الفصل الاول: زرع في الجحيم

الفصل الاول: زرع في الجحيم

25 0

الفصل الاول : زرع في الجحيم

٤- نجاة

فيهروم، ١٠٨٤ ب.ف.

ابتسمت بخبث، قبضت يدها بقوة حول السكين، لن تقتله بالسيف، هذه مجازفة، صوت صليله وثقله على جسدها قد يجعله يفيق، السكين يناسبها، صغير يناسب يدها الصغيرة وناعمة.

ملامحها باردة أكثر من عيونه حتى، أهي أشد برود منه أم قسوة!

تتذكر صوت جدتها يدور ببالها، الرقبة... الرقبة أخطر مكان يمكن أن يطعن به شخص، لكن لا يجب أن يبقى الخنجر بها بل أطعنيه وأخرجيه بسرعة ليفقد أكبر قدر من دماء.

أخذت أنفاسها، تذكرت درسها، سبق ونحرت عدد لا باس به من الدجاج والخراف، لن يكون هو اصعب.

توقدت شجاعتها ترى هدفها، رقبته القذرة الواضحة أمام عينها أسفل وشم النجوم خلف أذنه، يبدو أنه يعرف نهايته هنا فرسم نجوم موته. وترفع يدها للأعلى، اخذت نفسا عميقا وزفرته، واخذت نفسا اخر لم تزفره بل انهالت عليه بالسكين لتتناثر الدماء على وجهها الشاحب.

لكن مهلًا... لقد أخطأت، تبًا لقد تحرك، تحرك في الوقت الخطأ ليصرخ بألم، توسعت عينها ترتجف يدها لكن لا مجال للتراجع قبضت يدها بقوة أكثر لتحاول أن تطعنه مجددًا، لكنه سرعان ما رفسها بقوة بقدمه على بطنها، لتندفع وتسقط أرضًا.

جلس أوليفير أمسك رقبته، تؤلمه بشدة ودم راح ينزف من بين أصابعه، ليقول بغضب: تبًا... تبًا لكم حقًا.

وروز لم تستسلم، رصت اسنانها بقوة، لا تعرف من أتتها هذه الشجاعة، احكمت قبضتها حول السكين لتندفع ناحيته محاولة طعنه مجددًا.

تظن بحق أنه ضعيف وأنها قادرة عليها؟ هل لأنه أقصر من أقرانه؟ لكنه في الكل الأحوال أطول وأقوى منها. حاولت طعنه في كتفه مجددًا لكنه تنبه لها ليتحرك فورًا ويمسك يدها التي تحمل السكين من ساعدها بكف يده اليمنى، وتصرخ هي بغضب وتحاول رفسه ودفعه وقد احمر وجهها: أتركني.

كانت هائجة لم يستطع التحكم بها بيد وحدة ترك الجرح الذي برقبته ينزل وبكلا يديه راح يحاول أخذ السكين منها ويصرخ بها: أتركيه بحق الرب.

وتصرخ كالمجنونة وتنتفض بين يده حتى سحب السكين وجرح باطن كفه ورماه بعيدًا، ومازالت ترفسه وتضربه وتصرخ به: أتركني، أتركني ومت يا لعين، لما لم تمت؟

يحاول إيقافها عن الهيجان هذا، ليحتضنها بقوة ويشعر بألم رقبته وكانه يتمزق اكثر مع كل حركة، واخيرًا دخل جورج فازعًا: سيدي!

لتتوسع عينه ويصيح به أوليفير: تعال وساعدني.

ليسرع ناحيته ويحاول أمساكها ومنعها من هيجان هذا حتى استطاعا السيطرة عليها بصعوبة حيث انحنت أرضًا تجلس على ركبها، متعبة، تتعرق رغم البرد، وتبكي. يمسكها جورج من كلتا يديها بقوة يثبتها من الأمام.

بين تشعر بثقل على ظهرها، بثقل جسد أوليفير الذي يحتضنها ولكنه أسقط ثقل جسده عليها كأنه ينام فوقها، تشعر بسائل دافئ يسيل من بين خصلات شعرها ثم على رقبته ويقطر على حجرها، انه دم، انه دم الجرح الذي صنعته، تبكي وتشهق، وتتنفس بصعوبة، ولكن صوت ونبضات قلبه المتسارعة كانت طاغية على صوت قلبها، تسمعها وتشعر بها وكأنها بجسدها هي ليقول جورج وهو لا يفهم شيء: ماذا يحدث هنا سيدي؟

حدق لأوليفير ليجفل: أنتَ تنزف!

أخذ اوليفير نفسا عميقا وقال وهو يخفف من ضغط ذراعيه حولها ويرفع يده ليتفحص الجرح: اللعينة كانت تريد قتلي وتهرب.

فزع جورج: ماذا!

نظر لوجهها مصعوقًا: هل جننتِ! أين تهربين؟ هل أنتِ غبية؟

ترمقه بنظرات مخيفة بعيونها الزرقاء الباكية المحمرة و مقلتيها ترتعش بحقد، لترص أسنانها بقوة: الموت أشرف لي من أن أبيع وأشتري بينكم.

ليدفعها أوليفير بقوة، دفعها وينهض ويده على جرحه يحاول منع نزيف اكثر، ويفتح درج من طاولة جوار سريره ويخرج ضماد و عبوة خمر وهو يقول: تريدين الموت إذن!

حدقت له: لقد حاولت قتلي في السابق! إذن لما لا تقتلني الآن؟

فتح فوهة قنينة الخمر بأسنانه وراح يسكبه فوق الضماد وتنهض روز على قدمها لتصرخ به بغضب: أقتلني ماذا تنتظر؟ القتل عندكم مثل تحية الصباح.

لم ينظر لها حتى بل رفع الضماد وراح يلفه حول رقبته، بينما يرتجف بدنها، انه يستفزها أكثر لتصيح كالمجنونة وتغمض عينها بقوة: أقتلني. أقتلني أن كنت رجل.

وتتفاجأ بصفعة على خدها جعلتها تخرس وقبل أن تدرك انه تلقت صفعة حتى شعرت بقبضته حول خصلات شعرها، وجذبها نحو مكتبه ليدفعها نحو الارض.

صرخت بألم ورفعت يدها تحاول دفعه هباءًا، فيما أجفل جورج غير مصدق ما يرى وحاول التدخل: مهلًا، سيدي...

وصاح به أوليفير بنبرة أمر لا جدل فيه: أخرج، أخرج الآن.

تسمر جورج مكانها، لم يتوقع قط أن شيء من هذا قد يصدر من سيده، تلبك وخرج مسرعًا. هو لن يستطيع ايقافه، عليه أن يطلب عون شخص قادر على السيطرة على جموح أوليفير.

دفعها اوليفير نحو الارض وجعلها تركع وهو محكم يده على خصلات شعرها ليقربها من مكتبه.

أخذ الشمعة التي على الطاولة، ليضعها على المقعد الخشبي أمام عينها، حاولت التملص منه دون نفع، يده تكاد تقلع خصلات شعرها وهي تصربه وتخرمشه ليتركها بلا اي نفع، اهو عديم احساس لهذا الحد.

وامسك كف يدها اليمنى ويضع باطن راحتها فوق نيرانها، نيران الشمعة الواهنة راحت تلاعب جلدها وتلسعه ببطيء.

حرارة بسيطة لم تؤلمها بقدر ما يؤلمها رأسها من قبضته، تشعر بأنفاسه جوار وجهها، ترى بمحيط رؤيتها عيونه الباردة تتابعها ولا تفارقها، دموعها تهطل دون توقف، تسمع كلماته بصوت هادئ: كنت لطيف معكِ، غيري يريك الويل. ومع هذا كله أنتِ لم تشكري خالقك على هذه النعمة.

لتقول بحدة بصوت متهدج وهي بدأت تشعر بلسعات حرارة الشمعة: أي نعمة؟ أن أكون عبدة لك؟

أوليفير: ما زلتِ لم تفهمي أنكِ محظوظة هنا!

سحبها من شعرها للخلف أكثر، لتتألم أكثر، ويقول: أنتِ لا تعرفينا، هرومي آخر غيري أقسم لم يدعك تنامي الليل ألا وألم سيطر على جسدك بأكمله، لن يترك عذراء قط، كنت رحيم معك، ماذا تريدين أكثر! لو فعلتِ ما فعلته اليوم بغيري لأحرق وجهك ولن يدعك تموتين...دفعت بك ثمانمائة... ثمانمائة راتب لثلاث أشهر، هل أدع ثمانمائة تذهب سدًا؟ كلا، وتأتين رغم طيبتي معك تحاولين طعني!

نار الشمعة بدأت تحرق باطن كفها، بدأت تتألم بشدة لتقول: أنا لست عبدة لكي أباع.

أوليفير: ولا أنا من وضعت هذا القانون! أنا أتيت هنا لأقوم بما طلبوه شعبي مني لم آتِ من دون سبب، شعبي طلب مني أن آتِ

تتسارع الدموع من عينها لتقول بنبرة خرجت راجية: يدي تحرقني.

ليقول أوليفير: وكتفي يؤلمني أيضًا!

استدارت قليلا تحدق له، وجهه بجانب وجهها لكنه غاضب، غاضب كما رأته اول مرة عندما اشتراها. تتسارع الدموع من عينها وترتجف شفتها لتقول: أتركني، أرجوك، لن أكررها.

أوليفير: وكيف أصدقك؟ أنتِ أفعى.

حركت رأسها نافية: أقسم لن أكررها، فقط أتركني يدي تؤلمني بشدة.

ليسمع أوليفير صوت رجل خشن: أولي...ماذا تفعل؟

أجفل، أبتعد عنها أخيرا، تركها لتسقط أرضًا متألمة ويقف ليستدير ويحدق لأليستر، الرجل أربعيني قوي البنية الذي دلف للتو ويرمقة بصدمة ودهشة لما يحدث هنا، انزل نظره لروز التي جلست تشق وتبكي وتمسك يدها التي احترقت راحتها ويرفع نظره لأوليفير ليحتقن وجهه ويصرخ به: ماذا تفعل بحق الرب!

بلع أوليفير ريقه، تلبك وقال: حاولت قتلي، لم أتمالك نفسي.

رفع أليستر حاجبية: من هذه؟

أوليفير: اشتريتها في الأمس.

أليستر بصدمة: اشتريتها!

أوليفير: أجل ما بك! ملكنا قرر بيع أسرى فيونس عبيد.

اتسعت عيني أليستر، لا يعرف ماذا يقول حتى ضاعت الكلمات من فمه.

*** *** ***

١٠٩١ ب.ف.

في جزيرة منعزلة.

فتح عينه، رؤيته مشوشة جدًّا، يكاد لا يبصر شيء، أصوات عالية حوله لا يفهمها تبدو كغناء سيء جدًّا، يشعر بدوار حاد، بدأت الرؤية تعود له تدريجيًا، عيونه تعتاد الظلام. يرى السماء فوقه بقمريها ونجومها المتلألئة.

لم يحرك جسده قط يستلقي كصخرة هشة ويشعر بالأعشاش تحت جسده، اي حركة ستحطمه، يكتف باقل مجهود ممكن وهو التنفس، حتى التنفس بات صعبًا. وحرك مقلتيه جانبًا ليرى رجال نحال طوال كالعصي يتراقصون ويقفزون يصرخون ويصفقون ويولولون أمام النار بشكل غريب.

وشعر بكهربة الألم تسري من رأسه تعبر بلمح البصر عبر عاموده الفقري وتتسع إلى أطرافه، تتشنج عضلاته ويتألم... لأول مرة بحياته يتألم بهذا الشكل.

ولا طاقة له ليئن حتى، ينظر لقوم الجزيرة، نحيلين سمر البشرة طوال القامة لا شعر لهم هل يعقل هم بشر! هل سيأكلونه، لا لحمه قاسي حتى على اسنانهم البيضاء الناصعة.

أوقدوا نيران ضخمة، وزينوا الأرض حولها ويرقصون رقصة غريبة. ويرتدون ثياب من أوراق الشجر بالكاد تستر عورتهم.

عليه أن يتحرك لن يبقى هكذا ينتظر أن يقتلوه. تمالك نفسه، حاول الحرك لكن جسده يؤالمه وأجنحة فردت أسفله مكسوة ثقيلة جدًا عليه، وريش تهلس منها وجروحه ضمدت بمادة خضراء غريبة لا بد أنها من خلطاتهم.

أبصره أحد رجال القبيلة هذه، رجل عجوز هرم نحيل بشكل مبالغ، اقترب منه ليوجس توماس حاول أن يتحرك أسرع، أن يزحف حتى، يتمسك بقبضتيه في التراب ويحاول شد جسده ويرص اسنانه، احمر وجهه واتسعت شرايينه، لكنه عاجز، جناحية عائق له بعدما كانت مصدر قوته وأمانه.

اقترب الرجل النحيل منه بحرص وخطى خفيفة لا صوت فيها. دقات قلب توماس تخفق بسرعة نفسه يضطرب واستسلم، لا سبيل للهرب، ينظر لوجه العجوز الاسود لا يرى معالمه من الظلام لكن تلك العيون كبلورتين بيضاوين تسطع في الظلام.

يلهث توماس وراحت دموعه تذرف، ويرفع الرجل كفه ليلتمس بأطراف انامله الرفيعة وجه توماس ويمرره على ثناياه، كأنه يكتشفه. يمسك شعره البني المبعثر. غريب منظر توماس بالنسبة له، لينتبه له بقية قومه ويسمعهم يتحدثون بلغة يقسم أنه لم يسمع لها مثيل قط، لغة اشبه بالطرقة او ضرب الحجر من كونها لغة.

ويقتربوا منه ،وانتفض جسد توماس ويرى تلك الاجساد السود النحيلة تحاوطه من كل صوب كأشجار النخيل العالية. بعضهم جلسوا حوله وراحوا يلتمسون اجنحته واخر حاول شدها، المه بشدة فما كان منه الا ان حاول رفسه، وصاح به: دعني

وتوقفوا جميعا عن لمسه صمت ثقيل حل وتلك العيون البلورية الساطعة تتأمله في الظلام، مشهد موتر، يسمع توماس صوت قلبه بوضوح وفجأة انقضوا عليه، فزع ويحاول دفعهم لكنه غير قادر يسحبوه من جناحيه على الأرض بصعوبة، يدفع بقدمه الارض ويصرخ يحاول الفلاة منهم، حتى تركوه أخيرا أمام النيران.

جلس ينظر لهم بخوف، أهذا كل شيء؟ أسيتركوه الان؟ بالطبع لا. اقترب منه أحدهم، رجل يختلف عنهم بثيابه حيث زين نفسه ببعض الألوان، يتأمل توماس بتمعن

وسار ليقف فوقه وضاقت عينه.

حاول توماس تهدأت نفسه، لن يبدو ضعيفًا أمامهم، ونظر لعيونه مباشرة، لكن حتى تواصل العيون لم يكن مجد ليفهم ما يريدون.

يرفع الرجل يده يلتمس وجهه مجدًا أرتعب توماس لكنه فضل الثبات ربما الأمر ليس بهذا السوء، حرك الرجل يده يلتمس خديه ثم أمسك أنفه كأنه يتفحص أجزاء وجهه حتى أذنه وفمه لم يتركها وأستكشفهم والقوم بأكمله يحومون حوله صامتين يمعنون النظر.

ويرفع الرجل يده يمسك شعره ويستكشف ليسحب خصلة ويسحبها بقوة ليقطعها من مكانها وتأوه توماس ألم ليرفع يده ويمسك رأسه حيثما قطع شعره.

ضاقت عيني الرجل أكثر، وبيده خصلات شعره البنية، ليلتف نحو قومه يقول شيء جعل القوم يندهشون، هذا واضح من معالمهم.

ويرفع الرجل خصلات الشعر التي اقتلعها، تأملها برهة ثم رماها في النار وتشتعل الخصلات وتختفي في لمح البصر.

ضل الرجل يتأمل النار لبرهة ليعود لتوماس ينظر له لينتقل يلتمس كتفيه يديه وصدره يكتشفه كأنه يكتشف حيوان جديد.

يحوم حوله ويكتشف جناحية، وتوماس بحيرة من أمره، تركه يتفحصه لعلهم لن يؤذوه أكثر. بدأ يهدئ ويزول شيء من خوفه، حتى أمسك الرجل سرواله يكتشفه فهم لا يملكون ثياب، وحاول شده لينزعه إياه ألا أن سرعان ما دفعه توماس بخفة بقدمه، وحدجه الرجل بتعجب ليحرك توماس رأسه نافيًا لعل الرجل يفهم عيونه.

لكن الرجل مد يده مجددًا ويحاول أن يخلعه سرواله. فزع توماس ليدفعه أقسى هذه المرة لكن الرجل مصمم، ويصرخ برجال قومه ويسرعون ناحيته ليعاونوه أنقضوا عليه ليصرخ توماس فزعًا، هم لا يحاولون فقط أن يخلعوا له بنطاله بل أنهم يشدوه من شعره يقطعون خصلاته بين أيديهم، ليصرخ... يصرخ ألم ويشعر بنغزات بجناحيه التي يهلسون ريشهما.

يصرخ برعب يسمع صوت الغريب، صوت غنائهم الغريب بعض رجالهم أنقضوا يهلسون شعره وجناحية وبعض أخر راحوا يرقصون ويغنون حوله وحول نيران وصرخات ألمه مجرد معزوفة تضاف للحن.

*** *** ***

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

جان

المؤلف R_world
2025/09/12 مستمرة
قائمة الفصول (7)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة