الفصل التاني

الفصل التاني

19 0

أَدَبُ الْكَلَامِ دَلِيلُ عَقْلِكَ يَا فَتَى

فانظُرْ كَلَامَكَ إِنَّهُ المِيزَانُ

إِنَّ الَّذِي يَحْوِي العُلُومَ وَمَا حَوَى

أَدَبَ الحِوَارِ يُخُوْنُهُ الْبَرْهَانُ

مَنْ لم يَزِدْهُ العِلْمُ حُسْنَ تَصَرُّفٍ

ذَاكَ امْرُؤٌ فِي عَقْلِهِ نُقْصَانُ ..

جهاد جحا

ــــــــــــــــــــــــــــــ

مع نسمات العصرية كانت عائلة «العنقود» كعادتها حول طاولة الغداء وكلٌّ منهم يحدث الآخر عمّا جرى معه خلال يومه.

سامي: أومّال فين العيال يا سلمى؟

سلمى: سفيان فوق.. جه من الشركة ونام، ورهف وغدير لسه في الكلية.

سامي: عايزك تكلمي غدير شوية يا سلمى، وتفهميها إن بيت عمّها زي بيتها بالظبط.

سلمى: غدير طيبة جدًا، وبتعاملنا عادي..بس من بعد وفاة أختي وجوزها وهي لسه متأثرة، مش قادرة تنسى اللي حصل، خصوصًا إنها كانت في نفس العربية.. وربّنا نجاها. الحمد لله.

هو حصل منها حاجة يا سامي؟

سامي: لا أبدًا يا حبيبتي.. بس بحس إنها بتتعامل بتكلّف معانا.

وبصراحة.. النهاردة لقيتها مسجّلة في التدريب فـ استغربت ليه مجتش قالتلي علطول.

سلمى: معلش يا حبيبي.. استحملها وسيبها تعمل اللي هي عايزاه.

واحدة واحدة هتاخد علينا.

هو سفيان عرف إنها هتتدرّب في الشركة؟

سامي: يا رب يا سلمى، لا لسه ميعرفش.

سلمى بصوت خافت: ربنا يستر.

سفيان وهو يدخل عليهم: مساء الخير على أحلى سيمو في الدنيا.

سلمى بتلقائية: مساء الورد على عيونك يا حبيبي.. نمت كويس؟

سفيان وهو بقبل يدها: أيوة يا ستّ الكل، إلّا قوليلي.. إيه الحلاوة دي كلها النهاردة؟

سامي بغيظ واضح: مش هناكل ولا إيه؟

سفيان وهو ينظرلـ «سامي» بطرف عينه؛ لأنه يعرف تمامًا غيرة والده على والدته.

سفيان: ما هو طبيعي..أول ما اشوف «سيمو» بالحلاوة دي، نفسي تتفتح.

سلمى: حبيب ماما.. تسلّملي يا حبيبي.

وهنا أيها القارئ تستطيع أن تشم رائحة الشياط؟ نعم..إنه سامي

سفيان: إلّا قوليلي يا سيمو.. إيه سرّ الرشاقة دي؟ بتعملي رجيم ولا إيه؟

سلمى: ولا رجيم ولا حاجة يا حبيبي.. أنا كده من صغري، صح يا سامي؟

سامي بغيظ: آه يا روحي.. أنتِ طول عمرك سمبتيك.

سفيان: والله يا بختك يا بابا.. متجوز ستّ مفيش زيها، أنا بقى نفسي...

سامي وهو ينظر له بشر و يخبط على السفرة: مش يلا بقى نأكل.. ونقفل صفحة الغزل دي؟

وفي تلك اللحظة دخلت «رهف» و «غدير»، وسامي ما يزال وجهه محمرًا من شدة الغضب.

رهف: ياااه يا جدع، حاسين بيا انتوا، ومجهزين الأكل، الواحد هيموت من الجوع.

غدير بابتسامتها المعتادة: مساء الخير

سامي: مساء النور يا حبيبتي

سامي وهو يخبط بخفة على قفا رهف: من يومك طفسة، وهو ينظر لـ «غدير» تعالي يا بنتي، يلا عشان تتغدوا.

جلست رهف بجانب والدتها، بينما غدير جلست في المقعد المقابل لـ «سفيان».

رهف: صحيح يا أبيه.. كنت عايزة أتكلم معاك في موضوع كده.

سفيان بابتسامة: خير يا جِدْية

رهف: يوووه أنت مش هتبطل تقولي يا جِدْية بقى، على فكرة أنا كبرت.

سفيان بضحك: هههه ولو ولو برضو جِدية.

رهف: أوووف.

سفيان وهو يوجه كلامه ل غدير: سمعت إنك سجلتي في التدريب.

غدير بتوتر، وهي تنظر في طبقها: آه سجلت.

سفيان بسخرية: على فكرة أنا بكلمك، يبقى من الذوق إنك تبصيلي.

غدير كما هي تنظر في طبقها: وعلى فكرة حضرتك سألت برضو، وأنا جاوبت يعني مش ضروري أبص لحضرتك وأنا بكلمك.

سفيان برفع حاجب: حضرتك!

تمام يا أ/غدير من بكرة تكوني موجودة بدري في الشركة، التدريب معانا مش لعب عيال، وبعد كدة لما مديرك يكلمك احترامًا ليه تبصيله وتكلميه.

وقفت غدير بعيون دامعة: وأنا مش بلعب، حضرتك بما إني قدمت في الشركة يبقى قدها، وما اسمحش لحضرتك تكلمني بالأسلوب ده، أما بالنسبة لـ إني أحترم حضرتك وأبص لحضرتك وأنا بتكلم؛ فاحترامي لربنا هو الأهم بالنسبالي

ربنا سبحانه وتعالى قال:

"قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ".

بعد إذنكم.

خرج سفيان غاضبًا إلى الشركة مرة ثانية، وهو في قمة الغضب، بالكاد لا يكاد يطيق نفسه.

مهاب: إيه يا وحش؟ مالك كده متعصب.

سفيان ينظر له نظرة بمعنى اخرس

مهاب: خلاص يا عم، ما كانتش كلمة هي، ولا كأني قلت حاجة.

أدهم بسخرية: أنت ليك عين تتكلم يا لطخ أنت بعد اللي عملته.

مهاب: أحم أنا عملت إيه ما أنا في حالي أهو وزي الفل.

أدهم: لا يا راجل وهو يمسكه من قفاه: عارف يا مهاب الكلب.. اللي حصل الصبح ده لو اتكرر تاني هعمل فيك إيه؟

مهاب: باشا مصر.. وربنا توبة خلاص.

أما سفيان فجلس شاردًا، غارقًا في أفكاره.

لم يفهم كيف فقد أعصابه بهذا الشكل، أقنع نفسه بأن غدير تتحجج بالدين، وأنها متشدّدة، وأن هذا تخلف.

لكن..رغم كل ما قاله لنفسه، لم يستطع تجاهل شيء واحد:

أنه انزعج حين رأى دموعها، وانزعج أكثر؛ لأنه كان السبب في سقوطها.

في منزل عز الدين، نجد فيروز تمشي في الشقة وراء والدتها محاولة إقناعها بشيء ما.

فيروز: يا ماما، معلش والله.. هركز في دراستي ومش هأثر، بالعكس ده هيفيدنا في المذاكرة.

تيسير: قولت لأ يعني لأ.

فيروز: يا ماما بقى..غدير هتكون معايا، مش لوحدي، وأوعدك مش هأثر في المذاكرة.

تيسير: قولنا لأ يا فيروز.. ويلا، شوفي أنتِ رايحة فين.

فيروز وهي تخبط برجليها على الأرض: يوووه بقى، كل حاجة لأ لأ..

فجأة، ابتسمت وكأنها تذكرت شيئًا: طب وحياة رحمة عز الدين عندك.

تيسير: وبعدين يا فيروز؟ إحنا قولنا إيه؟ قلت لك متحلفيش ببابا، وأنا مش موافقة على حاجة بعد كده.

فيروز: يا ماما، معلش آخر مرة.

تيسير: ماشي يا فيروز.. لما نشوف آخرتها.

في أوضة نجاة، نجدها قاعدة قدام لوحة، يبدو أنها ترسم شخصًا ما، وتدندن بصوت منخفض:

يا رموش قتالة وجارحة يا بوي

وعيون نعسانة وسارحة يا عين

يا رموش قتالة وجارحة يا عين

وعيون نعسانة وسارحة يا عين

اديكي عمري بحاله يا بويا

واديني أنتِ الفرحة يا عين

اديني أنتِ الفرحة يا عين…

صباح يومٍ جديد — في أمريكا

جلس «عُمر» على أحد شواطئ كاليفورنيا، يتابع حركة الأمواج بتلك النظرة الشاردة التي تكشف أكثر مما تُخفي. الهواء البارد يمرّ على وجهه مرورًا خفيفًا، لكن قلبه ظلّ عالقًا في مكانٍ آخر في ذكرى تعود لسنواتٍ مضت، ذكرى لم تفارقه يومًا.

وبينما كان ينظر إلى البحر، انفتح داخله بابٌ قديم؛ ليعيده إلى الماضي.

فلاش باك — مصر

كانت صباح تقف في منتصف الغرفة، ملهوفة وفرحة كعادتها عندما ترى طفلًا جديدًا في العائلة.

صباح بحماس:

عايزة أشوف حفيدي، فسحولي كده.

ابتسم عُمر وهو يتقدّم نحوها حاملًا الرضيعة الصغيرة.

عُمر ببراءة طفل صغير وابتسامة: دي بنت يا نانة، وبصي عيونها خضر إزاي حلوة أوي.

التفتت إليه والدته بنبرة تجمع بين الحرص والمحبة

والدة عُمر: مش قولنا يا حبيبي لما تشوف حاجة حلوة تقول ما شاء الله؟

عُمر: قولت يا ماما في سرّي، عايز أشيلها تاني.

سلمى: هنسميها… تــ

لكن عُمر قاطعها: طنط...سميها «رهف»

رفعت« سلمى» رأسها إليه بابتسامة لطيفة: اسم جميل يا عُمر.

عودة إلى الحاضر

فتح عُمر عينيه مرة أخرى، وكأن صوت البحر كان يعيده دفعًا إلى الواقع.

ولكن شيئًا داخله ظلّ معلّقًا..

اسم رهف وحده كان كفيلًا بإحياء حُزنٍ يظنّه كل من يراه قد تجاوزه منذ زمن.

عزيزي القارئ..كلانا نعلم تمامًا أن لكل منا طريقًا مختلفًا، فمِنّا من يختار الطريق الصواب، ومِنّا من ينحرف نحو الخطأ، ومع ذلك، تظلّ الدنيا تمضي بنا إلى نهايتها الحتمية؛ تلك النهاية التي ليست سوىٰ بداية لحكايةٍ أخرىٰ، فصلٍ جديد قد لا نكون مستعدين له.

وهكذا كانت «غدير» واحدةً من الذين آمنوا بأن لكل ظلمة نهاية، فقررت أن تختار الطريق الصواب وتبدأ بداية جديدة رغم جراح فقد والديها، أمّا «رهف»، فاختارت أن تدفن الماضي بطريقةٍ خاطئة، كأنها تحاول الهرب من وجعها بدل مواجهته.

#دمتم بخير.

يتبع...

#لكلٍ منّا طريقه.

لـ شهد مُسعد«إيلانا»

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لكلٍ منّا طريقه

المؤلف Shahd Mossad
2025/11/14 مستمرة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة