الفصل الثاني:
١-
١٠٩٨ ب.ف.
في أرض دايهان، قرية هاليست. أشرقت الشمس للتو، ضوئها اللطيف يتسلل من النوافذ غرفة الجلوس ليكون النور الوحيد. هناك جلس كريستوف على الأريكة ليحاوط كفيه حول جسد الطفل الصغير ويحمله من اسفل ابطيه وينهال عليه بالقبل على خديه الناعمين.
يكاد يشعر كريستوف وكانه يغرق فيهما، ويضحك الطفل الصغير بين أحضانه وبكفيه الصغيرين يدفعه و ويصيح.
لم يكن يشبهه كثيرًا صفات الذئاب لن تظهر عليه. شعره بني غامض أقرب لشعر والدته الأسود وعيونه بنية بعيدة كل البعد عن عيون الذئاب البراقة. لم يرث صفات ولا معالم وجه أبيه. أنه يشبه أمه في كل شيء. ودخلت الام أيفا غرفة الجلوس وهي تحمل بعض قطع الثياب للطفل لتحشرها في حقيبتها وتقول: متى ستعود اليوم؟
توقف كريستوف عن تقبيل الطفل واطلق سراحه، فانطلق الطفل مبتعدا بخطى بطيئة، فضربه كريس بخفة على مؤخرته وقال وهو يبتسم ويراقب ابنه بكيف يجري نحو اللعابة جوار الحقيبة على الطاولة: لا أعلم! ربما أتأخر.
استقامت ايفا وهي ترتدي معطفها: اعطني وقت محدد لكي أعرف متى أحضر الطعام.
تنهد كريستوف بانزعاج ونهض واستلت يده للطفل ليحمله ويجلسه على ذراعه: بعد مغيب الشمس ربما، لدي عمل كثير اليوم لذا تغدي ولا تنتظريني.
حدجته أيفا بحدة: هذه مشكلتك منذ البداية، أنتَ لا تتعب من العمل.
اشاح كريستوف نظره عنها بضيق وقال بضجر: إذن ماذا تريدين مني أن أفعل مثلًا؟ أجلس طوال اليوم في المنزل وأحدق في جدران!
أخذت ايفا الصغير منه لتجعله يقف على طاولة وتلبسه معطفه وهي تقول بضيق واضح: لا تتعب عقلك كثيرًا كريس، لا تتعب عقلك.
تنهد كريستوف وهو ينظر لها، لا مزاج له اليوم للعراك ويبدو انها تريد ان تخلق المشكلة من العدم فالزم الصمت والتقط معطفه وارتداه وهم يتمتم: حقًا أنا لا أفهمكِ.
وحمل الصغير بعد أن انتهت، ثم التقط حقيبة أغراضهم ووضعها على كتفه. ربطت أيفا الوشاح الأسود حول رأسها لتعقده أسفل ذقنها ويظهر مقدمة شعره من الأمام وتهم العائلة الصغيرة في ترك المنزل.
يسيران في شوارع القرية البسيطة، احذيتهم تغرز في الطين بعد ليلة ممطرة، أستيقظ سكانها وهم للعمل واهل القرية يتجولون هنا وهناك و يقضون اعمالهم بروتين يومي ممل.
سماء الصباح زرقاء انتشرت فيها بعض الغيوم. رائحة الاخشاب الرطبة وطين تعبق الأجواء. كريستوف يحب هذا. الضوضاء المحببة لأهل القرية وحتى وهو يعرف مقدار كرههم له لكنه يحبه. يجعله يشعر بالألفة. طفلها الذي يجلس على ذراعه ويتمسك بياقة معطفه، يد ايفا التي بالكاد يشعر بها وهي تتمسك حول ذراعه الاخرى، هذا النعيم الذي لطالما كان يحلم به، حياة هادئة طبيعية ولطيفة بالنسبة له هو.
التفت نحو ايفا، وجهها ممتعض جدًا ولا يعرف السبب، أنها متوترة كعادتها فقال وهو يبتسم: تبدين جميلة اليوم!
ضاقت عيني ايفا ورفعت نظرها نحوه بشك واردفت: ما بك؟ كل يوم أنا جميلة.
كريستوف: لا أعلم! اليوم مختلفة.
اعادت أيفا نظرها قبالها وعلقت: أنتَ تتحسس للغالية، أرجوك أوقف هذا الطبع.
مال كريستوف رأسه نحوها: الأمر ليس بيدي، الذئب الذي بداخلي يتحدث.
ضحكت أيفا بخفة وانزلت رأسها: يكفي كريس.
ليضحك معها بخفة سعيد برؤية ابتسامتها، وتمتمت أيفا بضجر: الطريق للمزرعة متعب جدًّا.
كريستوف: أصعدي على ظهري أن أردتِ.
لتضربه بخفة وتضحك: كفاك من مزاحك الثقيل هذا منذ الصباح.
ابتسم كريستوف: ألستِ متعبة من الطريق! ماذا أفعل؟ أشتري لك حصان؟
أيفا: تبًا كريس، عيب علّ. امرأة بعمري تمتطي فرس!
كريستوف: لا بأس عندي، إذن... أشتري لك عربة؟
أيفا: من أين لك المال؟
كريستوف: هنا المشكلة لكنها تُحل، شهر من العمل المتواصل وأشتري عربة، لكن تعرفين أين المشكلة؟
أيفا بفضول: أين!
كريستوف: في شوارع قريتنا نفسها، أنها لا تصلح للعربات وألا بشهر تُدمر العجلات، إذن هل تعرفين أين الحل؟
أيفا: نغير شوارع القرية ونحن لسنا بقادرين.
عقد كريستوف حاجبيه: كلا طبعًا، لست وزيرًا أو ثريًا لأغيرها لكن هناك حل أبسط.
أيفا باهتمام: ما هو يا فهيم؟
كريستوف: نترك القرية ببساطة، هناك مدن أخرى أفضل لا يعرفنا بها أحد، نعيش بسلام أنا وأنتِ.
ويأخذ قبله من خد أبنه الذي نام على كتفه: وويليام.
زفرت أيفا وتلاشت ابتسامتها: أغلق الموضوع كريس، لأي مكان نذهب في دايهان عينك تفضحك، لن يحترمنا أحد بسبب لقبك وعينك هذه.
وتوقف كريستوف والتف ينظر لها وقد تلاشى كل مرحه وقال بجدية: ليس خطئي
وحدجته أيفا بصرامة: بلا خطأك، أنتَ ولنر، أنه خطأك.
بلع كريستوف ريقه قبض يده بقوة كاظمًا غضبه وصمت لم ينبس بحرف وأحد وأكمل الطريق هكذا.
وأيفا ألزمت الصمت أيضًا، إلى ان وصلا لمزرعة التي تعمل فيها أيفا، توقفا أمام منزل العائلة المالكة الفاخر، واعطى كريس طفله النائم إلى أيفا لتحمله، وأخيرًا كسر الصمت الموتر بينهما واعطاها الحقيبة وقال: عودي للمنزل فور أن تنتهي.
وأجابت أيفا بينما تتفحص وجه ويليام النائم على كتفها: لا تقلق عليّ.
ونظر لها كريستوف من أعلى بتفحص، و قطب حاجبيه، لم تعجبه نبرة صوتها ولا أنها لم تلتفت له حتى، ويسمع صوت شاب يقترب وهو يصيح: هاي من هنا! ولنر هنا.
حول كريس نظره له، حيث أقبل عليه شاب العائلة الثرية، في منتصف عقده الثالث، مسرح شعره وحليق الوجه ويبتسم ابتسامة واسعة غير مألوفة لولنر.
مد ذراعه نحو ولنر ليصافحه وهو يقول: كيف حالك، أرجوا أن المطر لم يضايقكم ليلة أمس؟
وصافحه ولنر بتعجب، اجاب مجاملة: كلا، كل شيء بخير.
افلت الشاب يد ولنر ليلتف نحو زوجته مرحبًا: طاب صباحكِ سيدة أيفا، ظننتك لم تأتي اليوم!
وتبتسم أيفا بتكلف: كلا سيدي، أنا هنا.
وحرك الرجل يده ليقرص خد الطفل بلطف: ومعك ويليام اللطيف.
زمت أيفا شفتها وانزلت رأسها وتقول بحرج: آسفة، لكن لا أملك مكان لأضعه فيه، هذه آخر مرة أجلبه معي.
الشاب بانفعال وقد اتسعت عينيه: كلا، لا بأس، ليأتي معكِ كل يوم، أنه طفل ظريف.
وضاقت عيني ولنر وشحب وجهه، لا يعجبه ما يرى. لا يروق له هذا الشاب ولا يروق له أنه واقف يتحدث مع زوجته أمامه وبتجاهل وجوده ولا يستريح للود المفاجئ تجاهه هو واسرته منه.
وهنا التف الشاب نحوه وقال وهو يلوك بكفه بحماس غريب: اهنأك على تربيتك سيد ولنر.
أومأ له كريستوف: شكرًا لك سيدي.
أيفا: سوف أدخل، عن أذنكما.
لتأخذ الحقيبة وتدلف للمنزل الفاخر.
والرجلان يراقبان خطواتها حتى دخلت للمنزل بصمت ليقول الشاب وهو يقغ متخصرًا: إذن كيف حالك؟
وزارت حيرة كريستوف ويرمقه بشك: بخير! لما هذا السؤال؟
ضحك الشاب بخفة ليربت على كتفه: لا تكن عدائي ولنر.
هز كريستوف كتفيه وأدخل كفيه في جيوب معطفه والتف حتى اصبح جسده الضخم مقابل للشاب: كلا لست بعدائي قط، أنا لطيف فوق ما تتصور.
ضحك الشاب: دمك خفيف.
وابتسم كريستوف بتكلف ليقول: عن أذنك، سوف أذهب للعمل.
وقبل أن يلتف سأل الشاب: أين تعمل أنتَ في المزرعة؟
كريستوف: في الإسطبل!
رفع الشاب حاجبيه بتساؤل: إذن ينتهي عملك بعد الظهر؟
وأومأ له كريس، ويسأل الشاب: هل يمكنك أن تعمل لوقت متأخر اكثر؟
أجاب كريستوف بنبرة عدم اهتمام: كلا، لدي عمل بالمناجم بعد الظهر.
ابتسم الشاب: حسنًا، لا بأس، أذهب لعملك أراك لاحقًا سيد ولنر.
ابتسم كريستوف بتكلف ليستدير وفورًا تغيرت ملامحه للانزعاج. هو يكره هذا الشاب، هو لا يطيقه، ليس لسبب مقنع، فهو لا يملك شيئًا ضده، بل على العكس ربما يكون الوحيد الذي يناديه بسيد ولنر باحترام هنا. لكنه يكرهه، شعور لا إرادي بالمقت، لسبب يجهله.
*** *** ***
١٠٨٤ ب.ف.
في أراضي فيهروم ١، عند الفجر خارج الخيمة، حيث انتعشت الحياة في المخيم الجنود يفيقون من نومهم ويتناولون الافطار حول النيران الموقدة.
امام خيمة أوليفير وقف هو متجهم الوجه، وجهه أبيض شاحب كالثلج وضماد لف حول رقبته، جواره أستقر أليستر، رجل طويل عريض المنكبين رأسه أصلع كصخرة، وأنفاه الضخم احمر من برودة الجو مع اذنيه، ضاقت عينيه الزرقاء وهو ينظر لأوليفير، أخذ نفسًا عميقًا وزفره، وانفاسه تتشكل من بين شفتيه.
نظر بعيدا وعقد كفيه لصدره ليقول: أرث جعلك تشتريها!
أومأ له أوليفير بضيق دون أن ينظر له: لم يكن لدي خيار، أن لم أفعل سيجعلونها خادمة لهم ولن تسلم من أيديهم الطويلة.
أليستر: ومن أين دفعت ثمانمائة قطعة ذهبية؟
ورفع أوليفير نظره له. صمت أطبق بينهما وابتلع اوليفير ريقه: لم ادفع بعد...
أليستر منبهًا: أنا لا أملك ولا درهم.
مال أوليفير راسه: سأستلف من سيد القلعة أو أبيعها له.
ضاقت عيني أليستر: تبيعها بعد كل هذا؟
فصاح أوليفير بنفاذ صبر: ماذا تريد مني أن أفعل...
ولم يسمح له أليستر بأن يعلي صوته أكثر فضربه على مؤخرة رأسه، وانتفض جسد أوليفير فورًا، أثار هذه ألم جرح رقبته وامسكه وقد احمر وجهه، واردف أليستر: أكرمني بصمتك ولا تزعجني. يكفي ما لدينا والآن اضفت عليهم فتاة فيونسية عذراء متوحشة.
وعبس اوليفير ولزم الصمت بضيق.
أشاح أليستر رأسه وقال بعد برهة بنبرة هادئة: أين يكن، الآن أجمع الرجال خلف التل، لدينا اجتماع مهم.
رمقه أوليفير بتعجب: اجتماع ماذا؟
تنهد أليستر: لا يعجبني ما يحدث هنا، الكثير من رجالي يملكون أصول فيونسية لا يروق لهم قتل أقاربهم. فيونس مملكة عريقة، شعبها لديهم كبريائهم وهم أخوتنا. نحن ننحدر من نفس الأب كيف نسمح بشيء كهذا!
أشاح أوليفير نظره وزفر: نحن الهرومين قذرين فقط.
أليستر: قرأت كتاب يتحدث عن كم نحن قذرين فعلا.
حدق له أوليفير بتعجب ليقول أليستر ضاحكًا: أنه غير مرخص، لكن حصلت عليه.
ضاقت عيني أوليفير: حقًا! وما مكتوب به؟
ليضحك أليستر ويحني رأسه ليقترب من اذن أوليفير: كل الشتائم وسب لنا.
وضع كفه على كتف أوليفير وأكمل هامسًا: أول كتاب أقرئه وتكن فيه شتائم سوقية بالخط العريض.
طيف ابتسامة ارتسمت على شفتي أوليفير: تبا حقًا! ولنا!
ضحك أليستر وهز كتف أوليفير: أجل لنا.
وأكمل بجدية: لكنه كتاب جيد يتحدث عن كيف أننا حاربنا قرى الحكماء التي كانت بيننا وبين ريفنلان وطردناهم من أرضهم وأخذناها لنا وهم هجروا للشمال ويتحدث عن كيف أننا نسلب خيرات كاندل وزورن . وكيف نقاتل روبكن . وعن احتلالنا للجنوب لأجل سرقتهم وقتلهم وأخذ العبيد منهم وآخرًا عن ملكنا العظيم أوجيل الثالث٢ الذي لم يترك ركن في الغرب ولم يدمره.
أوليفير: يا لنا من شعب عظيم!
كانت نبرته جادة لكن أليستر يعرف أنه يسخر وأكمل هو: لو قتلنا جميع شعوب العالم وبقينا وحدنا فسوف نتقاتل بين بعضنا البعض، نحن شعب خُلق للقتال.
وربت على كتف أوليفير واستقام: الآن تحرك وأجمع الرجال.
سار مبتعدًا، والتف أوليفير يبحث عن جورج في الارجاء ليجده يجلس مع بعض الرجال حول النار ويأكل بنهم ليناديه، وأسرع جورج نحوه وهم يمسح فمه بطرف كمه ويقول: أمرك.
أمره أوليفير: أجمل الرجال عند التل أليستر يريدنا.
وهم اوليفير ليلحق خطى أليستر لكن سال جورج بحيرة: والفتاة! لن تتركها بالخيمة دون حماية؟
توقف أوليفير مكانه رمش بخيرة وفورًا بدأ يشعر بنغزات الألم في رقبته فقال دون ان يلتف: دعها بن يجرا أحد ويدخل خيمتي.
وسار مبتعدًا وتوقف جورج بحيرة، منحنيًا قليلًا. لم يرحه ما أمر به، ترك فتاة وحيدة في خيمة معتمد على سمعته فقط، وحسه ان لا احد سيجرأ ولمسها وهي من ممتلكاته، أنها مجازفة ولكن ما باليد حيلة سوى ان يرضخ.
*** *** ***
١٠٩١ ب.ف.
في الجزيرة المجهولة، يستلقي توماس على الأرض وهو يرتجف، يحتضن نفسه، الدماء تنزف من رأسه بعد ان هلسوا خصلات شعره وحواجبه حتى، حاولوا هلس جميع شعر جسده وريش أجنحته المكسورة أيضًا. يحتضن نفسه يستلقي عاريا تمامًا على الأرض.
المطر يهطل بغزارة ويمسح الدماء التي حوله ونيران انطفت ولا أثر لأي شخص من ذلك القوم، لقد هرب من المطر لكن بعد ماذا؟ بعد ما فعلو فعلتهم به.
يرتجف، لتتسارع الدموع تتساقط من عينه، لقد غدروا به. تركوه للموت هنا وكان باستطاعتهم انقاذه لكنهم أفرطوا به بسهولة. يبكي بحرقه فقد غدره من كان يعتقد أنهم عائلته.
*** *** ***
١٠٩٨ ب.ف.
في قرية هاليست البسيطة، منزل منعزل عن باقي منازل القرية، استقر أعلى التل والمزارع تحيطه من ثلاث جهات وجدار اشجار لغابة على غربه. رفع الفأس عاليًا. هوى به على لوح الخشب فانفلق نصفين. ثم أخذ يقطع اللوح تلو الآخر، راميًا القطع في عربة شبه ممتلئة.
على مقعد جواره جلس رجل عجوز، أبيض شعره الذي نمى حول محيط رأسه و صلعته تلمع اسفل اشعة الشمس.
شظايا الخشب تتناثر وسعل العجوز وهو يراقب ولنر بهدوء، واقتربت زوجته، تسير ببطء وقد انحنى ظهرها لكن مازالت بلياقتها، تحمى صينية فيها كعط طازج وشاي النعناع العطر، وضعت ما بيدها على طاولة جوار زوجها.
ابتسم العجوز وألقى نظرة حب لزوجته: عاشت يدك عزيزتي.
ثم نظر لولنر ونادى: تعال بني تعال شاركني الشاي.
ووقف كريس لاهثا ووضع الفأس جانبًا نفض يده ويقترب: شكرًا لك عمتي.
وابتسمت المرأة بود وأجابت: أنا في داخل، أن احتجتم شيء نادوني.
واسرعا بدخول المنزل، جلس كريستوف برفقة العجوز يشرب شاي النعناع الذي ينعش الانفاس ويأكل الكعك الهش ليقول بشهية: أنها لذيذ حقًا.
العجوز: زوجتي لا تعرف سوي صنع الكعك.
ويضحك بخفة ليضحك معه كريستوف ويكمل العجوز: إذن ألن تذهب للمنجم اليوم!
مط كريستوف شفتيه وتأمل الأفق وقال: ذهبت وجدته مغلق، قلت لأزورك قليلًا...
ونظر للعجوز: وجهزت لك من الحطب ما يكفيك أسبوع.
العجوز: شكرًا لك بني، أن تعيش كهل برفقه زوجتك العجوز وحيدين، الحياة صعبة، أحتاج منذ فترة لفترة لك لتقوم ببعض المهام الصعبة لدي.
ربت كريستوف على كتفه: لا عليك أنا دائما هنا.
حل الصمت ويكملان الاكل، ليقول كريستوف بعد أن أكمل: سوف أعود للمنزل الآن.
العجوز: الآن!
هم كريستوف ناهضًا: أريد أن أفاجأ أيفا وصغيري ويلي سوف يفرح كثيرًا بالهدية.
ابتسم العجوز وقال منبهًا: أذهب إذن... ولا تنسى أن تعود غدًا وتصلح لي الدولاب.
واخذ كريستوف معطفه وارتداه: سوف أتٍ.
التقط قطعة قماش كانت على مقعده وأتجه نحو فرس خشبي صغير مصمم كأرجوحة ويلفه بالقماش، ويقف العجوز متكا على عكازه ممسك ظهره لينادي: كريس تعال لي.
استقام كريس يحمل الفرس أسفل أبطه وضاقت عينه: ماذا عمي؟
واقترب العجوز ببطء وهو يخرج بعض العملات المعدنية من جيبه، وقف قبال كريس وراح يدسه في جيبه: خذ هذه حقك...
أمتنع كريستوف، وحاول أبعاد يد العجوز دون أذيته: آه...كلا، كلا عمي، لا يجوز.
لكن العم امسكه من يده وراح يحشر النقود حشرًا في جيب معطفه: أخرس وخذه.
احنى كريستوف ظهره ليقترب من وجه العجوز ويمسكه من ذراعه: لا يجوز، أنا لا أصنع لك ما يستحق هذا المال.
فضحك العم: أنتَ كأبني الذي لم أحظى به ومن واجب الأب أن يهتم لأبنه ويصرف عليه، اليس كذلك؟ أسمح لي بهذا بني كريس، أرجوك.
وزفر كريس بعجز، ليبتسم ويعانقه: شكرًا لك إذن.
وبادله العجوز العناق ضاحكًا: كن رجل صالح كريس، أنتَ طيب، لا تسمح لهم أن يغيروك.
قبله كريستوف جبينه وأردف: أبي وأمي ربوني هكذا لن أتغير صدقني.
ليودعه ويودع زوجته. أخذ معه لعبة الفرس وبعض الفطائر اللذيذة التي صنعته زوجت العم ليعود للقرية.
*** *** ***
١٠٨٤ ب.ف.
في خيمة أوليفير، تجلس روز وحدها وهي تلتمس باطن راحة يدها، هناك حيث أحرق أوليفير يدها ولكن لم يترك أي أثر أو ألم سوى بعض الرماد. قبل قليل دخل عليها جورج وقدم لها صحن طعام واخبرها أنه سيغيب لبرهة ويعود.
لم تتحمل الجوع وأكلت ما جلبه رغم مذاقه العفن، هي لم تعرف حتى ما كان، فقط بلعته على مضض.
ولم تهدأ منذ أن حاولت قتل أوليفير ليلة أمس وهي وحدها في الخيمة ولم ترى أوليفير. غادر مع الرجل الاصلع ولم يعد، لكنها صباحًا سمعت صوته أمام الخيمة.
وفجأة وقفت، التوتر و الملل وضيق سيقتلونها، وقفت وراحت تبحث بفضول في طاولته المبعثرة، وبسبب توترها راحت يدها ترتعش، التقطت ورقة صفراء لفتت بصرها، رسم عليها رسم لخاتم بالماسة تزينه وكتب أسفله بخط هرومي حاولت قراءته بصعوبة: خا__م أ_ر_و_جن.
لم تفهم، ضاقت عينها لتحاول مجددًا: خات...م خاتم أور...جيل.
استوعبت أخيرا ما تقرأ واتسعت عينيها: خاتم أوجيل!
بان التعجب عليها، لما خاتم أوجيل؟ ما هو خاتم أوجيل؟ كل ما تعرفه أن أوجيل لقب يطلقه الهروميين على الملوك الذين يحكمون البشر في الضفة الشرقية من قاره الغرب، لكن... ما هو خاتم أوجيل! ولما أوليفير يمتلك رسم له.
لكن سرعان ما أوجست بعد أن سمعت صوت مألوف لها أرعبها وهو يقول: ماذا تفعلين يا جميلة؟
فزعت لتترك الورقة تسقط على الأرض. ترتبك وتحدق لذلك الذي حاول التعدي عليها، كما يناديه أوليفير المغتصب. يقف الآن أمامها داخل الخيمة ويحدق لها بنظرات لا توحي بخير أبدًا، ابتلعت ريقها، وتقدم هو بضع خطوات نحوها، لتقول بخوف: لا يمكنك أن تدخل هنا أنها خيمة... خيمة أول....
قاطعها ضاحكًا: خيمة سيدك لكن سيدك الأحمق تركها بلا حماية.
أقترب منها لتعود بخطواتها للخلف، وراح قلبها يقفز في صدرها من الخيفة، وتقبض يدها بقوة، وتقول بنبرة تحاول جعلها متماسكة: أن عرف أنك هنا سوف يقتلك، أنا من ممتلكاته الآن، لا يحق لك لمسي.
ضحك المغتصب، ضحك بصوت مرتفع: يا لكِ من ظريفة حقًا، لا تعرفين ما معنى كلمة هرومي ولا تعرفين قوعدنا.
وهنا حاولت روز أن تجري نحو فتحة الخيمة، حاولت أن تهرب بسرعة من جواره، لكنه كان أكثر يقظة وسرعة وجذبها بقسوة من ذراعه وبيده الاخرى حاوطها حول خصرها والصق جسدها به، حاولت الفلاة لكنه حاصرها ضاحكًا: أين تذهبين يا جميلة؟
تحاول دفعه بلا جدوى وراحت تصرخ: أبتعد عني، أبتعد، وألا أقسم أصرخ بأعلى صوتي.
ضحك ولم يهتم ويهمس جوار أذنها وانفاسه القذرة تضرب خدها ليقشعر بدنها: اصرخي... اصرخي لأرى! ولا أحد من سيدك وأعوانه هنا. من يساعدك؟ أخبريني؟ لا أحد، أنتِ ملكي الآن وأنا أشعر بالملل.
اتسعت عينيها، يده تلمسها وهي عاجزة تمامًا، أنه قوي كجبل جثم عليها وتصرخ... تصرخ وتحاول دفعه، أغمضت عينها بقوة وتشعر بشفاهه اللزجة تقبل رقبتها وخدها ويضحك عليها وهي تصرخ وتحاول دفعه.
فجأة حررها ورماها على السرير، وفورًا حاولت الهرب لكنه امسكها ورماها وجثم فوقها، يعتصر رسخها بين كف يده الواحدة. وراح ينزع معطفه الثقيل الاسود وهو يقول: هل تعرفين شعور رجل عاش في جفاف لأشهر؟ أنه قاسي والآن وجدت البئر وبئر بماء نقي لن أفوته قط.
وناوب بين يديه لينزع الكم الأخر ويقترب وجهه من وجهها بينما راحت تتلوى بعجز ودموعا تزرف بلا توقف وترتعش، لم يزده منظرها هذا ألا متعة ليقول: لما تبكين؟ ستستمتعين.
وصرخة برعب صرخت وهو أنقض عليها كوحش، يمزق ثوبها يلتمس جسدها، وتصرخ بين شهقاتها: أوليفير ساعدني... ساعدوني... أرجوكم…
لكن لا أحد في الجوار، وحتى من يسمع يصم أذنه وكأنه لا يسمع.
*** *** ***
١- الارضي المشتركة بين ملكتي ألب هروم و فيونس يطلق عليها "فيهروم"
٢- أوجيل الثالث: أوجيل هو لقب من جزئين "أوه" اي ملك و"جيل" تعني اراضي البشر في الجزء الشرقي من قارة الغرب، تشمل ممالك : ألب هروم ، فيونس ، روبكن، كاندل، زورن، دايهان، نيبور.
اوجيل الثالث هو ملك من الب هروم حكم بالقسوى و العنف ودمر جميع الاراضي التي حكمها او احتلها، حكمه بدا عام ١٠٢٤ ب.ف. و انتهى عام ١٠٤٤ ب.ف.
معلومة جغرافية عن العالم:
مملكة ألب هروم تقع على الحدود الغربية من مملكة فيونس.
و مملكة فيونس تقع على الحدود الغربية من مملكة دايهان.
الممالك الثلاث هن ممالك بشرية ظمن قارة يطلق عليها قارة "الغرب" وهناك ممالك اخرى بشرية وغير بشرية.
لقب ولنر هو لقب يطلق على عائلة من عوائل مملكة روبكن "مملكة للمتحولين الذئاب"
لكن العائلة شبه انقرضت ولم يتبقى منها الا القرصان روبن ولنر و كريستوف ولنر ابن اخيه ديكستر ولنر.
روبكن تقع شمال فيونس
لها حدود مع دايهان من الغرب
و مع الب هروم من الشمال الشرقي.
كريستوف ولنر من اي مستذاب "ديكستر ولنر" وام بشرية من دايهان "ألين لين".
لكن ديكستر كان قد ولنر وكبر وترعرع طوال حياته حتى موته في دايهان، بالتحديد العاصمة مانوران.
R_world