الفصل الثالث

الفصل الثالث

19 0

فتح آدم الباب، وتوقع أن يرى الغابة كما تركها، أن يستقبل وجهه الهواء البارد، وربما يلمح ضوء القمر الخافت يتسلل بين الأغصان. لكن ما وجده كان مستحيلً .

لم يكن هناك أشجار، لم يكن هناك نسيم ليلي، بل كان يقف على أرض صلبة باردة، صقيعها تسلل فورًا إلى قدميه العاريتين. كانت من حجر قديم، أملس رغم تشققه، يلمع بلون رمادي باهت تحت ضوء غامض لا يعرف مصدره. رفع عينيه بحذر، فقط ليجد نفسه محاطًا بجدران دائرية شاهقة، متآكلة بفعل الزمن، لكنها لا تزال تقف شامخة، تطوقه كسجن لا مفر منه.

ثم وقعت عيناه عليهم.

تجمدت أنفاسه.

أصدقاؤه كانوا هناك، أجسادهم ممدة في منتصف الساحة، بلا حركة، بلا نفس، وكأنهم سقطوا جميعًا في اللحظة ذاتها.

لم يكن هناك أثر لدماء،

لم تكن هناك علامات على صراع، فقط جثث باردة، كما لو أن الحياة نفسها انسحبت منهم بلا مقدمات.

كان المكان أشبه بساحة إعدام قديمة، لكن بدلً من المقاصل والسلاسل، لم يكن هناك شيء. لسلاح، لدماء، لدليل على كيف حدث هذا، فقط أجساد مفصولة عن رؤوسها،

لم يكن يجب أن يكون الأمر ممكنًا.

الصدمة تسللت إلى عقله كَسُم بطيء، رئتاه رفضتا أخذ الهواء، أصابعه ارتعشت رغمًا عنه. حاول أن يتراجع، أن يبعد نظره، أن يفكر بعقلانية، لكن كل ذرة في جسده كانت تصرخ بشيء واحد فقط: هذا ليس طبيعيًا.

ثم شعر به.

في البداية، لم يكن سوى وخزة صغيرة، إحساس خافت يتسلل إلى عموده الفقري ببطء، لكنه ازداد حدة، نما وتضخم حتى صار يقينًا مطلقًا يزأر في داخله: لم يكن وحيدًاً.

رغم أن عينيه لم تلتقطا أي حركة ، إلا أن الشعور كان طاغيًا، ثقيلًا كيد غير مرئية تضغط على صدره. كان هناك شيء ما يراقبه، يترقب، يختبئ في العتمة، صبورًا… كأنه يستمتع بانتظاره ليدرك وجوده بنفسه.

ببطء، أدار رأسه، عينيه صعدتا بارتباك إلى المدرجات المظلمة. كانت فارغة، لا وجود لأي شيء، لا أشباح، لا وحوش تراقبه من الأعلى. فقط سواد كثيف، فراغ لا نهاية له.

لكن

هناك.

بقعة صغيرة، زاوية بعيدة في العتمة. لم تكن فارغة قبل لحظة، صحيح؟ كان هناك شيء، ظل، شيء رآه بطرف عينه لكنه اختفى قبل أن يلتقطه عقله تمامًا. أدرك آدم الحقيقة البشعة في تلك اللحظة: الشيء الذي يختبئ هنا لا يخاف أن يكُشف. لا يخشى أن يرُى. بل كان يسمح له برؤيته… شيئاً فشيئاً .

تحرك شيء ما في الظلام، لم يكن وهماً، لم يكن مجرد ظل عابر تلاعبت به مخيلته، بل كان حقيقياً. شعر آدم بتلك الرجفة الباردة تزحف عبر عموده الفقري ،الإحساس ذاته الذي يسبق وقوع الخطر، ذلك الشعور العميق الذي يخبرك أن هناك من يراقبك، أن هناك من يتحرك بالقرب منك، حتى وإن لم تره بعد. عيناه جالتا في المكان، يحاول التقاط أي حركة، أي همسة تدل على مصدر ذلك الشعور، لكن الظلام كان كثيفاً، يخفي أكثر مما يظُهر، وكأن الفراغ نفسه يرفض كشف الحقيقة .

وفجأة، قبل أن يتمكن حتى من استيعاب الموقف، انطلق شيء من العتمة بسرعة تفوق إدراكه، حركة خاطفة، هجوم لا مجال لرؤيته، ناهيك عن تجنبه. لم يكن هناك وقت للهرب، لم يكن هناك وقت حتى للخوف، فقط لحظة صامتة تجمد فيها كل شيء، قبل أن يرى قبضة سوداء تنطلق نحوه كالسهم، تشق الهواء بقوة قاتلة .

غرائزه تولت زمام الأمور قبل أن يدرك ما يحدث ،

جسده انحنى للخلف في اللحظة الأخيرة، بالكاد تجنب الضربة، لكن الفراغ الذي خلفته كان كفيلاً بجعله يشعر بمدى قوتها، الهواء نفسه تمزق بجواره، وكأن المساحة التي كانت تحتلها رأسه قبل ثوانٍ قد مُحيت تماماً. لو

كان أبطأ ولو للحظة واحدة، لو تردد، لو سمح للشك بأن يشله، لكان جسده الآن يسقط على الأرض بلا رأس.

أنفاسه كانت متلاحقة، قلبه يخفق بجنون، يديه انقبضتا تلقائياً، ليس بسبب الخوف، بل بسبب ذلك الشعور الخام الذي يرافق النجاة من الموت، ذلك الإدراك المفاجئ بأنك لا تزال على قيد الحياة رغم كل شيء. رفع نظره بسرعة، لم يعد هناك مجال للشك، لم يعد هناك مجال للأوهام. الآن فقط، رآه بوضوح.

رفع آدم رأسه ببطء، أنفاسه لا تزال متلاحقة، عضلاته متوترة كما لو أن جسده بأكمله يصرخ استعداًدًا للقتال .

لم يكن بحاجة إلى مزيد من الوقت ليستوعب حجم

الخطر الذي يواجهه، لأن الرجل الواقف أمامه لم يكن مجرد خصم عادي .

عند حافة الظلام، وقف طويل القامة، بثقة غير قابلة للزعزعة، كأن الساحة بأكملها لم تكن سوى مسرح معد له وحده. عباءته السوداء انسدلت على جسده كستار ليلي، مرصعة برموز غامضة تومض للحظات قبل أن تخبو من جديد، كأنها تتنفس على إيقاع وجوده. كان وجهه حاد الملامح، وسيمًا بطريقة تخلو من الرحمة، بشرة شاحبة أكثر مما ينبغي حتى بالنسبة لشيطان،

وشعره الأسود انسدل بخفة على كتفيه، يعزز تلك الهالة الباردة التي تحيط به .

لكن أكثر ما لفت نظر آدم كانت عيناه .

رماديتان، بلا حياة، بلا دفء، لكنها لم تكن فارغة.

على العكس، كانت تحمل شيئاً لم يكن بإمكان آدم

تسميته… شيئاً يشبه الاحتقار، لكن في الوقت نفسه… الفضول.

تحرك الرجل بخطوة بطيئة إلى الأمام، صوته اخترق السكون كهمسة قاتلة:

"تجنبتها؟ “

في البداية، لم يكن هناك أي انفعال حقيقي في نبرته ،كأن ما حدث لم يكن مهمًا بما يكفي ليستحق ردة فعل.

لكن تلك النظرة التي منحها لآدم، النظرة التي كانت تدرسه كما يدرس صياد فريسته، كانت تحمل معنى مختلفًا تمامًا.

ثم، ببطء، ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيه—ليست ساخرة، ليست غاضبة، مجرد شيء بين الاندهاش والاهتمام.

"يبدو أنني قللت من شأنك."

يداه بقيتا مرتخيتين عند جانبيه، لكن آدم لم ينخدع بذلك .

لم يكن هذا شخصًا يحتاج إلى رفع قبضته ليهدد، لم يكن بحاجة إلى استعراض قوته. كان وجوده وحده كافيًا ليجعل الهواء في الساحة أكثر برودة، ليجعل آدم يشعر، ولو للحظة، أن تجنبه للضربة لم يكن انتصارًا… بل مجرد تأجيل لما لا مفر منه.

آدم لا يزال يلهث، نبضه يدوي في أذنيه، لكن شيئاً واحدًا كان واضحًا: إذا أظهر ضعفه الآن، فلن يخرج من هنا حيًا. لم يفهم بعد كيف انتهى في هذا المكان، لم يدرك حتى إن كان يحلم أم أن هذا الواقع قد تحول إلى كابوس حي.

لكن الغريزة أخبرته بشيء واحد: الخوف لن ينفعه الآن.

أخذ نفسًا عميقًا، حاول أن يهدئ ارتعاشة أصابعه، ثم رفع رأسه، يلتقط نظرة الرجل أمامه. لم يكن بإمكانه قراءة نواياه بالكامل، لكن شيئاً في عينيه أخبره أن هذا لم يكن اختبار قوة فحسب… بل كان لعبة.

فإذا كانت لعبة، فهو لن يكون مجرد قطعة على رقعة الشطرنج.

ارتسمت على شفتيه ابتسامة خافتة، لم تكن واثقة تمامًا، لكنها لم تكن مهتزة أيضًا. نظراته، رغم اضطرابها، حملت لمحة تحٍدٍ مترددة، لكنه أجبرها على الثبات. ثم قال بصوت بدا أكثر تماسكًا مما شعر به في داخله :

"يبدو أنك لم تواجه أحًدًا مثلي من قبل."

كلماته لم تكن صاخبة، لكنها اخترقت الصمت بثقلها. لم يكن متأكدًا إن كان ذلك صحيحًا، لكنه كان الشيء الوحيد الذي يمكنه قوله الآن. ربما لم يكن الأقوى هنا ،ربما لم يكن حتى قريبًا من النجاة… لكن على الأقل، لن يمنح هذا الرجل متعة رؤيته ينهار بسهولة

ساد الصمتُ للحظات، نظراتُ الرجل الرمادية لا تزال معلّقة.

على آدم، تراقبه، تحلل كل نَفَسٍ يأخذه، كل توتر في جسده. لكن آدم لم يمنحه الفرصة.

لم يكن هناك وقتٌ للتردّد. لم يكن هناك وقتٌ للخوف.

تحرّك جسده قبل أن يُدرك عقله ما يفعله، يده ارتفعت بسرعة خاطفة، وأصابعه انغلقت بقوة، وشفتاه تحركتا قبل أن يتمكن خصمه حتى من استيعاب ما يحدث.

"أورنافِت!"

لم يكن هناك رسم لدوائر سحرية، لم يكن هناك تحضير، فقط صوت أمرٍ قاطع، وكأن الكلمات وحدها كانت كافية لإشعال العالم.

في جزءٍ من الثانية، اشتعلت النيران من راحة يده اليمني. لم تكن مجرد نارٍ عادية، بل وهجٌ أحمر عميق، كأنه استُخرج من قلب البركان نفسه.

في لحظة، انفجرت النيران كعاصفةٍ حارقة، وانطلقت مباشرة نحو الرجل في هجومٍ خاطف لا مجال لتجنّبه.

اجتاحت الحرارةُ الساحة، اشتعل الهواء نفسه، وكان صوت ألسنة اللهب كهديرِ وحشٍ مفترسٍ انطلق لالتهام فريسته.

اختفت النيران في لحظة، تاركةً خلفها ظلامًا كثيفًا.

لكن آدم لم يكن مهتمًا بالنار بقدر ما كان مهتمًا بشيء آخر… رافين لم يكن هناك.

كان يقف أمامه قبل لحظةٍ فقط، رأى التعويذة تصيبه مباشرة، رأى ألسنة اللهب تبتلعه.

ومع ذلك… الآن، لا يوجد أحد.

تراجع آدم خطوة، عيناه تبحثان بسرعة في كل الاتجاهات، وقلبه ينبض بجنون.

هل تبخّر؟ هل اختفى بفعل التعويذة؟

لا، هذا مستحيل… شيءٌ مثل هذا لا يمكن أن يكون بهذه السهولة—

"يا لها من سرعة…"

تجمّدت أنفاسه.

الصوت لم يأتِ من أمامه، ولم يأتِ حتى من بعيد.

بل جاء من خلفه.

"لقد فاجأتني… بالنسبة لبشري."

شعر بقشعريرةٍ باردة تزحف عبر عموده الفقري.

لم يكن بحاجة إلى الالتفات ليدرك الحقيقة المروعة: رافين كان يقف خلفه الآن.

صمت.

ثقل ذلك الصوت لا يزال معلّقًا في الهواء، كأن المكان نفسه قد احتجز أنفاسه انتظارًا لما سيحدث بعد ذلك.

لكن آدم لم ينتظر.

اندفع.

بسرعة، بقوة، كأن الأرض نفسها لفظته بعيدًا عن الخطر.

لم يكن هروبًا، بل كان تحرّكًا مدروسًا، قرارًا اتُّخذ في أقل من طرفة عين.

وفي اللحظة التي لامست فيها قدماه الأرض من جديد، رفع يده، أصابعه انغلقت بقوة، وحلق صوته في الهواء، ثابتًا رغم اضطراب أنفاسه:

"ڤالثيرا ريڤان !"

لم يكن مجرد نطق، لم تكن مجرد كلمات، بل كان أمرًا.

وفي تلك اللحظة، استجابت السماء.

وميضٌ حادٌّ انشق وسط الظلام، كأن الليل نفسه تمزّق إلى نصفين.

في الأعلى، بين الغيوم التي لم تكن موجودة قبل لحظات،

تراقصت شراراتٌ زرقاء، امتدت مثل شرايين من الضوء عبر الفضاء، تبحث عن هدفها.

ثم—

سقطت.

شقّ البرقُ السماء بعنف، كأنيابِ وحشٍ غاضبٍ انطلق لتمزيق فريسته.

نزل بسرعةٍ جنونية، محمّلًا بطاقةٍ هائلة كادت أن تزلزل الأرض نفسها، وانقضّ مباشرةً على المكان الذي كان يقف فيه رافين.

لم يكن مجرد وميضٍ خاطف، بل عاصفةٌ من الصواعق المتشابكة، كأنها كائناتٌ حيّة تتلوّى في الهواء، تصرخ وتتوعد بالدمار، تبحث عن أي شيء تلمسه لتلتهمه في لحظةٍ واحدة.

لكن آدم لم يمنح نفسه فرصةً لمراقبة ما سيحدث.

لم يكن لديه رفاهيةُ الانتظار. لم يكن هذا استعراضَ قوة، بل فرصة للحياة.

في اللحظة التي انطلقت فيها الصواعق، دفع جسده إلى الأمام بأقصى سرعته.

لم يلتفت، لم يتردد، لم يكن بحاجةٍ لمعرفة ما إذا كان رافين قد أُصيب… أو لا.

كلّ ما كان يريده هو لحظة.

مجرد ثانيةٍ واحدة يخرج فيها من دائرة الموت، قبل أن يعود رافين للهجوم.

اهتز الهواء خلفه بعنف، الحرارة الكهربية جعلت شعره يقف، والصوت المدوي للصواعق كاد أن يفجّر أذنيه.

لكن لم يكن لديه وقتٌ للخوف.

كان عليه أن يتحرّك، أن يهرب، أن يخلق مسافةً كافية بينه وبين ذلك الوحش…

لأن آدم كان يعلم شيئًا واحدًا —

رافين لم يسقط بعد

ركض آدم.

لم تكن خطواته هاربةً بلا عقل، ولا راجفةً بخوفٍ رخيص. كانت خطوات ثقيلة، كأن الأرض نفسها تحاول ابتلاعه مع كل دَفعة، كأنها تعرف أن ما يطارده ليس ظلًّا يمكن النجاة منه بسهولة.

الهواء لم يكن هواءً. كان كثيفًا، رماديًا، يتسرّب إلى رئتيه كدخانٍ باردٍ يُسمّم أكثر مما يُنعِش.

رئته اليُسرى انقبضت كقبضة حجر، وركبته تئنّ تحت ثقل خطواته، وذراعه التي شنت الهجوم الأخير ترتجف مثل وترٍ مشدودٍ على وشك أن ينقطع.

الضوء حوله صار رماديًا أثقل من الليل. كأن الفجر أُعدِم قبل أن يولد، أو كأن المساء تجمّد قبل أن يلفظ آخر رمق.

رفع رأسه.

الجدران لم تتحرك — لكن الأفق تقلّص، كأن المكان كله صار صدرًا حجريًا يضغطه ليقذف به نحو نقطةٍ لا يرى منها مهربًا.

تنفّس. أو حاول. عقله حاول أن يُمسك بإشاراتٍ للهرب، للخلاص، لكن الإشارات ذابت في الصمت.

كل شيء انكسر. الصوت، المنطق، الزمن.

أنفاسه التي كانت تُطارده صارت بطيئةً، بعيدةً، كأنه يسمع صدره من خارج جسده — مغارةً فارغةً يتردّد فيها صدى لا يعود.

ثم اختفى الصوت.

تمامًا.

كأن أحدهم أغلق العالم من الخارج.

لم يعد هناك وقع أقدام، ولا خشخشة هواء، ولا حتى دقّات قلبه التي كانت تهدر مع كل زفرة.

الصمت صار ثقيلاً.

مخيفًا.

خانقًا.

لكن داخله — في عمق جمجمته — اشتعلت الكلمة.

لم تكن جملةً همس بها له أحد، لم يسمعها بأذنه.

بل شعر بها تُحفر في عظمة صدره كطُلسُمٍ باردٍ يشعل ما بقي فيه من حماسٍ يائس:

«انتهت اللعبة.»

لكن آدم لم يكن مستعدًا ليسمع النهاية.

كان مستعدًا ليُشعلها

لكنه فجأة شعر بشئ غريب ، احساس لم يشعر به من قبل ، لكنه بعد أن عرف مصدره أدرك ، أدرك لماذا شعر بالتعب فجأة رغم أنه كان قادر علي الصمود طوال الليل ، أو هذا ما كان يظنه.

المشكله ليست إحساسه بالتعب بل عدم إدراكه بأن هناك حفره في وسط صدره ، كان شئ ما اختراقها ، كأن الجسد كان ينتظر هذا الاختراق طوال الوقت.

و الغريب في الامر أنه لم يشعر بالألم بل إنه لم يشعر باختراق اي شئ لجسده.

و أنه يشعر فقط سكون مع بعض البروده.

و المدهش أيضا أنه لم تنزل قطره دم واحده كأن الدم توقف عن التدفّق احتراما لمن دخل.

ثم جاءت اللمسة.

لم يكن لها صوت.

لم يكن لها ظل.

لكنه شعر بها كما يُحس الطفل بأول قطرة مطر فوق جبهته.

بردٌ دقيق… حاسم.

لم يلتفت، لم يتحرك.

كان يعرف من أين جاءت، ومن صاحبها و أنه هو صاحب العمل الفني في صدره

رفع رأسه ليس ليتوسّل، بل ليرى…

وهناك، في منتصف العتمة، وقف رافين.

كأنه لم يأتِ من الظل، بل خُلق منه

بدأ يتحرك باتجاه ادم و كلما اقترب خطوه أصبح عقل ادم مشوش أكثر كأن رافين يتحكم به أو أن عقل لادم لا يتحمل الهاله المحيطة به.

لكن ادم بصعوبه حاول أن يسيطر علي عقله و أفكاره لانه يعلم أنها اهم شئ في هذه اللحظه و بينما كان يحاول أن يستمع أفكاره و يجد طريقه للهروب كان رافين يقترب بثبات و بنظره حاده تكاد تقطع ادم نصفين

و عندما كان رافين يبعد ثلاث خطوات عن ادم ، قرر بطلنا في محاوله ياسه و اخيره النجاه بأن يحرك يده بطريقه مدروسه علي الارض أمامه بخبث دون أن يلاحظه رافين ليرسم شئ بسيط ثم يلفظ بعض الكلمات لكنها لم تكن مفهومه بسبب انخفاض صوته و تراجع خطوتين

و بعد خطوتين نطق رافين قائلا:

كم انتم ضعفاء يا بشريون

و عندما وقف علي الدائره طرقع ادم أصابعه و اختفي رافين من أمامه

ساد الصمت.

كأن الفراغ الذي تركه رافين لم يكن اختفاءً فحسب، بل كان تجويفًا في الهواء نفسه. الدائرة التي ابتلعته ما تزال مرسومة على الأرض، تتوهّج بوميضٍ خافت ثم تنطفئ شيئًا فشيئًا، كقلبٍ يتذكّر أنه مات للتو.

لم يكن هناك صوت. لا صدى خطوات، لا زفير رياح. حتى الجدران الدائرية العتيقة بدت كأنها تمتصّ أنفاسه بدلًا من أن تعكسها. ومع ذلك… شيءٌ ما كان يراقبه.

آدم لم يره، لكن جلده شعر به — ظلٌ لم يكن ظلّ رافين، بل ظلٌ آخر أعمق، كأنه كان هناك منذ اللحظة الأولى، يراقب القتال بصمتٍ لئيمٍ لم يجد وقتًا مناسبًا للخروج… بعد.

أغمض عينيه نصف إغماضة، يحاول أن يقنع نفسه أنه بأمان مؤقت. صدره يعلو ويهبط ببطء، أنفاسه ثقيلة، تقطعها رجفة خفيفة مع كل شهيق. يمد يده المرتعشة يرسم دائرةً صغيرةً على الأرض، يهمس بشيءٍ شبه مسموع، خيوطٌ واهنة من الطاقة تحاول الالتفاف حول جسده.

لكن جسده كان خائنًا.

السحر لم يكتمل. الدائرة لم تُغلق. أنفاسه صارت أبطأ من أن تحافظ على طقوس الشفاء. جفناه أثقل من أن يظلا مفتوحين. ارتخت قبضته، وتراخت معها أوتار إرادته.

سقط.

ركبته لامست الحجر البارد أولًا، ثم كتفه، ثم ارتطم رأسه بالأرض ببطءٍ مدهش، كأنه يسقط علي مرتبت سريره القديم التي تبتلعه قبل أن تسمح له بالارتطام.

قبل أن ينطفئ كل شيء، قبل أن يغرق تمامًا في عتمةٍ أكثر كثافة من جدران هذا المكان، لمحها.

مجرد ظلٍ رقيقٍ لأنثى — لا ملامح، لا صوت، لا وجه واضح… فقط انحناءة كتف، هالة خافتة، ودفءٌ لم يكن من المفترض أن يوجد هنا أصلًا.

شفته تشققت بابتسامةٍ باهتة، كأنه يسخر من هشاشته الأخيرة.

صوته انكسر، خرج كهمسٍ لا يسمعه غيره وغير الأحجار التي ستبتلعه:

«ليليث…»

ثم ابتلع الصمت كل شيء.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فٍلمورا (بين عالمين)

المؤلف Vhsalem
2025/10/23 مستمرة
قائمة الفصول (5)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة