سمعت صوتك من بعيد يعتذر: لا تنتظر
كم كنت أحلم أن أعود إليك
أن أقتل الأحزان بين يديك
لكنني لا أستطيع
شبح الزحام يشدني
و رأيت قلبي في الحنايا.. يحترق
بيني و بينك خطوتان و نفترق
لو قال كل الناس شعرا
لن يكون.. كشعرنا
لو ذاب كل الناس حبا
لن يحبوا.. مثلنا"
#فاروق_جويدة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صباحًا، في شركة «العنقود»، نرى «سفيان» يدخل مكتبه، وخلفه مباشرةً تدخل مروة، السكرتيرة، تلك الفتاة التي عانت كثيرًا حتى وصلت إلى هذه الوظيفة، وأثبتت بجدارة أنها تستحقها.
سفيان: أخبار الدفعة الجديدة إيه يا مروة؟
مروة: كله تمام يا فندم.
سفيان: سلّمي المشاريع دي لـ مهاب، وعرّفيه إن هو اللي هيتابع مع الدفعة الجديدة. وبلّغي ادهم إنه يروح يوقّع العقد مع الوفد الإيطالي، عرفيه إن بعد ما «كمال الزيني» توفّى، المناقصة رِسيت علينا بالفعل.
مروة: تمام يا فندم.
في الدور الأرضي
نلتقي بـ «غدير» و«فيروز»، تبحثان عن مكاتب الدفعة الجديدة عند الاستقبال، إلى أن وجدوها أخيرًا.
فيروز وهي تدق على الباب: مساء الخير يا فندم، بنعتذر عن التأخير.
مهاب يشير لهما بالدخول ويكمل شرحه: أهلًا بيكم مرة تانية في شركة «العنقود جروب»، طبعًا منتظرين منكم شغل عالي، والالتزام أهم حاجة عندنا، ومش عايزين أي تأخير في المواعيد «وهو ينظر إلى فيروز وغدير» أي حد عنده أي سؤال، أنا موجود، ومستني أسئلتكم.
تمر ثوانٍ من الصمت، ثم ترفع إحدى الفتيات يدها، فيشير لها مهاب بالكلام.
مهاب: اتفضّلي.
تسنيم: بعد إذن حضرتك، أنا شايفة إن كل اللي في الشركة لابسين يونيفورم معيّن، فهل إحنا كمان هنكون نفس الشيء؟
مهاب وهو يجيب وينظر إليهم جميعًا: حاليًا في مشروع هيتوزّع عليكم، وهنجرّبكم فيه، هنشوف اللي هيبان ويثبت نفسه ويستحق يكمل تدريبه في شركة العنقود، وساعتها هيتثبت معانا وهيكون ليه يونيفورم زي ما آنسة تسنيم قالت.
شايفكم كلكم متحمسين، وإن شاء الله كلكم تتثبتوا معانا.
ثم مرت ثوانٍ قليلة، قبل أن يفتح الباب دخل سفيان، بحضوره الطاغي الذي يفرض الصمت دون الحاجة إلى كلمة.
أبطأ خطاه عند المدخل لبرهةٍ، وعيناه السريعتان تجولان القاعة، تلمّان الوجوه واحدًا تلو الآخر، إلى أن توقّفتا لثوانٍ قليلة عندها تحديدًا، وحين التقت عيناه بعينيها، ولأول مرة شعر بأن الزمن سكن فجأة، وتسمّر في مكانه.
أما هي فكانت مستغربة ذلك الإحساس الغريب؛ قبل سويعات قليلة فقط، كانت تشعر بالخوف منه والارتباك.
والآن.. شعور غامض بالأمان تسلّل إلى قلبها دون تفسير.
حتى هو لم يكن يعلم لماذا جاء إلى هنا، لم يكن مسؤولًا عن تلك الدفعة، لكن شيئًا بداخله أصرّ على الحضور.
هل جاء ليرى التحدي في عينيها؟ أم ليؤكد لنفسه أنها غير ملتزمة بالمواعيد؟ و هو بالتأكيد لم يكن يملك الإجابة.
انتبه لنفسه سريعًا، وحاول استعادة تركيزه.
وعندما لاحظ «مهاب» وقفته تلك، بادر بالكلام تلقائيًا.
مهاب وهو يبتسم ويتحدث ببعض المرح: وطبعًا سفيان باشا غني عن التعريف.
سفيان بابتسامة: صباح الخير يا شباب.. أهلًا بيكم في شركة «العنقود»، وطبعًا مش محتاجين أقولكم إحنا بنهتم بالجادّين قد إيه، شايف في عينيكم الحماس، وإن شاء الله تطلعوا قد المسؤولية.
أنا مش هكون متواجد معاكم بشكل دائم، لكن من وقت للتاني هحاول أكون موجود، وطبعًا «مهاب» هيكون معاكم في أي حاجة تحتاجوها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في شركة «كمال الزيني» كان التوتر يخيّم على الأجواء الجميع يترقّب لحظة اللقاء المصيري مع الوفد الأجنبي، اللقاء الذي إن تمّ بنجاح، ستقفز الشركة؛ لتصبح من أكبر شركات رجال الأعمال في الوسط العربي، و«رفيف» لم تصل بعد.
رفيف، تلك الفتاة الرقيقة التي لم تُخلق يومًا لتحمّل هذا النوع من المسؤوليات، ولم تحبّذ الوقوف في مواجهة العيون المتحفّزة والقرارات المصيرية كتلك، غير أنّ القدر كان له رأي آخر؛ فبعد وفاة والدها كمال الزيني، كان من المفترض أن تستلم هي مكانه، رغم هشاشتها الواضحة.
رنّ هاتف الاستقبال.
دعاء: صباح الخير يا فندم، مع حضرتك.. هل يوجد أي استفسار؟
المتصل: صباح الخير، نود إبلاغكم أن السيد «ريكس» قد غير مكان اللقاء، ويرغب بمقابلة السيد «كمال» في فندق «هيلتون»
دعاء: حسنًا، سيتم إبلاغ الإدارة فورًا.
في فندق «هيلتون»، كان «أدهم» يدخل من الباب الرئيسي بخطوات واثقة، في الوقت ذاته كانت «رفيف» تدخل ببطء شديد تتقدّم خطوة، وتتراجع أخرى.
شيء ما بداخلها كان يحثّها على التقدّم، يهمس لها بأن كل شيء سيكون بخير.. لكنها لم تكن واثقة بالقدر الكافي.
رفيف: مرحبًا بك، سيد ريكس.
وفي اللحظة ذاتها قال أدهم: مرحبًا بك، سيد ريكس.
ثم التفت إلى رفيف وأضاف بنبرة رسمية: أهلًا بكِ.
السيد ريكس: أهلًا بك، سيد أدهم.. وأهلًا بكِ، سيدة رفيف. علمت للتو بوفاة والدك، خالص تعازيّ لكِ.
كان أدهم ينظر إلى رفيف بذهول.
للحظةٍ، كان يظنّها مجرد شخصٍ مقرّب من السيد «ريكس»، لكنه أدرك فجأة الحقيقة الصادمة.. إنها ابنة عدوه، ابنة كمال الزيني نفسه.
لم يتخيّل يومًا أن من سيقف أمامه ليخطف الصفقة من بين يديه ستكون فتاة.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة مرعبة، ثم التفت إلى ريكس وقال بنبرة واثقة: أعتقد، سيدي، أن السيدة رفيف لن تكون قادرة على استكمال الاتفاقية كما ترى، هي تمرّ بوقتٍ لا يسمح لها بتحمّل أعباء كهذه.
ثم نظر إليها مرة أخرى، وقال بحدّة مستترة: أليس كذلك آنسة رفيف؟
كانت ترتعش حقًا، فتاة انطوائية، لم تحبّذ يومًا التعامل مع البشر، فكيف لها أن تواجه رجلًا مثله، في موقفٍ كهذا؟
ابتلعت ريقها، وقالت بصوتٍ مرتجف: بالتأكيد.. جئت اليوم لأخبرك أننا لن نستطيع إكمال العقد، تشرفت بلقائك، مستر «ريكس»، وبحضرتك أستاذ «أدهم».
ثم همّت بالانصراف.
أدهم: أستأذن من حضرتك، مستر ريكس، سأخرج قليلًا.
ريكس: لا بأس.
خرج أدهم خلفها، ليراها تجلس داخل سيارتها وتبكي بصمت.
كانت قد أغلقت الباب بإحكام، وأنزلت مقعد القيادة للخلف، وضامّةً ركبتيها إلى صدرها، ودموعها تنهمر بلا توقف.
للحظة.. ثقل المشهد عليه.
بدت له الآن كقطعة وديعة، ضعيفة أكثر مما تخيّل.
اقترب من السيارة، وطرق طرقاتٍ خفيفة على الزجاج.
نظرت إليه، ثم نزلت من السيارة واقتربت منه.
وما إن همّت بفتح فمها لتتحدث، حتى دوّى فجأة رنين هاتفها مع تأرجحه ووقوعه من يدها، فقطع اللحظة تمامًا.
انتفضت بعنف وهي تصرخ: تلفوني...
كانت قريبة منه إلى حدٍ خطير.
اصطدم رأسها بصدره بقوة، فسقط أرضًا متأوهًا بعدما ارتطم ظهره بالحجر الصلب أسفله، ورغم الألم، لم ينطق بكلمة.
رفع نظره إليها ليجدها متمسكة بثيابه، مغمضة عينيها، ترتجف خوفًا.
ألقى برأسه إلى الخلف، متنهدًا بتعب، ثم همس بصوتٍ خافت بالفصحى: يا الله، أيُّ رياحٍ ألقت بكِ لديّ، يا فتاة؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
#دمتم بخير.
يتبع...
# لكلٍ منّا طريقه.
لـ شهد مُسعد«إيلانا»
Shahd Mossad