ضباب

ضباب

20 0

هدأ الليل تماماً في أرجاء المنزل الفخم، لا يقطعه سوى تنفس لوكاس المنتظم وهو غارق في نوم ثقيل. ثم، فجأة، انطلق صوت صرخة سارة، حاداً وممزقاً للصمت كشفرة تخترق لحماً طرياً، ليقفز قلبه مذعوراً.

انتفض لوكاس جالساً، صدره يرتفع ويهبط بعنف كأنه ركض لمسافة طويلة. كانت أذناه لا تزالان تطنّان بصدى الصرخة، وعقله يدور كدولاب محطم، يحاول جاهداً تجميع شظايا الواقع. للحظة مشوشة، ظن أنه ربما كان مجرد كابوس—بقايا نوم مضطرب كان يأسره. لكنها أتت مرة أخرى، مكتومة ويائسة، ليطعنه يقين بأنها حقيقية.

وثب من السرير كالمسكون، وقدماه العاريتان تلامسان بلاط الرخام البارد بينما اندفع نحو الباب. كان شعره فوضوياً كعش غراب، وثياب نومه الحريرية السوداء مجعدة وملتوية، لكنه لم يكترث بشيء سوى الوصول إليها.

اقتحم غرفة سارة، ويده تتحسس جداراً بارداً بحثاً عن مفتاح الإضاءة. انغمرت الغرفة بضوء أبيض قاسٍ، وامتدت عيناه بجمود في المكان، تبحثان عنها بلهفة مذعورة. كان السرير خالياً، شراشفه الحريرية البيضاء متشابكة ومتدلية كأجنحة طائر جريح من الجانب. ثم انحدرت نظراته إلى الأرض، ليجمد الخوف أنفاسه في حلقه.

كانت سارة هناك، منكمشة على نفسها قرب السرير كجنين مذعور، جسدها ينتفض بعنف. خصلات شعرها الداكنة التصقت بجبينها وعينيها المذعورتين كأغصان مبللة، وبشرتها شاحبة تلمع بطبقة من العرق البارد. كانت تلهث كسمكة أخرجت للتو من الماء، وكل شهيق يرتجف به جسدها النحيل. عيناها كانتا واسعتين ومذعورتين، ويدان ترتجفان تمسكان بحنجرتها كما لو أنها ما زالت تشعر بضغط وسادة خانقة.

"سارة!" صاح لوكاس، صوته أجشاً بالهلع. انحنى على ركبتيه بجانبها، ويداه تحومان فوقها في تردد مشوش، كمن يخشى لمس تحفة زجاجية قد تنكسر بلمسة. "ماذا حدث؟ هل أصابك أذى؟" رغم قلقه الظاهر، كانت عيناه تحملان بريقاً خافتاً من الارتباك، كغريب يراقب مشهداً مألوفاً. كانت لمسته المترددة فوق ذراعها كمن يتحسس قطعة زجاج هش، خوفاً من كسرها أو جرح نفسه بها.

منذ فقدت ذاكرتها، أصبحت سارة لغزاً بالنسبة له، امرأة تحمل وجه زوجته لكن روحها تبدو بعيدة.

رفعت إليه نظراتها الجامحة، عيناها خاليتان من التركيز. "شخص... شخص ما حاول خنقي،" همست بصوت أجش بالكاد يُسمع، كأنه حفيف أوراق جافة. "كانت هناك وسادة... لم أستطع التنفس..."

تجمد الدم في عروق لوكاس ككتلة جليدية. نظر حول الغرفة، وعقله يعمل بسرعة محمومة. إبريق الماء الكريستالي المكسور يرقد على السجادة الفارسية، والسرير المبعثر يشهد على صراع مرير—كل شيء يصرخ بالخطر. اشتدت قبضته على فكه، وشعور بالغضب البارد اخترق صدمته الشديدة. لكن لم يكن غضباً فحسب؛ كان هناك توتر خفي، إحساس بأن عواطفه تبدأ بالتحرك نحو سارة بطريقة لم يتوقعها، كتيارات خفية تسحب سفينة نحو شاطئ مجهول.

قبل أن يتمكن من صياغة سؤال، بدأ باقي أفراد العائلة يتدفقون إلى الغرفة كظلال قادمة من كابوس. كان مارتن أولهم، ووجهه المتصلب يعكس إنكاراً صريحاً للمشهد الماثل أمامه. "ما الذي يجري هنا؟" سأل بصوت حاد كشفرة.

