"يقولون إن السماء لا تمطر... بل تبكي."
نيويورك، ليلة رأس السنة
22:25
كانت المدينة تتنفس حياة مصطنعة، تختبئ تحت أقنعة الفرح، بينما السماء تنزف حزنها على هيئة مطرٍ غزير. لم تكن قطرات ماء فحسب، بل رسائل شوق، حنين، وندمٍ سكن الغيوم طويلاً حتى لم تعد تحتمل.
الشوارع تفيض بالبشر، يركضون وكأنهم يهربون من أفكارهم، يتزينون وكأنهم في سباق مع الزمن. ضحكات متصنعة، أقمشة لامعة، عطورٌ باهظة تخنق الهواء، ومواعيد لا تحمل سوى وهم الاحتفال.
أما هي، فكانت تسير بعكس التيار...
في قلب الليل، في مؤخرة سيارة سوداء، جلست بهدوءٍ قاتل، وفتحت النافذة كمن يهمس للقدر.
"لأجل من تبكين الليلة؟" قالتها كأنها تحاور السماء، أو تحاكمها.
عيناها الكبيرتان تراقبان المدينة دون انبهار، كأنها شاهدت هذا العرض من قبل، فقط بممثلين مختلفين.
الساعة تقترب من الثانية عشرة، الزمن يُصفّر صفارته، والقدر يتهيأ لرمي نرده.
عندما تُدق أجراس العام الجديد، لن يبدأ شيء... بل سينتهي.
توقفت السيارة أمام برج زجاجي يشق السماء، يتوّجه شعار "DIAZ" كأنها إمبراطورية من العار المتوّج.
المبنى بارد، أنيق، متغطرس، تمامًا كأصحابه.
خرجت سارة ويليامز من السيارة، تمشي كما تمشي القصيدة في قلب شاعر مكسور.
أسودها كان لافتًا - بنطال، قميص، كعب، وحتى ملامحها.
كأنها أرادت أن تُعلن الحداد على العالم... أو عليه.
رافقها السائق بمظلته، لكن المطر كان قد تسرّب بالفعل إلى عظامها.
ربما لم يكن المطر، بل شيء أعمق... شيء لا يجف.
عند الباب، استقبلها وجه مألوف - ألفريد.
الزمن نحت ملامحه، لكنه لم يسرق طيبته.
ابتسامته تلك، التي تصرّ على البقاء، رغم أنها تسكن فم رجل فقد كل شيء.
"مساء الخير، سيدة دياز."
"مساء الحزن يا ألفريد... لم أتوقع رؤيتك هنا."
"جون لديه حفل... وأنا حللت مكانه، كما أفعل دائمًا."
"أنت لا ترفض، حتى لو كان قلبك يئن." ردّت وهي تنظر في عينيه، تبحث عن شيء من الإنسانية في هذا المساء المعدني.
"أنا... لا أحد ينتظرني في البيت، سيدة دياز. إلا الذكريات... وأثينا."
ثم همس بصوت كمن يُحدّث شبحًا:
"سأتقاعد قريبًا... وأتمنّى أن أصل إلى عيد ميلادها السادس، فقط... لأراها تبتسم مرة أخرى."
طمأنته سارة بابتسامة دافئة، كمن يربت على جرح الزمن:
"لا تقلق، أنا واثقة أنها ستكون بخير. أثينا قوية، ومحظوظة... يكفي أنها تملك جدًا طيبًا ومحبًا مثلك."
ضحك ألفريد، وذابت ابتسامته بين تجاعيد وجهه، حتى اختفت عيناه في ظلّها. لوّح بيده بخجل كأن الكلمات أثقلته.
"شكرًا لك، سيدة دياز... أعلم أنني أكرر الأمر دائمًا، لكنني حقًا لا أستطيع نسيان معروفك. لو لم تدفعي تكاليف علاجها، لكانت..."
انكسر صوته، وتجمعت الدموع في عينيه، يتهرب منها بطرف رمشه كأنها خيانة علنية لمشاعره المكبوتة.
بالنسبة للكثيرين، بدت سارة كأنها امرأة باردة، جامدة، لا تهتزّ لريح ولا تُحركها دمعة.
لكن بالنسبة إلى ألفريد، كانت دائمًا إنسانة بلُطفها... كأنها تحمل في قلبها ما يكفي من الدفء لشخص مثله.
ربتت على كتفه بلطف يشبه حضنًا مؤقتًا، وهمست:
"لا داعي لشكري، ألفريد. أنا متأكدة أنه لو كان شخص آخر مكاني... لكان فعل الشيء نفسه."
ضحك العجوز بصوت دافئ، يحمل خلفه سنوات طويلة من الإنكار والتعب:
"في هذه الشركة؟ هناك العشرات من المديرين والموظفين، ولا أظن أن أحدهم يعرف حتى اسمي. من سيهتم بعجوز أسود مثلي؟"
كلماته سقطت كأنها تنهيدة غارقة في الحنين، تحمل حزنًا لم يُشْكَ يومًا.
كان يعمل في الشركة منذ ما يقارب العشرين عامًا، مخلصًا كراهبٍ في دير من الإسمنت.
على عكس الآخرين، لم يكن يشتكي، لم يكن يتلكأ، بل كان يحوّل نفسه إلى آلة.
يصبح أعمى حين يدخل، أصم حين يُسأل، وأبكم حين يغادر.
يعرف كل أسرار الأبواب المغلقة، وكل القصص التي لم تُروَ، ومع ذلك بقي بئرًا عميقًا لم يجرؤ أحد على الغوص فيه.
وذلك كان أحد الأسباب التي جعلت سارة تحترمه... بل، تحبه بطريقتها الصامتة.
همست محاولة مواساته، كمن يربت على قلب قديم:
"لا تقل ذلك..."
كان يذكّرها بوالدها... نفس الطيبة المتعبة، ونفس النظرة التي تتكئ على الزمن بدلًا من الناس.
قال فجأة، بنبرة صدق نقي:
"السيد لوكاس محظوظ... لأنك زوجته، سيدة دياز."
ضحكت سارة لا إراديًا، ضحكة خفيفة خرجت منها كأنها نُزِعت من الماضي.
لم يكن الأمر لأنها صدّقت كلماته فقد كانت تعرف أن أسوأ شيء حدث مع لوكاس هو زواجه منها... بل لأنها شعرت بسذاجته اللطيفة.
كيف يمكن لرجل مثله أن يرى فيها قلبًا طيبًا؟
ذلك القلب... دفنته بيديها منذ زمن.
قبل خمس سنوات، كانت ستحمر خجلًا لو سمعت مثل هذا الإطراء.
أما الآن، فالكلمات بدت لها غريبة، كأنها تخصّ شخصًا آخر.
همست بنبرة مشوبة بالسخرية:
"لا أظنه يوافقك الرأي."
ضحك ألفريد، وضحكت معه، لكن شيئًا في ضحكته كان هشًا.
لحظة صمت خفيفة تخللت حديثهما، قبل أن يرفع عينيه نحوها متسائلًا، وكأن القلق دقّ بابه:
"لكن... عذرًا، سيدة دياز. ما الذي تفعلينه هنا؟ ألم يكن من المفترض أن تكوني في الحفل الخيري لعائلة دياز؟"
"صحيح، لكنني بحاجة لبعض الأوراق المهمة التي تخص الحفل الذي سيُقام بعد ساعتين. جئت لأخذها الآن." قالت سارة، وعيناها لا تزالان مركّزتين على ساعتها، وكأن الزمن يسرع لتفاديها.
"أوه، حسنًا، تفضّلي، لن أعيقك أكثر." قال ألفريد وهو يتنحى جانبًا، لكن خطواته توقّفت فجأة عند سماعه كلماتها التالية.
"في الواقع، الملف الذي جئت من أجله يوجد في مكتب السيد مارتن. كنت سأخذ المفتاح من جانيس، لكنني نسيت. لكنني أظن أنه يوجد مفتاح احتياطي لحالات الطوارئ، مثل هذه اللحظة الآن."
ارتسمت ملامح ألفريد بتردد، وقال بحذر: "لكن كما تعلمين، لا يُسمح لأحد بدخول مكتب السيد مارتن في غيابه أو في غياب الآنسة جانيس."
أومأت سارة برأسها، ثم قالت بنبرة هادئة وثابتة: "أعرف ذلك جيدًا، لكننا ناقشنا حملة التبرع بالأمس، ونسيت الملف هناك. لا أريد أن أتسبب في إزعاجه الآن، خصوصًا أنه مشغول مع ضيوفه. كما تعلم، غضبه ليس سهلاً."
شعرت سارة بتردد واضح في ملامح الرجل العجوز، فقد كان يعرف تمامًا القواعد الصارمة داخل الشركة. ومع ذلك، لم يكن بمقدوره أن يرفض طلبها.
قال أخيرًا، وهو يحدّق في الأرض: "سأتصل بالسيدة جانيس."
لكن سارة قاطعته بابتسامة هادئة، ثم ربّتت بلطف على كتفه: "ألفريد، يمكنك مرافقتي إلى المكتب إذا أردت. إن كنت تخشى أن أسرق شيئًا."
صُدم ألفريد من كلماتها، فهو لم يكن يقصد إهانتها أو الإيحاء بأنها قد تُقدم على سرقة شيء. لكن، وبحركة سريعة، تراجع قائلاً: "لم يكن ذلك قصدي، سيدتي، لكنك تعلمين القواعد."
ثم استدار ليفتح الدرج في مكتب الاستقبال، حيث أخرج صندوقًا مليئًا بالمفاتيح. بدأ يبحث فيه بحرص، بينما كانت سارة تراقب الساعة بقلق، تشعر أن الوقت يداهمها.
قال أخيرًا: "حسنًا، تعالي معي يا سيدة دياز." وأضاف بابتسامة متواضعة، "شكرًا لك، ألفريد." قالتها بينما كانا يسيران معًا باتجاه الممر الذي يؤدي إلى المصاعد.
ما إن دخلا المصعد، ضغط ألفريد على زر الطابق الأخير حيث مكتب السيد مارتن دياز. وعندما وصلوا، أخرج المفتاح من جيبه، وأدخلّه في الباب برفق، ثم تحرّك جانبًا ليفسح لها المجال.
"تفضّلي، سيدة دياز."
أعطته سارة ابتسامة شكر، وقالت وهي تتقدّم: "أقدر لك هذا حقًا، ألفريد."
كانت جدران المكتب مزيّنة بألوان ترابية ورمادية، تعكس فخامة المكان، بينما كانت اللوحات الفنيّة لرسامين عالميين تزيّن الجدران بأناقة. كان المكتب يعكس ذوق صاحب الشركة الرفيع. توجّهت سارة إلى الطاولة الزجاجية التي كانت تحوي عدة ملفات، وبدأت بتفقدها، بينما ظلّ ألفريد واقفًا عند الباب في صمت.
بعد لحظات، رفعت سارة رأسها وقالت: "وجدته."
لكن في تلك اللحظة، حدث ما لم يكن في الحسبان. فجأة، تغيرت ملامح سارة، وسقطت الأوراق من يدها، بينما أمسكت برأسها وتمايلت في مكانها.
"هل أنتِ بخير، سيدة دياز؟!" هرع إليها ألفريد، مساعدًا إياها على الجلوس على الأريكة بقلق بالغ.
قالت بصوت ضعيف، بينما كانت تمسك رأسها بين يديها: "أصابني الصداع النصفي، لقد مرّ عليّ عدة أيام وأنا أعاني منه."
"كيف يمكنني مساعدتك يا سيدتي؟" سأل، وعيناه تغمرهما علامات القلق.
أجابته بصوت متقطع: "الدواء في حقيبتي... تركته في السيارة."
"سأحضره لك فورًا!" قالها وهو يغادر الغرفة مسرعًا.
وبمجرد أن غادر، نهضت سارة بسرعة وذهبت إلى إحدى اللوحات المعلقة خلف كرسي المكتب. بحذر شديد، أزاحتها، ليظهر خلفها باب خزنة معدنيّة. همست في نفسها: "لا تخذليني الآن، أرجوك."
أدخلت الرمز بسرعة، وكانت عيونها لا تتوقف عن التمحيص في الباب. ثم، حين فتحته، أطلقت صرخة خفيفة في قلبها. في الداخل، كانت هناك أموال، صناديق ثمينة، وبعض الملفات المخبّأة بعناية.
بدأت تبحث بين الملفات، بينما نظراتها تتنقّل بين محتويات الخزنة وبين الباب الذي كانت تراقبه بعين يقظة. فجأة، توقفت لحظة، ملامحها تغيرت، ثم أمسكت بملف معيّن.
همست وهي تطوي الملف بين يديها: "أخيرًا... وجدتك." ارتجف صوتها بينما تجمع الدموع في عينيها. كانت تلك اللحظة لحظة الانتصار الذي طال انتظاره.
بعد أن أعادت ترتيب محتويات الخزنة، وضعت اللوحة في مكانها، وأمسكت بالملف، وتوجهت نحو الباب بخطوات هادئة، ولكن قلبها كان ينبض بسرعة. كانت تعيش في لحظة حرجة، ولحظة حاسمة
كان الرجل العجوز متجهًا إلى المصعد، يحمل حقيبة سارة تحت ذراعه وكوبًا من الماء في يده الأخرى، محاولًا الإسراع والإبطاء في نفس الوقت. عندما فُتحت أبواب المصعد، تفاجأ برؤية سارة تقف أمامه، تبدو بحالة جيدة.
"سيدة دياز، هل أنتِ بخير؟" سأل، وعيناه تعكسان القلق العميق والخوف.
طمأنته سارة بابتسامة هادئة، "أنا بخير، ألفريد. إنه مجرد صداع خفيف يأتي ويذهب بين الحين والآخر. لا تقلق."
مدَّ الرجل العجوز الحقيبة إليها مع كوب الماء، لكنها لم تأخذ إلا الحقيبة أثناء مغادرتها. قالت وهي تتوجه نحو الباب: "شكرًا لك، ألفريد، وعام سعيد." توقفت لحظة، كما لو كانت تذكرت شيئًا، ثم التفتت إليه بابتسامة لطيفة وأضافت قبل أن تغادر، "أيضًا، من فضلك، أرسل تحياتي إلى أثينا."
ظل الرجل العجوز في مكانه، لم يفهم تمامًا ما حدث للتو، فأجاب معربًا عن ارتباكه: "عام جديد سعيد لك، سيدتي." لكن صوته بدا ضبابيًا في ذهنه وهو يشاهد سارة تغادر المبنى.
بينما جلست سارة في المقعد الخلفي للسيارة، تفقدت الأوراق بين يديها بدقة. كانت عيناها مشدودتين نحو المستندات التي أمامها، تدرسها بعناية كما لو كانت تبحث عن شيء مفقود.
عندما انتهت من مراجعتها، قامت بتنظيمها بعناية فائقة، ثم التفتت إلى السائق وقالت بحزم: "أوقف السيارة جانبًا."
تفاجأ السائق من طلبها المفاجئ، نظر إليها عبر مرآة الرؤية الخلفية بدهشة. "لكن سيدتي، لم نصل بعد..."
لكن نظرتها الحادة نحو السائق قاطعته قبل أن يُكمل كلامه. كررت بصوت منخفض حازم: "قلت أوقف السيارة جانبًا."
شعر السائق بتصميمها العميق، فاستدار بسرعة وسحب السيارة إلى جانب الطريق. مدت سارة يدها وأخرجت بعض النقود، وسلمتها له مع نظرة قاطعة. "استقل سيارة أجرة واذهب إلى منزلك."
تردد السائق للحظة، بدا وكأنه يريد الاعتراض، لكنه توقف أمام نظرتها الفولاذية التي أسكتته تمامًا. "فقط افعل ما أقول"، قالتها بنبرة قاطعة قبل أن تفتح الباب وتخرج من السيارة.
عندما غادر السائق السيارة، تولت سارة القيادة بنفسها، واتجهت إلى موقف السيارات حيث وجدت سيارة أخرى تنتظرها. خرج منها رجل كان وجهه مخفيًا تحت المظلة التي حملها فوق رأسه. اقتربت منه وسلمت له الملف في صمت.
"لقد عثرت عليها أخيرًا. والآن، حان الوقت لإنهاء كل هذا. لقد انتظرت طويلًا جدًا لهذا اليوم." قالتها بصوت هادئ لكنه محمل بضغط الأيام الماضية.
فحص الرجل الملف بسرعة ثم نظر إليها، "ماذا عن كاميرات المراقبة؟" سأل، وقد بدا القلق على وجهه. ابتسمت سارة لهذه العبارة، فالرجل كان دائمًا يحاول حمايتها، وكان قد حاول أكثر من مرة إقناعها بالتراجع عن خطتها.
"لا تقلق بشأن ذلك، سوف يعتني بهم جون." طمأنته بابتسامة واثقة.
عمَّت لحظة صمت عميق، حيث كان الصوت الوحيد هو قطرات المطر التي تساقطت حولهما. ساد هدوء ممزوج بالقلق، تساؤلات عديدة في داخلهما: هل انتهى كل شيء؟ هل تحقق الهدف أخيرًا؟
"ماذا الآن؟" سأل الرجل الغامض أخيرًا.
"احتفظ بالملف معك وانتظر مكالمة مني." أجابت سارة قبل أن يفترق الاثنان، كل منهما يعود إلى سيارته ليكمل طريقه في صمت.
عندما همّت سارة بتشغيل السيارة، ارتجف هاتفها في يدها. الاسم على الشاشة جعل أنفاسها تُحبس للحظة. ماريس.
رغم أنّ ماريس تعمل لدى عائلة دياز، إلا أنّ سارة لم ترَها يومًا مجرد خادمة. كانت تشبه الحضن الدافئ في برد الحياة، والكتف الذي لا يسأل، فقط يحتضن.
أجابت سارة بهدوء متصنّع، "ماذا هناك، ماريس؟"
لكن صوت ماريس لم يكن كما اعتادته. كان يرتجف، مشبعًا بخوفٍ واضح، وكأنها تحاول حبس دموعها بين الكلمات، "إنه... والدك، سارة. تعرّض لأزمة قلبية..."
كأن الهواء سُحب من المكان. وجه سارة شحب، أصابعها ارتخت، والهاتف كاد يسقط من يدها. قلبها خفق بعنف، ورعب قديم تسلل إلى عينيها. تلك المكالمة... ستغيّر كل شيء.
ستعيد خلط الأوراق، وتلقي بكل خططها في مهب الريح.
دون أن تنبس ببنت شفة، قطعت الاتصال، وانطلقت كالسهم نحو المستشفى.
في الجهة الأخرى من المدينة، سيارة رياضية بيضاء توقفت فجأة أمام المستشفى، وصوت الكوابح مزّق سكون المكان.
خرج منها رجل يحمل في حضوره كلّ التناقضات. لوكاس دياز.
في الثلاثينات من عمره، طويل، ذو ملامح حادة كأنها نُحتت بيد فنان غاضب.
بشرته البرونزية تلمع تحت ضوء المطر، شعره الأسود الفوضوي، وندبته الصغيرة فوق حاجبه الأيسر... كلّ تفصيلة فيه تصرخ: "هذا رجل لا تُلعب معه".
كان يرتدي بذلة داكنة تفوح منها رائحة القوة، ومعطف رمادي طويل يزيده مهابة.
عيناه بنيتان، لكن خلف سوادهما... كان هناك شيء يشتعل.
دخل المستشفى بخطوات سريعة، لا يلتفت لأحد، رغم أن كل من حوله لم يملكوا إلا أن يحدقوا.
توجّه مباشرة نحو مكتب الاستقبال.
"السيد كيفن ويليامز... تم إحضاره إلى هنا. أريد حالته الآن."
صوته كان حادًا، يقطر قلقًا لا يخفيه.
ردت الممرضة بسرعة، وقد بدا التوتر على ملامحها:
"نُقل إثر نوبة قلبية، ولا يزال في غرفة العمليات."
أغمض لوكاس عينيه، حاول أن يلتقط أنفاسه. ثم قال بسرعة:
"وأمي؟ أين هي؟"
"في الطابق الثالث، أمام غرفة العمليات. السيدة روزالينا وأختك برفقتها."
دون أن يشكرها، اتجه إلى المصعد، عينيه لا ترمش، عقله يشتعل، وقلبه ينبض أسئلةً لا تنتهي.
أمام غرفة العمليات، كانت ثلاث نساء يجلسن بوجوه شاحبة.
روزالينا دياز، المرأة التي اعتادت أن تكون نجمة كل مكان، كانت هذه المرة باهتة، رغم جمالها اللافت وأناقتها المتكلفة. في الخمسين من عمرها، بعيون خضراء وشعر أشقر مسرّح بعناية، لكنها لم تكن بكامل وعيها.
إيلينا، الصغيرة الهشة، كانت تجلس قربها، وعيناها الزرقاوان ممتلئتان بالخوف.
أما ماريس، فكانت تقف، يديها تتشابكان، تحاول أن تُخفي ارتجاف جسدها.
دخل لوكاس بخطوات سريعة. وبمجرد أن اقترب، أمسكته والدته من ذراعه وهمست في أذنه:
"Yo no hice nada..."(انا لم أفعل أي شيء)
كان صوتها مبللاً بالكحول.
شمّ الرائحة مباشرة، عينيه اشتعلتا بغضبٍ صامت.
"هل أنتِ ثملة؟ مرة أخرى؟!" همس بأسنانه وهو يضغط على ذراعها.
"كأس واحد فقط... أو اثنين؟ لا أذكر..." ضحكت بخفة ساذجة.
أمسكها بقوة وسحبها بعيدًا عن أنظار الجميع، إلى مكتب صغير خالٍ. جلست روزالينا بصمت، تفرك أصابعها كما لو أنها تبحث عن مخرج من داخل جلدها. أما لوكاس، فكان يذرع الغرفة بعصبية، يمرر يديه في شعره، يتنفس بثقل، ثم فجأة جلس أمامها، عينيه تشتعلان غضبًا ووجعًا دفينًا.
"ماذا حدث، أمي؟"
خرج صوته متوترًا، متسارع الأنفاس، وكأن قلبه يوشك أن يتوقف. كان يعرف أن الأمر خطير... لكنه لم يتوقع أن يصل إلى هذا الحد.
أجابت روزالينا بصوت مختنق، بالكاد تسمعه:
"لم أفعل شيئًا، أقسم لك... جاء إلى المنزل، كان غاضبًا، بدأ يُهين عائلتنا بكلمات جارحة، لم أتحمّل، رددت عليه... لكن لم أقصد أبدًا أن..."
قطع صوتها حين رأى لوكاس لمعة الغضب في عينيه. عيناه اللتان طالما كانتا باردتين، صارتا الآن كجمرتين تتوهجان.
"لا أصدق، أمي... معقول فعلتِ هذا؟! مع السيد ويليامز؟! تعرفين حالته الصحية، تعلمين أن قلبه لا يحتمل الانفعال! كيف تسمحين لنفسك؟!"
كلماته خرجت كصفعة، قاسية، مؤلمة... لكنها لم تكن سوى صدى لصدمة أكبر داخله.
رفعت روزالينا رأسها بعناد، بنبرة حاولت أن تخفي بها ارتجافها:
"ماذا كنت تريدني أن أفعل؟ أن أتركه يُهيننا؟ أن أُسكت نفسي وأبتلع كلماته كأنها لا تهم؟!"
استدار لوكاس، مشى ببطء نحو الجدار، وضربه بقبضته، فاهتز الجدار لكنه لم يبرد النار في صدره. أسند جبينه إليه، وأغمض عينيه...
لقد عرف في أعماقه، دون أن يخبره أحد، أن والدته هي من بدأت بالإهانة. لم تحتمل رؤية رجل بسيط من عائلة ويليامز يرفع رأسه أمامها... وكأن الكرامة حكرٌ على الطبقة الراقية فقط.
اقتربت روزالينا منه، يدها ترتجف حين وضعتها على ظهره. قالت بصوت خافت:
"لوكاس... ماذا سنفعل الآن؟ إن أصابه مكروه... سارة لن تغفر لنا، أقسم لك، لن ترحمنا. لقد وضعنا أنفسنا في فخ، وهي تنتظر فقط اللحظة المناسبة لتُجهز علينا."
رفع لوكاس رأسه ببطء، التف نحوها، وصوته بالكاد يُسمع:
"إن أصابه مكروه، لا أستطيع لومها."
شهقت روزالينا، وكأن ابنها طعنها بكلمة.
تابع بنبرة مُحطمة:
"أمي... لو كان أبي من تعرّض لهذا الموقف، ألن تُقاتلي من أجله؟ ألن تحرقي الدنيا؟"
ارتبكت، ابتعدت عنه خطوة إلى الخلف، ثم قالت:
"إنها وحش... كل هذا بسبب أكاذيب اختها الحقيرة تلك. أتمنى أن تحترق في قبرها!"
أغمض عينيه، وزفر بتعب:
"أمي، لا وقت لهذا الحديث الآن..."
تلعثمت، ثم قالت:
"ألن تُكلّمها؟ تحاول تهدئتها؟ تقنعها بأن ما حدث لم يكن مقصودًا؟"
ضحك بسخرية، وكأنها قالت شيئًا من عالم آخر:
"سارة؟ هل تعتقدين أن كلامي له قيمة عندها؟ لقد أصبحت أكثر قسوة من الجليد... لو قلت لها صباح الخير، لظنّتني أخطط لطعنها في المساء."
صمت... ثم أضاف:
"ماريس فقط... ربما ماريس الوحيدة القادرة على لمس قلبها، ولو قليلًا."
تنهيدة ثقيلة ملأت الصمت بينهما، قبل أن تقول روزالينا:
"ماذا سنفعل، لوكاس؟"
نظر إلى الأرض، بعينين زائغتين:
"ننتظر... وندعو أن ينجو السيد ويليامز. هذا كل ما نملك."
ثم مشى نحوها، أمسك بيدها برفق:
"هيا، يجب أن تعودي إلى المنزل أنتِ وإيلينا. سارة على وشك الوصول، ووجودك هنا ليس في صالح أحد."
في شوراع المدينة كانت سارة تقود سيارتها كمن يهرب من الموت... أو ربما يركض نحوه.
عيناها محمرتان، يداها ترتجفان، والدها في المستشفى... لو أصابه مكروه، فلن يبقى لها شيء في هذه الحياة.
الطريق مزدحم، السيارات لا تتحرك. ضغطت على البوق بعصبية، ثم صرخت:
"تحركوا! تحركوا يا حمقى!"
لكن لا شيء يتحرك.
صرخت مرة أخرى، ضاربة المقود بقبضتها، ثم فتحت باب السيارة وقفزت منها دون أن تفكر.
كانت الأمطار تهطل بشدة، والبرد يقشعر له الجلد.
ركضت... ركضت بجنون.
كعبها العالي كان يعيق خطواتها، فخلعته ورمته جانبًا، دون أن تلتفت. تركض حافية، ودموعها تختلط بالمطر.
المارّة توقفوا يحدقون... امرأة بملابس أنيقة، حافية، مبلّلة، تجري في الشارع كمن فقد عقله.
لكنها لم تهتم... ركضت حتى شعرت بألم في قدمها، التفتت فوجدت قطعة زجاج مغروسة في كعبها.
سقطت على الأرض، يداها ترتجفان، شعرها المبلّل يغطي وجهها.
رفعت رأسها نحو السماء، وهمست:
"يا رب... لا تأخذه مني... لا تفعلها بي، أرجوك..."
في المستشفى...
لوحة الطابق الثالث كانت مبللة من آثار المطر على ملابس الداخلين.
خرج لوكاس من غرفة الطبيب، وجهه شاحب، وعيناه غائرتان.
اقترب من ماريس وإيلينا، اللتين جلستا بصمت قاتل.
قال بصوت منخفض:
"ماريس، أمي وإيلينا ستعودان إلى المنزل، السائق ينتظر في الخارج."
نظرت إيلينا إليه برجاء:
"لكن... السيد ويليامز، لا يمكن أن نتركه وحده..."
ربّتت ماريس على ظهرها بحنان الأم، وقالت:
"أنا سأبقى معه، لا تقلقي يا صغيرتي. وأنتِ، يجب أن تكوني في المنزل، أخوك بحاجة إليك."
أومأت إيلينا برأسها، ووقفت بصمت.
في تلك اللحظة...
رنّ جرس المصعد، وتفتحت الأبواب ببطء...
ظهرت سارة.
توقّف الزمن للحظة.
كانت تقف هناك، مبلّلة من رأسها حتى قدميها، تنزف من قدمها اليمنى، عيناها حمراوان، وأنفاسها متقطعة.
نظرت حولها بسرعة، كأنها تبحث عن أحد.
ثم التقت عيناها بعيني روزالينا...
وفي تلك اللحظة، احترق الهواء بينهما.
لم تكن كلمات سارة ضرورية.
نظرتها فقط كانت كفيلة بإشعال نار لا تنطفئ.
كانت سارة تتقدّم بخطى متسارعة، كأن الأرض لا تسع نيران الغضب التي تشتعل في صدرها. ملامحها غارقة في الألم، وعيناها تقدحان شرراً. وما إن وقعت عيناها على روزالينا، حتى انفجرت الصرخة من أعماقها:
"قاتلة!"
وهبّت نحوها كعاصفة هوجاء، لا تعرف للرحمة معنى.
لكن لوكاس اعترض طريقها في اللحظة الأخيرة، كجدار صلب وقف بينها وبين فريستها. أحاط خصرها بذراعه، بينما ضغط براحة يده الأخرى على بطنها ليثبّت جسدها المرتعش.
كانت أنفاسه قريبة من رقبتها، وصدره العريض يلتصق بظهرها، مانعاً إياها من الحركة كأنها سجينة في قفص من نار وعضلات.
صرخ بصوته العميق الغاضب، دون أن يحرّك جسده عنها:
"إيلينا! خذي أمي إلى الخارج... فوراً!"
سارة كانت تصرخ، تتلوّى بين ذراعيه كمن يحاول التحرّر من قيدٍ لا يُكسر. قبضتاها تضربان صدره وذراعه، ورأسها يحاول الإفلات من قربه، لكنها عاجزة. صدرها يعلو ويهبط، كأنها تختنق من شدة الانفعال.
صرخت به، تدفعه بكل ما بقي لها من قوة:
"دعني! لا تلمسني! أتركني حالاً!"
لكن قبضته ازدادت قسوة، وشدّها إليه أكثر، كأنّه يحاول إذابتها داخله.
ثم اقترب بفمه من أذنها، وهمس بنبرة خافتة، خشنة، كفيلة بإشعال الرعشة في عمودها الفقري:
"سأتركك... لكن فقط إذا هدأتِ."
صدى همساته داعبت عنقها، وتحرّكت خصلات شعرها المبعثرة على أنفاسه الحارّة.
شهقت، وأغمضت عينيها للحظة، وأخذت نفسًا عميقًا مرتجفًا.
ثم تمتمت، بصوت منخفض كأنه منطفئ:
"أنا هادئة... أرجوك أتركني."
تردد لوكاس لوهلة، ثم تراجع ببطء، وتركها تستقيم وحدها.
كانت عيناها لا تزالان تقدحان شرراً، لكن جسدها كان يئنّ من الإرهاق.
التفتت إلى ماريس، وصوتها مبحوح، كأنها خرجت من عاصفة:
"أخبريني... ماذا حدث؟"
ماريس كانت شاحبة الوجه، نظراتها مترددة، يداها ترتجفان وهي تمسك بطرف وشاحها.
قالت بصوت خافت:
"جاء إلى المنزل، أراد أن يراكِ، علم بما حدث... واجه السيدة روزالينا... كان غاضباً جداً، يتّهمها بأنها السبب فيما حصل."
سارة كانت تحدّق في وجه ماريس، وكتفاها يرتجفان، وقلبها يهبط بثقل في صدرها.
تابعت ماريس، بعد لحظة صمت ثقيل:
"قالت له شيئاً عن أختك... لم يحتمل... و... وانهار فجأة... سقط أمامنا."
كادت ساقاها أن تخذلانها، فتراجعت خطوة إلى الوراء، وضعت يدها على جبينها المرتبك، ودموعها تنهمر بصمت.
كان صمتها أكثر وجعاً من صراخها.
ركنت إلى الجدار، تضمّ ذراعيها إلى صدرها كأنها تبحث عن مأوى، بينما جسدها يرتجف من شدة البرد والخوف والصدمة.
كانت برودة المكان تزداد وطأةً، ولكن خوفها كان أعمق من ذلك. حتى جسدها لم يعد يحتمل الارتجاف الذي يعتصره، وكأن البرد الذي يشعر به ليس مجرد هواءٍ بارد، بل هو الهمسات المتسربة من قلبها الذي يكاد يتوقف من شدة القلق.
ماريس، التي كانت تجلس بجانبها، أومأت برأسها لتخفف عنها، مدّت يدها لتمسح على ظهر سارة برفق، لعلها تخفف شيئًا من حزنها. كلماتها، التي خرجت من فمها بصوتٍ عميق، كانت تحمل سكونًا محاولًا أن يُطمئنها. "لا تقلقي يا عزيزتي، سيكون على ما يرام".
لكنَّ قلب سارة كان يغلي بحرارة القلق، ورغم كلمات ماريس، كان الحزن يغرق عيونها، والدموع تتدفق دون إرادة منها. كان صمتها وحده هو الجواب.
"سيكون بخير، أليس كذلك؟" همست الكلمات، كأنها لم تكن أكثر من وسيلة للهروب من دوامة الفزع التي كانت تحاصرها. وجهها شاحب، وعيناها مليئتان بالتساؤلات التي لا إجابة لها.
ماريس أمسكت يديها الباردتين، وضغطت عليهما بحنان، وكأنها تتمنى أن تنقل إليها شيئًا من قوتها، أو ربما كانت تحاول أن تلمس حقيقة أن الكلمات وحدها لا يمكنها إيقاف الحزن.
"إنه شخص قوي، سيتغلب على هذا، كما تغلب على غيره"، قالت ماريس بصوتٍ أكثر هدوءًا، محاولًة طمأنتها رغم قلقها الذي كان يتسرب إلى كلماتها.
أخذت سارة نفسًا عميقًا، واكتشفت أن الكلمات لا تكفي. كانت اليد التي تمسك بالقلادة كأنها كانت تستمد منها شيئًا آخر. كان قلبها لا يزال يخفق بشدة، لم تجد مكانًا للراحة في نفسها. كانت بحاجةٍ إلى شيءٍ أكثر من مجرد كلمات.
في تلك اللحظة، كان لوكاس يقف على مسافةٍ قريبة منها، يتأملها بهدوء، بينما كان ظله يطغى على المكان. لم يكن بحاجةٍ إلى النظر إلى سارة ليشعر بما تمر به. كان يراها، بكل ملامحها المرتجفة، بحذائها المفقود وقدميها المصابة، وكان يعرف أن الكلمات لا تكفي هنا.
أخذ خطوةً نحوها، وخلع معطفه الرمادي الطويل، ثم مدّه إليها بحركةٍ هادئة، ولكنها لم ترفع عينيها نحوه. نظرت إلى المعطف باحتقارٍ غير معلن، كما لو أنها ترفض أن تأخذ شيئًا منه، ولو كان ذلك دافعًا لراحتها. ثم ابتعدت قليلاً، وفجأة همست، صوتها يرتجف: "لست بحاجةٍ إليه". كان صراخها الداخلي يتناثر في تلك الكلمات، وكأنها تحاول أن تبتعد عن ضعفه، أن تبتعد عن كل ما يذكرها بحالتها.
لم يقل لوكاس شيئًا، بل وضع المعطف بجانبها على المقعد، في حركةٍ باردة، ثم عاد إلى مكانه، وكأنها لم تكن بحاجةٍ لتفسير. لكنَّ الفجوة التي تفصل بينهما كانت أكبر من معطفه، وكانت كلمات ماريس تتردد في أذنه، "كما تشائين"، وكأنه أدرك تمامًا أنه مهما فعل، لن يكون في وسعه تغيير شيء في عالمها.
مرت الدقائق، وكأن الزمن قد تجمّد تمامًا. كان كل شيء حولها ثقيلًا، حتى الهواء أصبح مثقلًا بأثقال القلق الذي يزن قلبها. وبينما كانت تنتظر وتنتظر، مع كل ثانيةٍ تزداد شدةً، بدأ البرد يخترق جسدها، فتحركت يديها، لا إراديًا، نحو معطفه الذي تركه بجانبها.
في البداية، قاومت، كأنها لا تريد أن تعترف بأنها بحاجةٍ إليه. لكنها أخيرًا، مع ارتجاف أطرافها، أخذت المعطف ولفّته حول كتفيها. شعرت بدفئه يتسلل إليها، ولكن في الوقت نفسه، كان يحمل رائحة عطره الخاص، تلك الرائحة التي تتنقل بين خشب العود والدخان، رائحة تجلب معها شيئًا من الضعف. كانت رائحة مريحة، لكنها كانت تثير في أعماقها صراعًا داخليًا، كما لو أن تلك الرائحة تفضح ما تخفيه عن نفسها.
راقبها لوكاس من بعيد، وكانه يراها لأول مرة. تلك الفتاة، التي كانت، في لحظاتٍ كثيرة، قوية ومتماسكة، ها هي الآن تنهار في صمتٍ شديد، في لحظة ضعف، في لحظة إنسانية.
ورغم المسافة بينهما، ورغم الصمت الذي كان يحيط بهما، لم يستطع لوكاس أن يغلق قلبه عن ذلك الألم الذي كان يشع من عيون سارة، كان يكاد يشعر بما تعانيه، دون أن يستطيع أن يصل إليها.
ما إن انفتح باب غرفة العمليات، حتى انتصبت سارة واقفة كأن صاعقة أصابتها. غير مكترثة للمعطف الذي انزلق من كتفيها و وقع ارضا. كانت عيناها تترقبان الطبيب بخوف لا يُوصف، والخطوات التي خطاها نحوهم بدت لها أبطأ من الزمن نفسه.
تقدم الطبيب بوجه متجهم، وعيناه هربت من نظرات الجميع.
"نحن آسفون... السيد ويليامز لم ينجُ."
تجمدت ملامح سارة، وظلّت تحدق في الطبيب وكأنها لم تسمع شيئًا.
مرت لحظة صامتة، ثم أخرى، قبل أن تبدأ الكلمات تُترجم في عقلها.
"لم ينجُ...؟" همست كأنها تكرر لنفسها شيئًا مستحيلاً.
بدأ صدرها يرتجف، وارتسم الذهول في عينيها الواسعتين. فتحت فمها تحاول التنفس، لكن الهواء رفض الدخول.
"أبي... لا... لا... هذا مستحيل..."
اهتزت يداها، وخطت خطوة إلى الوراء، كأن الأرض خانتها. التفتت بنظرات شاردة، وكأنها تبحث عن مخرج من هذا الكابوس، ثم عادت تحدق في الطبيب بذهول لا حياة فيه.
أطبق الصمت من حولها، لم تعد تسمع بكاء ماريس ولا كلمات الطبيب.
صوت طنين عالي خيّم على أذنيها، قلبها يدق بقوة غير مألوفة، والدم انسحب من وجهها حتى صار شاحبًا كالثلج.
جسدها بدأ يتهاوى ببطء، وكأنها تنكسر تحت وطأة الصدمة.
في اللحظة التي تخلّى فيها جسدها عن توازنه، كان لوكاس الأقرب إليها. دون تفكير، مدّ ذراعيه وأمسك بها قبل أن تسقط أرضًا.
كانت خفيفة، بشكل مرعب.
رفعها بين ذراعيه بحركة سريعة، متوترة، وضمّها إليه بحذر، وكأنه يحمل شيئًا هشًا لا يعرف كيف يتعامل معه.
لم يكن هناك حنان... فقط ضرورة. ارتباك. غريزة إنسانية دفعت جسده للحركة قبل عقله.
نظر إليها، وجهها ساكن، رمشها لا يتحرك، وشفتيها شبه مفتوحتين، تتنفس بصعوبة.
التفت إلى الممرضة، وقال بجديّة:
"غرفة. الآن."
ثم سار نحو أقرب غرفة بخطوات ثابتة، لكنها ثقيلة. دخل الغرفة، ومددها على السرير بلطف، وأخذ خطوة للوراء وهو يتنفس ببطء، يحاول استيعاب ما حدث.
كانت سارة مستلقية، بلا وعي، كأن الصدمة نزعت روحها للحظة. وجفناها يقطران دموعًا لم تستأذنها، دموع فقدٍ لم يُمنح الوقت للانهيار الكامل.
هدأ كل شيء...
مرت بضع دقائق و بدأت جفون سارة تتحرك ببطء، وكأنها تقاوم السكون العميق. ثم فتحت عينيها، وبدت نظرتها ضائعة، خاوية، لا تدل على وعي كامل.
كانت ماريس تجلس إلى جانبها، تمسك يدها برفق، وعيونها مبلّلة من البكاء.
"سارة؟ حبيبتي... هل أنتِ بخير؟ هل تسمعينني؟"
لم تجب. ظلت تحدق في السقف، وعيناها تلمعان كأنهما على وشك الانهيار، لكن بلا دموع.
كررت ماريس بهمس مرتجف:
"عزيزتي... أنا هنا، لا تقلقي... أنتِ بخير..."
لكن سارة لم تكن تسمع. أو بالأحرى، كانت تسمع، لكن الصوت لا يصل إلى قلبها. كل شيء حولها بدا باهتًا، صامتًا، كأن الزمن توقف.
ثم، في لحظة، اتسعت عيناها فجأة. وكأن ذاكرة الألم ارتطمت بها بقوة لا ترحم.
شهقت بصوت خافت، ونظرت حولها بحدة... كأنها تبحث عن شيء ضاع منها.
وبدون أن تنبس بكلمة، مدّت يدها بنزق نحو ذراعها، وأزالت الإبرة الطبية التي كانت موصولة بها، دون أن تأبه بالوخز أو الدم القليل الذي سال.
جلست بسرعة على حافة السرير، قدماها لامستا الأرض، ووقفت... ببطء، لكن بإصرار.
"سارة! لا، انتظري!" نادت ماريس وهي تنهض بقلق، محاولة إيقافها.
لكن سارة خرجت من الغرفة دون أن تلتفت.
خطواتها كانت سريعة، مشتتة، وكأنها تهرب من شيء داخلها لا من شيء حولها، والممرضات ينظرن بدهشة، لكن لم يجرؤ أحد على اعتراضها.
مرت من الردهة كأنها لا ترى شيئًا، لا الناس، ولا الجدران، ولا الحياة. كانت عيناها معلقتين بشيء أبعد من الواقع... شيء مؤلم لا يُحتمل.
"سارة! عزيزتي!"
كان صوت ماريس يرتجف خلفها، تحاول اللحاق بها... لكن لا جدوى.
سارة كانت قد خرجت من المستشفى. حافية القدمين. حافية الشعور، مثقلة الصدر، حاملة قلبًا مكسورًا لم يجد بعد طريقة للانهيار.
المطر يغمر جسدها النحيل ويجعل خصلات شعرها تتشبث بوجهها الباهت. كانت تمشي بثقل، كأنها تسير على أرض لا تعرفها، بعينين فارغتين، ونبض مكسور. خطواتها كانت أشبه بخطوات الموتى، لا تعرف إلى أين تتجه، لكنها تمضي... فقط تمضي.
أصوات خافتة نادت باسمها من الخلف، لكن صداها كان بعيدًا، غريبًا، كما لو أنها تنتمي لعالم آخر غير العالم الذي سقطت فيه الآن.
وفجأة... يد قوية أمسكت بذراعها.
توقّفت، واستدارت ببطء.
كان لوكاس.
كان المطر يتساقط بغزارة حولهما، يرسم خطوطًا باردة على وجهيهما. تحدث، لكن كلماته بدت مكتومة، مشوشة، كأنها تنبعث من عمق الماء. كانت تنظر إليه، تحدق في شفتيه تتحركان، لكنها لم تفهم.
ارتعش جسدها من البرد، وارتجفت شفتاها من الهشاشة أكثر من الطقس. أمسكها لوكاس من كلتا ذراعيها، وهزّها برفق، كمن يحاول إيقاظ عقل غارق في الصدمة.
بدأت الرؤية تتضح، والصوت يعود تدريجيًا، حين سألها بصوتٍ منخفض لكنه حاد:
"إلى أين تذهبين؟"
تجمدت نظرتها عليه، وكأنها تراه لأول مرة. عينيه... لم تكونا تحملان الكره هذه المرة، بل قلقًا حقيقيًا، شيء لم تألفه في ملامحه من قبل.
همست بصوت مرتجف، بالكاد يُسمع:
"سأعود إلى المنزل... يجب أن أخبر والدي... بما حدث..."
ارتسمت على وجهه صدمة قصيرة، تبعها صمت ثقيل.
نظرت حولها، وكأنها تبحث عن شيء لا وجود له، ثم تمتمت بارتباك:
"لا أعرف ما يجب علي فعله... عليّ أن أسأله... هو يعرف دائمًا..."
اقترب لوكاس أكثر، شدّ قبضته على ذراعيها، وكأنها ستسقط بأي لحظة، أو تختفي إن تركها. أراد أن يقول الحقيقة، أن يصدمها مجددًا، لكنه لم يستطع.
"سارة... والدكِ..."
توقّف، لم يكمل. لم يكن الأمر سهلاً.
كانت مختلفة تمامًا الآن، ضعيفة... هشة... بعيدة عن تلك المرأة الصلبة التي لا تتزحزح مهما حصل. لم يكن يحبها، وكانت تحتقره. لكن في تلك اللحظة، لم يستطع تركها. لم يعرف لماذا، لكن كل ما رآه فيها حرّك شيئًا بداخله لم يشعر به منذ وقتٍ طويل.
أخذ نفسًا عميقًا، ثم وضع ذراعه حول كتفيها بلطف، وساقها معه نحو الداخل، رغم أنها لم تبدِ مقاومة.
أجلسها على أحد الكراسي في قاعة الانتظار، جسدها ما زال يرتجف، ووجهها شاحب كمن تاه عن الحياة.
انخفض على ركبته أمامها، وحدّق في عينيها مباشرة:
"انتظري هنا، سآخذ مفاتيح سيارتي وأرجعك إلى المنزل، اتفقنا؟"
ظلّ يراقب عينيها، يبحث عن أي إشارة للفهم.
وحين أومأت برأسها ببطء، نهض وسار باتجاه المصعد دون أن يبعد ناظريه عنها حتى اختفى داخله.
جلست سارة على الكرسي، جسدها ساكن لكن عقلها في عاصفة. كانت تشعر وكأنها تسبح في بحر من الضباب، كل ما حولها مشوّش، ومجرد صوت تنفسها بدا وكأنه صدى بعيد. ثم، فجأة، وقفت بعينين مذعورتين، كما لو أنها تذكرت شيئًا جوهريًا:
"أبي... أبي..." تمتمت، وصوتها كان أقرب إلى رجاء يائس.
بدأت تسير نحو المخرج بخطى سريعة، غير منتظمة، كأن قلبها يسحبها لا قدماها. همست وهي تمرّ من البوابة الرئيسية للمستشفى:
"تركتُه وحده... يجب أن أذهب إليه..."
لم تكن ترى شيئًا من حولها، لم تلاحظ السيارة السوداء المتوقفة على الجانب الآخر من الشارع، زجاجها معتم، ورجل مجهول يجلس خلف المقود. كان يراقب بصمت، يرتدي قفازات سوداء، وعيناه لا ترمش، ينتظر اللحظة...
23:57
غادرت سارة المستشفى، والمطر ما زال يتساقط بثقل على الأرض الباردة.
ثم-
زمجرة المحرك...
صوت الفرامل وهي تصرخ على الإسفلت المبلل...
23:58
صوت الاصطدام حطم السكون.
وصوت لوكاس، صارخًا من خلفه:
"ســـارة!!"
رآها على الأرض، ساقطة كزهرة داستها عاصفة. السيارة السوداء ابتعدت بسرعة، تختفي في العتمة ككابوس مرّ وترك أثره. سارة كانت تنظر إلى السماء، والمطر ينهال على وجهها المبلل، وقطرات الدم تتسلل من خدها، تتّحد مع دموعها والمطر، كأنها تذوب في الأرض.
كانت تقاتل لتبقي عينيها مفتوحتين، كل رمشة تشبه وداعًا.
أخذت نفسًا عميقًا... طويلًا... كأنها تستعد لترك كل شيء خلفها.
23:59
صدى العدّ التنازلي للعام الجديد بدأ يُسمع من بعيد، ضحكات، هتافات، ألعاب نارية... العالم يحتفل.
والأرض تحتها تغرق.
في اللحظة الأخيرة، فتحت شفتيها ببطء، همست باسمًا، بصوت بالكاد سُمِع:
اسمًا سكن في قلبها منذ البداية، وكان نهاية كل شيء.
كل شيء حدث بسببها. كل شيء سيحدث لأجلها
00:00
"أثينا..."
________________________________________________________________________________
تعني "لم أفعل شيئا" باللغة الإسبانية Yo no hice nada ( 1)
مليكة إبراهيم