جثة مجهولة الهوية.

جثة مجهولة الهوية.

14 0

رواية "ضِـدّ مَجْهُـول"

1-جثة مجهولة الهوية

______________________

اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

قراءة ممتعة.

____________________________________

كانت "نور" تنظف الممر وتجمع ما فيه من قمامة؛ فاليوم هو احتفال رأس السنة في هذا القصر الضخم؛ فهي تعمل في شركة تبعث عاملين للنظافة، وهي ولأنها وحدها فهي تعمل لتسد حاجتها، كانت تلبس زي العاملين في القصر، وكانت الوحيدة الموجودة في هذا الممر، تفكر... كم ستأخذ مقابل عملها اليوم؟ وما الذي ستنفقه منه وما الذي ستدخره؟

وبينما هي في خضم أفكارها، جرحت يدها زجاجة خمر قد كُسرت، تنهدت بضيق وهي تنفخ غيظًا من هذا، أكان ينقصها بحق الله!

شرعت في مسح الدم بمنديل كان بجيبها، ثم اعتدلت من انحناءتها تلك وأخذت تضغط على جرح يديها بالمنديل، شعرت بأن هناك أحد غيرها في هذا الممر، التفتت بسرعة... ولكن لم تجد أحد، انتابها الخوف وتسلل إلى قلبها، ولكن أخذت تطمئن نفسها بأنها ربما تكون متعبة من عمل اليوم الشاق.

ظلت تنظر في نفس الموضع الذي سمعت منه صوت خطوات، ربما دقيقة أو اثنتان قضتهما في النظر إلى آخر الممر، وعندما لم تجد حتى ذبابة، أدارت وجهها، وفجأة... وجدت أحدًا يقف أمامها يرتدي زيًا أسودًا من رأسه لأخمص قدميه، حتى أنه يرتدي قناعًا وطاقية سوداء يكفيها على وجهه.

فور رؤيتها له، صرخت صرخة مدوية من صدمتها ورجعت إلى الخلف، وبالتأكيد لن يسمعها أحد من الأسفل لأصوات الاحتفالات، هجم عليها مرة واحدة يكتم فمها، لكنها وبسرعة ضربته أسفل بطنه ثم أخذت تهرب وتركض علها تنجي بنفسها.

وقف يتألم قليلًا إثر ضربتها له، أما هي فكانت تركض بأقسى قوة لها، تركض وهي تبكي بصوت عالٍ والدموع تنهمر على خديها، فما أثار فزعها أكثر من هيئته، هو الشيء اللامع الذي كان يقبع بيديه، خمنت أنها ربما تكون سكينًا يريد أن يقتلها بها.

ظلت تركض لفترة طويلة تبحث عن مخرج لها، تركض في أي ممر يقابلها، لكنه وللأسف قد وضع خطة محكمة، إذ أنه قد عطل المصعد لئلا تهرب منه، لم يقطع الكهرباء حتى لا يثير شكوك من بالقصر، كان هذا المطارد يفكر على المدى البعيد.

في ظل ركضها وجدت بابًا مفتوحًا، فدخلته بسرعة ولم تفكر إلى أين سيأخذها، دخلت فرأت نفسها في شرفة تطل على الساحة الخارجية للقصر، إلى المكان الذي يقف فيه الحشد، أغلقت الباب خلفها وأخذت تبحث عن أي شيء تلقيه في الأسفل لتجذب الانتباه لها، لم تجد ما تلقيه، ولكن وجدت شيىًا أهم، سلمًا جانبيًا آتيًا من الأعلى إلى الأسفل، تأكدت أنه سلم الطوارئ لإشارة السهم عليه، هو بالتأكيد سيوصلها إلى الأسفل حيث الأمان.

شعرت بلهفة لإيجادها لشيء ينجيها من موتها، ولكن قطع هذا صوت محاولة كسر الباب ودخول ذاك الغريب عليها، صرخت مرتعبة ثم ركضت بسرعة نحو السلم لتتسلقه، ولكن كان هذا صعبًا نسبيًا، إذ أنها يجب عليها كسر الزجاج القابع أمام السلم حتى تتسلقه، حاولت كسره حتى نجحت، ولكن في هذه اللحظة كان قد دخل عليها الرجل وركض بسرعة اتجاهها، صرخت فزعة ثم حاولت تسلق السلم، فهي إن نزلت إلى الأسفل سيستطيع الإمساك بها بسرعة وسهولة.

تسلقت بسرعة وهي تبكي بحرقة وتصرخ، بينما هو فكان ينظر لها ولم يتسلق، وكأنه يثبت لها بأنه سيستطيع إمساكها وإن حاولت الهرب مرارًا، النظر إلى عيونه المليئة بالشر والحقد اتجاهها كان أكثر ما يرعبها، لذا تسلقت ولم تبالي به حتى وصلت إلى السطح بعد مجهود كبير، كان السطح بلا سور، كان مثل سطح القصور التي توجد في أفلام ديزني، فكان سهلًا عليها أن تصل إليه بسرعة وتركض إلى الباب الذي يوصل إلى الأسفل، لكن وللأسف... وجدته موصدًا ولم تستطع أن تفتحه.

أخذت تبحث عن شيء تكسر به الباب ولكن لم تجد، ركضت ناحية ركنٍ فيه، فوجدته مطلًا على الساحة الداخلية، إذ أن المبنى نفسه كان يشبه المربع، بالداخل ساحة وبالخارج ساحة، تتوسط الساحة الداخلية نافورة يتوسطها تمثال، ولكنه قريبًا من الركن التي كانت تقف فيه، إذ انها لو سقطت من هنا ستكون في أحضان التمثال لا محالة، وتلك النافورة تمتد إلى الخارج وتحيط بالقصر.

ظلت تنظر في كل ركن لتجد مخرجًا ولكن لم تجد، أخذت دموعها تنهمر وشهقاتها ترتفع، وضعت يدها على فمها وأخذت تبكي بحرقة على حالها، صدرها يعلو ويهبط من كثرة الركض والبكاء الذي مزق نياط قلبها، صرخت بصوت عالٍ علّ أحدهم يسمعها، علّ الطير  يخبر عن قهرتها، ولكن دون جدوى، التفتت لتبحث بموضع آخر عن شيء ينجيها،وفور أن التفتت دوى صوتها لرؤيتها للشخص الذي يلاحقها، رسم الفزع نفسه باحترافية على وجهها، وأخذت أوصالها ترتجف مما هي مقبلة عليه.

لم تتوقف دموعها عن الجريان، ولم تستطع حتى أن تتحرك شبرًا واحدًا من مكانها؛ فهي وإن تحركت ستسقط من على السطح جثة هامدة، بكت وانتحبت له وهي تتوسله أن يتركها بقولها:

_بالله عليك سيبني، أنا معملتش حاجة في حد ومأذتش حد، أنا مش عارفة انتَ بتلاحقني ليه، بس لو عايز فلوس أنا هديك فلوس.....

مسحت دموعها وأخذت تبحث عن بطاقتها، وجدتها في جيبها الأيمن من سترتها، قدمتها له بلهفة ثم قالت له مكملة كلامها:

_بص، انتَ لو اديت البطاقة دي للمدير وقولتله أنا هستلم المرتب بدل "نور" هيدهولك، خده كله بس بالله عليك سيبني.

ختمت حديثها وهي تبكي له؛ لربما يرأف بحالها ويتركها، ظنت تلك المسكينة أن هذا الذي يطاردها يريد منها المال، ولا تعلم أنه لو أراد شراء هذا القصر سيفعل.

تجاهل توسلاتها واقترب منها ببطء، ارتعبت أكثر وظنت أنها النهاية، لكن سمعته يقول لها بكل برود وغطرسة:

_بس أنا مش عايز فلوسك.....

تعجبت منه، بحق الله! إذًا لماذا يلاحقها وهو لا يريد النقود؟! ما الذي يدفعه لفعل ذلك ولا أحد يعلم من هي من الأساس؟!!!!!

قطع سيل أفكارها كلامه الذي جمد جسدها بالكامل، كلامه الذي تلاه ببسمة بانت في عيونه:

_أنا عايز روحك!

___________________________________

وبينما كل هذا كان يحدث، كان الحشد متجمع في الساحة الخارجية للقصر، يهللون ويصرخون فرحًا بنهاية عام وبداية آخر، الجميع يرقص ويشرب الخمر والمواد الكحولية، يلبسون أفخر الثياب، يضعون أغلى العطور، يعيشون في أماكن بيعها فقط يطعم فقراء مصر كلها، لديهم الكثير من المال الذي يضيعونه في أشياء ليس لها معنى، كل شيء هم فيه يدل على الثراء، ولكن إذا تعاملت معهم تعلم جيدًا أنك إن تعاملت مع كلب سيكون هذا أفضل لك.

كان البعض منهم يجلس على سور النافورة الآتي من الداخل، والبعض الآخر يقف محتشدًا ليصرخوا في صوت واحد وفي اللحظة المناسبة، أجساد فوق بعضها، مثير للإشمئزاز بحق!

واحد.. اثنان... ثلاثة.. وكان صوت صراخ الجميع يعلو في الأرجاء، وصوت الألعاب النارية التي زينت السماء يصدح ويصم الآذان، صفق الجميع  وهم يصدمون كاسات الخمر في بعضها، صفقوا جميعهم وهللوا، وبعض قليل، خف صوت الناس قليلًا عن ذي قبل، وهدأ صراخهم المزعج، ولكن قطع هذا صوت صراخ..... ولكن تلك المرة لم يكن من أجل الاحتفال، بل لوجود دماء شخص ما بالماء!

عندما انتبه الجميع حل الهرج والمرج وعم المكان، وأخذ الناس يركضون هنا وهناك، ولم يجرؤ أحد عن الاقتراب من تلك النافورة، ركض البعض منهم إلى الداخل ليروا من أين أتت تلك الدماء، وفور رؤيتهم للمشهد الذي أمامهم، صرخوا فزعين من هول ما رأوا، فتاة أمامهم يحملها التمثال، يتدلى ذراعاها وشعرها إلى الأسفل، يحملها بطريقة وكأن أحدًا وضعها بين يديه، حيث كانت يده المرتفعة أسفل رأسها، ويديه الأخرى تحت ركبتيها، وعلى التمثال دماء متناثرة! بالتأكيد دماؤها من لوثت الماء، وبالتأكيد لن يسعفها أي شيء كان.

بسرعة اتصل واحد منهم بالشرطة لهول الموقف، ولإيجاد من فعل هذا، لربما يكون هنا ولم يخرج، فهذه الفتاة بالتأكيد ليست من ألقت نفسها من فوق سطح القصر، يتهامس الناس عن تلك الفتاة وما حل بها، ومن هي من الأساس؟! ومَن من الممكن قد فعل هذا؟! وهل هو من بين الحضور أم لا؟! بل من الأساس لمَ يقتلها بتلك الطريقة البشعة؟!!!!

بينما عند الفتاة التي يتهامسون في أمرها، فكانت في وضعيتها تلك التي يرونها، ولكن ما لم يروه، شحوظ عينيها، اصفرار وجهها، علامات الفزع التي ارتسمت على وجهها، والأهم من كل هذا، نظرها الموجه نحو الزاوية التي كانت تقف بها منذ دقائق، تلك الزاوية التي كانت تنظر منها للأسفل لترى طريقة للهرب، تلك الزاوية التي حوصرت بها من قِبل مطاردها.

قبل مجيئهم... لم يكن القاتل قد هرب بعد، فعندما وقعت كان ينظر إلى عينيها مباشرة... وهي كذلك، ترى في عينيه نظرة انتصار، نظرة ارتياح، وكأنها كانت عائقًا كبيرًا في حياته، وهي من الأساس لا تعرف من هذا!!

تتذكر أنها توسلته وترجته وقبلت قدميه ليتركها، ولكن كل شيء حولها كان يخبرها على نهايتها، وما أكد لها أكثر... بسمته خلف القناع... كلامه... نظرته و.... موقعها، أخبركِ عزيزتي بأنها فعلًا النهاية، آخر الثواني في حياتك البائسة، أهنئكِ على خلاصكِ من عذابكِ الدنيوي.

____________________________________

وفي مكان آخر، بالتحديد في مقر الشرطة، كان الجميع يحتفل هنا أيضًا ولنفس السبب، يشربون العصائر والمشروبات الغازية، يأكلون حلوى ومعجنات قد ابتاعوها، الجميع يضحك والجميع سعيد ولا يعلمون ما الذي سيتورطون في حله بعد قليل.

قطع ذلك الاحتفال اتصالًا من جهاز الشرطة، تطوع أحدهم وذهب ليرد عليه، فقال أحدهم بسخرية من المتصل:

_دا احنا قولنا الليلة عيد ومش هيبقى فيه مصايب، استر يارب.

أما عند الشرطي الذي ذهب ليرد على الاتصال، قابله صوت رجل فزع، يتكلم بسرعة وبصوت متقطع:

_حد يلحقنا بسرعة..... في واحدة من العاملات اتقتلت واحنا بنحتفل في قصر *****، محدوفة من فوق سطحه وواقعة على التمثال.

سمع الشرطي ذلك وهرع يخبرهم بكلام المتصل، وهذا بعد أن أخبره أنهم سيأتون في غضون دقائق وألا يقترب أحد من مسرح الجريمة، وألا يمس أحد المقتولة أيًا كان الوضع.

ذهب بعض من الحاضرين إلي المكان المنشود، ومعهم سيارة إسعاف وفريق بحث جنائي، وعند وصولهم، أمروا بإغلاق ومحاصرة القصر؛ فجميع الحضور في تلك اللحظة في موضع اشتباه، وذهب بعض منهم للبحث حول القصر، لربما لم يبتعد القاتل كثيرًا.

نقل المسعفون جثة "نور" بحذر شديد، وجاء فريق البحث الجنائي يبحث عن أي شيء في مسرح الجريمة، لربما يجدوا شيئًا يفيدهم، وضعوا شريطًا أصفرًا حول مسرح الجريمة، وصعد بعض منهم إلى السطح ليبحثوا فيه أيضًا.

وعند "تميم" و "مادلين"، فقد كانوا يحققون مع بعض الحاضرين بمساعدة أفراد الشرطة الآخرين، كان تميم يقف مع" رامي" نفسه الشخص الذي اتصل بهم، يسأله عما حدث وكيف سقطت الجثة، وكان يسرد رامي ما يعرفه وختم حديثه بقوله:

_ أكيد محدش فينا شاف حاجة؛ لإننا كلنا كنا في الساحة الخارجية بنحتفل عادي، في اللحظة دي أصلًا كنا بنضرب الألعاب النارية علشان السنة ابتدت، ومكنش في حد خالص جوا، أنا أول واحد دخلت جوا لما شوفنا الدم اللي في الميه.

سأله "تميم" باستفسار:

_انتَ مشوفتش البنت دي خالص النهاردة في القصر مثلًا وانتَ ماشي؟! معملتش مثلًا تصرف غريب، أو مثلًا حاجة تدل على خوف، حزن، إنها مثلًا تبقى مكتئبة وبتفكر في انتحار؟

فكر "رامي" قليلًا يتذكر يومه من حيث ابتداه، لربما قد رأى الفتاة ولو بمحض الصدفة، ولكن للأسف لم يتذكر شيئًا عنها، ولكنه أجاب "تميم" بما يعرفه عنها:

_أنا مش فاكر خالص إني شوفتها النهاردة، أو يمكن شوفتها بس مخدتش بالي، بس اللي أعرفه إنها كانت من ضمن طاقم العاملات اللي خالي جابهم من شركة****علشان الحفلة دي.

_خالك صاحب القصر دا؟

كان هذا سؤال "تميم"، ولكن" رامي" نفى كلامه بسرعة قائلًا:

_لا، دا واحد من معارف خالي، بس هوا كلمه وقاله يشرف على شوية حاجات وكان من ضمنهم طاقم العاملات دا.

رأى "تميم" أن تلك المعلومات لم تفده بشيء، لكنه واصل مع "رامي" التحقيق وأخذ يسأله عن أشياء أخرى.

وعند "مادلين" فقد كانت تقف مع أحد العاملين الذين يعرفون "نور" ويعملون معها، كانت تسأله عما يعرفه عنها وعن عملها وشخصها.

_يعني مثلًا "نور" مش بتعاني من أي مرض نفسي يخليها تفكر في الانتحار؟

رد عليها "محمد" من منظوره ومن جهة معرفته بها:

_ صراحة مش هقدر أقول اه، وبرضو مش هقدر أقول لا، كل اللي أعرفه إن "نور" كانت عايشة لوحدها وملهاش أي دعوة بحد، حتى لما كنا بنجتمع في يوم ترفيه مثلًا مكنتش بتيجي وبتعتذر عن عدم الحضور، وحتى لو غابت مكنش فيه حد بيلاحظ دا أو بياخد باله، لإنها مش بتتكلم مع حد نهائي، حتى لو احنا وجهنالها كلام أو مثلًا لما نيجي نجر معاها حديث كانت بترد على قد الإجابة، وأحيانًا كتير كانت بتقول معرفش وتتجنب الجديث.

_كانت عايشة لوحدها بإنها مغتربة عن أهلها ولا إنها ملهاش أهل أصلًا؟

سألته "مادلين" باستفسار ليرد عليها "محمد":

_ فيه ناس كتير في الشركة كانوا بيتكلموا عن إنها من دار أيتام، وإنها هربت منها من معاملتهم الوحشة ودورت على شغل، وفيه بيقول إن فيه ناس اتبنتها وهي صغيرة، بس بعدين رموها علشان خلفوا، وفيه بيقول علشان هي عملت حاجة......

سألته" مادلين" بتعجب من جملته الأخيرة:

_حاجة ايه؟!

_مش عارف بصراحة، بس فيه كلام كتير كان بيتقال في الموضوع دا.

_وهي "نور" مكنتش بترد على الكلام دا أو بتبين حقيقة الوضع؟!

_لا، مكنتش بتقول أي حاجة خالص، حتى في مرة في مجموعة كدا حبوا يرخموا عليها ويتكلموا في الموضوع قدامها، بس هي مقالتش أي حاجة مدتلهومش أي اعتبار.

تعجبت "مادلين" من تلك الفتاة، كيف كانت صامتة أمام الأقوال التي كانت تقال في حقها، لكنها تركت تعجبها وسألته بعض الأسئلة، وظل الوضع هكذا إلى أن رحل كل من كان بالقصر عدا "تميم" و"مادلين" ومن معهم.

تجمعوا جميعهم في الساحة الداخلية، وبالتحديد أمام مسرح الجريمة، جاء من كانوا يبحثون في الأعلى عن أي شيء أو أي دليل، وعرضوا ما وجدوه على الواقفين، وتقدم أحد فيهم بقوله:

_ملقيناش حاجة تدل على القاتل، ولا حتى بصمات أو أثر، لكن لقينا بطاقة البنت وضفر صابعها الخنصر كان مكسور، وفي الزبالة لقينا إزازة خمر عليه قطرات دم، وجنبه كان واقع منديل ممسوح عليه دم برضو.

أنهى كلامه وهو يعرض عليهم الأشياء في كيس حافظ لها، حتى لا تحمل أي بصمات أخرى غير التي كانت عليها، وبعد أن رأى الجميع ما وُجِد، سأل أحد الواقفين والذي يدعى "غيث":

_مفيش ولا واحد من اللي اتحقق معاهم اتحط في موضع اشتباه؟

رد عليه" تميم" بصوت تائه وهو مشخص أبصاره على ما وجده فريق البحث:

_لا مطلعناش حد، ومكنش ينفع ناخدهم القسم علشان عددهم الكبير دا، أكيد مش كل دول هيبقوا متفقين على واحدة محدش يعرفها أصلًا.

_مين قال إن محدش يعرفها أصلًا؟؟!!!

كان هذا القول من "مادلين" والتي انتبه لها الجميع إثر قولها، فقالت موضحة ما قالته لتوها:

_أقصد يعني ازاي محدش يعرفها وهيجي يقتلها، بل كمان يستقصدها وقت ما الناس مشغولين في الاحتفال؟ أكيد دا شخص عارف هو بيعمل ايه، ومستقصدها بعينها مش أي حد مثلًا.......

_يعني ايه مش أي حد مثلًا؟!!!

كان هذا سؤال "تميم" التي ردت عليه "مادلين" تشرحه:

_يعني مثلًا مش شخص عايز يقتل فراح قتل دي، أو رايح يعتدي على أي بنت في الحفلة فشاف البنت لوحدها فقال دي تبقى أسهل، القاتل جاي وعارف إن "نور" موجودة في الوقت دا لوحدها، وراحلها في وقت الكل مشغول فيه.

فكر الجميع في كلامها جيدًا، فرأوا أن كلامها صحيحًا بالفعل، الجريمة ليست عادية، ومن كيفية وقوعها على التمثال والحالة التي كانت بها والأشياء التي توصل لها فكرهم، يتبين أن "نور" لم تنتحر، بل كانت مقصودة، وكانت ضحية لفعل فاعل.

قاطعهم دلوف من كانوا يبحثون حول القصر عن دليل، نظر الجميع إليهم يطمحون أن يكونوا قد عثروا على شيء، لكن كل ما قاله من كان مشرفًا عليهم في رحلة البحث:

_ملقيناش غير أثار عربيات، وكلها كان نهايتها القصر.

نظروا بإحباط لهم، فقال "تميم" لجميع الواقفين:

_احنا هنروح نكمل شغلنا دا في القسم، القصر دا محدش يقرب منه ولا من محيطه حتى، وحطوا حراسة مشددة عليه علشان لو حد حاول يدخل.

أومأ له الجميع فيما اقتربت فتاة من "غيث" و"مادلين" تدعى "نجمة" ساخرة مما هم مقبلون عليه:

_القضية دي شكلها كدا بالصلاة على النبي معقدة أكتر من حياتي، دا احنا نستعين عالشقا بالله.

ارتسمت بسمة ساخرة على وجه "مادلين" و "غيث"، وساروا معًا إلى الخارج عائدين إلى مقر عملهم يكملون حل تلك القضية المعقدة، فما هم مقبلون عليه سيقلب حياة الجميع رأسًا على عقب.

____________________________________

اجتمعوا جميعهم كل يدلي بالمعلومات التي حصلوا عليها يربطون الأمور ببعضها، وعندما انتهوا من قص ما قيل لهم، قال" غيث" يرتب الأحداث التي يعرفونها من بدايتها:

_دلوقتي كدا قولنا إن البنت دي عايشة لوحدها، وفيه ٣ احتمالات لدا، الأول إنها مغتربة والتاني إنها من دار أيتام والتالت إن عيلتها رميتها بعد ما كبرت شوية وبقت من أطفال الشوارع......

قاطعته "نجمة" بقولها:

هيبقى الاحتمال التاني أكيد؛ لإنه لو هي مغتربة فعلًا كان هيبقى ليها عيلة تسأل عليها وتدور عليها، بس مفيش في تليفونها غير أرقام اللي بتشتغل معاهم، وكمان مش مسجلاهم!

_طب ليه مش الاحتمال التالت؟

صدر هذا السؤال من شرطي آخر يدعى "أكمل" مستفسرًا قول "نجمة"، فردت عليه بقولها:

_لو افترضنا الاحتمال التالت كان هيبقى موجود جهات اتصال قديمة.

_ما يمكن مسحتها، أو مثلًا غيرت التليفون وجابت واحد تاني.

كان هذا رد" أكمل" أيضًا والذي أصمت به "نجمة"، فرد عليه "غيث" بدلًا من" نجمة":

_احنا كدا كدا بعتنا التليفون للطبيب الشرعي الرقمي، وأكيد هيجبلنا كل حاجة على التليفون حتى لو كانت ممسوحة من زمان، أما بالنسبة إن كانت "نور" في دار أيتام أو لا، فأكيد اللي راحوا بيتها يفتشوه هيلاقوا حاجة تدل على دا.

وفور انتهاء "غيث" من كلماته سأله "تميم":

_أنتم جبتوا عنوانها منين؟

رد" أكمل" قائلًا بتعجب من سؤاله:

_أنا سألت بنت كانت بتشتغل معاها وقالته عادي، مش معلومة صعبة للدرجادي.

ردت عليه تلك المرة مادلين والتي وضعت الفتاة في موضع اشتباه:

_ازاي وفيه شاب من اللي كنت بحقق معاه قال إنها مش بتتكلم مع حد ولا بتتعامل مع حد غير في إطار العمل؟! حتى كان بيقول إن فيه منهم كانوا بيرخموا عليها بسبب موضوع إنها أذت الناس اللي كانت عايشة معاهم بعد ما اتبنوها ومكنتش بترد عليهم.

سألها "تميم" بتعجب:

_أذتهم ازاي؟

وتلك المرة ردت عليه "نجمة" بقولها:

_من اللي كنت بحقق معاهم في واحدة قالت إنها كانت بتضرب ابنهم، وابنهم دا كان مريض فمكنش بيقدرلها، بس لما سألت بنت تانية وشاب برضو، قالوا إنها كانت شقية جدًا ووصلت شقاوتها لسرقة حاجات غالية من دولاب الست اللي تبنتها، وقالوا دا حصل وهي عندها 10 سنين.....

_ فيه شاب قال إنها اتمسكت في شقة مفروشة، فاللي تبنوها اتبروا منها ورموها.

كان هذا قول "غيث" فردت عليه مادلين بقولها :

_أول شاب حققت معاه قالي إن فيه كلام كتير كان في الموضوع دا فعلًا، بس محدش عارف فين الحقيقة، و"نور" مكنتش بترد على أي حاجة.

_جدعة "نور" دي.

قالها "تميم" بسخرية واضحة مما سمع، فلا يترك الناس أحدًا إلا وقالوا عليه تراهات ليس لها معنى، والتراهات تلك لم تزد القضية إلا تعقيدًا.

قالت "مادلين" تقطع هذا الصمت الكثير الذي حل عليهم:

_دلوقتي البنت اللي "أكمل" حقق معاها مشتبه فيها.....

رد عليها "أكمل" بهدوء وتفكير:

_ليه تبقى لدرجة مشتبه فيها؟! البنت أصلًا كانت تحت طول الوقت مع العاملين التانيين، يمكن هي عرفت عنوانها من بطاقتها مثلًا، البطاقة برضو بيبقى مكتوب فيها العنوان عادي.

لم يكد "غيث" يسأل عن تأخر من كانوا يبحثون في منزل الفتاة، حتى قاطعه اقتحامهم بهيئة مبعثرة، تعجب جميع الجالسين من حالهم هذا، ولكن قال قائل منهم متقدمًا من الجالسين بلهفة:

_ حد راح ولع في بيت البنت المقتولة، الحريقة مكنتش في أولها، بس اللي ولع كان راشش بنزين اتسبب في تسريع الحريق.....

صدم الجميع من قوله فيما أكمل كلامه وهو يعطي بعض الورق المحروق "لتميم":

_عرفنا نطلع الورق دا من الحريق علشان كان في مكان متخفي شوية.

أعطى الورق "لتميم" الذي أخذه منه، فقال "أكمل" للرجل الذي أحضر الورق:

_ ورق ايه دا؟؟!!!!

نظر له الجميع باهتمام، فيما رد الرجل على "أكمل" وصدره يعلو ويهبط من كثرة المجهود الذي بذله:

_كانت في دار أيتام...

_الورق دا ناقص!

قالها "تميم" ناظرًا للرجل، فرد عليه باستفهام:

_ناقص ازاي؟! الورق دا كان محطوط في ملف لوحده في مكان متخفي في البيت! هوا اه اتحرق بس مش لدرجة إن يبقى فيه ورق ناقص!

أخذ "أكمل" الورق من "تميم" وفحصه، فقال مؤكدًا على كلام "تميم":

_الورق دا فعلًا ناقص! مذكور إن البنت تم تبنيها من قِبل عيلة، بس الورقة اللي فيها إقرار دا مش موجود!

صمت هنية يأخذ نفسه ثم قال مكملًا:

_مش موجود اسم العيلة اللي اتبنت "نور"! ولا حتى موجود اسم دار الأيتام! من ناحية الحروق مغطية، ومن ناحية في ورق ناقص!

نظر إليه الجميع بتعجب فيما قال" تميم" وهو مسندًا يديه على المكتب واضعًا عليهما رأسه في تيه:

_احنا كدا اتحطينا قدام معادلة في مجهولين! والمُعطى معانا بيساوي صفر!

طلبت "مادلين" من "أكمل" أن يعطيها الورق، أعطاها إياه وبدأت في فحصه بأعين مدققة، وبينما هي تدقق في كل حرف وكل كلمة، رأت اسمًا هنا غير اسم "نور"!

_الجريتلي!

نظر لها الجمبع متعجبين من الاسم الذي نطقته، فيما نظرت إليهم وهي تشير إلى الاسم الذي نطقته.

_مكتوب اسم الجريتلي في الآخر! الاسم الأول منه محروق، بس أكيد دا مدير الدار، لإن مكتوب قبلها السـ "السيد" والورقة مخرومة من الحرق في الباقي!

في عقد الكفالة الرسمي، يذكر اسم الكافل أولًا وما يتعلق به، ثم اسم الجهة المانحة _وزارة التضامن أو دار الرعاية_ ويشار إلى مدير الدار كممثل لها.

أرتهم "مادلين" مكان الاسم في الورقة فاتضح لهم بأنه فعلًا يكون مدير الدار، وبينما هم جالسون يفكرون في الأمر، قاطعهم دلوف واحد من أفراد البحث الجنائي يدعى "أحمد" وهو يحمل أوراقًا متعلّقة بجثة الفتاة، تقدم منهم بهدوء تعجبوه، ثم وضع الأوراق على المكتب ووضع يده عليها، نظر له الجميع بتعجب لما يفعل، ولم يكد أحد من الجالسين يتكلم، حتى قاطعهم "أحمد" بقوله:

_الورق دا مش هيفيدكم في حاجة.....

صدم الجميع من قوله وتشنجت وجوههم، وعندما رأى أثر كلماته على وجوههم أكمل كلامه الصادم لهم ببرود تام:

_ البنت وقعت لوحدها، محدش قتلها ولا زقها.

_ايه؟!!!!!!!!

كان هذا رد الجميع بلا اسثناء من صدمتهم، ارتسمت بسمة ساخرة على وجه "أحمد" وهو يقول لهم بطريقة ساخرة عن الصدمة الأكبر منها:

_لا وخدوا الكبيرة بقى، اللي في النافورة مكانش دم، دا لون أحمر.

_ايه؟!!!!!!!!

كانت الصدمات تتوالى عليهم كسيل المطر، ولا يدرون أهذه الأشياء تقدمهم في القضية أم تزيدها تعقيدًا، لكن بالتأكيد لكل قضية حل.

#يتبع

ملحوظة: ممكن يبقى الفصل بالنسبة للبعض صغير، ولكن دا ولإني لسه في بداية الكتابة، وإن شاء الله لو عرفت أكبره عن كدا هعمل بإذن الله.

__________________________________

_اللهم أنتَ ربي لا إله إلاّ أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.

_اللهم انصر إخواننا المستضعفين في سوريا والسودان وغزة ولبنان واليمن وفي كل أرض مسلمة وكل إنسان مسلم.

_متنسوش طلاب الثانوية العامة والأزهرية بالدعاء.

صاحبتكم السلامة.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ضد مجهول

المؤلف Raghad Mohammed
2025/11/07 مستمرة
قائمة الفصول (5)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة