الخسوف

الخسوف

19 0

"الذاكرة أفضل خادم للعقل، و النسيان أفضل خادم للقلب...". أحلام مستغانمي

في وهج الضوء الخافت الذي يملأ الغرفة، جلست سارة في غرفتها، محاطة بجدران منزل لوكاس المألوفة. لكن بالنسبة لها، كان مكانًا غريبًا، مكانًا لا تحمل فيه أي ذكريات عن ماضيها. استلقت على السرير، محدقة في السقف، تحاول أن تتذكر أي شيء، لكن عقلها كان صفحة بيضاء تمامًا.

ورغم الألم الذي كان ينبض في جسدها، نهضت من السرير واتجهت نحو المرآة المعلقة في زاوية الغرفة. لامست أصابعها الزجاج البارد، ويداها ترتجفان وهي ترفعها لتلامس انعكاسها. "من أنتِ؟" همست، وعيناها البنيتان تبحثان في الانعكاس عن أي ومضة من الاعتراف.

الإطار الذهبي المزخرف، بروعته وهيبته، بدا وكأنه يسخر منها، ثابت في مكانه، يعرف هويتها بينما هي تتخبط في فراغ عقلها. اقتربت أكثر، تحاول استدعاء أي ذكريات، لكن لم يأتِ شيء.

لا ذكريات. لا مشاعر. لا أفكار. مجرد صفحة فارغة تحدق بها. ثقل الصمت، وغياب أي صلة بالشخص الذي تراه في المرآة، جعلها تشعر بأنها أصغر، وأكثر هشاشة.

زفرت سارة بعمق، وصدرها يضيق بالإحباط. وقفت هناك، غارقة في أفكارها التي تدور في دوائر، يائسة للحصول على شرارة من التذكر. لكن الأمر كان أشبه بمحاولة الإمساك بالدخان باليد العارية-مستحيل.

وبينما كانت غارقة في شرودها، سمعت طرقًا على الباب. دخلت ماريس، مدبرة المنزل، تحمل صينية طعام. ابتسامتها الدافئة بدت وكأنها تشع حرارة وسط برودة الغرفة. كانت امرأة صغيرة الحجم، ذات وجه مستدير وابتسامة طيبة. وعلى الرغم من وزنها الزائد، إلا أنها تحركت برشاقة هادئة، بحركات دقيقة ومدروسة.

"صباح الخير، عزيزتي"، قالت ماريس بمرح، لكن عينيها سرعان ما اتجهتا إلى وضعية سارة-متوترة وهشة. "سارة، صغيرتي، ماذا تفعلين خارج السرير؟"

"أحاول أن أتذكر"، همست سارة، وصوتها بالكاد كان مسموعًا. "لكن الأمر يشبه محاولة الإمساك بالدخان بيدي العاريتين."

نقرت ماريس لسانها بأسف، ثم وضعت الصينية على خزانة مصقولة قبل أن تقود سارة برفق إلى السرير الفاخر. "لن تجدي نفسك في تلك المرآة، صغيرتي. استريحي، وتناولي طعامك." رتبت الوسادة خلف ظهر سارة بعناية متقنة. استسلمت سارة، وغرقت في الوسائد.

وضعت ماريس الصينية على الطاولة الجانبية. "لا أستطيع أن أتخيل مدى صعوبة الأمر عليكِ. لكن بعض الطعام سيساعدكِ على استعادة قوتكِ. أنتِ بحاجة إليه أكثر مما تعتقدين." أشارت إلى الطعام-وعاء من الشوفان الكريمي، شريحة من الخبز المحمص، وكوب من الشاي العشبي.

شعرت سارة بمعدتها تصدر صوتًا خفيفًا استجابة للرائحة الشهية. "لستُ جائعة جدًا"، اعترفت، رغم أن العبير المتصاعد من الصينية كان مغريًا.

عقدت ماريس ذراعيها، وعقدت حاجبيها. "لا، لا تبدئي بهذا معي. لقد رأيتكِ تتخطين الوجبات منذ عدتِ إلى المنزل. تناولي طعامكِ! لن يكون لديكِ طاقة لمواجهة تلك الذكريات المزعجة إن لم تأكلي."

بتنهيدة مستسلمة، أومأت سارة وجلست بشكل أكثر راحة. "حسنًا، سأحاول"، قالت، وهي تلتقط الملعقة. وبينما بدأت في الأكل، جلست ماريس على حافة السرير، تتحدث عن شؤون المنزل اليومية. لم تكن الحكايات مليئة بالإثارة، لكنها ربطت سارة بالواقع، بشيء حقيقي.

"شكرًا لكِ"، قالت سارة، رغم أن معدتها كانت مضطربة ولم تستطع تناول سوى بضع لقمات.

"بالطبع، صغيرتي." جمعت ماريس الصينية التي لم تفرغ بالكامل. "والآن، حان وقت الدواء."

كان طعمه مرًّا، لكن سارة ابتلعته بامتثال، متبعته برشفة ماء فاترة. نظرة ماريس المتفحصة أصبحت أكثر ليونة.

"حاولي أن ترتاحي"، حثتها، وهي تربت على يدها. "سأكون قريبة إذا احتجتِ إليّ."

وبنظرة أخيرة قلقة، غادرت ماريس، تاركة وراءها حضورها كدفء بطانية تُسحب ببطء بعيدًا. استعاد الصمت سيطرته على الغرفة، ثقيلاً ولا يرحم.

استدارت سارة برأسها نحو الساعة. كانت التاسعة تقترب. أحصت كل تيك، كل تاك، عدًا تنازليًا نحو ما لا مفر منه. جاء الطَرق، دقيقًا ومتوقعًا.

ابتسامة شاحبة ارتسمت على شفتيها، بلا روح.

كانت تعرف من يقف خلف هذا الباب الخشبي.

الرجل الذي كانت زياراته منتظمة كالساعات التي تعلنها.

الرجل الذي سيطرح عليها نفس السؤال، بنفس البرود:

"كيف حالكِ اليوم؟"

انفتح الباب ببطء، خط رفيع من ضوء الصباح الشاحب تسلل إلى عتمة الغرفة.

دخل لوكاس دياز، وقفته مستقيمة في الإطار.

كان تجسيدًا للدقة والانضباط، حضوره ثابت كطلوع الشمس، لكنه أبرد منها بأضعاف.

"صباح الخير. كيف حالكِ اليوم؟"

كان صوته رتيبًا، خاليًا من أي مشاعر، كأنه جملة حفظها وأعادها بلا تفكير.

بحثت سارة في وجهه عن دفء، عن شيء يطمئنها، لكن لا شيء.

تحركت تحت الغطاء، جسدها يئن بالألم، لكن قلبها تألم أكثر.

"كما كنت،" أجابت، بصوت ضعيف وسط ثقل التاريخ الذي جمعهما.

أومأ لوكاس، إيماءة صغيرة بالكاد تعني شيئًا.

وقف عند طرف السرير، يديه مشبوكتين أمامه، بدلته متقنة بلا عيب.

اختياره اليوم كان لون الفحم، قماشه يلمع بخفة تحت الضوء.

تناقض صارخ مع العاصفة التي تتشكل في الخارج، البرق يضيء النافذة للحظات.

"هل تحتاجين إلى شيء؟"

لم يتحرك خطوة واحدة نحوها.

أرادت أن تقول "ذكريات"، لكنها لم تستطع.

هزت رأسها فقط، مفضلة صمتها على إجابة ناقصة.

"حسنًا."

تردد للحظة، وكأنه ينتظر شيئًا إضافيًا، لكنه استدار وخرج.

لم تعرف سارة لماذا تنتظر زيارته كل يوم، لكنها كانت تفعل.

ربما لأنه الاتصال الوحيد لها بالعالم الخارجي.

ربما لأنها الطريقة الوحيدة التي تشعر بها أنها لا تزال موجودة.

مهما كان السبب، فقد انتظرت بصبر، تحصي الثواني حتى وصوله.

أغلق الباب خلفه، تاركًا إياها وحيدة من جديد.

استلقت سارة على ظهرها، عيناها تتبعان الزخارف الدقيقة في السقف،

وصدى خطواته يتلاشى ببطء.

الغرفة كانت أبرد الآن.

الصمت أكثر وطأة.

انتظرت... ليس لعودة الغضب، بل لشيء آخر.

لشرارة من الفهم، ربما.

لعل الغد سيكون مختلفًا.

لعلها ستعرف المزيد عن من كان لوكاس بالنسبة لها... والأهم، من كانت هي بالنسبة له.

حتى الآن، لم تكن تملك سوى الأسئلة.

لكن الأجوبة... لا تزال مفقودة.

🌑

المكتب كان ملاذًا من الخشب المصقول والجلد الفاخر، تفوح منه رائحة الكتب العتيقة والسيجار الباهظ. جلس مارتن خلف مكتبه المصنوع من خشب الماهوجني، أصابعه متشابكة بينما يحدق في كومة من الوثائق. العاصفة في الخارج كانت تهز النوافذ، لكن تركيزه ظل ثابتًا-حتى انفتح الباب بصوت خافت.

دخلت روزالينا، كعب حذائها ينقر برقة على الأرضية الخشبية. كانت، كعادتها، أنيقة بلا عيب، مرتدية فستانًا كحليًا مصممًا بعناية يبرز قوامها. شعرها الأشقر مرفوع في تسريحة أنيقة، وعيناها الخضراوان تلمعان بمزيج من العزم والقلق.

"مارتن"، نطقت بصوت سلس لكنه يحمل مسحة من التوتر، "نحتاج إلى التحدث."

رفع مارتن نظره إليها، ملامحه القاسية تلين قليلًا عند رؤيتها. "روزالينا، ما الأمر؟"

أغلقت الباب خلفها وتقدمت عبر الغرفة، خطواتها محسوبة. "الأمر يتعلق بسارة"، خفضت صوتها وهي تجلس أمامه، "هل وجدت الملفات؟"

تنهد مارتن واتكأ إلى الخلف في كرسيه. "لا، ليس بعد. رجالي فتشوا كل مكان محتمل-منزل والدها، شقتها القديمة، وحتى الأماكن التي كانت تزورها قبل الحادث. لا أثر لها."

تصلبت شفتا روزالينا في خط رفيع. "هذا غير مقبول، مارتن. تلك الملفات قد تدمرنا. إذا وقعت في الأيدي الخطأ-"

"أنا مدرك تمامًا للعواقب"، قاطعها مارتن بنبرة حادة. "لكن سارة ليست في وضع يسمح لها بإخبارنا بأي شيء. بالكاد تتذكر اسمها، ناهيك عن مكان إخفاء الوثائق."

ضيقت روزالينا عينيها بشك واضح. "وهل تصدق ذلك حقًا؟ أنها فقدت ذاكرتها؟"

رفع مارتن حاجبًا. "ما الذي تحاولين قوله؟"

اقتربت روزالينا للأمام وقالت بصوت منخفض، "ما أقصده هو أنها ربما تكذب. ربما هذه الذكرى المفقودة ليست سوى تمثيلية تكسبها الوقت."

عقد مارتن حاجبيه، وأخذ ينقر بأصابعه بخفة على سطح المكتب. "وماذا ستكسب من ذلك؟ هي عالقة هنا، تحت مراقبتنا. حتى لو كانت تملك الملفات، لا سبيل لها لاستخدامها."

"إلا إذا كانت تنتظر اللحظة المناسبة"، ردت روزالينا بثبات. "أو ربما سلمتها بالفعل لشخص آخر."

تغيرت ملامح مارتن، ونبرته ازدادت قتامة. "تظنين أنها تتعاون مع أحد؟"

"أظن أننا لا نستطيع التقليل من شأنها"، قالت روزالينا بنبرة حادة. "لم تعد الفتاة الساذجة التي ظنناها حين دخلت حياتنا. إنها ذكية، مارتن. وهي تكرهنا."

مال مارتن إلى الأمام، مرفقاه مستندان إلى سطح المكتب. "حتى لو كانت تكذب، ما الذي تقترحين فعله؟ لا يمكننا إجبارها على التذكر. ولا يمكننا استجوابها بوضوح دون إثارة الشبهات."

ارتسمت على شفتي روزالينا ابتسامة باردة. "لسنا بحاجة لاستجوابها. كل ما علينا فعله هو إبقاؤها قريبة. نراقب كل تحركاتها. إذا كانت تكذب، فسترتكب خطأً في النهاية. وعندما تفعل، سنكون مستعدين."

تأملها مارتن لحظة، نظراته تفيض بالحسابات. "وإذا كانت صادقة؟ إذا كانت قد فقدت ذاكرتها بالفعل؟"

تلاشت ابتسامة روزالينا، وحلت محلها نظرة عزيمة فولاذية. "حينها سنستغل ذلك لصالحنا. سنغذيها بالقصة التي نريدها أن تصدقها. نجعلها تظن أنها بأمان هنا، وأنها واحدة منا. وعندما يحين الوقت، سنعثر على الملفات-سواء بمساعدتها أو بدونها."

أومأ مارتن ببطء، عقله يعج بالاحتمالات. "لقد فكرتِ في كل شيء."

"كان عليّ ذلك"، قالت روزالينا، صوتها يحمل مرارة واضحة. "لقد عملنا بجهد لبناء كل هذا، ولن أسمح لها بتدميره."

مد مارتن يده عبر المكتب وأمسك بيدها. "سنتجاوز هذا معًا، روزالينا."

ضغطت على يده، قبضتها ثابتة. "ليس لدينا خيار آخر."

ساد الصمت بينهما للحظة، الثقل المشترك لمخاوفهما يملأ الغرفة. ثم وقفت روزالينا، تعدل فستانها قبل أن تتوجه نحو النافذة. العاصفة بالخارج تعكس العاصفة في عقلها، والبرق أضاء ملامحها الحادة للحظة.

"تذكر شيئًا واحدًا، مارتن"، قالت، صوتها بالكاد مسموع. "لا تثق بأحد. ولا حتى بها."

جلست سارة على حافة سريرها، وأصابعها تقبض على نسيج الغطاء الناعم بينما تحدق في الباب. كان الصمت يلف الغرفة، لا يكسره سوى صوت عقارب الساعة وهي تدق برتابة على الحائط، وهدير الرعد البعيد الذي يهز نوافذ القصر. لقد ظلت محبوسة هنا لأيام، محاطة بأربعة جدران، لا ترى سوى ماريس أو لوكاس بين الحين والآخر. ولكن الآن، بدأت الجدران تضيق عليها، وأصبح الصمت خانقًا.

وقفت ببطء، جسدها متيبس ومؤلم من قلة الحركة. اشتعل الألم في أضلاعها مع كل حركة، لكنها تجاهلته، مصممة على كسر رتابة الأيام التي قضتها سجينة غرفتها. لمحت انعكاسها في المرآة القابعة في الزاوية-وجه شاحب، عينان فارغتان، ملامح شخص لا تعرفه. لم تكن تذكر شيئًا، ولم تعد تحتمل انتظار عودة ذكرياتها. إن لم تأتِ إليها، فستذهب هي للبحث عنها.

صرير الباب كسر الصمت وهو يُفتح، صداه يتردد في الممر الطويل الخالي. خرجت بحذر، قدماها العاريتان تغوصان في السجاد الفاخر. امتد الممر أمامها، جدرانه مكسوة بورق حائط فخم بألوان الذهب والكريمي، تتلألأ على ضوء الشمعدانات الكريستالية المثبتة على الحائط، والتي تعكس ضوءها على الخشب المصقول والأطُر الزخرفية المنحوتة بدقة في السقف.

تحركت ببطء، يدها تتلمس الجدار طلبًا للتوازن بينما تتفحص المكان. القصر كان أشبه بمتاهة من الفخامة، كل تفصيلة فيه مصممة لتبهر الناظرين. مرّت بجانب سلسلة من اللوحات الزيتية-صور لرجال بملامح صارمة ونساء أنيقات، أعينهم تبدو وكأنها تلاحقها أينما تحركت. توقفت أمام إحداها، صورة لامرأة شابة بشعر كستنائي وعينين خضراوين. شيء ما في ملامحها بدا مألوفًا، لكن ذاكرتها لم تسعفها.

واصلت طريقها حتى وصلت إلى بهو فخم، تتوسطه درجٌ عريض يلتف برشاقة نحو الطابق العلوي. فوقه، ثريا ضخمة من الكريستال تتلألأ، تعكس ضوءها في أنحاء المكان في مشهد يخطف الأنفاس. وقفت عند أسفل الدرج، تحدق في النقوش المتقنة على الدرابزين والخشب الداكن الغني. كم مرة صعدت هذا الدرج؟ لكنها لم تتذكر.

ابتعدت عن الدرج وسارت عبر صالة جلوس، جدرانها تعج بالكتب التي تملأ الرفوف الممتدة من الأرض إلى السقف. كانت الغرفة دافئة، بمدفأة رخامية وأرائك وثيرة. في الزاوية، وقف بيانو كبير بسطحه اللامع، وكأنه يدعوها للمس أوتاره. مدّت أصابعها على المفاتيح، وصوت خافت تردد في المكان. هل كانت تعرف العزف؟ لم تكن واثقة، لكن ملمس البيانو منحها إحساسًا غريبًا بالألفة.

وأثناء تجولها في القصر، لاحظت تفاصيل صغيرة تدل على أن المكان مأهول-كتاب نصف مفتوح على الطاولة الجانبية، مزهرية زهور حديثة على الموقد، زوج من النعال وُضع بعناية قرب الباب. ولكن رغم ذلك، كان هناك برود في الجو، كما لو أن القصر كان مجرد عرض فاخر وليس منزلًا حقيقيًا. الفخامة كانت ساحرة، لكنها لم تستطع التخلص من الشعور بأنها غريبة هنا.

في نهاية ممر آخر، ضاق الطريق، والجدران صارت أقل زخرفة. الطلاء الرمادي الفاتح والسجاد الأزرق الداكن منحا الجو هدوءًا غريبًا، ولكن البرودة التي شعرت بها لم تكن من الطقس فقط. كان هناك صمت ثقيل، كأن الهواء مشبع بأسرار مدفونة. كانت على وشك العودة أدراجها عندما سمعت صوتًا-هامسًا لكنه واضح-يتسلل من إحدى الغرف.

تجمدت في مكانها، إذ بلغها صوت امرأة، خافتًا لكنه محمّل بالعجلة، وكأنها تتوسل أو تحذر. لم تستطع تمييز الكلمات، لكن نبرتها كانت حادة، ممتزجة بنبرة رجاء. اجتاحها الفضول، دفعها للتقدم رغم الألم الذي كان لا يزال يطعن أضلاعها.

تقدمت خطوة، قدماها الحافيتان لا تُصدران صوتًا على السجاد. الباب كان مواربًا، وخيط رفيع من الضوء انسلّ إلى الممر. انحنت قليلاً، تحبس أنفاسها وهي تحاول الاستماع.

"يجب أن تأكل"، جاء صوت المرأة، أعلى قليلًا هذه المرة لكنه لا يزال مشوبًا بالإحباط. "السيدة روزالينا ستغضب إن لم تفعل. "

ثم دوى صوت اصطدام عنيف-صوت معدن وزجاج يتحطم على الأرض، كما لو أن صينية طعام قد أُسقطت بعنف. قفز قلب سارة، ووضعت يدها على صدرها، أنفاسها تتسارع.

قبل أن تتمكن من الاقتراب أكثر، ترددت في الممر خطوات سريعة. اتسعت عيناها، وتراجعت للخلف، عقلها يصرخ بها أن تهرب. ولكن قبل أن تبتعد، فُتح الباب بعنف، لتقف أمامها خادمة بزيها الرسمي، وجهها محتقن، وشعرها الداكن مشدود في كعكة محكمة، وعيناها تتوهجان بالغضب-إلى أن وقعتا على سارة.

تبدلت ملامحها فورًا، وحلّت الصدمة محل الغضب. "السيدة دياز!" هتفت، صوتها يرتجف قليلًا. "ماذا تفعلين هنا؟"

رمشت سارة، غير مستعدة لنبرة الذعر في صوتها. "كنت... أتمشى فحسب." قالت بتردد، صوتها ضعيف وغير مقنع. "لم أقصد التطفل."

ألقت الخادمة نظرة قلقة نحو الغرفة خلفها، وغريزيًا حاولت سارة أن ترى ما تخفيه. في الظلام، رأت لمحة من شيء معدني-كرسي متحرك، إطاره يلمع تحت الضوء الخافت.

لكن قبل أن تتمكن من رؤية المزيد-قبل أن تستوعب ما رأته-تحركت الخادمة بسرعة، تسد مدخل الغرفة وتغلق الباب بحزم.

"هذا الجزء من القصر مخصص للخدم فقط." قالت الخادمة، صوتها مشدود لكنه مهذب. "أفراد العائلة لا يأتون إلى هنا. ليس... مناسبًا."

قطبت سارة جبينها، فضولها يشتعل أكثر. "لم أكن أعلم." قالت، رغم أنها بالكاد صدّقت عذرها. "كنت فقط أستكشف. لم أقصد التسبب بأي إزعاج."

تراخى وجه الخادمة قليلًا، لكن بقي التوتر في عينيها. "لا بأس." قالت، وإن كان صوتها لا يعكس المعنى ذاته. "لكن يجدر بكِ العودة إلى غرفتك الآن. تحتاجين للراحة."

ترددت سارة، عيناها لا تزالان معلقتين بالباب المغلق. صورة الكرسي المتحرك لم تفارق ذهنها، قشعريرة باردة تسللت إلى عمودها الفقري. من كان هناك؟ ولماذا كانت الخادمة حريصة على إخفائه؟

لكن الخادمة كانت بالفعل تشير نحو الممر، وقفتها حازمة وغير قابلة للنقاش. "دعيني أرافقكِ." قالت، بنبرة لم تترك مجالًا للرفض.

بخطى مترددة، تبعتها سارة، عقلها يدور بألف سؤال. لم تستطع منع نفسها من إلقاء نظرة أخيرة إلى الباب المغلق، لكن الخادمة كانت أسرع، تدفعها للأمام بخطوات ثابتة.

عندما وصلت إلى غرفتها، كانت الشكوك تعصف بها. فتحت الخادمة الباب لها، وجهها جامد لا يشي بشيء. "نامي جيدًا، سيدة دياز." قالت بلطف آلي.

دخلت سارة، وأُغلق الباب خلفها بهدوء. وقفت في وسط الغرفة، ذراعاها تطوقان جسدها، شعور غريب بالتوجس يتسلل إلى قلبها. القصر كان جميلًا، لكنّه كان أشبه بقفص ذهبي-مليء بأسرار لم تتمكن بعد من فك شيفرتها.

قاعة الاجتماعات كانت تعجّ بالحديث الخافت، بينما كان صوت المقدم ينساب بثبات، يشرح تفاصيل المشروع الجديد. على الشاشة الضخمة، ظهرت مخططات دقيقة، خطوطها الأنيقة وتعليقاتها التفصيلية تجذب انتباه التنفيذيين الجالسين حول الطاولة الطويلة. البعض انحنى للأمام يدوّن ملاحظاته، بينما اكتفى الآخرون بالإنصات بانتباه.

أما لوكاس، فظل جامدًا في مكانه، يداه متشابكتان باسترخاء فوق سطح الطاولة اللامع. ملامحه كانت غير مقروءة، عيناه ثابتتان على الشاشة، لكنهما لم تكونا تركزان على شيء محدد. لم يكن يسمع أي كلمة تُقال. عقله كان قد تلاشى بعيدًا، غارقًا في ذكرى تطارده منذ أيام.

رنّ الهاتف، منتزعًا إياه من غفوته.

مدّ لوكاس يده إليه بتثاقل، عينيه تومضان بالنعاس وهو يتفحص هوية المتصل. جيمس.

قطّب جبينه قبل أن يرد، صوته خشن بالنوم: "آمل أن يكون الأمر مهمًا."

"لقد استيقظت."

في لحظة، استقام لوكاس في سريره، قلبه ينبض بقوة واحدة عنيفة. "ماذا؟"

"سارة." جاء صوت جيمس. "لقد استيقظت."

لم يسأل لوكاس أي شيء آخر. أزاح الأغطية عنه ونهض بسرعة، يلتقط أول ملابس وقعت عليها يده. خلال دقائق، كان بالفعل في سيارته، الهواء الليلي يلسع بشرته وهو يقود بسرعة نحو المستشفى.

عندما وصل إلى غرفتها، كانت سارة قد غرقت في النوم مجددًا-جسدها المرهق استسلم للوعي المظلم مرة أخرى.

وقف لوكاس عند نهاية السرير، ذراعيه متشابكتان، عيناه ثابتتان على وجهها النائم. بدت مختلفة. أكثر هشاشة بطريقة ما. الحدة المعتادة في ملامحها تلاشت، وحلّ مكانها شيء أكثر رقة... أشبه بالسلام.

"إنها حقًا لا تتذكر أي شيء." تمتم جيمس بجانبه.

تصلب فك لوكاس. "أأنت متأكد؟"

أومأ جيمس. "هذه ليست خدعة، لوكاس. استيقظت وهي مشوشة تمامًا. حتى أنها لم تتعرف عليّ في البداية. وعندما أخبرتها أنها تعرضت لحادث، لم تتفاعل كما هو متوقع. لم يكن هناك ذعر، ولا محاولة يائسة لاسترجاع الذكريات... فقط فراغ."

ظلّت عينا لوكاس مثبتتين عليها، ملامحه بلا تعبير، لكن عقله كان يعمل بلا توقف.

"سيدي؟"

قطع الصوت أفكاره، مجبرًا إياه على العودة إلى الحاضر.

رمش لوكاس، ثم التفت بنظراته الزرقاء الحادة نحو الرجل الواقف في مقدمة القاعة. كان المقدم ينظر إليه بتوقع، واضح أنه ينتظر ردًا منه. حول الطاولة، استدار التنفيذيون الآخرون نحوه أيضًا.

زفر ببطء، دافعًا الذكرى إلى الهامش، مستعيدًا هدوءه المعتاد الذي يصعب قراءته. "تابع." قال بصوت ثابت.

تردد الرجل للحظة قصيرة، قبل أن يومئ برأسه ويستأنف شرحه.

اتكأ لوكاس إلى الخلف في مقعده، لكن ذهنه لم يعد في الاجتماع. صورة سارة في سرير المستشفى ظلت عالقة، ترفض أن تتلاشى.

في غرفتها جلست سارة على حافة سريرها، تلف ذراعيها حول نفسها بإحكام، وعيناها مثبتتان على الجدران المزخرفة. لم تستطع طرد الإحساس الغريب الذي سيطر عليها بعد لقائها بالخادمة ولمحتها العابرة للكرسي المتحرك. كان عقلها يعج بالأسئلة التي لم تجد لها إجابة. من كان في تلك الغرفة؟ ولماذا يتم إخفاؤه؟ ولماذا كانت الخادمة متلهفة لمنعها من رؤيته؟

نهضت من سريرها وبدأت تتجول في الغرفة، قدماها العاريتان تغوصان في السجادة الناعمة. في الخارج، كانت العاصفة قد هدأت، مخلفة وراءها صمتًا ثقيلًا خيم على أرجاء المنزل. شعرت بأن السكون يطبق على أنفاسها، مما زاد من اضطراب أفكارها. توقفت أمام المرآة، لتواجه انعكاس صورتها؛ وجه شاحب، عينان تائهتان، وشخص تملؤه الضياع.

همست بصوت بالكاد سمعته:

"من أنتِ؟"

جالت بنظرها نحو النافذة حيث تسلل ضوء القمر، يلقي بظلال طويلة على أرضية الغرفة. تقدمت ببطء، وضغطت كفها على الزجاج البارد، أنفاسها تترك طبقة ضبابية على السطح الأملس. في الأسفل، كان كل شيء غارقًا في الظلام، لا يُسمع سوى خطوات الحراس وهم يطوفون حول محيط القصر، أشباح صامتة في الليل. تساءلت إن كانوا هنا لحمايتها... أم لمنعها من الهرب.

قطع طرق خفيف على الباب أفكارها المضطربة، فاستدارت بسرعة، قلبها ينبض بقلق.

"ادخل"، قالت بصوت مرتجف قليلًا.

انفتح الباب لتدخل ماريس، تحمل صينية عليها كوب شاي ساخن وصحن صغير من البسكويت. بدت ملامحها الدافئة مطمئنة، وعيناها تعكسان لطفًا حقيقياً وهي تبتسم لسارة.

"ظننت أن شيئًا دافئًا قد يساعدك على النوم"، قالت وهي تضع الصينية بجانب السرير.

حاولت سارة رسم ابتسامة، لكن عقلها كان لا يزال منشغلًا.

"شكرًا لكِ، ماريس. هذا لطف منكِ."

تأملتها ماريس للحظات، حاجباها معقودان بقلق.

"أأنتِ بخير، صغيرتي؟ تبدين شاحبة."

ترددت سارة، غير متأكدة مما يجب أن تخبرها به. وأخيرًا، قالت بصوت منخفض:

"أنا بخير... فقط أشعر ببعض الأرق."

أومأت ماريس بتفهم، وابتسامتها لطيفة.

"هذا متوقع بعد كل ما مررتِ به. لكن لا تقلقي، أنتِ بأمان هنا."

تجمدت ابتسامة سارة. أمان. الكلمة بدت جوفاء، خاصة بعد ما رأته-أو اعتقدت أنها رأته-في تلك الغرفة. ترددت للحظة، ثم سألت بحذر:

"ماريس... ماذا يوجد في الجناح الغربي من المنزل؟ الجزء المخصص للخدم فقط؟"

انخفضت ابتسامة ماريس، وأخذت تشغل نفسها بترتيب الصينية.

"أوه، لا شيء مهم. مجرد مستودعات وغرف للموظفين"، قالت بنبرة خفيفة لكنها بدت وكأنها تحاول التهرب من الحديث. "لا يوجد شيء مثير للاهتمام هناك، أؤكد لكِ."

راقبتها سارة، مدركة التوتر الخفي في صوتها.

"لكني رأيت شيئًا غريبًا..." قالت بحذر، "كرسيًا متحركًا ربما؟ هل هناك من يعيش هناك؟"

توقفت يدا ماريس عن الحركة للحظة. بدت وكأنها تفكر فيما ستقوله، ثم استدارت إلى سارة وابتسمت، لكنها لم تصل إلى عينيها.

"يبدو أنك متعبة يا عزيزتي. عندما يكون الإنسان مرهقًا، قد تخدعه حواسه. اشربي الشاي، وحاولي أن تسترخي."

أرادت سارة أن تضغط أكثر، لكن شيئًا في نبرة ماريس جعلها تتراجع. لم يكن هناك شك في أن المرأة العجوز تحمل لطفًا حقيقيًا، لكن خلف كلماتها كان هناك حزم لا يمكن الجدال معه. استسلمت سارة أخيرًا، وأخذت كوب الشاي وجلست على السرير.

ربتت ماريس على يدها برفق.

"فتاة جيدة. إن احتجتِ شيئًا، ما عليكِ سوى مناداتي."

غادرت ماريس الغرفة، تاركة سارة وحدها مع أفكارها المتضاربة. ارتشفت الشاي، لكن الدفء الذي حمله لم يكن كافيًا لتهدئة عقلها. بل على العكس، ازدادت شكوكها. شيء ما كان مخفيًا في ذلك الجناح-شيء لا تريد عائلة دياز أن تعرفه.

وضعت الكوب جانبًا واستلقت على السرير، تحدق في السقف. حاولت تهدئة عقلها، لكن صورة الكرسي المتحرك ظلت تطاردها.

وفي النهاية، انتصر عليها الإرهاق، واستسلمت لنوم مضطرب.

🌑

كان المنزل ساكنًا، فخمًا لكنه غارق في صمت ثقيل. العاصفة رحلت، لكنها تركت وراءها سكونًا كئيبًا امتد إلى كل زاوية. في غرفتها، نامت سارة بعمق، أنفاسها هادئة، ووجهها مسالم تحت ضوء القمر الشاحب المتسلل من النافذة الكبيرة. أحداث اليوم-توتر الخادمة، لمحة الكرسي المتحرك، الأسئلة التي لم تجد لها إجابة-استنزفتها بالكامل، جاذبة إياها إلى سبات خالٍ من الأحلام.

لكن السكون لم يدم طويلًا.

تحرك ظل في العتمة، زاحفًا عبر الباب المفتوح قليلًا كدخان خافت. توقف للحظة، قبل أن يتقدم ببطء نحو السرير. كان يتحرك بخبرة، خطواته صامتة على السجادة الناعمة. لمع ضوء القمر على شيء بين يديه-وسادة، مشدودة بإحكام، غرضها واضح.

تحركت سارة قليلًا، حاجباها ينقبضان كأنها تشعر بشيء غير مريح، لكنها لم تستيقظ. انحنى الظل فوقها، أنفاسه متقطعة، مترددة. للحظة، بدا وكأنه يشكك في قراره. ثم، بحركة مفاجئة، ضغط الوسادة على وجهها.

فتحت سارة عينيها على اتساعهما، الرعب يشع منهما. حاولت التقاط أنفاسها، لكن القماش الخانق منعها. يدها رفعت تلقائيًا، تحاول إبعاد الوسادة، لكنها لم تستطع. كان المعتدي قويًا، يثبتها بقوة لا ترحم.

اندفع الذعر في عروقها كالنار. ركضت قدماها، تتحركان بشكل يائس تحت الغطاء، أصابعها تخدش القماش بلا جدوى. بدأت رؤيتها تتلاشى، صدرها يحترق مع كل ثانية تمر.

ثم، في حركة يائسة، مدّت يدها تبحث عن أي شيء يساعدها. اصطدمت يدها بالكوب، دافعةً إياه ليسقط. ارتطم الإبريق بالأرض، وتحطم بصوت عالٍ شق صمت الليل.

تجمد المعتدي للحظة، قبضته تراخت قليلاً. وكان ذلك كافيًا.

بكل ما تبقى لديها من قوة، دفعت الوسادة بعيدًا. ارتبك الظل، وسقطت سارة عن السرير، تهبط بقوة على الأرض. التقطت أنفاسها بصعوبة، صدرها يرتفع ويهبط بجنون، شعرها المبلل بالعرق يلتصق بوجهها.

كان الغرفة مزيجًا من الظلال والضوء، والصوت الوحيد هو أنفاسها المتسارعة. لم تستطع الوقوف، جسدها المرتجف لم يطعها. نظرت حولها، باحثة عن المعتدي، لكنه كان قد اختفى، تلاشى في الظلام كما ظهر.

عندها فقط، اجتاحها الذعر تمامًا. شهقت الهواء، تحاول تنظيم أنفاسها، ثم صرخت-صرخة حادة، مفزوعة، مزقت سكون الليل.

"النجدة! أحدهم... ساعدوني!"

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

خسوف الذاكرة - Memory Eclipse

المؤلف مليكة إبراهيم
2025/10/26 مستمرة
قائمة الفصول (5)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة