إذا المرءُ لا يرعاكَ إلا تكلُّفًا
فدَعْهُ ولا تُكثِرْ عليه التأسُّفا
ففي الناسِ أبدالٌ وفي التركِ راحةٌ
وفي القلبِ صبرٌ للحبيبِ ولو جفا
فما كلُّ من تهواهُ يهواكَ قلبُهُ
ولا كلُّ من صافيته لكَ قد صفا
إذا لم يكن صفوُ الودادِ طبيعةً
فلا خيرَ في ودٍ يجيءُ تكلُّفَا
ولا خيرَ في خِلٍّ يخونُ خليلهُ
ويلقاهُ من بعدِ المودّةِ بالجفا
ويُنكرُ عيشًا قد تقادمَ عهدُهُ
ويُظهرُ سرًّا كانَ بالأمسِ قد خفا
سلامٌ على الدنيا إذا لم يكن بها
صديقٌ صدوقٌ صادقُ الوعدِ منصفا
الإمام الشافعي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قبَيل الفجر، في يومٍ جميلٍ تُداعب فيه نسماتُ البحر شوارعَ الإسكندريةِ الراقية، وكيف لا، وهي عروسُ البحرِ المتوسّط، وثاني أكبر مدنِ مصر بعد القاهرة.
داخلَ منزلٍ فخمٍ يُطلّ على البحر، تملؤه رائحةُ الهدوء والوقار، جلست فتاةٌ على سجادة الصلاة، تُناجي ربَّها في قيام الليل، والسكينةُ تُغمر المكانَ، إلا من دموعها التي انهمرت كالشلالات على وجنتيها، تُطفئ نارًا في صدرها لم يعرفها سواها.
«غدير إيهاب»
فتاةٌ بسيطة، لا تُحبُّ التكلّفَ ولا التظاهر، هشّةٌ من الداخل، لكنها تُظهر للعالم وجهًا قويًّا صلبًا، لا يستطيع أحدٌ أن يخترقَه أو يقرأ ما وراءه.
قريبةٌ من ربّها، تحاول ما استطاعت أن تظلّ على درب الطاعة والرضا، ودائمًا ما ترتدي الملابسَ الواسعة التي تعكس نقاء روحها قبل مظهرها.
هي في الأصل من القاهرة، لكنّها جاءت إلى الإسكندرية؛ لتعيش مع عمّها «سامي» لظرفٍ ما — سنعرفه لاحقًا — تنتمي إلى عائلةٍ راقيةٍ مرموقة، ولِمَ لا، فهي من عائلة «العنقود» التي عُرفت بمكانتها الرفيعة بين الناس.
مع علوّ صوتِ زقزقةِ العصافير، تصحو تلك الفتاةُ المشاكسة رهف، تستيقظ بنشاط، تغسل وجهها، وتؤدّي فريضتها، ثم تخرج من غرفتها تتسلّل بخطواتٍ خفيفة نحو المطبخ.
رهف وهي تهمس بخفة وتغمز والدتها من أحد جانبيها: صباح الروايح الحلوة.
سلمى بخضة: يا بنتي، مش كبرتي بقى على الحركات دي؟
رهف بشهقة، وهي تضع يديها في وسطها: فشر مين دي اللي كبرت يا ست ماما؟
سلمى ضاحكة: طب يلا يا لمضة، روحي صحي غدير عشان تفطروا قبل ما تنزلوا الكلية، والبسي حاجة عدلة ها مش عايزة حاجة رجالي.
مهلًا، عزيزي القارئ، دعني أُعرّفك بـ «رهف» فتاةٌ جريئة، قصيرةُ القامة، مفعمةٌ بالحياة والحركة، نستطيع أن نقول مسترجلة إلى حدًا ما أو لِنقل بصراحة: مسترجلة تمامًا.
تدرس في نفس الكلية مع غدير، وفي نفس السنة «الثالثة من كلية الهندسة»
تُحب غدير كثيرًا، بل يمكن القول إنها أوّل من فرح بعد والدتها سلمى عندما علمت أن غدير ستأتي للعيش معهم.
ولعلك الآن تتساءل: ما الرابط بينهما؟
فـ «سلمى» ليست غريبة عنها، إنها أختُ والدةِ غدير التي توفيت قبل عامٍ ونصف، ومنذ ذلك الحين، أصبحت سلمى لها أمًّا ثانية، وبيتها بيتًا يحتضنها بكل ما فيه من حبٍّ ودفء.
دخلت رهف غرفة غدير على أطراف أصابعها، تتسلّل بخفةٍ؛ لتأخذ هاتفها من جانب السرير.
لكنّ غدير قاطعتها، ممسكةً بيديها قبل أن تلمس الهاتف:
غدير بصوتٍ ناعس: أنا صاحية على فكرة، ها مش هتعرفي تخضّيني زي كل مرة.
رهف ببراءةٍ مصطنعة، وهي ترفع حاجبيها ب دهشة: أنا؟! لا طبعًا، كنت بس بطمّن عليه بس، ليمكن جراله حاجة كده ولا كده.
غدير بسخريةٍ : لا والله.. بلسم يا خلاصي، بتنقط بلسم
سلمى من الخارج: يلا يا بنات، علشان تلحقوا تفطروا.
مع نسمات الصباح العليلة وزقزقة العصافير، في منزلٍ بسيطٍ تحديدًا فوق السطوح، تقف فتاةٌ تسقي الزرع بابتسامةٍ تحمل بهجة العالم بأكمله، وتدندن بصوتٍ خافتٍ مع أغنية لفيروز، متذكرةً أبيها، ذلك الرجل الشغوف بالزمن القديم، إلى حدًّ جعله يخلد حنينه في أسماء ابنتيه «فيروز عز الدين» و«نجاة عز الدين»
كانت تدندن فيروز:
نسم علينا الهوا
من مفرق الوادي
يا هوا دخل الهوا
خدني على بلادي
دخلت أختها نجاة بخفة، وأكملت الدندنة معها بصوتٍ شجي امتزج بصوت أختها؛ ليملأ المكان دفءً ناعمًا:
يا هوا يا هوا
يللي طاير بالهوا
في منتورة
طاقة و صورة
خدني لعندن يا هوا
فزعانة يا قلبي
أكبر بها الغربة
ما تعرفني بلادي
خدنيييي خدني
خدني على بلادي
نسم علينا الهوا
من مفرق الوادي
يا هوا دخل الهوى
خدني على بلادي
تدخل عليهم أمهم «تيسير»، تلك الأم الحنونة التي قررت تربية أبنائها وحدها بعد وفاة زوجها.
تيسير بابتسامة: الله الله على الروقان.
نجاة وهي حاطة إيدها في وسطها: الناس اللي صاحية متأخر دي المفروض تدفعي غرامة، مش معنى إحنا بقى يا تيسير هانم
تيسير: عايزاني أدفع غرامة يا ست نجاة؟ طيّب، أنتِ اللي هتجهزي الفطار النهاردة.
فيروز وهي بتندب حظها: نهار أسوح، استني يا ست الحجه، أنا ذنبي إيه أنا أكل من فطارها، يا صغيرة على الموت يا لوزة.
في مكان ما بأمريكا، نجد شابًا بسيطًا، وحيدًا في مثل هذا الوقت، يسير في الشوارع الخالية عائدًا إلى منزله بخطوات هادئة بعد أن أدى صلاة الفجر. له لحية خفيفة وابتسامة بشوشة، وعندما تتحدث إليه، تبتسم تلقائيًا.
دعوني لا أطيل عليكم، هذا الشاب يُدعى «عمر»، ودائمًا ما يقول: «الحياة بسيطة ونحن من نعقدها؛ فدع قلبك يطمئن برضا الله، وابتسم، فخير الدنيا ما زال باقٍ.» وهذا مبدأه في الحياة.
رن الهاتف فجأة، فرد عمر قائلًا: يا هلا بالغالي.
سامي: عامل إيه يا حبيبي.
عمر: الحمد الله بخير يا عمي، أنت عامل إيه، طمني عليك؟
سامي: إحنا بخير يا عمر، مش ناوي ترجع بقى؛ عشان أختك على الأقل محتاجة تحس إنك جنبها بعد وفاة أمك وأبوك
عمر: أنا جنبها يا عمي من غير أي حاجة، بس مش هعرف أنزل أنا اتعودت على هنا، بجهز الورق بتاعها أهو عشان تجيلي.
نعودُ للإسكندرية مجددًا يرن هاتف شخص ما.
أدهم نايم: اممم نعم؟
مهاب: اممم إي أنت أخرَسيت ولا إيه؟! وبعدين أي "نعم" دي؟ يا أخي الناس أول ما تصحى من النوم تقول: صباح الخير، صباح الورد
أدهم (ساخر): ورد؟ ورد دي تبقى أمّك عايز إيه.. أخلص؟
مهاب: طب ما تزقش كده وفوق معايا.
أدهم بنوم: عايز إيه..عشان مخربش عليك.
مهاب: وإيه الجديد يعني؟! ما أنت كل يوم بتخرب عليا، قوم يلا عشان نلحق الخربان من أوله.
أدهم: مهااااااااب
مهاب: ههههههه.. والله يا بني انت محظوظ إن ربنا رزقك بواحد زيي.. قُنبلة رزالة ما شاء الله عليا، اللهم لا حسد.
تييييت
مهاب: إيه ده؟! هو قفل؟! أخصّ عليا! ههههه.
عزيزي القارئ، دعني أُعرّفك من هما «مهاب» و«أدهم»
هما عالمان مختلفان، كخطّين متوازيين لا يلتقيان أبدًا.
فأدهم شخص قليل الكلام، يكتفي بالنظرات عن كثيرٍ من العبارات، وكأن لغة عينيه تُغنيه عن لغة اللسان.
أمّا مهاب فهو على العكس تمامًا؛ صريح، حاضر، لا يعرف الصمت إلا إذا كان يخطّط لشيء ما، وكلماته تسبق أفكاره دائمًا.
ورغم اختلافهما الواضح، يجمعهما شيء واحد:
هما من أقرب أصدقاء سفيان، أقرب ممّا يتخيّل أيّ شخص، وإن اختلفت طباعهما حدَّ التناقض.
في شركة العنقود جروب.
يدخل المكانَ ذلك الشابُ طويلُ القامة، ذو الملامح الحادّة والهيبة التي تفرض احترامها قبل أن ينطق بكلمة.
ذلك «سفيان سامي العنقود»
هو صاحب الشركة، ورغم منصبه الكبير، إلا أنه قريب من الجميع، لا يتردد في مساعدة من يحتاج إليه.
يحترمه الكل، يهابونه، ويحبونه كثيرًا، أما الفتيات.. فتكفي نظرةٌ واحدة منه؛ لتُربكهن وتزرع في القلوب اضطرابًا لا يُفسَّر.
لكن وسط هذا الإعجاب، كانت هناك من تراه بلا قيمةٍ تُذكَر ابنة عمه، تلك الفتاة التي ترفض مصافحة الرجال، وتتحاشى التعامل معهم قدر المستطاع، تتحدث بقدر الحاجة فقط.
أما هو، فلا يتقبلها إطلاقًا، يرى في تصرفاتها تكلّفًا مصطنعًا وتشدّدًا لا مبرر له.
وقف سفيان أمام مكتبه قائلًا للسكرتيرة بنبرةٍ هادئة: في مواعيد إيه النهاردة يا مروة؟
مروة: المفروض يا فندم حضرتك رايح الكلية النهاردة عشان تختار الدفعة الجديدة زي كل سنة.
سفيان: أومال فين أدهم؟
مروة: بيقابل الوفد الإسباني يا فندم.
سفيان: تمام، لما ييجي بلّغيه هو ومُهاب إنهم هيحضروا باقي الاجتماعات النهارده مكاني، وبلّغي قسم الخدمات الإدارية يبدأوا تجهيز مكاتب البشمهندسين الجدد.
وكالعادة، كلّ خمس سنوات تختار شركة العنقود جروب مجموعةً من الطلّاب؛ لتدريبهم داخل الشركة، تطوّعًا وتشجيعًا لهم.
تُرى، أسيكونُ التدريبُ هذا العام مختلفًا؟
أم سيمضي كما مضت السنواتُ السابقة؟
في الحرم الجامعي – كلية الهندسة
تمتمت رهف مع نفسها بقلق: يا رب الدكتور ما يزعقش..أيوه أيوه، هي غدير قالتلي أقول إيه؟! دعاء إيه؟ نسيت!
لا يا رهف افتكري.. آه صح اللهم اكفنيهم بما شئت وكيف شئت.
عندما دخلت رهف المحاضرة، لم يكن الدكتور قد حضر بعد.
رهف لفيروز: متعرفيش الدكتور اتأخر ليه؟
فيروز: نادوا في الميكروفون إن الدكتور هيتأخر شوية.
رهف: بجد؟ طب الحمد لله.
رهف بصوت خافت: ربنا يخليكي يا بركة يا أمي، ده أنا هحفظ الدعاء ده وأقوله على طول.
يقطع حبل أفكارها شاب يقترب منها ويقول: في حد قاعد هنا يا آنسة د...؟!
رهف بتعجّب: يعني هو مفيش مكان في السيكشن غير هنا؟ ما الأماكن فاضية أهو!
الشاب مضطربًا: آسف، بس أنا بحب أقعد في المكان ده كل محاضرة.
رهف ساخرة: أول مرة أعرف إن الأماكن بالحجز، على أساس إنه أوتوبيس حضرتك!
الشاب وهو يمشي بضجر: آسف لحضرتك
رهف بملل: هو إيه ده؟ ما كان من الأول!
تدخل عليهم غدير بابتسامة: صباح الخير يا بنوتات.
فيروز: إيه يا بنتي فينك ده كله؟ مش كنتِ جاية مع رهف؟
رهف باستهزاء: ما هي غدير هانم قررت تعتمد على نفسها وتقدّم في التدريب الجديد.
فيروز بسخرية: يا بنتي أنتِ غاوية تعب وخلاص؟ مش ابن عمك اللي بيعمل التدريب؟ يعني اعتبر الشركة بتاعتكم
وبعدين تعالي هنا، المفروض أنا اللي أروح عشان ألحق، هاخد دورك بقى ههههه.
غدير بابتسامة: كتبت اسمك اصلا، ما إنتوا عارفين إن مبحبش الواسطة.. ويلا اسكتوا بقى عشان الدكتور دخل.
بعد المحاضرة – في كافيتيريا الجامعة
رهف بتنهيدة: آه يا نييي، أنا إيه اللي جابني هنا؟ أنا مالي ومال التعليم بس
فيروز بسخرية: حوش يا بت المذاكرة اللي مقطعة بعضها.
رهف بضيق: إيه ده؟ هو الشاب ده ورايا ورايا؟
يلتفت الشاب نحوها بنظرة ضيق، ثم يشيح بوجهه بعيدًا.
غدير بهدوء: ده شاب محترم يا بنتي، ليه بتقولي كده؟
رهف متعجبة: إزاي؟ ده جه في السيكشن وقاللي إنه عايز يقعد جنبي!
غدير وهي تهز رأسها بيأس: لا يا رهوف، الكل عارف إن نظره ضعيف، وكل محاضرة بيحب يقعد في أول بنش عشان يشوف كويس.
رهف بتأنيب ضمير: يا نهار أبيض، وأنا كنت قليلة الذوق معاه أوي!
غدير: مينفعش كده يا رهف، لازم تعاملي الناس بحُسن خُلق. أنا لسه كنت بقرأ حديث امبارح جميل أوي، بيقول فيه الرسول ﷺ:
"اتقِ الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن."
رهف وهي تعقد حاجبها: صدق رسول الله ﷺ، اعملي فيها مصلحة اجتماعية بقى وكده هههههههه...
بس بجد، أنا بتعامل كويس مع الناس، هو موقف وحصل بقى، هعمل إيه!؟
غدير مبتسمة: لا مش مصلحة ولا حاجة، أنا عشان بحبك بنصحك.
وعلى العموم خلاص، حصل خير، وأنتِ عرفتي دلوقتي عشان بعد كده تبقي واخدة بالك.
في كليةِ الفنونِ الجميلةِ، حيثُ يُزهرُ الفنُّ والإبداعُ، ويولدُ من بين جدرانها أشخاصٌ يُبدعونَ في رسمِ الجمالِ وتشكيله، ويُخرجونَ من أنفسِهم عالَمًا من الإحساس.
نرى نجاة تمشي في أروقةِ الكلية، تستعلمُ عن سنة أولى.
نجاة في نفسها: وه يا جوووي... دي الكلية دي طلعت عالم كبير جوي
تعدل من وقفتها وتمشي بثقة
نجاة: احم احم.. والله وكبرنا وبقينا في كلية يا بت يا نجاة
فجأة ترى فتاةً تنظر إليها وهي تضحك
نجاة باستغراب: في حاجة؟
رفيف وهي تضحك: سوري، بس أنتِ كنتي بتتكلمي بصوت عالي.
نجاة وهي تخبط على قورتها: أوبس.. نسيت إن دايمًا بتكلم بصوت عالي.
رفيف: لا عادي يسطا، ولا يهمك.. أحم نحن زيك.
نجاة بضحك: أصلًا.. طب تعالي جنب أخوك يا فواز.
«رفيف» تلك الفتاةُ الانطوائية التي سنكتشفُ لاحقًا شغفَها بالكتبِ وعالمِها الصامت.
تعتقد ما مصيرُ رهف؟ أَتظنُّ أن استرجالَها جاءَ من فراغٍ أم ماذا؟
تُرى، هل يمكنُ لنظرةٍ واحدة أن تُغيِّرَ مجرى الحكاية؟
عزيزي القارئ، كُن على علمٍ بأنّني أنتظرُ إجابتك إلى أن نلتقي.
# دمتم بخير.
# لكلٍ منّا طريقه.
لِـ شهد مُسعد«إيلانا»
يتبع...
Shahd Mossad