الفصل الاول: زرع في الجحيم

الفصل الاول: زرع في الجحيم

24 0

الفصل الاول

زرع في الجحيم

٢- النجوم الثلاث

معسكر ألب هروم قرب قرية جولين الفيونسية ١٠٨٤ ب.ف.

يسير ويجرها خلفه، وهي تجاهد لتلحقه وتتعثر كل حين ولا يسمح لها بالسقوط، بل يجرها أقسى.

عينيها تتقلب حولها، الهمسات ونظرات الجنود تتابعهم بفضول. اقترب أحدهم لاهثًا ويقول وهو يبطأ من جريه ليسير جوار اوليفير: سيدي! ماذا حدث؟ ما هذه الفتاة؟

ودون أي أشاره، دفعها اوليفير ناحية الشاب بقسوة شديدة، حتى كادت أن تسقط لكن أمسكها الشاب جورج فورًا، لتتوجس وتحاول دفعه وتصرخ به: أتركني.

تركها فورًا ليبتعد عنها فاردا كفيه في الهواء كناية عن الامان. وتحتضن هي نفسها ليقول أوليفير بضيق: خذها.

اتسعت عيني جورج وصاح: ماذا!

أوليفير بشيء من الغضب: خذها عندك.

جورج بتلعثم: لكن سيدي من هذه الفتاة؟ أين أضعها؟ أنها ليس غرض لأخبئها في جيوبي، أنها فتاة سيدي، وجميلة أيضًا، أين أضعها مثلًا؟

وضرب أوليفير على صدره وصاح به بأنفعال وقد تهدجت اوداجه: إذن أنا أين أضعها!

وصاح جورج: من أين أتيت بها من الأساس؟

أجابه أوليفير بامتعاض شديد: اشتريتها.

علت الصدمة ملامح جورج: تمزح!

ليصرخ أوليفير بنفاد صبر ويندفع نحوه ليجذبه من معطفه بقوة: أمزح! أجل أمزح، سيدك يمزح.

وهزه بعنف، ولعابه يتطاير مع صراخه، أغمض جورج عينه وأنزل رأسه يتلقى توبيخه بإذعان: أهذه طريقة تحاورني بها؟

أخفض جورج صوته وأجاب بهدوء: آسف... آسف سيدي، لم أقصد، كلمة عبرت من لساني، لا أقصد.

التف أوليفير جانبًا يبحث ببصره عن الفتاة لكنها غير موجودة، اختفت، ليتوجس ويصيح: أين هي؟ أين الكلبة بحق رب الجحيم؟

اتسعت عيني جورج مجددا ويتلفت حوله: لقد هربت.

ليدفعه أوليفير: وتقف أمامي كالحمار! أذهب وأجلبها، ماذا تفعل!

ويلمحا جورج تجري في احد الطرق بين الخيام ليشير نحوها وضيق بصريه: هذه هي؟

وهم ليلحقها لكن ما سرعان وضع أوليفير قدمه أمام ساقه جورج ليسقطه على وجهه في الطين، ويجري أوليفير خلف الفتاة، بينما جورج سقط متألم، رفع راسه بصعوبة وتنهد وهو يرى أوليفير يجذب الفتاة بقوة من ساعدها وهي تصرخ وتحاول التملص منه، تمتم جورج بصوت خافت: تبًا لي لأنني قررت المساعدة.

شد أوليفير الفتاة من يدها ويوبخها وقد أحمر وجهه: أين تذهبين بحق الجحيم؟ إلى أين؟ إلى ذلك المغتصب؟ ليجدك ويقتلك؟ غبية، تأخذين نفسك للتهلكة، واضح غبائك لأنك بقيتي هنا ولم تهربي مع قومك، تبًا، مصيبة وقعت فوق رأسي.

ويجرها خلفه جرًا ويكمل سيره نحو خيمته وعلى طول سيرهم يتذمر منها، حتى دخل الخيمة ويدفعها أمامه، يرفع أصبعه السبابة مهددًا لها: خروج من هذه الخيمة ممنوع. أقسم برب الكون لو رأيتك خرجتي ولم يكن ذلك المغتصب وأمثاله قد فعلو فعلتهم، لأخذك بنفسي لهم.

ويصيح: أفهمتِ!

ترمقه هي بخوف لتومأ له بالإيجاب ويردف أوليفير بسخط: تبًا، لا أملك حتى المال لأشتريك، من أين سوف آتِ به!

وقف يأخذ أنفاسه وهو يطالعها بعيونه الباردة ويقول بصوت هادئ لكن لم يخلو من الصرامة: ما أسمك؟

وتجيب بخوف: روز.

أجابها وهو يهز راسه: أسم قبيح أيضًا، لو يسموك ملك الموت أشرف لك.

وترك الخيمة ليتركها تقف وحدها لاول مرة، ابتلعت ريقها وتتفحص المكان ببصرها. مازالت ترتجف خوفًا أو بردًا لا تعرف. ترى طاولة في أحد اركان الخيمة البسيطة والأغراض مبعثرة عليها، ووقعت عينها على سكين صغير، أسرعت لتأخذه، تتمسك به بقوة لتخفيه بين كفيها وتحتضنه نفسها قابضة بكل قوتها على الخنجر.

*** *** ***

١٠٩٨ ب.ف.

في القرية هاليست البسيطة، الواقعة على أطراف دايهان، منزل عائلة ولنر.

جلست أيفا أمام طاولة الطعام، تلقم ابنها الصغير الإفطار. أمامها، جلس كريس يحتسي قهوته الساخنة، تتصاعد من فنجانه رائحة عطرة، ويقول: إذن، لن تنتظريني؟

لم تلتفت له أيفا، مشغولة بالطفل وتمنعه من توسيخ ثيابه، وأجابت بينما كانت تحاول إدخال الملعقة في فمه: لا داعي لجعل طريقك طريقين. اذهب لمنزل العم ميرفي وأكمل عملك عنده. في هذا الوقت، سأذهب إلى المزرعة، وعندما تنتهي، تعال إلي هناك.

أومأ كريس برأسه بعد أن ارتشف من قهوته وقال: جيد إذن.

ثم تساءلت أيفا: إذن! هل ستذهب إلى المنجم اليوم أيضًا؟

أجاب كريس بإيجاز وعيونه تراقب طفله الذي يتذمر ولا يريد ان يكمل صحنه: نعم، سأذهب.

وعبات ايفا اللقمة الاخيرة في فم الطفل، والتفت على كريس بابتسامة حانية، ورفعت يدها لتُمسك على كفه، قائلة بود: أنا محظوظة لأني أملك زوجًا يفعل كل شيء من أجلي.

بادلها كريس الابتسامة، تلك النظرات هو يحبها بحق هو مستعد لفعل اي شيء لينال رضاها، ليجعلها سعيدة، لتبتسم له هكذا طوال الوقت. امسك كفها الناعمة الدقيقة وقبلها، وأردف: وأنا محظوظ بكما أيضًا، أنتِ وويليام.

ثم قام واقترب من الطفل الذي يجلس في كرسي خشبي صنعه له هو ليجعل مهمة إطعامه أسهل. انحنى ليقبل خد الصغير الممتلئ، لكن الطفل انزعج، فدفعه بيديه الصغيرتين وكاد أن يبكي. ضحكت أيفا على ردة فعل طفلها، قائلة: اتركه، كريس.

ضحك كريس وابتعد عنه متأمه بحب: إنه لذيذ، ماذا أفعل!

عبس الطفل الصغير ومسح خده بكفه، مما أثار ضحك كليهما على لطافته. ساد الصمت لبرهة، ثم عاد كريس ليجلس في مكانه، ليكمل شرب قهوته. وأيفا تتبعه بنظراتها، ابتلعت ريقها، تنتظر الوقت المناسب حيث يكون زوجها مسترخي ومحبا جدًا، وقد وجدته، تراه يرفع كاس القهوة ليشرب وباصابعه وعبونه يتفحص حاشية الطاولة، انه طبعه عندما يسترخ يبدا بتفحص الخشب ويبحث عن اي عذر لصنع طاولة طعام جديدة، لتقول هي بحذر وصوت هاديء: إذن! ماذا الآن بخصوص الكنية؟

وتجمد كريس مكانه، توقفت يده عن العبث ونظر لها دون أن يرفع رأسه المحني، كوب القهوة قريب من شفته، لم يرتشف بعد. لحظة صمت ثقيلة موترة مرت عليها، لم تستغرق طويلا فترك كريس كوب القهوة على الطاولة،

عض على شفته، أنه أسلوبه لكظم غضبه وهي تحفظ تعابيره، وقال مشيحًا ببصره عنها: أخبرتك أمس.

تقطب جبين أيفا، وأصرت: كريس، أرجوك! لن يحمل أبننا لقب ولنر. سيكرهه الجميع. سيتنمرون عليه. ولا أريد أن يعاني هكذا. دعه يحمل اسم عائلتي.

لكن كريس لم يجبها، واكتفى بنظرة صامتة من الامتعاض. فقالت وهي تمسك يده لعل لمستها تساعد: أرجوك! أنتَ لا تريد أن يمر ابننا بما مريت به أنتَ!

رد كريس بنبرة حازمة: ولنر لقب عائلتي، وويليام آخر فرد في هذه العائلة، أن لم يحمل هو لقب ولنر من سوف يحمل القب؟ سوف ينتهي أسم عائلت. لن يبقي شخص في العالم هذا يحمل لقب ولنر.

لم تتمالك أيفا نفسها ورفعت صوتها قليلًا: وليختفِ لقب ولنر! وما في ذلك؟

تنهد كريس بوضوح، وامتعض: أيفا، من ينكر اسمه ينكره الناس.

أجابته بحزم: كلا، كريس، هذا فقط في عقلك.

حاول كريس كبح غضبه بصعوبة، سحب كفه من يده وباثبعه السبابة راح يطرق على الطاولة ويقول بانفعال: ليس في عقلي، هذه حقيقة. لا يمكن لشخص أن يزيف هويته. هو ولنر، وسوف يبقي ولنر، وسوف وسيحمل لقب ولنر، ولا نقاش في هذا.

ونهض من مكانه لينهي النقاش، اتسعت عيني أيفا بغضب متزايد، ولم تتوقف: ومن هم ولنر؟ أنتَ تعرف سمعت ولنر، قراصنة همج، تجار بالبشر، خاطفون، وقاتلون. منذ البداية، هذه كانت سمعت ولنر.

تنهد كريس، وأشاح بصره بعيدًا عنها، واغمض عينه محاولًا تهدئة نفسه: أرجوك، يكفي أيفا. أنتِ تعكرين مزاجي منذ الصباح.

بلعت أيفا ريقها، ثم قالت بحدة: مثلما تريدني أن أترك عملي، إذن أنا أريد أن يحمل ابني اسم عائلتي.

استدار كريس نحوها، رافعًا حاجبيه بدهشة: هكذا إذا؟

أجابت أيفا بصرامة: نعم، هكذا، العين بالعين والسن بالسن.

*** *** ***

١٠٨٤ ب.ف.

تجلس الفتاة روز في الخيمة، مازالت ترتعش بخوف، قبضت يدها بقوة حول السكين الصغير الذي بيدها لتتشجع وتنهض على قدمها وتتجه ناحية مخرج الخيمة، تختلس النظر من الشق صغير وتبصر رجال يرتدون السواد مسلحين يتنقلون في المعسكر ويتحدثون بلهجتهم التي تفقه جملها ولا تفهم جميع كلماتهم، اقتربت أكثر بفضول لكن سرعان ما انسحبت للخلف حيث ظهر أحدهم أمام شق الخيمة معطيها ظهره، كأنه حارس لهذه الخيمة بالذات.

تشجعت اقتربت أكثر بحزر تراقب بعيونها الزرقاء بفضول لكن هذه المرة أجفلت لتعود بخطواتها للخلف شهقت بقوة وتخبأ يدها التي تحمل السكين لخلف ظهرها، جفلت بعد أن ظهر أوليفير فجأة ورمقها بنظرات سخط من خارج الخيمة، دفع الستار ويدلف الخيمة ويجعلها ترجع للخلف تتسارع دقات وتبعد نظرها عنه بينما يرمقها بنظرات غاضبة: ماذا تفعلين؟ أتنوين الهرب مجددًا!

بلعت ريقها وحركت رأسها نافية ليقول بحدة: سوف أشتريك لأني مجبر فقط لذا إياك أن تسببي لي مشاكل، أقسم أقتلكِ وأدفنكِ هنا.

اقترب منها أكثر لتعود بخطواتها لخلف بخوف وأخفض رأسه و ألقى عليها نظرات ثاقبة أخافتها: لن أسمع نفسًا لكِ هنا أفهمتِ! بسببكِ سوف أخذ من صديقي مبلغ كبير لا أعرف كيف أرده له، ربما أبيعك وأت بسعر أعلى من السعر الذي شريتك به أو اؤجرك لأيام!

بلعت ريقها ترمقه بنظرات خائفة لكن فيها شيء آخر شيء من جراءة التي تجعلها تحدق لعينة بتمعن هكذا وتقبض يدها بقوة خلف ظهرها حول الخنجر.

ليتفحصها أوليفير من أعلى رأسها لأسفل أخمصها بعيونه ويقول: في نهاية أنتِ فتاة، فتاة فيونسية بيضاء وجميلة أيضًا، مغرية، عذراء، أظن أنك عذراء! الكثير يحبون تلك الصفات ومستعدين للدفع الكثير من أجل هذا.

توسعت عينها بصدمة ليبتسم لها: كوني هادئة لكيلا أبيعكِ لهم.

ليتحرك ويهم في ترك الخيمة، أخذت أنفاسها أخيرا كانت تشعر كأنه يسحب الهواء منها ويقتلها لكن سرعان ما دلف رفيقه جورج للخيمة، أجفلت منه ليقف مكانه يحدق لها ويرفع يديه مسالمًا وكأنه يبرأ نفسه: لا تخافي، لن أمسك.

تحدق له بحذر، لهجته مفهومة لها أكثر من غيره هنا، هو هرومي لكن يتحدث بلكنة مختلفة قريبة للكنة شعبها، ويقدم لها بيده معطف أسود ثقيل ويقول: خذي أرتدي هذا، الجو بارد الليلة.

لم تقترب منه ليرمي المعطف قريبًا من قدمها ويقول: لا تعاندي وأرتديه ولا تمرضي، سيدي لن يعتني بك أن مرضتي.

ضل واقف يرمقها بتردد ليقول أخيرًا مخرجًا ما بقلبه بعدما عجز عن حبسه: ماذا تفعلين هنا بحق الجحيم! سكان قريتك جميعهم غادروا لما بقيتي؟

انحنت أرضًا لتلتقط المعطف وتقول بلكنتها الفيونسية المميزة: لم أتخيل الأمر هكذا.

جورج: كيف تركك والدك وأخيك هنا؟ هكذا؟ أليسوا رجال! كيف يسمون نفسهم رجال حتى وأنتِ هنا؟

رفعت بصرها له بامتعاض، ليتنهد: سيدي أوليفير صعب الميراث قليلًا لكنه طيب، لن يؤذيك أن كنتِ مطيعة، لا تسببي المشاكل، أن غضب سيدي فهو لا يرحم، وإياك أن تحاولي الهرب عندها سوف يُقطع رأسك.

ليشير بيده للخارج: سوف أكون بجانب الخيمة أن احتجتِ شيء ناديني.

ليهم في ترك الخيمة وعيونها لم تفارقه حتى غادر، شعرت بالراحة تجاهه، شيء بداخلها أرتاح له ربما لأنه أول من عاملها بلطف هنا ولم يصرخ عليها كما فعل غيره! القلوب تلين للطيب الأول وسط الشر حتى لو كان الطيب هو الشر بذاته متنكرًا بمعطف أبيض جميل لكن العيون المكسورة الضعيفة لا تميز بين الخير وشر وأول من يرحمها سوف تراه المنقذ فقط، ترى خيره فقط وتتجاهل شروره، العيون لا ترى ما أسفل المعطف الأبيض الجميل من ظلام.

*** *** ***

١٠٩٨ ب.ف.

يسير ولنر بين شوارع القرية، كفيه في جيوب معطفه الطويل والثقيل، لا يبالي لنظرات الحقد على وجوه الناس، فقط يسير بهدوء. وفجاة تيقظت حواسه، ارتجف بدنه بعدما انهال عليه ماء بارد قذر بلل راسه واكتفه وانسال على صدره وظهره، سرت القشعريرة على ظهره.

رائحته جمعت بين الطين و الوسخ يقطر من شعره و ثيابه.

وقف يلهث ورفع بصرحه بحدة للأعلى، لتلك العجوز التي تقف في شُرفة المنزل وتمسك بيدها دلو وتصيح: أبتعد عن شارعنا أيها القذر.

قبض ولنر يده بقوة، تملك نفسه بصعوبة، واعاد نظره امامه ويكمل سيره كأن شيء لم يكن. لقد أعتاد على هذا، أعتاد على المضايقات التي لا تنتهي، أعتاد على كظم غضبه وكتمه، هذه هي الطريقة الوحيدة للعيش بسلام بنظره، ولكن أي سلام هناك في حياة كهذه! تجاهل غضبه متجه لمنزله لملاذه الوحيد. فتح الباب ودلف، نزع معطفه المبلل ويقطر ماءًا قذر وينادي زوجته وتجيبه وهي من الطابق الثاني للمنزل: عدت عزيزي!

كريستوف: أجل.

نزع حذائه ويخشى أن يدلف ويوسخ المنزل بالماء القذر الذي يقطر من قميصه فنزعه ايضا، لتنزل أيفا من أعلى وتقول بصدمة: ما هذا كريس؟ لما حدث لك؟

كريس بتزمر وهو يرمي القميص جوار حذائه: تلك العجوز الشمطاء لن تتركني أبدا.

أيفا بحدة: تبا لها.

أخذت معطفه وقميصه لتقول بغضب: غدا سوف أتشاجر معها، تلك اللعينة، لن اصمت ابدًا.

كريس: كلا، أتركيها، لا داعي.

اتسعت عيني أيفا: كيف أتركها كريس! هي سوف تضل تزعجنا هكذا.

تنهد كريس دون طاقة: فقط دعيها لا أريد مشاكل هنا.

تذمرت أيفا بضجر: كما تريد.

*** *** ***

١٠٨٤ ب.ف.

بعد أن أعتمت السماء. تجلس على الأرض متعرجة فرشت بالبساط لكن ليست بمريحه قط. ترتدي معطف أسود الثقيل وكبير عليها لكنه جعلها تشعر بالدفء والأمان وسط هذا البرد. تجلس وتحتضن نفسها تكاد ان ترخي عينها المتورمة لشدة تعبها. مر وقت طويل منذ أن ذاقت طعم النوم، وفور أن مال رأسها وكادت أن تغلق جفنها حتى اتسعت عيناها وتيقظت حواسها.

أبصرت أوليفير الذي دخل للخيمة وهو ينزع معطفه الأسود الثقيل وفور أن وقعت عينه عليها حتى أجفل منها، نسى أنها هنا لكنه سرعان ما أستوعب وتذكر أن هناك من هي حبيسة خيمته الآن. تنهد وهو ينظر لها ويرمي معطفه على السرير. دلف جورج خلفه ويسال: أوقد لك النار؟

أوليفير: تفعل الخير يا جورج.

أومأ له جورج ليتجه ناحية حجارة صفت كمدخنة بسيطة، وفيها بقايا رماد وبعض فتات الحطب. ليرمي فيها بعض قطب الحطب. ويأخذ قنينة الخمر ليسكب القليل منها فوقه ثم أخذ اثنان من العصي الخشبية ليفركها ببعضها البعض محاول أيقاد النار بها، وروز تجلس بركن الخيمة تراقب حركاته، وحولت بصرها لأوليفير الذي جلس على المقعد أمام المكتب المبعثر يحمل بيده مجموعة أوراق يقلبها. تذكرتها، تذكرتها جيدًا، هذه نفس الأوراق التي أخرجها من جيب الرجل الذي قتله وبعدها حاول قتلها.

اوقد جورج النار أخيرا. وقف ليقول وينفض يديه بثيابه: انتهيت.

نظر له أوليفير وقال كلمات لم تتنبه هي لمعناه، هذه أول مرة تسمعها لكن يبدو أنها راقت لجورج وجعلته يبتسم ثم سال: ما هذا الذي بيدك سيدي؟

ابعد أوليفير نظره: شيء لا يعنيك جورج.

بلع ريقه جورج وأومأ له ليقول: سوف أغادر أن لم تكن تحتاجني!

حدق له أوليفير: لما؟ أبقى، أجلس هنا وتدفء قليلا، لما تقف في البرد؟ لا مانع لدي أن بقيت هنا... لكن تصمت.

ابتسم جورج بحرج: هذا لطف منك سيدي، لكني أعاني من بعض المشاكل مع النيران، أشعر أنها تخنقني، لا أستطيع التنفس بسهولة بوجودها، لذا سوف أغادر.

هز أوليفير راسه بتفهم: أذهب كما تريد.

ليهم جورج في ترك المكان: تصبح على خير سيدي.

أوليفير: وأنتَ أيضًا.

وأنصرف جورج، ومط أوليفير ذراعيه ورأسه للخلف مشبك أطراف أنامله ببعضها. وأخذ نفسًا طويلًا، التف ينظر لها، فتأهبت واحتضنت نفسها فورًا، ويقف هو ليأخذ أبريق النحاسي الذي على طاولة معه، ويتجه نحوها بخطى هادئة وترتها ، نظراته هذه تخيفها، ماذا يريد منها! كل فكرة سيئة خطرت ببالها في ثوانٍ، وتزحف للخلف وتحشر نفسها في الزاوية كأنها هكذا سوف تهرب منه.

أحني ركبه وجلس القرفصاء أمامها، عيونه الباردة تتابعها، ورغم الضوء الخفيف اصبحت تراها بوضوح مزيج من تدرجات الأزرق والأخضر، ساحرة وغريبة تنظر لها وكأنها تخترق روحها كأنها تعريها تمامًا. تكاد تقسم أنها لم تبصر مثل نظراته من قبل، ويقول بلكنته الهرومية التي بالكاد تفهمها: ماذا قلتِ أسمك؟

صعب عليها فهمها فلكنته هرومية شمالية التي تشدد على النطق لتخرج المفردات مفخمة، وهي أقرب للغة الهانية العريقة التي اندثرت وهي بلكنتها الفيونسية القروية خفيفة اللفظ، لا يمكنها فهم نطق الكلمات بسهولة.

لكنها لتحمد ربها أن قريتها قريبة لحدود ألب هروم، لو كانت قريتها من الطرف البعيد حيث اللغة مختلفة تمامًا لما كانت لتفهم حرف مما ينطق.

لكن مهلا، لو كانت في الطرف الآخر لما كانت هنا من الأساس، لكانت تنعم مع الخراف في براري فيونس الخضراء، أو لا تذكرت... تذكرت جيدًا.

لو كانت هناك لكانت تهان من شعب نيبور الذين يزعجونهم من أن لأن. لا وقت للتذكر الآن، ويكرر أوليفير سؤاله بحدة: أنتِ صماء! سألت عن أسمك؟

لتجيبه: روز.

أوليفير: آه... تذكرت روز، أخبرتك لو كان أسمك لعنه الشيطان لكان أرحم.

ليضع الأبريق أمامها ويخرج من جيب بنطاله كيس صغير قماشي ليفتحه وتفوح منه رائحة قهوة قوية طغت في الاجواء، وضعه قبالها، ويقول: هيا تحركي، لن تجلسي هنا كالمزهرية. دفعت بك الكثير من المال لذا أخدميني.

لم تجبه فقط تنظر له بشرود ليقول عاقدا حاجبيه: أسوف تخدميني أم أعطيك للمغتصب؟

وتنطق فورًا بزعر: كلا، كلا، سوف أخدمك، لا تسلمني له.

ابتسم أوليفير بمكر: هكذا إذن، لديك صوت وتتحدثين.

نهض وأخذ تنهيدة طويلة، ليشير بعينه للمدخنة: أصنعي لي بعض القهوة.

ويعود ناحية مكتبه: لا تملئي الأبريق بأكمله بالماء اتركي مسافة ثلاث أصابع وضعي أربع معالق قهوة فقط... أريدها بسرعة.

ونهضت روز فورًا، وضعت السكين بخفية داخل جيب المعطف الأسود الفضفاض، كبير لدرجة تجعلها تشعر أنها تغرق به. طوت اكمامه وتسرع بيد مرتجفة متوترة لتأخذ الأبريق تصب به بعض الماء من قارورة التي فوق الطاولة التي بجانب مكتب أوليفير تمامًا.

وتلمح الأوراق التي سرقها أوليفير من جيوب زميله، مفتوحة جميعها امامه ويتفحصها باهتمام تحت انوار الشموع الواهنة. كتاب بجانبه وحبر وأوراق كثيرة، خرائط رسمت ورموز لا تعرفها.

تختلس النظر بصمت وتحضر القهوة، تبصر يده المتقرحة والملطخة بالحبر يحرك أصابعه ما بين الخرائط والرموز وكلمات وبيده الأخرى يدون في كراسة صغير، أنها شفرات، يحاول فك لغز تلك الشفرات.

أدركت أنها الآن بقبضة شخص ليس بالغبي قط، يجب أن تكون حذرة، لكن سرعان ما استدار أوليفير فجأة لها، لتتحاشى النظر بعينه وتبحث بعينها عن شيء في الأرجاء حتى وجدت قطعة من أعواد الحديد لحمت ببعض لتأخذها وتحاول تثبتها داخل المدخنة فوق النيران بينما أوليفير مازال يراقبها ويسال: هل تجيدين القراءة؟

لم تحدق لعينة فقط تنظر للنيران وتجيب وهي تثبت أبريق القهوة في المدخنة بعدما جهزته: كلا.

ويعيد بصره لأوراقه دون اكتراث: جيد.

رفعت عينها تنظر له لبرهة ثم نهضت وتجلس على طرف السرير الذي أمام المدخنة بهدوء، تراقبه وهو يعمل، تريد أن تقترب وترى ماذا يكتب لكنها تخشا أن يشك فيها.

ترى ذلك الوشم الأسود الذي على رقبته خلف أذنه اليسرى، وشم غريب لثلاث نجمات لم تكن على استقامة وأحدة الوسطى مائلة عن الخط العامودي قليلًا. كل ما يدور بعقلها الآن من هذا الشخص؟ وبماذا يخطط بتلك الرموز العجيبة؟ ولكن الأهم كيف تهرب من هنا؟

حضرت له القهوة ووضعتها أمامه وتعود لتجلس بطرف الخيمة تراقبه، ويبدو منغمسًا في عمله جدا لدرجة تشك أنه نسى وجودها، لم يلتفت لها قط.

تملك منها التعب وخذلها جفنيها لتغلق عينها وتغط بنوم عميق، لا تعرف كم من الوقت مضى. لم تتوقع أنها نامت حتى، فتحت عينها معتقدة أن لحظات مضت لكن لم تكن كذلك، كان الظلام قد أطبق ستاره، تثاءبت، متعبة جدًا، تشعر بعظامها تؤلمها، وكأن ثور كان جاثم فوقها، رفعت رأسها بتثاقل تبعد خصلات شعرها الأسود الداكن عن وجهها، النيران انطفأت والبرد شديد، جلست تنظر حولها. كل شيء هادئ، تسمع حفيف خطوات وبعض همسات الأحاديث البسيطة بالخارج، أصوات خافتة تأتي وتختفي من حين لأخر ويعم الصمت، الأكثر نائمين الآن.

ترى شمعة وأحدة موقدة في الخيمة وهي على مكتب أوليفير بينما أوليفير يغط بنوم عميق في سريره وهي نائمة على فرشة خفيفة على الأرض وتتغطى بمعطفه الأسود الثقيل. لابد أنه وضعها هنا ورمي عليها معطفه بينما ينام براحة على سريره الدافئ، نهضت بتثاقل لتقترب من مكتبه، كل شيء مرتب الآن. الأوراق اختفت، كل تلك الأوراق ذات الرموز وخرائط لابد أنه أخفاها، ورأت الكراسة التي يدون به ملاحظاته، فتحتها تقلب بين صفحاتها لا تفهم ما الخط الذي يكتب به لكنها تفهم الرموز فقط. لا بد أنه يكتب بالحروف الهرومية العامية فبعض الكلمات تستطيع قراءتها وبعضهم تصعب عليها، لكن لو ركزت بها أكثر لفهمتها بأكملها، أغلقته لتدسه في جيبها، وعندما دسته لمست يدها السكين الذي تخبئه، واتسعت حدقتيها، فكرة قفزت لراسها، ابتسمت، ابتسمت بخبث بريء، أجل، خبث بريء.

التفت تنظر لأوليفير النائم بسكون وهو يتلحف بغطاء ثقيل من الصوف، فكرة تراود عقلها، تداعبه بقوة "أقتله، أخذ ثيابه، أقص شعري، وأحاول إخفاء وجهي، وأهرب من هنا للأبد، لن يشعر بي أحد وجميع نائمين الآن أنه الوقت المناسب لهذا..."

تحركت ناحيته بخطى حذره، ومالت برأسها تتأمله، نائم هذا أحمق، أينام ويترك سيفه سائبًا بجانبه وتشاركه في الخيمة فتاة أسرت للتو لا يعرف ما قد يصدر منها! حقًا أحمق. هل يظنها ملاك أم ضعيفة تخشاه!

ابتسمت بخبث، قبضت يدها بقوة حول السكين، لن تقتله بالسيف، هذه مجازفة، صوت صليله وثقله على جسدها قد يجعله يفيق، السكين يناسبها، صغير يناسب يدها الصغيرة وناعمة.

ملامحها باردة أكثر من عيونه حتى، أهي أشد برود منه أم قسوة!

تتذكر صوت جدتها يدور ببالها، الرقبة... الرقبة أخطر مكان يمكن أن يطعن به شخص، لكن لا يجب أن يبقى الخنجر بها بل أطعنيه وأخرجيه بسرعة ليفقد أكبر قدر من دماء.

أخذت أنفاسها، تذكرت درسها، سبق ونحرت عدد لا باس به من الدجاج والخراف، لن يكون هو اصعب.

توقدت شجاعتها ترى هدفها، رقبته القذرة الواضحة أمام عينها أسفل وشم النجوم خلف أذنه، يبدو أنه يعرف نهايته هنا فرسم نجوم موته. وترفع يدها للأعلى، اخذت نفسا عميقا وزفرته، واخذت نفسا اخر لم تزفره بل انهالت عليه بالسكين لتتناثر الدماء على وجهها الشاحب.

*** *** ***

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

جان

المؤلف R_world
2025/09/12 مستمرة
قائمة الفصول (7)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة