الفصل الثاني
٢- انتقام
١٠٩٨ ب.ف.
في القرية هاليست، والشمس بدأت تغرب. وقف ولنر أمام قبر ترابي احيط بحجر مرصرص وحجر ضخم أعلاه نحت عليه بخط متعرج سيء "ألين جون لين، ١٠٩٥ ب.ف"
احنى كريس ركبه وراح ينفض الأوساخ عنه وينظفه لم يمر اسبوع منذ آخر زيارة له ونظفه جيدًا ليعود ويجده هكذا مجددًا.
أخذ زهور من باقة الورد التي جمعها في طريقه، ليضع بعضها على تراب القبر، وابتسم. لطالما احبت أمه الزهور، لطالما كانت تقطف الازهار من الحقول أو الغابة أو تزرعهم. وعندما مرضت أخذ هو هذه المهمة، جمع الازهار لها ووضعها جوار سريرها لتراها ويسعد قلبها بها.
كان يعتقد أنها تفعل ذلك لحبها للزهور فقط لكن في أحد الليلي حيث أشتد عليها المرض وراحت تهلوس امسكت يده واعترفت أنها تجمعها لأجل ابنتها، تجمعها لشقيقته المفقودة التي كانت تحب جمع الزهور.
لم تعش أمه بعدها ألا لأيام ومنذ وفاتها لم تدخل الزهور لمنزله. ف أيفا لا تحب الزهور.
يجلس كريس القرفصاء، لقد مرت ثلاث سنوات نسى بها كيف تبدو ملامح أمه، لكنه يتذكر بوضوح شقيقته التي فقدها وهو في العاشرة، يتذكر بوضوح وجه ابيه على منصة الاعدام، لكنه... لكنه نسى كيف تبدو امه...امه التي عاشت معه اطول مما فعلا ابيه واخته وهذا يشعره بالمقت من نفسه.
ابتلع ريقه وهو يمسح على التراب، أبسط ما قد يفعله لتخليد ذكراها في قلبه هو أن يلتزم بوصيتها، ان يكون شخص جيد، أن لا يسرق ولا يضرب ولا يقتل ولا يكون ظالمًا.
أنه صعب في عالم يحمله فوق طاقته لكنه كان يعدها كل ليلة قبل النوم.
ابتسم بحزن وشوق لها، وقبل شاهد قبرها، ونهض.
أخذ نفس عميق ليرتب باقة الزهور التي بيده حيث تحوي زهور بيضاء جميلة زهور البابونج الناعمة.
ويتحرك كريس مبتعدًا عن القبر نحو شوارع القرية الطينية.
وكالعادة راحت نظرات المقت تحدجه من كل من يمر فيه، تعود عليها رغم أنه لم يضرهم يومًا ولم يحدثهم حتى. شيء وأحد يعرفه أنهم يخشونه أكثر مما يكرهوه. شعب جاهل، يظنوه نحس ويجلب الشؤم لهم أن حدثوه أو اقتربوا منه. وهذا يحميه من شرهم قليلًا.
اقترب من منزله، يريد أن يفاجأ زوجته وأبنه الصغير لذا قرر أن يدخل خلسة من دون أن يصدر صوتًا.
فتح الباب بخفة، هو ماهر في هذا، ودلف للمنزل بهدوء لكنه تعجب بعد أن أبصر شيء غير معتاد عليه.
بجانب حذاء زوجته هناك فردتين من الأحذية الرجالية ليست له هو، احذية فاخرة نضيفه وأصغر من قياسه من المستحيل ان تكون له. تعجب لأمرها ويسمع أصوات همهمة داخل غرفة الجلوس، لم يرتح قط، يعرف هذا الصوت جيدًا، صوت ذلك الشاب الثري الذي يمقته، أبن الأصغر لصاحب المزرعة، أنزل هدية أبنه ليضعه على الأرض بخفة دون ان يصدر صوتًا، ولم يغلق باب المنزل خلفه. دلف وهو يحمل الزهور والفطائر، دلف بحزر يسمع صوت الرجل يقول: ما بك يا أيفا! ألم تقولي أن زوجك لم يعود ألا بعد أن تغيب الشمس! مازالت الشمس ساطعة ألا تريها؟
تنهدت أيفا: هذا لا يعني أنه لن يعود قط، لا تنسى أنه ذئب.
الرجل بسخرية: ذئب! أنا لا اري فيه ألا عيون لامعة لا فائدة منها.
أيفا بحدة: أخرس، حاسة الشم لديه قوية جدًّا ماذا أن شم رائحتك في منزل! ماذا اقول له؟ كيف أبرر له؟ هل اقول له أني أدخلت رجل غريب لبيته؟
الرجل: قولي إني جئت أزوره ولم أجده.
أيفا: وكيف أبرر له رائحتك في غرفة نوم؟
الرجل: أنتِ تعقدين الموضوع، هل زوجك كلب لهذه الدرجة؟
قبض كريستوف يده بقوة حول الزهور بلع ريقه ويسمع كلمات الرجل كالسكاكين تطعن كبده: أنتِ حمقاء أيفا. أقتليه وتخلصي منه. ماذا تنتظرين؟ هو ينام في الليل، خذي السكين وأطعنيه ونأخذ راحتنا أنا وأنتِ والقرية بكبرها، ما رأيك؟
صاحت أيفا بامتعاض: وزوجتك!
الرجل بنبرة مستهترة: لا تهتمي لها، أعرف كيف اتخلص منها.
ترتجف يد كريستوف بقوة ويترك الزهور ليضعها جانبًا على الطاولة بجانب البوابة ومعها فطائر. أصدر صوت، صوت حذائه الذي ارتطم بالأرض وصرير الخضب، لتجفل أيفا وتصيح: من هناك؟
تحركت تريد أن تتجه لمصدر الصوت لكن سرعان من تسمرت مكانها لتتسع عينيها وهو ترى كريستوف يقف جوار باب غرفة الجلوس بوجه شاحب ومعالم صارمة ارعبت قلبها.
فزعت وفزع الشاب الثري الذي كان يجلس على الأريكة بأريحية فردًا ذراعيه ليقفز من جلسته متوجس، لكن سرعان من ابتسم ابتسامة مصطنعة طبعًا وقلبه ينتفض في صدره ليقول بلهفة: ولنر!
يقف ولنر بجانب الباب عينيه الصفراء تتقلب بينهما، نظراته باردة حادة لا توصف.
ابتسم الشاب بتردد: أنتَ هنا! جئت لهنا لأسأل عنك، لدي عمل لك.
أبتعد كريستوف عن باب غرفة الجلوس وقف جانبًا ليقول بنبرة باردة: أخرج.
الشاب بحيرة: ماذا؟
أغمض كريستوف عينه بقوة وأنزل ذقنه وادخل ابهاميه في جيوب معطفه وقال بحدة: أخرج من منزلي.
أيفا برجاء: كريستوف أسمعني أنا...
قاطعها ليصرخ بها بغضب ونظر لها بعيون حمراء: أخرسي.
ويعيد نظراته للشاب الذي ارتعد منه: أخرج الآن من منزلي.
لم يتحرك الشاب يخشى أن يقترب منه، ليقول كريستوف بحدة وهو يهز رأسه: لن تخرج إذن؟
ليسرع ناحيته ويفزع الشاب، أراد الهرب لكن سرعان من قبض كريستوف يد حول ياقته ليسحبه منها لخارج المنزل ويفتح الباب ويرميه بقوة في طين الطريق خارج المنزل جاذبا انظار جميع سكان القرية.
رماه ليصطدم جسد الشاب بالطين وقبل أن يستوعب ما يحدث وقبل أن ينهض أنهال عليه كريس باللكمات القوية على وجهه صرخت أيفا فازعة أسرعت ناحيته تريد إيقافه وهو يلكم الشاب على وجهه حتى امتلأت قبضته دمًا وطين، ويصرخ به: وغد، عندما اقول أخرج من منزلي تخرج، تخرج ولا تجادلني.
أمسكت أيفا يده تحاول منعه وتصرخ: توقف كريس.
لكنه دفعها بعنف لتسقط أرضًا ويلكم الرجل بقوة حتى كاد يفقد وعيه ثم دفعه بعنف ووقف لاهثا، صدره يرتفع وينخفض وهو يراه يتلوى في الطين اسفله ويسعل الدم واسنانه. يئن ألم وسط فزع أهل القرية لكنهم لا يقتربون.
ليرفسه كريس على معدته ويقول: سوف أعلمك درسا لن تنساه أصبر فقط وانتظرني.
والتف ولنر نحو ايفا التي تجلس وسط الطين تطالعه برعب، و ما ان خطا كريس نحوها حتى دفعت قدميها في الطين لتزحف للخلف خائفة منه لكنه جذبها بعنف من مرفقها وجعلها تقف ليسحبها خلفه للمنزل ويدفعها قبله ليغلق الباب بقوة وهي تتوسل برجاء: أرجوك أسمعني...أسمعني أولا ...كريستوف.
سحبها لغرفة الحلوس ليرميها على الأريكة أمامه. أجفلت منه ترتجف بخوف وتتوسل: أرجوك، أنتَ فهمت كل شيء خطأ، أرجوك، أسمعني.
يقف أمامها ثائر كوحش يكاد ينقض عليها، يحدق لها وي بعيون حمراء، ويقول بين انفاسه المضطربة: أسمعك!
ليصرخ بها وقد احمرت رقبته واتسعت عروقه: ها أنا أسمعك تكلمي، تكلمي أسمعك.
اتسعت عينه رعبا، راحت ترتجف، تتنفس بقوة وتسمع صوت بكاء الطفل في طابق الثاني من المنزل.
تجده جلس امامه على ركبه يده على جوار الاريكة وعيونه المرتعشة تنتظر كلمة منها بلهفة عجيبة، لم تراه سابقًا هكذا أبدًا، ليقول بصوت خافت مختنق: تكلمي... أخبريني... هيا برري لي.
بلع ريقه قبض يده بقوة على حافتي الأريكة: بماذا قصرت معك؟ بماذا؟ أعطيتك كل ما أملك. بماذا قصرت معك لتخونيني؟ منزل! هذا منزل لك...اطفال! نملك طفل في الأعلى...مال! لدينا ما يكفي. لا نعاز أحد كل ما تريدينه أتٍ به لك.
ليصرخ بغضب: بماذا قصرت معك؟ ...بماذا؟
فزعت أيفا للتسارع الدموع من عينها وتقول بتلعثم: أنا...أنا...
كريستوف بغضب: أنتِ ماذا؟
اقترب منها بينما هي ترتعش وقال وهو ينظر لعينيها الباكية: لم تحبيني يومًا. منحتك حبي وكل ما أملك. لكنك لم تحبيني أبدًا...لكن...ماذا فعلت لاستحق هذا؟ أخبريني.
ابتلعت أيفا ريقها وتعتص ثوبها بين كفيها: صدقت... لم أحبك يومًا. لكن لا تعرف ما كنت أعيشه، لا تعرف ماذا كان يفعل أبي بي! أردت الهروب منه ولم أجد أحد أمامي غيرك، كنت تحبني واستغللت حبك لأهرب من أبي.
تتسارع الدموع من عينها وترتجف: كنت طيب معي، أنتَ لم تقصر بشيء... لم تقصر بشيء لكني لم أردك من بداية كريس.
بلع ريقه: منذ متى؟
لم تفهم أيفا عليه ليصرخ بها بغضب ويضرب يده بالطاولة بقوة: منذ متى وأنتِ على علاقة مع ذلك الوغد؟ منذ متى وأنتِ تخونيني معه؟
لم تجبه ليمسكها من فكها بقوة ويقرب وجهها منه: منذ متى تخونيني؟ أخبريني... منذ سنة سنتين أم ثلاثة!
أنزلت عينها لا تجرؤ ان تنظر لعيونه، وصمت ثقيل طغى للحظات ليدفعها بقوة: قبل أن نتزوج؟
احتضنت نفسها وتبكي: آسفة حقًا.
توسعت عيونه: هو أبني أم أبنه؟
حركت رأسها نافية ليصرخ بها: أبني أم أبنه؟
صاحت أيفا بين دموعها: لا أعلم.
توسعت عينه، قبض يده بقوة: يا لك من لعينة، يا لك من لعينة.
أيفا: آسفة، أنا حقًا آسفة كريس.
نهض كريس على قدمه: لا أريد رؤيتك، لا أريد رؤيتك مجددًا.
ليتحرك يهم في ترك المكان، خرج من غرفة الجلوس يسمع صوت نحيبها وبكاء الطفل الصغير في الأعلى لكنه تجاهل كل شيء، ألتقط باقة الزهور البيضاء ويترك المنزل.
*** *** ***
١٠٨٤ ب.ف.
في مخيم الهروميين، يسير أوليفير بصمت عائد لخيمته، يسير متعجب من نظرات الرجال له، نظراتهم غريبة تجاهه، ويتهامسون خفية. ضاق بصره وقرر التجاهل. لعلها اشاعة جديدة لتدمير سمعته أكثر مما هي مدمرة. أكمل طريقه نحو خيمته، وفور أن رفع استارها ليدلف ليتسمر مكانه وتتسع عينيه.
يبصر ذلك المغتصب يقف أمامه ويرتدي قميصه، وهو الأخر صدم بدخول أوليفير، تسمر مكانه ولا صوت سوى الأنين... أنين روز.
ابتلع المغتصب ريقه، كان من المفترض ان أوليفير سيتأخر أكثر. لكنه ها هو يقف أمامه متسع العينين.
حول أوليفير نظره ببطء نحو لسيريه، سريره الذي ينام عليه كل ليلية، وبين فراشه يرى رعشت جسدها المتلحف بغطائه هو، يرى قدميها الملطخة بالدم وشعرها الذي تناثر ويخفي وجهها، يسمع شهقاتها المختنقة.
سرت قشعريرة في جسده وبدأت دقات قلبه تتسارع، تتسارع حتى يسمعها تدق في طبلة اذنه، اعاد نظره للمغتصب، نظرات جعلت المغتصب يتردد، نظرات لم يراها سابقًا على وجه أوليفير أبدًا ليقول وطيف ابتسامة مترددة على زاوية شفته: ما بك! لا تحدق لي هكذا، أنها عبدة لا تقارن ببني قومك يا أوليفير.
اهتز رأس أوليفير بحركة غير إرادية، قبض يده بقوة حول مقبض سيفه البارد حتى أبيض جلده ويكمل المغتصب اغلاق ازراره ويقول: أشخاص مثلها هذا مستواهم في الأساس، هي ليست بشريفة، النساء خلقوا ليلبوا احتياجاتن...
ونزل لينتشل معطفه من الارض وفور ان رفع رأسه حتى شهق، شهق بعنف وتندفع الدماء لتسيل من فمه رفع بصره ليرى عيون أوليفير المرتعشة تقابله، ترتجف في مقلتيه ويغرز السيف اعمق في امعائه ويمزق لحمه واعضائه وطرف السيف يخرج من ظهره الدماء القانية اللزجة تسيل على كفي يدي أوليفير المرتعشين حول مقبض السيف ويقول مشددة على كلماته: لن تلمس اغراضي وتنجو، لن أسمح لك.
تتسع عيني المغتصب، لم يستطع قول حرف واحد لم يستطع الصراخ من الألم حتى ولوى أوليفير السيف في امعائه لتتمزق ويشهق المغتصب أكثر، وتندفع دماء أكثر من فمه، ويقول أوليفير بينما يرتجف جسده بأكمله: لن تمس فتاة تحت حمايتي وتنجو، أنها أشرف منك يا لعين.
ويسحب السيف وتتدفق دماء المغتصب ليسقط على الأرض جثة بلا روح، لكن أوليفير لم يكتفي، ليغرز السيف به مجددًا، في صدره، وراح يطعنه بعنف ويقول بغضب: لتذهب للجحيم يا لعين.
ووقف يلهث وهو ينضر لجسد الرجل الميت وبركة الدماء حوله، أخرج السيف الذي يقطر دما ليرميه بعيدًا، ويرتد صوت صليل المعدن، كفيه المرتعشين يقطران دمًا، فراح يمسحهما بعنف بمعطفه الأسود. ويتجه ناحية روز، رفع ركبه وجلس على السرير خلفها، ترتعش كغصن اسفل الغطاء، لم يعرف كيف يتصرف ولا ما يفعل لم يكن قادر على التفكير، أمسكها من كتفيها ورفعها، يحدق لها، مستسلمة كليا، وجهها الاحمر الغارق بالدموع، عينيها المنتفخة مغمضة، ليهزها، يهزها ويقول بتلبك: أنتِ ... اجيبي.
فتحت عينها بصعوبة ونظرت له نظرت له نظرة حطمت كل في ما فيه، نظرة جعلته يكره نفسه ويشعر كم انه وحش لها، بلع ريقه وراها تبكي، الدموع راحت تتسارع من عينيها... نبكي بحرقة. واحتضنها، كل ما فكر فيه أن عليه حمايتها، ضمها بقوة ضمها ويشعر برعشتها تسري بجسده هو ، وانفجرت هي تبكي وتشهق وترتجف كأنها أفاقت للتو، بكفيه احككت قبضته على معطفه الملطخ بالدم، تحتضنه بقوة ، لسبب ما شعرت انها ستكون أمنه الآن، وتبكي لم يعرف هو ما يفعل، يربت على كتفها على مهل ويقول: لا بأس، لا بأس، أنا آسف، آسف... لن يتكرر هذا مجددًا، أعدك... أعدك.
لكنها فقط تبكي وترتجف ما فائدة هذا الوعد الآن.
*** *** ***
١٠٩٨ ب.ف.
أظلمت السماء بجانب قبر صغير، يجلس أمامه ينظر له بعيون ملأت بالغضب، الزهور البيضاء فرشت على القبر حرك يده يلتمس تراب القبر يتأمله بألم، بلع ريقه تمتم بحنق: ما الذي فعلناه يا أمي لنستحق هذا المصير؟ ما الذي أخطأنا به يا أمي؟
قبض يده على كومة التراب والزهور، الغضب يشتعل بداخله: العالم ظالم معنا، العالم يكرهنا، العالم يريد أذيتنا، ما ذنبنا؟ أين أخطأنا يا أمي؟ أنا لم أظلم أحد قط، لما يحدث هذا معي يا أمي؟
أغمض عينيه… وتذكر.
قبل سنوات، منزل خشبي بسيط يكاد يسقط.
أمه أمام القدر وتعد الطعام، امرأة نحيلة متعبة، يراقبها كريستوف المراهق بصمت، وجهه زين بالكدمات وتأنبه والدته: لا تقع بينهم مجددًا، كل يوم تأتيني مضروب.
عبس كريستوف بضيق: كان يجب أن أضربهم.
رمقته والدته بغضب من جانب كتفها: وأن ضربتهم؟ ماذا سوف تكسب؟ سوى أنهم سوف يأخذوك مني.
كريستوف: وهل سوف أبقي ساكت؟ أضرب وأنا صامت يا أمي؟ لا أدافع عن نفسي؟ هل هذا يرضيك؟
تنهدت والدته لتكمل تقطيع الخضار: وأن ضربتهم! أنظر لوالدك، ردهم وماذا كان مصيره!
قبض كريستوف يده بقوة وشاح بنظره عاقدا ساعديه لصدره: لا تأتي بسيرته.
وضرب أمه السكين بقوة اجفلت قلبه، التفت نحوه صارخة بغضب: أنه والدك، والدك مات مظلوم.
ليصرخ كريستوف: أنه خطئه، بسببه نحن نعيش هكذا.
اتسعت عيني أمه بصدمة تركت ما بيدها: ما الذي تقوله يا كريس!
ترتجف يدها واغرقت عينها بالدموع: أنه والدك الذي أحبك دومًا، لما تتكلم عنه هكذا؟
لتصرخ به وترتجف: لما تتكلم عن والدك هكذا؟ أنتَ أبنه، أنتَ الذي يجب أن تدافع عنه، لما تتكلم عن والدك هكذا؟
يحدق لها كريس المراهق بصمت، كانت لحظة غضب لم يعنيها. بلع ريقه وانزل نظره بحرج: آسف، لم أقصد.
والدته بحنق: لا تكرر هذا الكلام مجددًا، لا أريد أن أسمعه من لسانك.
لتعود وتكمل تقطيع الخضار بيدها التي ترتجف، وتمسح دموعها التي تهطل رغما عنها بطرف كمها وتعاتب: أنظر أين نحن بلا ديكستر، بلا أبنتي الحبيبة، كان يجب أن نكون عائلة سعيدة، لقد أخذوا مني زوجي وقتلوه اخذوا مني أبنتي الصغيرة.
نهض كريس نحوها امسك يدها وقال برجاء: لا بأس أمي، لا بأس، أنا هنا، أنا معك.
التفت تنظر له لعيونه الصفراء البراقة كعيون ابيه، لم تستطع ان تتماسك أكثر وارتمت تحضنه واجهشت بالبكاء وهي تقول: لا تتكلم عن أبيك بالسوء كريس، أنه يحبك، أنه يحبك للغاية.
بادلها العناق ويقبل رأسها: وأنا أيضًا أحبه أمي، أنا أيضًا أحبه.
وفي الوقت الحالي يحدق بقبر أمه، بلع ريقه حرك رأسه نافيًا: أنا أحبه أمي... أنا حقًا أحبه لكنه السبب لكل شيء لكنه هو من أوصلنا لهنا بسببه، قُتل الكثير بسببه، قُتلت أختي يا أمي بسببه، ظُلمنا وأخذوا منا كل شيء يا أمي، أخذوا منا كل شيء.
قبض يده وتضطرب أنفاسه: لكن هذا يكفي.
نهض على قدمه وينظر للقبر وكأنه يحدث امه فعلًا ويقول هازًا رأسه: لن أسمح لهم باستغلالي مجددًا، لن أسمح لهم أن يستخفوا بي مجددًا، لن أسمح لهم أن يؤذوني ويأخذوا مني ممتلكاتي مجددًا، لن أصمت مجددًا يا أمي، لن أصمت قط، سوف أخذ حقي منهم وبالقوة... سوف أخذه.
ويندفع مبتعدًا عن القبر، الليل انزل ستاره المعتم، شوارع القرية الصامتة هادئة خالية كليًا لا صوت ألا طنين الحشرات، أخذته قدمه أمام الباب الحديدة الكبيرة لمزرعة عائلة الشاب الثري.
هناك، يجلسون حراسها الثلاث ويضحكون ويتسامرون، وسط الظلام أبصر أحدهم، شاب نحيل وطويل، شخص قادم، شخص طويل عريض المنكبين يتجه نحوهم، نهض وهو يحمل فانوس النور ضاقت عينه يحاول أن يتبين هوية الرجل القادم وينادي: من هناك؟
اقترب الرجل أكثر ليقول الحارس الآخر البدين الذي يجلس على مقعده الخشبي وهو يحك ذقنه: أنه ولنر.
اقترب ولنر وراح النور ينعكس على وجهه وتلمع عينيه الصفراء بشكل مبالغ، وقف من الطرف الأخر من البوابة الحديدية ينظر من خلال القضبان للحراس الثلاث بداخل المزرعة ليقول النحيل باستهجان: ماذا هناك ولنر؟ لما أنتَ هنا بهذا الوقت؟
يقف كريستوف بثبات، وكفيه بجيوب معطفه، وجهه أكثر برود من المعتاد ويقول بتبرة جافة: أريد أن أقابل الأبن الأصغر للسيد.
ومن الظلام خلف الرجلان البديل والنحيل ظهر رجل ضخم الجثة، دميم الوجه و الخلق، اقترب بخطى ثقيلة يعتز معها كرشه الضخم وامسك القبضان الحديدة بكفين وضيق نظره وهو ينظر لعيون ولنر البراقة ويقول بحنق: لعين مثلك لما قد يرضي أبن السيد الصغير أن يقابله بوقت كهذا؟ أم أنك نسيت نفسك يا ولنر؟ أتريد أن أذكرك بمكانك يا أبن الخائن؟
رفع كريستوف يده ليفرك بطرف اصبعيه الابهام والسبابة صدغيه، وأغمض عينه بضيق كمن بعاني من صداع، وتنهد بعمق والرجال الثالثة يرمقوه بصمت ثقيل، لينزل ولنر ذراعه وتقطب جبينه ويقول: تفتح البوابة أم لا؟
وبصق الرجل الضخم على الارض ببنهما قائلا: عد لمنزلك أيها الوضيع.
ويعود بخطواته للخلف ليجلس، ويدخن سكائره، يأخذ نفسًا عميقًا ثم ينفث الدخان وهو يراقب ولنر ساخرًا، ينظر له ولنر لم يزح عينه عنه، وابتلع الشاب النحيل ريقه بتوتر، هناك شيء غير مريح في الجو بكبره، ونظرات ولنر نحو رفيقه الضخم تقلقه.
وأومأ ولنر رأسه ليعود بخطواته للخلف ويختفي في الظلام، ليتنفس الشاب النخيل الصعداء ويقول: ماذا كان يريد بهذا الوقت؟
تنهد الرجل البدين: لعين عاهر مثله ماذا يريد غير المال!
ثوانٍ حتى أجفل الشاب النحيب وأسقط الفانوس أرضًا بعد أن سمع اهتزازًا قويًا لبوابة الحديدة خلفه، لم يكن سوى ولنر الذي عاد راكضًا وثوانٍ حتى قفز فوق البوابة ليعبر للطرف الآخر ببراعة فائقة وتلامس قدمه الأرض وتهتز الباب الحديدة بقوة، أجفل الرجل الضخم وقفز من مكانه صارخًا: أيها الوغد.
ويندفع ناحية كريستوف ولنر مكور قبضته في نيلة لكمه ألا أن كريستوف راوغه وأبتعد عن لكمته، وبيده احكم قبضته حول رسخ الرجل الضخم وبقبضة يده الاخرى ضرب بكل قوته نحو مرفقه فعلا صوت طرقه العظام وتلاه صرخة مدوية اخرجها الضخم، لقد كسر مرفقه بالطبع وصاح ولنر به: سوف أعلمك من الوغد هنا.
دقائق قليلة مرت ونهض كريستوف لينفض معطفه ويكمل طريقه نحو منزل العائلة الفاخر، تارك خلفه الحراس الثلاث للبوابة وهم على الأرض يأنون من الألم ومربوطين بشجرة جوار الباب وحشر جواربهم العفنة في افواههم.
داخل المنزل جلس أبن الأصغر للعائلة في سريره، متلحف بغطائه الدافئ ووجه متورم من لكمات ولنر له لكنه صمت ولم يعلم أحد عن سبب ضرب ولنر له، ومنع ابيه واخوته من الذهاب لولنر والاقتصاص منه خشية ان تكشف فعلته القذرة.
أغمض عينه يحاول النوم وفور أن بدأ يشعر بثقل جفونه حتى أزعجه صوت طرقات عالٍ على باب غرفته، تجاهله وتقلب في سريره، وحاول ان يستدعي النوم مجددًا لكن صوت الطرقات تكرر وبقوة أكثر، تنهد ليصرخ: ألا تتركون أحد لينام براحة!
وتكرر صوت الطرقات اقوى، نهض على قدمه ليقترب من الباب ويصيح: يا لك ِمن بغيضة، قلت لكِ عودي لمنزل أمك...
وفتح الباب وصمت، أخرس وعلقت الكلمات في حنجرته، ارتعش بدنه واتسعت عينيه ويبصر كريستوف ولنر يقف قباله وتمتم بتلعثم: ما...ماذا تفعل هنا؟ كيف دخلت هنا؟
يحدق له كريستوف بحدة: أسلم عليك.
ليدفعه لداخل الغرفة ويدلف خلفه وهو يغلق الباب: هناك حساب بيننا لم يكتمل.
بلع الشاب ريقه، يعود بخطواته للخلف ويتلعثم قائلًا: ولنر... لا توقع نفسك في المشاكل... أنتَ تعرف من أكون وماهي سلطتي.
يسير ولنر نحوه بخطى بطيئة قصيرة وهو ينزع معطفه: وأنتَ تعرف من أكون، أنا ولنر. أنا أحمل لقب الذئاب. أنا حيوان همجي، وللحيوانات عاداتها، أليس كذلك؟
ليقول الشاب بقلق محاولا جعل نبرته واضحة: سوف أنادي عليك الحرس.
ألا ان ولنر يشم الخوف فيه، جلي كالشمس، وتحرك الشاب مندفعا يريد أن يغادر الغرفة لكن جذبه كريستوف من يده نحوه وبيده الاخرى كتم فمه واخرسه قبل ان يصرخ يشعر برعشه جسده بين ذراعيه وهمس جوار أذنه: أخبرتك هناك حساب بيننا لم أسدده بعد.
وضغط بقوة حول معصمه جعل وجه الشاي ينعصر ألما وجسده ينكمش ويجاهد لمحاولة التملص منه وهمس ولنر: هل تعرف ما هو حساب الخائن في قانون الذئاب؟
وهطلت دموع الشاب راح يثور لكن ولنر دفع وجهه نحو الجدار وضغط بمرفقه على عاموده الفقري حتى خُيل إليه أنه سيكسره، يحاول الصراخ عبثا ويد ولنر القوية حول فمه تكتمه تكاد تخنقه، ويشعر بأنفاسه الساخنة على جانب وجهه وهو يهمس: سوف أعلمك درسا لن تنساه قط في حياتك.
*** *** ***
ما رايكم بالفصل ورواية إلى هنا؟ :)
R_world