تبعته روزالينا، وتعابير وجهها مزيج معقد من الحيرة والريبة، عيناها الضيقتان تتنقلان بين سارة ولوكاس بشك متأصل، وشفتاها مضغوطتان في خط قاسٍ يوحي باتهام صامت. بينما دخلت ماريس وإيلينا أخيراً، كان وجه المرأة الكبيرة شاحباً كالشمع من القلق، وإيلينا تتشبث بذراعها كغريق يتعلق بلوح خشبي.

"شخص ما حاول قتلها،" قال لوكاس بصوت منخفض وخطير كهمس ثعبان. التفت إلى سارة، ويداه تتحركان بلطف حذر وهما يساعدانها على الجلوس، كمن يلمس فراشة خائفة. "هل أنتِ متأكدة؟ هل رأيتِ من كان؟" لكن سؤاله خرج متردداً، كمن يخشى أن تعلن إجابتها حقيقة مرعبة.

هزت سارة رأسها ببطء، وجسدها ما زال ينتفض برعشة خفيفة. "كان الظلام دامساً... لم أستطع الرؤية..."

تقدم مارتن إلى الأمام، ووجهه يتصلب أكثر، وعيناه تحملان نظرة استخفاف. "هذا هراء. لا يمكن لأحد أن يتسلل إلى هذا المنزل المحصن دون أن يلاحظه الحراس. هذا مستحيل."

ألقى لوكاس عليه نظرة حادة كشظايا زجاج، وغضبه يغلي تحت السطح الهادئ لصوته. "ومع ذلك، فقد حدث." لكن حتى وهو يواجه والده بهذه الكلمات القوية، كانت يده التي تسند ظهر سارة ترتجف قليلاً، وكأن شكوكاً خفية تتسرب إلى قلبه. كيف يمكن لشخص أن يدخل ويختفي هكذا دون أثر؟

تأرجحت نظرة روزالينا الباردة بين سارة ولوكاس، وريبتها واضحة كبقعة زيت على قماش أبيض. لم تنطق بكلمة، لكن نظراتها الحادة قالت الكثير، كأنها تتهم سارة بصمت بالتمثيل أو الكذب—أو على الأقل، لم تكن مستعدة لتصديق روايتها. أما إيلينا، فبدت خائفة حقاً، وقبضتها على ذراع ماريس تشتد حتى بدت مفاصلها بيضاء.

تقدمت ماريس، صوتها هادئاً لكن حازماً كهمس الريح يحمل تهديداً خفياً. "لنخرجها من هنا. إنها بحاجة إلى أن تهدأ."

أومأ لوكاس ببطء، وقراره يتشكل في لحظة. أدخل ذراعاً تحت ركبتي سارة والأخرى حول ظهرها، ورفعها بسهولة بين ذراعيه. كانت خفيفة، هشة تقريباً كطائر صغير، وتشبثت به بغريزة يائسة، وذراعاها تلتفان حول عنقه كطفلة تبحث عن الأمان في حضن والدها. رغم محاولته الحفاظ على هدوئه الظاهري، شعر بحرارة جسدها المرتعش في ذراعيه بشكل مختلف، إحساس غريب يوقظ فيه مزيجاً من الحماية والانزعاج، وشعور آخر بدأ يتسلل إلى قلبه، أعمق من مجرد واجب الزوج.

اتسعت عينا روزالينا بذهول عندما أدركت نيته. "لوكاس، إلى أين تأخذها؟" سألت بصوت حاد كصفعة.

لم ينظر إليها حتى وهو يخطو بخطوات ثابتة نحو الباب، حاملاً عبئه الثمين. "ستبقى في غرفتي من الآن فصاعداً،" قال بنبرة قاطعة لا تحتمل النقاش.

فتحت روزالينا فمها للاعتراض، لكن الكلمات تجمدت على شفتيها عندما رأت التصميم الصلب المرسوم على وجه ابنها. تبادلت نظرة صامتة مع مارتن، الذي بدا مصدوماً أيضاً، لكن أياً منهما لم ينبس ببنت شفة.

حمل لوكاس سارة خارج الغرفة، خطواته هادفة وثابتة تخفي عاصفة من المشاعر المتضاربة التي تجتاحه من الداخل. دفنت وجهها في كتفه، ورعشتها تهدأ تدريجياً مع شعورها بدفء جسده وإيقاع نبض قلبه الثابت، وكأنه إيقاع طمأنينة وسط فوضى الرعب.

حمل لوكاس سارة عبر الرواق الطويل، خطواته ثابتة رغم الثقل المضاعف الذي يحمله—ثقل جسدها الهش وثقل الشكوك المتزايدة في قلبه. كانت رعشتها قد خفت قليلاً، لكنها ما زالت تتشبث به بإحكام، ووجهها مطمور في كتفه كطفلة ضائعة وجدت ملجأ. كان يشعر بنبض قلبها السريع يدق ضد صدره كتذكير مؤلم بمدى اقترابها من الموت.

غرفته كانت في نهاية الرواق، أكبر وأكثر فخامة من غرفتها، بأثاث خشبي داكن يمتص الضوء وسرير ضخم مغطى بشراشف زرقاء داكنة كصفحة بحر هائج. دفع الباب بقدمه ودخل، ثم وضعها برفق على حافة السرير، كمن يضع جوهرة ثمينة على وسادة من المخمل.

"أنتِ آمنة الآن،" قال بصوت منخفض ومطمئن كهمس في الظلام. "لا أحد سيؤذيكِ هنا."

نظرت إليه سارة، عيناها ما زالتا واسعتين من الخوف لكنهما بدأتا تصفو تدريجياً، كغيمة تنقشع بعد عاصفة. "شكراً لك،" همست بصوت أجش كصوت أوراق الشجر اليابسة.

تردد لوكاس للحظة، ثم مد يده ببطء حذر ليزيل خصلة شعر داكنة التصقت بوجنتها الشاحبة. كانت لمسته لطيفة، مترددة تقريباً، كمن يخشى أن يكسر زهرة رقيقة. "هل تحتاجين إلى أي شيء؟ ماء؟ بطانية؟"

هزت رأسها نفياً، ويديها ما زالتا تمسكان بقميصه بإحكام، كأنه طوق نجاة. "فقط... لا تتركني وحدي."

أثر ضعفها في صوته به، فأومأ ببطء، وجلس بجانبها على حافة السرير. "لن أفعل،" وعد بصوت خفيض. "ليس الليلة."

لبعض الوقت، جلسا في صمت مطبق، والصوت الوحيد هو تكتيك الساعة الذهبية الخافت على الحائط، يعد الثواني الثقيلة. تنفس سارة أصبح منتظماً تدريجياً، رغم أن يديها ما زالتا ترتعشان ارتعاشاً خفيفاً. أبقى لوكاس ذراعه حول كتفيها، حضوره مرساة ثابتة في فوضى عقلها المضطرب.

"هل تعتقد أنه سيعود؟" سألت بعد فترة طويلة، صوتها بالكاد يعلو فوق الهمس، كسرقة سر في الظلام.

تصلب فك لوكاس، وقبضته على كتفها تشتد قليلاً، كمن يمسك بشيء ثمين خشية أن ينزلق. "لا،" قال بحزم قاطع كضربة سيف. "مهما يكن من كان، لن يقترب منكِ مرة أخرى. سأتأكد من ذلك."

وقف فجأة، وتعبيره يتصلب كحجر منحوت. "أحتاج إلى فحص نظام الأمن والتأكد من أن الحراس يقومون بعملهم. سأعود قريباً، حسناً؟"

أومأت سارة ببطء، رغم أن الخوف البارد في عينيها لم يختفِ تماماً. شاهدته وهو يمشي نحو الباب بخطوات حادة ومصممة. قبل أن يغادر، التفت إليها، ونظراته تليّن قليلاً، كأنه يلقي بنظرة وداع مؤقتة. "أغلقي الباب بالمفتاح خلفي. لا تفتحيه لأحد غيري."

أومأت مرة أخرى، وخرج، مغلقاً الباب بقوة خلفه، وكأنما يغلق معه جزءاً من أمانها. انتظرت سارة لحظة، ثم نهضت بخطوات مترددة وأغلقت الباب كما أمر. صوت القفل المعدني صدى في الغرفة الهادئة، صوت صغير لكنه بعث فيها شعوراً خفيفاً بالأمان.

جلست سارة على حافة السرير، ذراعاها ملفوفتان حول نفسها كمن يحتضن شبحاً، بينما تحدقت في الباب المغلق. أحداث الليل المروعة تكررت في ذهنها كفيلم رعب لا ينتهي—الشخص الظليل الذي لم تره، الوسادة المضغوطة على وجهها، الصراع اليائس من أجل جرعة هواء. ارتعدت، ويداها ترتجفان وهي تمسكان بحافة البطانية البيضاء.

صوت خفيف وغير متوقع جذبها من أفكارها المظلمة—حفيف خافت، كأنه ورقة تنزلق على سطح أملس. التفتت ببطء، ونظرتها وقعت على مظروف صغير أبيض تم إدخاله بحذر من تحت الباب. تخطى قلبها دقة مضطربة، ووقفت، متجهة نحو الظرف بخطوات حذرة كمن يقترب من حيوان بري جريح.

انحنت وأخذت المظروف، ويداها ترتجفان ارتعاشاً خفيفاً وهي تفتحه. في الداخل كانت هناك ورقة واحدة مطوية بعناية، الكلمات مكتوبة بخط يد غير مألوف، أسود حاد على بياض الورقة:

"لا تثقي بأحد في هذا المنزل."

انحبس أنفاس سارة في حلقها ككتلة من الجليد. حدقت في الكلمات القليلة، وعقلها يعمل بسرعة محمومة، يحاول استيعاب معناها المرعب. من أرسل هذا؟ ولماذا؟ تحولت نظراتها المذعورة إلى الباب، متوقعة أن يقتحم أحدهم الغرفة ويطالب بتفسير. لكن الرواق ظل صامتاً كقبر، والصوت الوحيد هو تكتيك الساعة الخافت، يعد لحظات عزلتها المتزايدة.

طوت الورقة بحذر شديد ووضعتها في جيب رداء نومها الحريري، وعقلها يغلي بالشكوك والتساؤلات. صدى الكلمات القليلة يرن في رأسها كتحذير حاد ومُلح. لا تثقي بأحد. لا بلوكاس، بحمايته الظاهرة وكلماته المطمئنة التي بدت فجأة باهتة وغير مقنعة. ولا بماريس، بابتسامتها اللطيفة ويديها الرقيقتين اللتين قد تخفيان شيئاً مظلماً. ولا حتى بنفسها، بذاكرتها المفقودة وإحساسها الهش بالهوية الذي يجعلها تشك في كل شيء وكل شخص.

ظهرت وجوه العائلة في ذهنها تباعاً—عدم تصديق مارتن البارد وعينيه الشاحبتين، نظرات روزالينا المشبوهة التي تخفي وراءها حكماً قاسياً، خوف إيلينا الواسع العينين الذي يعكس رعباً حقيقياً أو ربما معرفة خفية. هل أرسل أحدهم هذه الرسالة؟ أم كان شخصاً آخر تماماً، شبحاً يختبئ في الظلال، يراقب كل حركة لها وينتظر اللحظة المناسبة؟

غرقت سارة على حافة السرير، ويداها تمسكان بالورقة المطوية في جيبها كتميمة مشؤومة. لم تكن تعرف بمن تثق، لكن شيئاً واحداً أصبح واضحاً وبارداً كالثلج في قلبها: لا يمكنها إخبار أحد بالرسالة. ليس بعد. ليس حتى تكتشف الحقيقة المرة التي تختبئ خلف جدران هذا المنزل الفخم.

في الحديقة الأمامية المضاءة بخافت، كان لوكاس يقف وسط دائرة من الحراس المتوترين، وجهه مشدوداً كقناع من الغضب المكبوت، وعيناه تتألقان بنيران خفية. كانت يداه مضغوطتين بقوة إلى جانبيه، وكل عضلة في جسده متصلبة بالتوتر. كان الهواء الليلي البارد يعبث بخصلات شعره الداكنة، لكنه لم يستطع تبريد الغضب المتصاعد في صدره. "كيف لم تلاحظوا شيئًا؟!" صرخ بصوت عميق كهدير وحش جريح، يخترق سكون الليل، وتردد صدى كلماته بين الأشجار المورقة كاتهام صامت.

تقدّم بخطوات سريعة وحازمة، وملامح وجهه الحادة تتحدث عن غضب مكبوت، حواجبه معقودة كعقدة مشدودة، وعينيه تحترقان بالغضب. "هل أنتم أغبياء أم فاقدون للإحساس؟" كانت كلماته تقذف كالرصاص، تترك أثرها الحارق في الهواء.

وقف رئيس الحراس أمامه كشجرة عارية أمام عاصفة، يحاول تهدئة ثورته، لكنّ قلقه كان واضحًا كبقعة زيت على قماش أبيض. "سيدي، نحن نتابع كاميرات المراقبة على مدار الساعة." قال بصوت منخفض مرتعش، وهو يحاول التقاط أنفاسه المضطربة، وعينيه تراقبان لوكاس بحذر شديد، وكأنما يخشى أن يشعل فتيل غضبه بانفجار مدمر.

"وأنت متأكد من هذا؟" تساءل لوكاس، يرفع يده ليضغط على جبينه بقوة، وكأنّه يحاول إيقاف عقله عن التصدع تحت وطأة الصدمة المدوية. "أين كان الجميع؟! لماذا لم يرَ أحد شيئًا؟!" همس بكلمات ثقيلة كالرصاص المنصهر، وعيناه تتأججان كجمرتين، تبحثان يائستين عن إجابة قد تكون متوارية في زاوية مظلمة من هذا الكابوس.

"نعم، سيدي." أجاب رئيس الحراس، لكن تردده كان واضحًا كصدى خافت في قاعة صامتة، "لكن لم يدخل أو يخرج أي شخص من المنزل."

تغيرت ملامح لوكاس بسرعة، وتحولت من الغضب الجامح إلى دهشة باردة، وداخل قلبه بدأت الشكوك تتسرب كسم بطيء المفعول، تنشر ظلالها الداكنة على يقينه. "هل كانت تكذب عليّ؟" تساءل بصوت منخفض كهمس شيطاني. كان الغضب لا يزال يغلي في صدره، لكن فكرة جديدة اجتاحت ذهنه فجأة، باردة وحادة كشفرة جليدية، وكأنها صاعقة أصابت عقله المشوش. "ربما هي تقول الحقيقة..." همس لنفسه بذهول مرعب، وكأن تلك الفكرة هي ما أيقظ فيه رعباً أعمق وأكثر شمولاً.

اتسعت عيناه في لحظة إدراك مفاجئة، وارتجف جسده ارتعاشاً لا يمكن السيطرة عليه وهو يعيد إلى ذهنه الكلمات القليلة التي قالها رئيس الحراس:

"لم يدخل أو يخرج أحد من المنزل."

كانت هذه الكلمات تتردد في رأسه كإعلان مشؤوم، وكأنها تدق أجراس الخطر في أعماق قلبه مباشرة. إذا لم يكن هناك شخص دخل أو خرج... فهذا يعني أن من حاول قتل سارة هو شخص يعيش هنا، يتنفس نفس الهواء، يتقاسم نفس الجدران.

رفع عينيه فجأة نحو القصر، وكأن حدسه يسحبه بقوة غير مرئية.

توقفت نظراته عند الطابق العلوي... عند نافذة تطل على الحديقة مباشرة.

وهناك...

كانت روزالينا.

واقفة بثبات خلف الزجاج، كأنها تمثال من الرخام، عيناها مسمّرتان عليه. لا حركة، لا ملامح، لا ارتباك.

كانت تنظر إليه كما لو كانت تعرف ما يدور في عقله... وكأنها تسبقه بخطوة.

في تلك اللحظة، تسلل إليه شكٌّ خانق، لم يكن صريحًا بعد، لكنه كان كافياً ليزرع بذرة الخوف داخله.

ولأول مرة... شعر أن الخطر الحقيقي ليس خارج القصر، بل يعيش بداخله

عاد لوكاس إلى الغرفة بخطوات بطيئة وثقيلة، كأن كل خطوة كانت تجر معها ثقل غضبه وحيرته وشكوكه المتصاعدة. عيناه المثقلتان بالهم علقتا بسارة، التي كانت تجلس على حافة السرير كعصفور جريح، تضغط أطراف أصابعها في الغطاء الأبيض بقلق ظاهر، وكأنها تحاول عبثاً تثبيت عالمها المتداعي. دون أن ينطق بكلمة، التقط وسادة ناعمة وغطاء دافئ، واتجه نحو الأريكة الجلدية القابعة في الزاوية المظلمة من الغرفة.

سارة، التي كانت تراقبه بحذر وعينيها متسعتين بالريبة، عقدت حاجبيها بدهشة وهمست بصوت خفيض:

"ماذا تفعل؟"

التفت إليها بملامح جامدة كقناع من الثلج وصوت منخفض خالٍ من أي نبرة ود أو جدال:

"سوف أدعك ترتاحين على السرير... أنتي تحتاجين للراحة أكثر."

بدت الكلمات بسيطة، لكنها سقطت على قلبها كثقل غريب، كحجر بارد يسد مجرى الدفء. بقيت تحدق فيه بعينين واسعتين مترددتين، ثم تمتمت بإصرار مرتبك يكشف عن قلقها المتزايد:

"ليس هناك داعٍ لذلك... أنا بخير."

لوكاس لم يرد. فقط حملق فيها للحظة طويلة، نظرة عابرة لا يمكن تفسيرها، مزيج من الحماية والبعد، ثم عاد يرتب الأريكة بحركات آلية كأنه لم يسمع اعتراضها الضعيف أصلاً. سارة عضت شفتها السفلى بتوتر، وقلبها بدأ يطرح أسئلة حادة لم تجد لها أجوبة شافية.

لماذا يفعل هذا؟ لماذا يشعرني دائماً وكأن بيننا مسافة شاسعة لا يمكن عبورها؟

تذكرت فجأة، كوخز إبرة باردة...

منذ عودتها الباهتة من المستشفى، وهي تقيم في غرفة منفصلة رغم أنهما زوجان، ورغم نظرات الحب التي كانت تتبادلها معه قبل فقدان ذاكرتها. كانت تسأل ماريس، والخادمة تجيبها بلطف مصطنع أن "السيد لوكاس يريدك أن تكوني مرتاحة أكثر."

لكنها كانت تشعر أن السبب أعمق بكثير من مجرد راحة جسدية... كان هناك شيء آخر، ظل خفي يلف علاقتهما، شيء لم يُقال، شيء كانت تلمحه في برودة عينيه الزرقاوين وبعد خطواته المتحفظة عنها.

صوت لوكاس الهادئ أعادها إلى الحاضر المثقل بالشك:

"نامي. هنا لن يؤذيكِ أحد."

كان صوته هادئًا، لكنه مشبع بشيء خفي ومربك... خليط من حماية قوية وقسوة باردة، لم تستطع روحها المضطربة أن تفك شفرته المعقدة.

اقترب منها ببطء، فتح المَلاءة البيضاء وأشار لها بإيماءة صامتة أن تستلقي. يداه كانتا حذرتين، يكاد لا يلمسها، كأنما يخشى أن يؤلمها بجرح قديم أو أن تحرقه نار قريبة. استلقت بهدوء على السرير البارد، ولم تستطع أن تبعد عينيها عنه وهو يعود إلى الأريكة، يجهز غطاءه بحركات رتيبة ثقيلة، كجندي يستعد لمعركة لا يحبها.

تأملته بصمت، وقلبها يهمس بمرارة:

أي نوع من الزواج هذا؟ أي نوع من الأزواج نكون نحن؟ غرباء في سرير واحد... أم ضائعون في لعبة مظلمة لم نختر أن نلعبها، ولا نعرف حتى قوانينها؟

من تحت باب المكتب، ينسل خط رفيع من الضوء، يرتجف فوق الأرضية العتيقة.

في الداخل، المدفأة تهمس بألسنة نارها، تلقي ظلالًا راقصة على الجدران المغطاة بلوحات قديمة.

كل شيء جامد، ساكن... إلا عيني روزالينا.

كانت واقفة خلف المكتب، ظهرها مستقيم، كتفاها مشدودان، وكأنها تمثال من الرخام الأبيض.

أمامها، وقفت الخادمة.

هزيلة، شاحبة، عيناها معلقتان بالأرض كجانية تنتظر الحكم.

لم تتكلم روزالينا على الفور.

بدلًا من ذلك، مدت يدها ببطء، وبحركة هادئة جدًا، أسقطت قلمًا كان بين أصابعها على سطح المكتب.

صوت خفيف... لكنه في ذلك الصمت، بدا كأنه طلقة.

تكلمت أخيرًا، بنبرة هادئة، متزنة... خطيرة:

"أخبريني، بماذا كنتِ تفكرين؟ كارمن! "

الخادمة ابتلعت ريقها بصعوبة، ولم ترفع رأسها.

همست:

"اعتقدت... أن الوقت قد حان."

ابتسمت روزالينا ابتسامة ضئيلة، بالكاد تحرك بها شفتيها.

خطت خطوة إلى الأمام، بهدوء قاطع.

كعبا حذائها يحدثان صوتًا ناعمًا فوق الأرض الخشبية، كصفعتين مكتومتين.

"الوقت... قد حان؟"

كررت العبارة وكأنها تتذوقها بازدراء.

الخادمة ارتجفت.

جمعت كل شجاعتها الهزيلة:

"كنت أظن أنكِ تريدينها ميتة."

سكتت روزالينا.

عينان باردتان، كسماء شتوية بلا شمس، تحدقان مباشرة في الخادمة.

ثم بصوت خافت، هامس، وكأنها تحكي سرًا مروعًا:

"أريدها حية... حاليًا."

أدارت روزالينا ظهرها ببطء، وسارت نحو النافذة.

نظرت إلى الظلام في الخارج، كأنها تراقب شيئًا لا يراه أحد غيرها.

"لم أكن أريد التهور، سيدتي... لكنها كانت... كانت على وشك الدخول إلى الجناح الآخر."

صوتها ارتجف قليلاً، لكن عينيها تشبثتا بوجه روزالينا كالغريق.

روزالينا تجمدت في مكانها، لمعة ذعر خاطف مرت بعينيها قبل أن تخفيها بسرعة تحت قناع من الغضب المتحكم.

اقتربت ببطء، خطواتها بالكاد تسمع فوق الأرضية المصقولة.

"ماذا قلتِ؟"

ابتلعت كارمن ريقها بصعوبة، وأكملت:

"اليوم... بينما كانت تتجول، ضاعت بين الممرات، و... وصلت تقريباً إلى تلك الغرفة. لو دخلت هناك..."

توقفت، كما لو أن الكلمات كانت مسمومة في حلقها. شهقت روزالينا أنفاسها بين أسنانها بغيظ صامت، وقبضت على حافة المكتب بأصابع مشدودة.

"حمقاء... حمقاء!" همست وكأنها تحدث نفسها.

شهقت الخادمة بخوف، وشعرت بأن الأرض تسحبها للأسفل. بدا كل شيء حولها ضبابيًا للحظة، إلا ملامح سيدتها الحادة، وكأنها محفورة بنارٍ تحت جلدها.

"ولكن..." ترددت، ثم استجمعت شجاعتها الهشة:

"ربما... ربما هي تكذب. ربما لم تفقد ذاكرتها فعلًا."

توقفت روزالينا، وكأنها تستمتع بسماع هذه الجملة بالذات.

رفعت يدها الباردة ولمست ذقن الخادمة برفق خادع، وأجبرتها أن ترفع رأسها وتنظر لها.

ابتسمت روزالينا، ابتسامة لا تطمئن إطلاقًا.

"وهل تظنين أنني لم أفكر بذلك؟"

صوتها كان كزجاج يتحطم تحت حذاء فخم.

سحبت يدها ببطء، وكأنها تترك أثر لسعة خلفها، ثم استدارت نحو المدفأة، حيث النيران ترقص أمام عينيها، تلتمع على مجوهراتها، تضفي على مظهرها هالة شيطانية.

"ثمة طريقة واحدة لمعرفة الحقيقة..." تمتمت، وكأنها تفكر بصوت مرتفع، لكن كل كلمة كانت موجهة للخادمة المذهولة.

استدارت نحوها مجددًا، عيناها تلمعان بخبث شيطاني.

"سنجعلها تخون نفسها. سنختبرها بشيء لا تعرفه سوى سارة القديمة... شيء لا يمكن للعقل أن يتخطاه، مهما تظاهرت بالنسيان."

في عينيها، كان هناك وعد — ووعد روزالينا، كما يعرف الجميع، لم يكن وعد حياة.

في تلك اللحظة، فهمت كارمن دون أن تُقال الكلمات... فهمت أن السيدة تخطط لفخ قاتل.

لكنها لم تعرف تفاصيله... لم تعرف أن الخطة كانت ستلعب على أوتار الحياة والموت.

تلاقت نظراتهما في صمت مشؤوم.

في أعماق المدفأة، أطلقت شعلة قوية شرارة، كأنها تصفق لهذا التحالف الخبيث.

******

كان صباحًا يغلفه الصمت.

على طاولة الفطور الطويلة المصقولة، جلست العائلة مجتمعة كما لو كانوا تماثيل من زمن قديم.

مارتن، كالعادة، يختبئ خلف جريدته، يقلب الصفحات برتابة ميكانيكية.روزالينا، بفخامتها الباردة، ترتشف قهوتها برقي قاتل، وكأنها هي من وضعت أصول الإيتيكيت بنفسها. أما إيلينا، فكانت جالسة كطيف شاحب، بالكاد ترفع عينيها، تختبئ خلف ابتسامات خجولة مرتعشة.

الغرفة، برغم ضوء الشمس الذهبي المتسرب من النوافذ العالية، كانت ثقيلة كأنها مشبعة بالضباب.

وفجأة،

خطوات خفيفة انطلقت عبر القاعة. اخترق هذا السكون المطبق صوت خطوات خفيفة، كوقع قطة تتسلل عبر حجرة صامتة.

كل الرؤوس ارتفعت في انسجام مرعب، كأن خيطاً خفياً ربط بينها، وتحركت بتوتر نحو مصدر الصوت.

ظهرت سارة.

لكنها لم تكن سارة التي عرفوها، تلك النسخة الباهتة والمنطفئة.

كانت ترتدي ثياباً بسيطة تنبض بالحياة، بنطال جينز فاتح اللون يحتضن ساقيها برشاقة وقميص أبيض خفيف يتمايل مع حركتها، وشعرها الداكن مسدولاً بعفوية على كتفيها، خالياً من أي قناع من التكلف أو التصنع. لم تكن تلك المرأة المتجمدة التي تشبه تحفة فنية باهتة، بل كانت...

حية. تشع دفئاً غريباً، نوراً ساطعاً لا يليق بهذا المنزل البارد الذي تجمدت فيه المشاعر.

ابتسمت لهم بصفاء وبود حقيقي:

"صباح الخير."

الكلمات خرجت مشرقة كأشعة الشمس الذهبية التي اخترقت الغيوم... وكسرت الصمت الثقيل بطريقة جعلت مارتن يخفض جريدته ببطء حذر، ورفعت روزالينا حاجباً واحداً بتقوس حاد يحمل استهجاناً خفياً، بينما رمشت إلينا بدهشة طفولية، غير معتادة على هذه النسخة المشرقة والجريئة من سارة.

تقدمت سارة بخطوات واثقة وجلست إلى الطاولة، وكأنها كانت تفعل ذلك كل صباح، وكأن لا شيء في هذا المنزل يكبل حريتها أو يثقل روحها. عين روزالينا، الباردة والمتقنة إخفاء أدق المشاعر، التقت بنظرة خاطفة بعين خادمتها الوفية—كارمن.

نظرة واحدة حادة كشفرة. نصف غمضة عين تحمل أمراً خفياً.

كارمن، التي قرأت في عيني سيدتها أكثر مما قرأت في الكتب، فهمت الرسالة فوراً.

بابتسامة مصطنعة بالكاد تخفي توتراً خفيفاً، اقتربت من سارة وهي تحمل صحن فطور أنيق. وضعت أمامه طبقاً من البورسلين الرقيق تعلوه قطعة توست ذهبية، تغطيها طبقة سميكة وشهية من زبدة الفول السوداني. عطر الفول السوداني الغني انتشر بخفة في الهواء، لكنه كان كافياً لجعل قلب روزالينا يخفق بترقب لذيذ، كصقر جائع يرى فريسته تحبو نحوه بلا مقاومة.

سارة، التي بدت وكأنها تستيقظ في عالم جديد مشرق، مدّت يدها الصغيرة بنعومة نحو قطعة الخبز الذهبية، ابتسامة هادئة ارتسمت على شفتيها الرقيقتين. أناملها البيضاء كزهرة الياسمين كادت تلامسها بفمها، تقترب ببطء...

لكن فجأة —

يد سمراء قوية أمسكت بمرفقها بثبات، كف فولاذي مغلف بالدفء. يد رجل. صلبة، دافئة، تحاصر يدها بلطف لا يسمح بأي رفض.

شهقت سارة بهدوء مفاجئ، ورفعت رأسها ببطء لتجد لوكاس.

واقفاً فوقها بطوله الشاهق، بذلته السوداء الأنيقة مفصلة بدقة متناهية كأنها خيطت خصيصاً لجسده القوي المنحوت، شعره الأسود مرتب بعناية فائقة، وسيم بطريقة آسرة لا تطاق. كان مشهداً جعل الزمن يتوقف عن الدوران لثانية خانقة.

عيناه الداكنتان كبحر هائج في الليل، كانتا تحترقان بنظرة غامضة لا يمكن تسميتها وهو يحدق فيها بعمق.

ابتسم لها، ابتسامة خفيفة دافئة لكنها تحمل شيئاً مشاغباً وخطيراً في زواياها. ابتسامة لم تخف على عيني روزالينا الثاقبتين.

"أنتِ... لديكِ حساسية خطيرة من الفول السوداني."

قالها بهدوء قاتل، وكأنه يخبرها بحقيقة بديهية جداً، مع أن كلماته كانت قنابل موقوتة تسقط بصمت على سطح الطاولة الأنيق.

سارة، متجمدة في مكانها كعصفور صغير وقع في فخ، تراجعت بدهشة وذعر، تنظر إلى قطعة التوست الذهبية كأنها سم قاتل مميت. تركتها بسرعة، والخوف البارد يتسلل إلى ملامحها المشرقة.

بكل هدوء وثقة، سحب لوكاس كرسياً فارغاً بجانبها وجلس، وكأن ما حدث قبل لحظات لم يكن سوى هبة نسيم عابرة. رفع فنجان قهوته الفاخرة المصنوع من البورسلين الرقيق إلى شفتيه، رشفة باردة تخفي توتراً عميقاً، وعيناه الداكنتان ما تزالان تراقبان أمه بنظرة تحدٍ واضحة وصامتة. نظرة ذكرت روزالينا بشيء كانت قد نسيته في غمرة سيطرتها... ابنها لم يعد مجرد بيدق مطيع في خططها المعقدة، بل لقد أصبح خصماً عنيداً.

فهمت حينها روزالينا، بمرارة خفية تسللت إلى قلبها كسم بطيء المفعول، أن الحرب لم تعد مع سارة وحدها. بل لقد امتدت لتشمل ابنها أيضاً.

ومعركة من هذا النوع، بين أم وابن... كانت ستكون دموية وقاسية، تاركة ندوباً عميقة في روح العائلة.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

خسوف الذاكرة - Memory Eclipse

المؤلف مليكة إبراهيم
2025/10/26 مستمرة
قائمة الفصول (5)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة