الفصل الاول
"زرع في الجحيم"
١- شعب القلب
قرية جولين، فيونس، قرب حدود ألب هروم ، ١٠٨٤ ب.ف.
تجري مسرعة لا تعرف أين تضع قدمها، ثوبها الطويل يعيق حركتها، والفزع ملأ وجهها، كاد أن يصطدم أحدهم بها لتزعق وتندفع للخلف، تتعثر بثوبها وتسقط وسط الوحل. تضع كفها الموحل على فمها لتكتم صرخة بعد أن قُطع رأس الرجل أمام أعينها التي اتسعت ذعرا وتتسارع الدماء كالصنبور من رقبته، صرخت، هذا أكثر مما قد تتحمله بكثير، ترتعش مكانها وسط الوحل وترفع يدها المرتجفة القذرة وتحتضن نفسها، تبكي والطين ودماء لطخوا ثيابها.
لا تستطيع حجب بصرها عن معركة ال لا رحمة حولها، رجال يقتلون بلا رحمة، رجال كأن لا قلوب لهم، هل هؤلاء هم سكان القلب ! تجمدت قلوبهم لشدة برودة أرضهم، سيقتلوها، كيف وصل بها الامر هنا فتاة بسيطة صغيرة لا خبرة لها، وسط معركة الرجال، هي لا تعرف لا تهرف اي شيء.
لتشعر بشخص يشدها من ذراعها بقسوة حتى كاد يخلعها من مكانها، انتشلها من الارض وجذبها نحوه وجسدها راح يهتز كخرقة، ويصرخ بها بلغة تفهمها لكنها مختلفة اللكنة: عاهرة نجسة، ماذا تفعل هنا؟
رائحته اختلط بين العرق والدم وطين قذر مقرف ولعابه تطاير على وجهها، حاولت جذب ذراعها من كفه القوية لكنها لا يبدي اي تأثر، كان يرتدي الاسود دون دروع، اشقر اشعث ولوهلة اعتقدت انها نهايتها، لكن وقبل ان يفعل لها اي شيء ارتخت ذراعه الشديدة على عضدها توقف عن الكلام وثغر فاهه وبدا الدم يسير من بين شفتيه لتتخلل شواربه الطويلة، سرعان ما أفلتها ليسقط على الأرض ميتًا على يد أحد فرسان أرضها من فرسان فيونس، الذي ظهر امامها ودرعه الفضي لطخ بالدم، تراه يصرخ بوجهه، كلماته غاضبة بعضها لا تفهمها وبعضها الأخرى شتائم تجهلها. ليسحبها من من يدها بقوة يمسكها من كلا عضديها، ويحدجها بغضب، يصرخ بها ولعابه يتطاير من فمه تكاد لا تسمع ما يقول لفزعها لكن سرعان ما صمت، سرعان ما خرس وسيف مر من رقبته وشقها وتناثر دمه وارتطم جسده بالأرض، توسعت عينها وتسارعت دقات قلبها تراه يحتضر امامه ويتلوى.
تسمرت مكانها تلهث لرعب الموقف التي هي به، الجميع يقتل بأبشع طريقة ممكنة، وتزعق فزعة وتنسحب بخطواتها للخلف وركبتيها تضرب بعضها، ما هذا المكان بحق الجحيم؟ أين أوقعت نفسها؟ كان يجب أن تهرب، كان يجب أن تترك القرية وتهرب مع شعبها في بادئ الأمر.
ورفعت بصرها عن جثة المحتضر تبصر الشاب الهرومي الأشقر الذي قتله، لم يكن خشن كباقي قومه اقصر قامة وحليق الوجه، اقترب ليحني ظهره من جثة رجل القلب الذي هاجمها في بادئ الأمر وراح يبحث بين جيوبه ويأخذ بعض الأوراق ليدسها في جيب معطفه الأسود الثقيل.
رفع بصره لها، يرمقها بعيونه الخضراء ... أو زرقاء الباردة! لا تعرف بحق، لكن نظراته أرعبتها، جعلتها تعود بخطواتها أكثر للوراء بحزر خائفة لتتفاجأ أنه أستل سيفه مجددًا لينقض عليها لكن سرعان ما أندفع أحد فرسان فيونس وهاجمه ويحاول قتله ليتصدى له الشاب الهرومي وتستغل هي الفرصة لتهرب مبتعدة، تسحب ثوبها القذر وتجري بين الرجال الهروميين خشني البنية بوجوه لا ترحم.
كلما جرت أكثر كلما بطات خطواتها وتبصر جثث أبناء شعبها زرعت في الأرض، تبصر الرجال الهرومين يقفون مستحمين بالدماء ويراقبوها بنظرات غريبة نظرات ساخرة فضولية، أنزلت رأسها، تسير بتلبك خائفة من عيونهم وتحتضن نفسها وكأنها تحاول ستر جسدها من نظراتهم، كأنها عارية بينهم.
انزلت نظرها للأرض ابتلعت ريقها وهنا بدأت ترى الاقدام تحاوطها، توقفت رفعت نظرها بخلسة، عيونها تتقلب بينهم، خمس رجال حاوطوها، حمس رجال قذرين شرهين نظراتهم تجعل القشعريرة تسري ببدنها، ليقول أحدهم وهو يتفحصها من اسفل لأعلى وابتسامة لعوب على زاوية شفته: من هنا؟ ماذا تفعلين يا جميلة هنا؟ نسوكِ؟
بلعت ريقها بخوف، تخاف أن تجيبه حتى وعاتق جسدها اكثر، لتتسع ابتسامته اكثر: ظننا جئنا لهنا بلا فائدة! كلا كان المصير يخبأ لنا شيء جميل هنا.
لتشعر بلمسة مفاجئة على كتفها، أجفلت ودفعت يده فورًا تحدق بفزع وتوسعت عينها ليزعق أحدهم بلغته الثقيلة: ما بك! هل تظنين أنك تستطيعين البقاء بيننا بلا منفعة؟
ليسحبها اخر من ساعدها، كان ضخم خشن قذر ويحتضنها ويقول وانفاسه تضرب جانب وجهها: لقد تعبنا يا فتاة نحتاج بعض الراحة والحب.
أوجست هي، لتحاول دفعه غير قادرة، يقيد حركتها وحتى رفسات قدمها على اطرافهم لم تنفها، تشعر بهم يلتمسوها، لتصرخ تصرخ برعب: ابتعدوا عني، لا تلمسوني.
لكنهم فقط يضحكون، تسارعت الدموع من عينها وتصرخ: ليساعدني أحدهم، أرجوكم، أتركوني.
ليلعق أحدهم خدها حيث دموعها تسقط ويقول الاخر: أهدئي لن نؤلمك.
تحاول دفعهم لكنها ضعيفة جدًّا، أغمضت عينها تبكي بضعف، ألا أن سرعان ما سمعت صراخ أحدهم بهم: ماذا تفعلون هناك؟ ابتعدوا عنها.
توقفوا أو لنقل بعضهم، ذلك الضخم مازال يحتضنها أسفل ذراعيه، ورفعوا نظرهم للصارخ بهم. فتحت عينها الباكية وتسمع صوت أحد اللعينين الخمسة: ومن أنتَ لتتدخل؟
تكاد لا تبصر الذي يتكلم بسبب تجمعهم حولها لكن تسمع صوته يقول: نحن لم نأتي هنا لتغتصب الفتيات وسط الجميع، أتركها لتذهب مع العبيد.
ضحك أحد الرجل الخمس وتقدم ليقف متخصرا قائلا: أنتَ قلتها أنها من العبيد والعبيد ذهبوا، تبقت هي، لذا لنستعبدها، ما شأنك أنتَ؟! لما تدخل نفسك فيما لا يعنيك؟!
يجبه الشاب بصرامة: أتركها، أنتَ لم تشتريها.
ويصرخ الرجل المتخصر فاقدا اعصابه: وما شأنك أنتَ؟! أعتبرها مكافئة لنا على تعبنا على كل تلك الأيام، لما تتدخل يا نغل؟ أتريد أن تكون مكانها؟
أبصرته، أبصرته جيدًا بعد أن أبتعد الرجل الذي يجادله من أمامها اقترب منه يقف أمامه غاضبا لا تفصلهم الا خطوة واحدة، أبصرته ويا ليتها لم تبصره أنه ذلك الشاب حليق الوجه الذي حاول قتلها، إذن لما يدافع عنها الآن! يحدق للرجل بكل حدة ليقول بصرامة: أن لم تتركها الآن أقسم أن القادة سوف يروك الويل.
ضحك الرجل المتحرش ساخرا ومال براسه: ومن أنتَ لتهددني؟
لم يبعد الشاب حليق الوجه نظره عنه واجابه بصوت هادء متماسك: أنا أوليفير، قائد فرقة الملك من أنتَ لتسالني من أنا؟! أتركها الآن.
تنهد المتحرش بضجر ليقترب منه أكثر يحدق بعيونه عن قرب بتحدي: أمنعني أن استطعت إذن.
ويعود ناحية الفتاة ويقول لأصحابه: خذوها لنتحرك لمكان لا يوجد به هذا المتطفل الوغد، يبدو أنه يريدها لنفسه فقط.
لتتسع عينها وتزعق بفزع وتحاول دفعهم لكن سرعان ما أندفع الشاب الأشقر أوليفير ناحيته ليسحبه من معطفه للخلف ويلكمه بقوة على وجهه ويسقطه ارضا.
ثوانٍ وملأت الفوضى المكان حيث انهال أوليفير عليه باللكمات، قتال عنيف دار بينه، لم تستطع ان ترى شيء فقط دفعوها لتسقط على ركبها واندفعوا اصحاب المتحرش يدافعون عنه وتكوم الرجال فوق بعضهم البعض، وتدخل رجال آخرون كانوا يتفرجون جانبًا بعضهم مساندين أوليفير وبعض يحاولون تفرقتهم ليسمعوا صرخ حاد لرجل، ويندفع فرسان آخرون بذي موحد رسمي، فرقوهم جميعًا.
تجلس بمكانها وتحتضن نفسها تبصر الرجل الذي أعتدى عليها ينزف دما من أنفه وشفته وتورم وجهه.
بينما أمسك بعض الرجال أوليفير بقوة يمنعوه من ضربه.
ليصرخ الرجل الاربعيني الذي وقف وسطهم بحدة: ماذا يحدث هنا بحق الرب؟
ليصرخ الرجل المعتدي لاهثا وهو يشير بأصبعه بغضب نحو اوليفير: أسأل ذلك النغل، اعلمه يا سيدي ألا يتطفل بشؤن غيره.
ويصرخ به أوليفير: أجل اغتصاب الفتيات وسط الجميع أصبحت شؤون الغير! لو اُغتصبت أختك هنا هل سوف تقول المثل؟!
توسعت عيون الرجل ليندفع ناحيته ويصرخ به: إياك أن تأتي بسيرة أختي على لسانك يا أبن العاهرة.
لكن سرعان ما أمسكوه الرجل، ليحدق القائد بحدة ناحية أوليفير: تقارن النساء الهروميات المحترمات بغيرهن يا أوليفير؟
دفع اوليفير من يمسكه ونفض ثيابه وقال: أنها فيونسية، هل أصبحوا الفيونسيين أيضًا عبيد الآن؟!
ضاقت عيون القائد: أنتَ لا تفهم القاعدة كما يبدو.
أوليفير: بل أنتَ لا تفهم القاعدة، أنا أعرف جيدًا القواعد هنا، القائد الأعلى للجيش أمر ألا يلمس أحد أي فتاة.
القائد ساخرًا: وأنتَ تعرف ونحن القادة الكبار لا نعرف بما أمر القائد الأعلى؟! أتضحك عليّ يا نغل؟! لا تظن نفسك وصلت لمنصب قائد فرقة الملك بهذا العمر أي أنك تستطيع أن تجادلنا! أعرف مكانك... سوف أعفو عنك اليوم غدًا لا تكررها.
تجلس تحتضن نفسها تستمع لهذا الحوار الذي لا تفهم بضع كلامته لاختلاف اللهجة، لترى، رجل برز بين الحشد، يفتحوا له الجنود الطريق، رجل خشن البنية، قمحي البشرة اصلع الراس حليق الوجه، مهيب ه بقوامه الطويل وبدنه العريض كثور، ويقول بصوت اجش ثقيل: ماذا يحدث هنا كاينو؟ ما الذي لا يكرره أوليفير؟
تقدم الى الساحة الفارغة ووقف قبار كاينو حاجب اوليفير خلف ظهره العرض، وتنهد كاينو ليرفع حاجبيه قائلا: كنت أعلم تلميذك درسه يا أرث، لأنه يبدو يجهل الكثير.
والتف ارث القى نظرة حادة شاخصة نحو اوليفير الذي لم يرتج له جفن، ويسال ارث بصوت هادء: ضربت أحدهم؟
ليشير أوليفير بعينه ناحية الرجل الذي لكمه للتو وحول أرث نظره له أيضًا لكن عيونه سقطت على روز وهي تجلس أرضًا تحتضن نفسها بخوف، تقطب حاجبه وتساءل: ما هذه الفتاة؟ ماذا تفعل هنا؟
الرجل الذي حاول الاعتداء عليها: يبدو أنها ضائعة! كنا نساعدها.
أوليفير: آه...أجل تساعدها! قل إنك تساعدها في خسارة عذريتها.
احتقن وجه الرجل المعتدي بغضب لكنه لا يستطيع فعل شيء بوجود القادة ليردف كاينو: لا تلعب في الكلام أوليفير، أحترم وجودنا.
عقد أرث يده لصدره بكل برود ليقول موجه كلامه لأوليفير: تريدها؟
ضاقت عيون أوليفير بحيرة: ماذا!
أرث: سؤالي واضح، تريد شرائها؟ أشتريها إذن وخذها الآن وغير هذا لا يحق لك التدخل أبدا.
بلع أوليفير ريقه توسعت عيونه بصدمة، صمت ليستدير ناحيتها ومعالم الحيرة رسمت على وجهه، ليقول أرث بصرامة: تشتريها أم لا؟
أوليفير بتردد: لك...
قاطعه أرث بحدة: تشتريها أم لا؟
تنهد أوليفير بيأس: أشتريها، أشتريها، لما لا!
ليقترب أرث من الرجل المعتدي وقف أمامه يرمقه بحدة لينزل الرجل رأسه للأرض محرج ويقول أرث: أن أردت أن تقرب فتاة، تقربها في حجرتك وليس أمام الكل، نحن لسنا وحوش يا لعين.
أومأ له الرجل بطاعة وانزل راسه للارض: آسف سيدي، لن أكررها.
همهم له أرث ويرمقه بصمت وضاقت عينه للحظات، حتى رفع يده ليلكمه على وجهه بقوة بقبضته الحديدة جعله يسقط أرضًا ويردف ارث: هذا لكي تتعلم الدرس.
ويتحرك مقتربًا من أوليفير الذي بلع ريقه وتراجع بضع خطوات للخلف لكن سرعان ما لكمه أرث هو الآخر على وجهه لكن ليست كقوة اللكمة السابقة ويردف: وهذا لكيلا تتدخل بما لا يعنيك مجددًا.
ضم أوليفير شفتيه داخل فمه وانزل رأسه بطاعة، لينصرف أرث وهو يقول: خذ الفتاة وتعال لي مساءًا أدفع سعرها.
ويغادر مبتعدًا، وبدا التجمع يقل كل منهم يعود لموقعه، يقف أوليفير بصمت ورفع بصره يراقب النظرات التي تحوم حوله، خاصتًا نظرات المغتصب الذي وقف يرمقه بتوعد وغضب واضح، نظرات من حقد والشر، وأوليفير يبادله نفس النظرات، ليتحرك نحو الفتاة روز ويشدها من ساعدها بقوة يرفعها من الأرض ويسحبها خلفه.
*******
١٠٩١ ب.ف.
شمس ساطعة، أمواج البحر هادئة، جزيرة منعزلة وسط المحيط، شيء يحلق في السماء، أجنحته البنية الواسعة تشق الريح بسرعتها فوق أشجار النخيل للجزيرة.
وبين الاشجار يجرون مسرعين، رجال سمر البشرة أحرقتهم الشمس بثياب مهترئة وجروح ونديات ملأت أجسادهم، يجرون ويحملون معهم صناديق من المجوهرات، يجرون ويجرون ونبال الخشبية تنهال عليهم من خلفهم، لم تكن بتلك النبال الحديثة فقط قطع خشب بأطراف معدنية حادة.
ويخترق احد هذا النبال ظهر أحد الرجال الراكضين فيصرخ ويسقط على وجهه، سيموت بلا جدال. تجاهلوه رفاقه، ويفرون بأرواحهم والكنز معهم ليصيح أحدهم: أين؟ أين الوغد؟
استدار يحدق للهمج اللذين يلحقون بهم، رجال نحال طوال البنية لا يغطون من جسدهم شيء سوى عورتهم بأوراق الأشجار الضخمة يصرخون بلغة لا أحد يكاد يفهمها، يلاحقوهم بغضب، توسعت عيون الرجل هؤلاء الهمج سريعين يقتربون منهم، سوف يقتلوهم، لكن بثوانٍ حتى شعروا برياح قوية تضرب وجوههم شيء حجب أشعة الشمس ونيران تنفث لتزرع حاجز بين القبائل الهمجية والقراصنة الفارين، نيران تمنع الهمج من لحاقهم.
رفع القرصان رأسه للسماء ضاحكا بين لهاثة، يبصر تلك الأجنحة العملاقة ترفرف فوقهم شيء فشيء تقترب من الأرض، شاب يحلق بأجنحة بنية عملاقة حتى بدأت تتلاشى ليقفز شاب ببراعة على الأرض بجانبهم. تهبط قدمه أرضًا يتنفس صعداء ليقف ويجري بقدمه خلفهم ويضحك بينما صاح بهم بمرح: أخذتموه كله!
ليضربه أحد القراصنة على كتفه ويضحك: بالطبع توماس.
ويسمعون صرخات اشبه بطرقعة الطيور ،من جانب اخر، ويحدقون حولهم بين أشجار النخيل يبصرون بعض الهمج يظهرون فجأة متجهين نحوهم بالرماح، ليقول توماس: سوف أفتح لكم الطريق.
يصيح القرصان: أسرع يا فتي، لا تخذلني.
ثوانٍ حتى انبثقت أجنحته العملاقة من ظهره، ثوانٍ وفارقت قدمه الأرض ليحلق عاليًا في السماء بعدما حطمت اجنحته العسف من النخبل، يرتفع جسده عاليا وأجنحته تشق الريح ليعود ويهبط قريب من الأرض وينفخ النيران من بين شفتيه نحو الحشائش يمنع سكان الجزيرة من عرقلة طريق القراصنة، ليعود ويحلق عاليًا ويبحث ببصره عنهم. ويرى الشاطئ قريب والقوارب تنتظرهم عنده لتنقلهم للسفينة العملاقة التي تبعد عن الشاطئ.
وينزل توماس بسرعة وفتح فمه يكاد ينفخ النيران على شعب الجزيرة الهمجي لكن سرعان ما توقف وكاد يفقد توازنه لكنه تماسك ليحلق عاليًا.
النبال الخشبي تصوب عليه بكثافة وأحدهم أصاب جناحه ليحلق بارتفاع أعلى، أمسك الرمح الذي استقر بجناحه البني ليستخرجه ويرميه بعيدا بينما الألم واضح عليه. يشعر بقدمه التي أصيبت أيضًا وتنزف ورمح استقر بها لكن فضل تجاهلها ليحلق بارتفاع أعلى. يحاول الابتعاد عن مدى مرمى الرماح التي تنهال عليه من كل صوب حتى اقترب من الشاطئ. يرى رفاقه يجرون ناحية القوارب، تقوس حاجبيه، ألم، ألم حاد، يشعر بألم فضيع في ساقة، شيء يحرقه. وكان دمه يغلي في ساقه وبدا يشعر بالدوار، لكنه تحامل على نفسه، عليه التماسك والوصول للأمان بأسرع وقت ممكن. يرفرف بأجنحته عاليًا ثم يمدها على وسعها ويحلق بسرعة ناحية القارب، الهواء يضرب وجهه بقوة ويدفع خصلات شعره البنية للخلف ويكاد يسابق الريح حتى أبصر رمح رمي ناحيته لكنه سرعان ما تفاده بصعوبة والتف حول نفسه، ليقبض يده بقوة غاضبا ويبصر الهمج أسفله: تبا، تبا لهم.
احمر وجهه ويشعر بسخونة لم يشعر بها ابدا سابقا في جسده. يرى رفاقه الذين بدأوا يصعدون القوارب الصغيرة، لكن الهمج قريبين جدًّا منهم . يبصر قبطان السفينة يشير له أن يستدير ويحرقهم، يحرق الهمج، لكنه مصاب، هو بالكاد يتماسك، هل ينفذ ما يأمره القبطان أم يتجاهل فقط!
قبض يده بقوة، لا يريد أن يغدر برفاقه، ليلتف ويعود نحو الهمج ليفتح فاهه وينفث النيران ناحيتهم. أرعبهم لكن لم يقتلهم ليحلق مجددًا للأعلى، يرتفع عاليًا ويتجه ناحية رفاقه لكن سرعان ما شعر بسهم قوي أصابه، سهم أخترق كتفه الأيمن توسعت عينه كاد يفقد توازنه ويسقط، لم يعد يتحكم بجناحه الأيمن.وفي الزورق صاح رجل وهو يفك الحبل و يمسك المجادف: قبطان، سوف نتحرك.
ويصيح القبطان به بغضب: توقف، أنتظر، توماس... أنه مصاب.
حيث يقف في الزورق ويراقب توماس بلهفة، يرى جانحيه اللذان التفا حول جسده بأكمله كأنه يخفيه وسطهما، ماذا يفعل بحق الرب! ويهبط بسرعة جنونيه ناحية الشاطئ، أفقد عقله؟! وسوف يكسر جناحية بهذه الطريقة. وصاح الرجل: لكن قبطان أنظر لهم، يقتربون منا!
القبطان بغضب: ونترك توماس يموت هنا!
الرجل: سوف نموت جميعنا هنا.
و يهبط جسد توماس بسرعة تشق الريح، يقترب من الأرض، من تراب الشاطئ ويصطدم به بقوة تتناثر الرمال حوله ويخلق مسارا خلفه كمذنب صغير أصاب الأرض.
يئن ألم، يشعر بجناحيه، لقد حطما تحطيمًا، يئن ألم ويرتجف، فتحهما بصعوبة حيث تمددا على جانبيه في الرمل خاويين لا يتحكم بهما، لا يملك طاقة لرفعهما، ينزف دما من قدمه وكتفه، مال براسه يحدق للشاطئ يبصر القارب، القارب أنه يبتعد، يبصر القبطان يقف فيه ويحدق له، لكن القارب يبتعد حاول أن يزحف ناحيتهم، يقبض يديه بين الرمال وبقدمه سلمة يحاول دفع نفسه، رمال الشاطئ تختلط بدمه، يزحف بصعوبة، ينظر لهم بفزع ورجاء. كلا، سوف يعودون لأجله، لن يتركوه هنا وحده... لن يتركوه.
*** *** ***
مانوران ، عاصمة دايهان ، ١٠٨٣ ب.ف.
ساحة واسعة، تتوسطها منصة الإعدام، والحشود الغاضبة تملأ المكان. الصراخ والهتافات ترتفع في الهواء، والجمهور يرمي الأوساخ والطعام الفاسد والحجارة على المحكومين، بينما الفرسان يكافحون للسيطرة على الوضع. الغضب يشعل الساحة، والعيون تترقب اللحظة القادمة.
أجل، أنه قادم، ديكستر ولنر قادم، مقيدًا بأغلال حديدية، رأسه مغطى بكيس أسود من الخيش، ويداه خلف ظهره. قدماه مثقلتان بالسلاسل، والفرسان يشدونه بقسوة، رأسه للأسفل، يسحبونه إلى المنصة الخشبية وهم يحاولون صد هجمات الحشد الغاضب.
يُجر ديكستر نحو المقصلة. شفرة الحديد تلمع تحت ضوء الشمس، وتهوي لتفصل رأس أحد الرجال عن جسده والدماء تندفع كالصنبور لتلطخ كل شيء. الحشود تهتف بجنون عندما يرفع الجندي الرأس المقطوع عالياً. الدماء تسيل بحرية، والجثث تُرمى في العربة واحدة تلو الأخرى. ثمانية رجال أُعدموا، والتاسع قادم، ديكستر ولنر، هو الشخص الذي ينتظره الجميع، يحقد عليه الجميع.
يُدفع ديكستر إلى المنصة، ويُزال الكيس عن رأسه. الحشود تهتف بصوت أعلى، وقبل أن يفتح عينه ليري النور وحجر يُلقى ليصيب جبينه. يغمض عينيه من الألم، الدم يسيل على وجهه، لكنّ تعابيره تبقى ثابتة، باردة. دفعه الجنود ليجعلوه يجلس على ركبه أمام المقصلة، عيونه الصفراء تتقلب بين الحشود، وكأنّه يحفظ وجوههم. لا يظهر الخوف عليه، فقط صمتٌ يُخفي حزنًا دفينًا وخيبة.
ينتظر موته بهدوء، جسد حي وروح ميتة حتى سمع ذلك صوت، صوت يعرفه جيدًا، صوت جعل الحياة تنبض مجددًا في جسده، صوت أبنه الذي صرخ بأعلى ما لديه بين الناس: أبي.
تكاد تكون غير مسموعة وسط الصخب، لكنها تصل إلى قلبه. عيونه تبحث في الحشد بجنون، وها هي زوجته، تصرخ باسمه وهي تحاول الوصول إليه. الجنود يمسكون بها بقسوة وهي تتلوى تحت قبضتهم: ديكستر!
تصرخ زوجته، ودموعها لا تتوقف. رؤية حزنها يعصر قلبه. لا يريد أن تكون هذه آخر صورة في ذاكرتهما عنه، هذه الصورة الضعيفة المذلة. ثم يسمع ابنه مجددًا، صوته المرتجف وهو يبكي: أبي!
ديكستر يرتجف. دموع تتجمع في عينيه. لا يريد أن يرى ابنه هذا المشهد. لا يريد لابنه أن يشاهد أسوأ لحظة في حياته، اللحظة التي تنتهي فيها كل آماله اللحظة التي سوف تمحي جميع ذكرياتهم السعيدة، سوف يتذكر أباه كمجرم قتل على منصة الاعدام دومًا ولن يتذكر عطفه وحبه. وتتوسع عينه عندما يبصر أحد الجنود يدفع أبنه بقسوة فجأة، يُسحب ديكستر على ركبتيه أمام المقصلة، يُجبر على الانحناء لكن طفح كيلة وكبريائه لن يسمح لهم بان يهينوه أمام مرأى عائلته. يحاول المقاومة، يصرخ بغضب: اتركوا ابني!
أنتفض الذئب أخيرًا لكن الجنود يثبتونه بالقوة، وهو يصرخ بألم: كريس، لا تنظر! لا تنظر!
أبصر أحد الفرسان كل شيء، لاحظ خوف ديكستر من أبنه، لاحظ خشيته من أن يراه أبنه ضعيف هكذا، تحرك ليسحب الطفل بقوة حتى كاد يخلع ذراعه. الصغير يبكي، وجهه أحمر، وعيونه تتعلق بأبيه ويحاول دفعه وهو يرى الجنود يثبتون والده على المقصلة. أهتاج كالوحش ديكستر لكنه مقيد ويصرخ: أبتعد، أبتعد عن أبني يا لعين أبتعد.
لكن الفارس احتضن أبنه من الخلف وقيد حركته يمسكه من فكه ليوجه بصره ناحية والده والطفل الصغير يبكي، يقترب الرجل من أذنه ويشعر الطفل بأنفاسه الساخنة يهمس بصوت كفحيح الأفعى: أنظر، أنظر يا فتي، هكذا يموت والدك الخائن.
يحدق الطفل بعيونه الدامعة ناحية والده الذي أستقر رأسه بقسوة على المقصلة، سحبوه من شعره بقوة وثبتوه وتهطل الدموع من عينه، هذه أول مرة يرى به والده يبكي، هذه أول مرة يرى والده غاضب لهذا الحد، عيون الطفل تملأها الدموع، لا يفهم لماذا يعامله الجميع هكذا. لماذا هذا الفرح بموت والده؟ هل هذا مصير والده؟ الموت على فرح الناس؟
لتنزل شفرة المقصلة، يختفي صوت صليلها مع ضوضاء الجمهور ويقطع رأس ولنر، دمائه تناثرت على خشب المنصة وتعالت هتافات الرجال فرحًا، قلادته سقطت على المنصة ملطخة بالدماء فالرقبة التي كانت تحتويها قطعت وخيط القلادة مازال متماسك، أرتجف جفني الصغير وأستسلم جسده من هول المنظر.
الشفرة تهوي، يختفي صوت صليلها مع ضوضاء الجمهور. الرأس يتدحرج على الخشب الملطخ بالدماء، والجمهور يهتف. قلادته سقطت على المنصة ملطخة بالدماء فالرقبة التي كانت تحتويها قطعت وخيط القلادة مازال متماسك، أرتجف جفني الصغير وأستسلم جسده من هول المنظر.
الجندي يرفع الرأس من شعره أمام الجمهور، والطفل يغمض عينيه، جسده يستسلم للصدمة، وأمه تصرخ بجنون. صرخة الرعب وسط هتافات الفرك، صرخة تُعبر عن ألم لا يُحتمل.
اغمض الطفل عينه الصفراء وأغمى عليه.
*** *** ***
قرية هاليست، دايهان، ١٠٩٨ ب.ف.
فتح كريستوف عينيه الصفراء فجأة، أنفاسه متسارعة. لم يكن الطفل الذي اعتاد الخوف قبل خمس عشرة سنة، بل أصبح رجلًا ضخمًا، يحمل في عينيه ذات السحر الأصفر العميق لوالده. وقلادة ولنر تتدلى على صدره العريض. أخذ نفسًا عميقًا وهو يحدق في السقف الخشبي البسيط فوقه.
التفت ببطء نحو السرير الصغير المهتز حيث ينام ابنه. أراد أن ينهض، لكن يدًا نحيلة تحتضنه برفق، يد زوجته أيفا. يدها الصغيرة جدًا مقارنة بيده العملاقة، لكنه أمسك بها بحنان، ووضعها على السرير بهدوء.
نظر إليها وهي تنام بعمق، شعرها الأسود الطويل يغطي الوسادة، وجهها غائب عن عينيه. نهض ببطء وتوجه إلى سرير ابنه. انحنى على ركبتيه، وألقى نظرة حانية على الصغير الذي ينام بسلام. ابتسم، ورفع يده ليلمس خده الناعم. ويسمع صوت أيفا المتثأب من خلفه: صباح الخير عزيزي.
أجابها كريستوف، دون أن يبعد نظره عن طفله: صباح النور.
تنهدت أيفا وهي تقوم من السرير، تمسح وجهها بيديها وتقول بتذمر: اه... لما لم توقضني كريس؟ ساتاخر عن العمل.
التف كريستوف نحوها، تلاشت ابتسامته الى نظرة جادة وقال: ما الذي قلته ليلة أمس ايفا؟
رمقته من زاوية عينها المنتفخة، وقفت وهي ترتدي روب النوم: ماذا؟
اشاح كريس نظره عنه وزم شفته كاتم غضبه، وقف باعتدال والتف بجسده ينظر لها وقال: ألم أقل إني لا أريدك أن تعملي هناك؟ ألم أقل إنكِ يجب أن تأخذي إجازة؟
تنهدت أيفا بوضوح، قائلة وهي تربط شعرها للاعلى: لا أستطيع، كريس.
سألها كريس بحزم، عاقدًا حاجبيه: لماذا؟ أنا أعمل هنا. لن أقصر في شيء. فقط ابقي في المنزل واعتني بابننا حتى يكبر، ثم عودي للعمل إن شئتِ.
أجابت أيفا بحدة، وهي تحاول إنهاء النقاش بسرعة: لا أريد أن أتناقش في هذا منذ الصباح.
وغادرت الغرفة دون أن تنتظر رده، بينما تنهد كريستوف بانزعاج وقال بصوت خرج عاليًا: تهربين، أليس كذلك؟ تهربي إذن، لكن لن تفلتي مني.
سمع صوتها يرتفع وهي تنزل السلم : اذهب واستحم الآن، كريس!
*** *** ***
R_world