إلى الحياة.

فتح آدم شفتيه، لكن الكلمات علقت في حلقه. اكتفى بأن يحدّق فيها، قلبه ينبض بحذرٍ كأنه ينتظر سؤالها قبل أن يسألها كل أسئلته.

الشمس ارتفعت ببطء، تكشف الخراب كله — وتكشفها معه: الشاهد الوحيد الذي سيشاركه الرماد… ولو ليومٍ آخر.

ظلّ يحدّق في عينيها نصف المفتوحتين، يرى ارتعاشةً باهتةً في جفونها كأنها تسأل أين هي، من هو، ولماذا بقيت على قيد الحياة. لم تجب، ولم تسأله بصوتٍ مسموع، لكنها حركت أصابعها مرةً أخرى، كمن يقول أنا هنا… أكمل.

أغمض آدم عينيه للحظة، زفر نفسًا ثقيلًا، كأنه يُقنع نفسه أن النار انتهت… على الأقل الليلة. الشمس تسلّقت السماء ببطءٍ عنيد، مزّقت ظلال الغابة، كشفت الأشجار وهي تقف حارسةً على حافة القرية الميتة.

أدار عينيه حوله، آخر نظرة على الركام، على الحجارة المتفحمة، على الدخان الذي صار بخارًا خافتًا يتلاشى في الهواء. همس لها وكأنه يودّعهم جميعًا بصمتٍ أخير.

ثم انحنى ببطء، دسّ يديه تحت جسدها الخفيف، رفعها بين ذراعيه رغم أن ذراعه اليسرى ارتجفت فورًا من الإنهاك. شعر بجرحٍ مفتوح في راحة يده اليمنى يلسعه، لكنه شدّد قبضته أكثر، شدّدها كأنها تمسك شيئًا أكبر من جسدٍ مريض — تمسك وعدًا خافتًا أن هذا الرماد لن يكون آخر الطريق.

وقف ببطء. شعر بظهره يئنّ تحته، ركبته المجرّحة تذكره بكل ما تحمّله الليلة الماضية، لكن قدميه رسختا في الأرض بثقلٍ مفاجئ.

نظر إلى الطريق الذي يقطع الغابة، خيوط الشمس تنسلّ بين الأغصان لتدلّه على مخرجٍ لم يكن يفكّر فيه بالأمس. أدار رأسه نحو وجهها، هامسًا بصوتٍ مبحوحٍ بالكاد يسمعه غيره:

«لا تقلقي… هناك قرية قريبة. سنذهب إليها… ستستريحين هناك، وسيعالجك أحدهم…»

كأن الجملة لم تكن لها وحدها، بل له أيضًا. له وحده الذي كان يحتاج أن يسمعها من فمه ليصدق أن هذه الخطوة ممكنة.

ثم خطا.

كل خطوة كانت تلسع عضلاته المنهكة، كل جذع شجرةٍ تجاوزه كان يسرق من صدره نفسًا آخر. لكن عينيه ظلّتا على الطريق أمامه — لا رماد بعد الآن، لا نار، لا بقايا أكواخ خلفه.

في صدره لم يعد هناك مكان للرجوع. كل ما بقي فيه وعدٌ خافت:

لن أتوقف… إلا حين أصل.

وبينما كان آدم يشقّ طريقه بين جذوع الغابة، صدره يعلو ويهبط مع كل خطوةٍ تقطع قطعةً من جسده المنهك، كانت الشمس قد تمدّدت أكثر في السماء، تكشف الطريق أمامه وتكشفه هو في الوقت نفسه.

لكنه لم يكن يعرف — ولن يعرف الآن — أن ظلاً بعيدًا لم يفارقه أصلًا.

هناك، على تلٍّ معزولٍ وسط الغابة التي لم تفضح كل أسرارها بعد، انتصب القصر كما تركه خلفه: جدران حجريةٌ شامخةٌ تحت ضوء النهار، نوافذه كعيونٍ سوداء تراقب دون أن ترفّ.

وفي قلب إحدى تلك النوافذ، كانت ليليث لا تزال واقفة. ستائر الغرفة الثقيلة تنسدل خلفها كجناحين مطويين، بينما ضوء الشمس ينسكب من الزجاج الملون على شعرها القصير فيرسم هالةً زائفة من قداسةٍ سوداء.

لم تتحرّك. لم ترفّ عينها. كانت تحدّق عبر المسافة كلها — الغابة بأشجارها الكثيفة لم تكن كافيةً لتمنع بصرها عنها.

رأت آدم بوضوحٍ مخيف: كتفاه العاريان، ذراعه الملتفّة حول جسد الفتاة، خطواته التي تشقّ الطين والأوراق الجافة بإصرارٍ عنيدٍ لا يليق برجلٍ خرج من رماد قريته للتو.

ابتسمت ليليث ابتسامةً قصيرةً — لم تكن ساخرةً بالكامل هذه المرة، ولا كانت شفقة. كانت شيئًا بين الاثنين: رضى بطيء، وفضولٌ صامتٌ يلمع في عينيها الحمراوين.

أمالت رأسها قليلًا نحو الزجاج، كمن يهمس للريح: «امضِ إذن… يا مختلف. دعنا نرى إلى أين ستهرب هذه المرة.»

ثم تركت أصابعها تنقر بخفّة على حافة النافذة، كمن يعدّ الوقت — أو يعدّ الأيام المتبقية قبل أن يعود إليها… مهما ابتعد.

ظلت ليليث جالساً لحظةً أخرى أمام الزجاج، ذراعها تستند بخفّة على مسند كرسيها الخشبي — أو بالأصح عرشها الصغير الذي يحتملها مثلما تحتمله هي: بلامبالاةٍ مطلقة.

كانت عيناها لا تزالان معلّقتين في البعيد، تتبعان آدم كخيطٍ حيٍّ يمشي خارج قبضتها… مؤقتًا.

بعد لحظة، حرّكت جسدها للأمام بهدوء ، وضعت قدميها على الأرض بثبات، ثم وقفت ببطءٍ دون أن تُصدر أي صوت.

تقدّمت خطوة، لامست بأصابعها مسند الكرسي بخفةٍ كأنها تُحييه أو تترك فيه أثرها الأخير. ثم التفتت نحو النافذة للحظةٍ أخيرة..

لم تبقَ لها آثارٌ إلا اهتزازٌ خفيفٌ في الجوّ، كأنه نفسٌ أخيرٌ برديٌ يتلاشى في صدر الحجر.

وفي اللحظة نفسها، تحرّكت الستائر الثقيلة وحدها — كما لو أن خيطًا خفيًا انحلّ من داخلها. انسدلت الأقمشة المخملية دفعةً واحدة، وابتلعت الضوء القادم من الزجاج الملون، أسدلت على النافذة سوادًا كثيفًا أعاد الغرفة إلى ظلامها الأصلي: ظلامٌ لا يرحم، لا يبرر، لا يترك للريح حتى فرصة أن تهمس سرّها في الخارج.

وعاد القصر صامتًا من جديد.

لا أحد يرى.

لكن كل شيءٍ ما زال يُرى.

ما إن انغلقت الستائر الثقيلة خلف ليليث، حتى لم يبقَ من حضورها شيءٌ في تلك الغرفة.

لكنها لم تختفِ إلى العدم — بل ذابت في الظلال كأن العتمة بلعتها لحفظها مؤقتًا.

وبينما كان الصمت يبتلع القصر، انفصل خيطٌ من الظلام في غرفةٍ أخرى، أبعد في عمق الردهات الباردة.

ظهر أولًا كخط دخانٍ أسودٍ عند الجدار، ثم تمدّد ببطء، تكتّل على هيئةٍ بشريةٍ انفرجت من العدم — ليليث.

خطت للخارج وكأنها تخرج من ستار مسرحٍ داخليٍّ تعرف طريقه جيدًا. كتفاها تحرّكا بخفة، وشعرها القصير ارتجف لحظةً قبل أن يستقرّ. نظرت حولها، ضحكةٌ صغيرة ساخرة ارتسمت في زوايا فمها كأنها تستقبل المشهد بفضولٍ مسلٍّ.

الغرفة هذه المرة لم تكن كغرفتها السابقة — لا نافذة، ولا زخارف كثيرة، فقط جدران حجريةٌ رطبة، وسقفٌ منخفضٌ يقطّعه خيط ضوءٍ وحيدٌ من مصباحٍ قديم.

في منتصف الغرفة، انكشف لها المشهد كاملاً: كرسيٌ خشبيٌ بسيطٌ في قلب الحجرة، مربوطٌ إليه رجلٌ عجوز، رأسه مطأطأ، لحيته غزتها بقع دمٍ ناشفة، معصماه مربوخان بحبلٍ خشنٍ لم يُترك فيه موضعٌ للهرب.

كان واقفًا أمامه — بثباتٍ هادئٍ، ظهره نصف منحني ناحية العجوز — رافين.

نفس العباءة السوداء، نفس الشعر الطويل المسدل على كتفيه، عيناه الرماديتان تلمعان تحت الضوء الخافت كجمرتين تنتظران أن يبرد كل شيءٍ حولهما.

رفعت ليليث حاجبها ببطء، زفرَت ضحكةً صغيرةً من أنفها، ثم قالت بصوتٍ ساخرٍ وهي تتقدّم خطوةً داخل الضوء:

«آه… وأخيرًا وجدت لعبتَك يا رافين؟»

ثم استقرّ بصرها على العجوز — لحظةً واحدةً فقط كانت كافيةً لتتعرّف عليه، وارتسم على شفتيها أثر ابتسامةٍ خافتةٍ خاليةٍ من الشفقة:

«إلياس…»

رفع إلياس رأسه ببطء. لم يفعلها فقط لأن اسمه نُطق للتوّ — بل لأن هذا الصوت الذي ملأ الغرفة الآن لا يحتاج إلى اسمٍ ليهزّه من الداخل.

رمش بعينيه المتورّمتين، حدّق إلى حيث وقفت ليليث وسط الخيط الخافت من الضوء، ابتسم ابتسامةً صغيرةً لا يشبه فيها الضعف ولا التوسّل.

صوته خرج مبحوحًا من حلقٍ جفّ من طول الصمت: «ماذا تريدين من آدم؟»

تلك الكلمات كانت كافية لتكسر الصمت المعلّق كخنجرٍ فوق رؤوسهم.

لمحت ليليث جانب وجه رافين، الذي ظلّ صامتًا لحظةً كأنه يُترجم السؤال لنفسه — ثم استدار إليه ببطءٍ مدروس، كتفه انسحب معه بهدوءٍ كمن يحرك خنجرًا داخل صدر عدوّه دون عجلة.

عينا رافين، الرماديتان الميتتان، اشتعلتا بشعلةٍ رماديةٍ باردة. لم يرتفع صوته، لكنه حمل في هدوئه حافةً حادةً كالسيف:

«ما الذي قد تريده أميرتي… من شخصٍ حقير… من بني جنسك الضعيف؟»

ثم انحنى قليلًا ناحية إلياس، عينه الرمادية تلمع بذلك البريق البارد الذي يسبق العاصفة. لم يحرّك يده، لم يرفع نبرة صوته، فقط ترك كلماته تتسلّل مثل نصلٍ بطيء:

«تسأل عمّا تريده أميرتي من آدم؟»

مال رأسه قليلًا، وابتسامته صارت أوسع لكنها بلا دفء، كأنها قناعٌ يحجب تحته شيئًا أبرد من الموت.

«إنه ليس أكثر من لعبة… تسلية صغيرة، تُمرّر بها الوقت حين يصير الليل ثقيلاً حتى على شيطانةٍ مثلها.»

مرّر نظره ببطء على العجوز المربوط، كأنّه يستمتع برؤية ردّ فعله المتخشّب، ثم همس بوضوحٍ أشدّ:

«وحين تملُّ… ستحرقه.»

مدّ إصبعه ببطء، وأشار نحو صدر إلياس كأنه يطعن قلبه بكلمة:

«كما حرقت قريتكم كلّها… حتى لا يتبقّى منه شيء. لا دمٌ ولا حجرٌ ولا حكايةٌ تُروى.»

ثم مال أكثر، صوته صار أقرب إلى أذن إلياس، باردًا كريحٍ معدنية:

«هكذا تُنهي أميرتي ألعابها يا إلياس… وأنت تعرف ذلك جيّدًا.»

ظلّ إلياس يحدّق في رافين، ملامحه العجوزة تشقّها ذبذبة حزنٍ صامتة، كأنه تذكّر شيئًا نسي أنه يؤلمه أصلًا. ببطءٍ رفع رأسه إلى ليليث — تلك التي تعرف كيف تخفي نصف نيتها خلف نصف ابتسامة.

حدّق في وجهها، ظنّ أنه سيلمح تأكيدًا أو تكذيبًا، لعنةً أو خلاصًا — لكنه وجد على ملامحها شيئًا آخر… شيء لم يقرأه قط، أو لم يمنحه الوقت ليُترجم.

ليليث لم تحرّك كتفيها ولا حاجبها، فقط أزاحت بصرها عن عينيه بثقلٍ ناعمٍ ليقف على رافين. وقفت خطوةً للأمام، صوتها خرج هادئًا، لكنه محشوٌّ بذلك السحر الكامن في أبسط كلمة تهمسها:

«رافين… منذ متى صرت تنطق عن لساني؟»

انفرجت شفتاها بابتسامةٍ قصيرةٍ بلا دفء، مالت رأسها قليلًا وكأنها تكشف وجه القمر تحت غيمة.

نظرت إلى الرجل المربوط أمامها، زفيرها كأنه يختبر وجوده، ثم عادت تحدّق في رافين من جديد:

«وأخبرني… من أعطى الأمر بإحراق القرية حقًا؟»

اقتربت خطوةً أخرى، صوتها صار أخفّ، لكن كلماته أعمق من خنجرٍ بارد:

«ثم قبل كل هذا… ماذا يفعل إلياس هنا في قصري… وتحت عينك أنت؟»

وحين فرغت ليليث من كلماتها، أبعدت عينيها عن رافين كما لو أنه لم يعد يستحق نظرتها. استقام جسدها بخفةٍ صلبةٍ كأنها تُغلق الباب عليه إلى الأبد.

لم يحتج رافين إلى مزيدٍ من الإشارات. التفت برأسه قليلًا نحو الأرض، رمش مرتين وكأنه يُسكت شيئًا تحت صدره، ثم أخذ خطوةً صغيرةً للأمام.

جثا على ركبته اليسرى أمامها، كتفه انحنى للأمام، يده اليمنى امتدت إلى الأرض بثباتٍ بارد، بينما يده اليسرى سكنت على ركبته الأخرى كمن يقيّد نفسه بنفسه.

رفع رأسه قليلًا، همس بصوتٍ لم يعد يحمل أي غطرسةٍ ولا مراوغة:

«أمركِ… مولاتي.»

وفي اللحظة التالية، تلاشى من مكانه مثل خيط دخانٍ أسودٍ ابتلعته جدران الغرفة الحجرية.

لكن الأرض لم تبقَ صامتةً بعده.

تمامًا في المكان الذي انحنى فيه، تشقّقت الأرضية القديمة بخطٍ دقيقٍ ملتفٍّ تحته — كأن وزنه كان ثقيلاً بما يكفي ليترك أثرًا لا يُرمّم بسهولة… شقٌّ واحدٌ فقط، لكنّه كان يقول إن انحناء هذا التمثال العظيم قد لا يُشفى أبدًا.

ليليث لم تنظر إلى الشق. فقط أغمضت جفنها نصف إغماضةٍ باردة… ثم تركت الصمت يملأ الغرفة من جديد.

حين تلاشى رافين من المكان، بَقِيَ صدى خطواته الغائب يلفّ الغرفة كسقفٍ من توترٍ ثقيل. بقيت ليليث واقفةً هناك، لم تتحرّك خطوةً إلى الأمام ولا إلى الخلف — فقط نقلت بصرها ببطءٍ محسوبٍ إلى العجوز الذي ظلّ صامتًا، مرفوع الرأس رغم القيود التي انزلقت عن ذراعيه قبل لحظة.

إلياس، العجوز الذي كَست التجاعيد عنقه مثل خريطةٍ لحروبٍ قديمة، كان يبادلها نظرةً صافيةً رغم شحوب وجهه. لم يرتعش ولم يُخفض عينيه. بدا أن الحبال التي كانت تشدّ معصميه لم تكن هي التي تُمسكه حقًا، بل شيءٌ أعمق من ذلك — احترامٌ قديم، أو اتفاقٌ يعرف كلاهما أنه لم ينكسر بعد.

رفعت ليليث يدها، حركةٌ خفيفةٌ بالكاد تُرى، لكنها حفرت في الهواء أثرًا خافتًا كأنها تمزق ستارًا غير مرئي. عندها فقط انزلقت بقايا الحبال عن قدميه، سقطت على الأرض بحفيفٍ خافتٍ أشبه بصفحةٍ أُغلِقت فجأة.

تنفّس إلياس ببطءٍ، مدّ يديه أمامه يختبر حرّيته المسترجعة، ثم أعاد كفّيه إلى حجره، كما يفعل ساحرٌ قديمٌ يزن كل لحظةٍ قبل أن يُلقي تعويذته التالية.

التقت عيونهما — عيناها تلمعان كحجرين أسودين في قبوٍ مقدّس، وعيناه تلمعان كشعلةٍ قديمةٍ في نهاية سردابٍ لم يجرؤ أحدٌ أن ينفض غباره بعد.

نطقت ليليث أخيرًا، بصوتٍ هادئٍ لا يأمر ولا يتوسّل، بل يُسقط الكلمات كما تُسقط ورقةٌ صفراء من شجرةٍ قديمة:

«اذهب يا إلياس…»

حرّك إلياس معصميه ببطء، أصابعه تعبث بآثار الحبال التي انسابت عن جسده قبل لحظات، ثم رفع بصره نحوها — عيناه لم تضعفا رغم التجاعيد التي حَفَرَت حولهما ظلال الوقت والحروب.

صوته خرج متكسّرًا من أثر القيود — لكنه لم يكن ضعيفًا، بل هادئًا كسكينٍ قديمٍ يعرف أين يغرس نَصله:

«لماذا… ليليث؟ لماذا تفعلين كل هذا؟ ماذا تريدين منه؟… دعيه يعود إلى ما كان عليه… دعي الأشياء تعود كما كانت.»

تبادلته نظرةً صافيةً، لا فيها غضب ولا استعطاف. بل شجنٌ هادئٌ يشبه ضوء قمرٍ يلمع فوق ماءٍ راكد.

رفعت يدها قليلًا، كأنها تزيح ستارةً وهميةً بينهما:

«أنا؟… أنا لا أريد شيئًا. هو من جاء إليّ أولًا، إلياس… وستراه يعود ثانيةً حين يحين أوانه.»

خطت خطوةً صغيرةً، كعب حذائها الخافت لامس الأرض بحركةٍ بالكاد سمعها العجوز، لكنها حسمت كل ما تبقى من وهمٍ قديم.

«إن أردتَه أن ينجو هذه المرّة… علّمه كل ما تعرف.»

سكتت لحظة، ثم أضافت بنبرةٍ أدقّ، كمن يهمس بحكمتها في عتمةٍ لا يسمعها أحدٌ سواهما:

«واجعل الوقت عدوّه لا ظِلّه… فأنت تعرف — الوقت ليس في صالحه… ولا في صالحك.»

ظلّ إلياس يحدّق فيها، نظرةٌ لم تخنها التجاعيد، ولا ارتعشت فيها حكمته.

ثم رفعت يدها بخفّةٍ كمن يُغلق ستارًا حريريًا، لا أكثر ولا أقلّ — وفجأة انمحى ظلّها من المكان، كأن العتمة ابتلعته دون أن تُحدِث أي صوت.

تركت خلفها إلياس واقفًا وسط الغرفة، يحدّق في الفراغ الذي ابتلعها… حرًا لأول مرة، مقيدًا بما يعرفه وحده.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فٍلمورا (بين عالمين)

المؤلف Vhsalem
2025/10/23 مستمرة
قائمة الفصول (5)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة