و سمعت صوتك من بعيد يعتذر: لا تنتظر
كم كنت أحلم أن أعود إليك
أن أقتل الأحزان بين يديك
لكنني لا أستطيع
شبح الزحام يشدني
و رأيت قلبي في الحنايا.. يحترق
بيني و بينك خطوتان و نفترق
لو قال كل الناس شعرا
لن يكون.. كشعرنا
لو ذاب كل الناس حبا
لن يحبوا.. مثلنا"
#فاروق_جويدة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في منزل عائلة «العنقود»، كانت رهف تُعدّ حقيبة سفرها، بعد معركة طويلة أقنعت فيها عائلتها، وبمساعدة «سفيان» بعد إلحاحٍ مستمر ، ألّا يصل الخبر إلى أيٍّ من أقربائها؛ فهي لا تحبّذ تدخّل أحد، وتريد أن تثبت لنفسها قبل الجميع أنّها قادرة على الاعتماد على ذاتها.
رفعت رهف يدها بحماس، وابتسامة واسعة ارتسمت على وجهها: جيالك يا «ستانفورد»، أمريكا هتنور بيا يا ولاااا.
ثم دخلت عليها والدتها.
سلمى: خلاص يا رهف هتسافري، هتوحشينا.
رهف وهي تحتضنها: وأنتِ كمان يا ماما هتوحشيني، هريحك من صداعي أهو.
دخل سفيان وسامي عليهم.
سفيان وهو يضربها بالقفا بخفة: هتوحشينا يا أوزعة
سامي وهو يحتضنها ويمسح على ظهرها: بس يا ولا.. ملكش دعوة بيها.
سفيان بخبث، فهو يعرف غيرة أبوه على والدته: ماشي مليش دعوة بيها، خليك فاللي يخصك، وأنا خليني ف اللي يخصني.
سامي، وهو يمسك مخدة ويرميها عليه: يلا.. مش هتحترم نفسك بقى؟
ضحكت سلمى على الموقف، ثم نظرت إلى رهف: صحيح يا رهف، احنا نسينا موضوع السكن، هتسكني فين بما إنك رايحة متأخرة عن الدراسة؟ مفيش سكن جامعي حاليًا.
رهف: إيه ده، أنا نسيت الموضوع ده خالص.
سفيان: متقلقيش ليا واحد صاحبي ساكن هناك، وكلمته من الصبح، هو بيدورلك على شقة، ولسه من خمس دقايق كلمني وقال إن واحد صاحبه عنده شقة كويسة، بس هيكون معاك زميلة في السكن.
رهف: ثوان بس.. عمر ملهوش دعوة صح؟
سامي: وماله يا رهف.. على الأقل هنكون مطمّنين عليك، عشان ابن عمك.
رهف: يا بابا.. أنا قولت مش عايزة أي قرايب من أي نوع، عايزة أعتمد على نفسي، مش كل شوية ألاقي حد ناطط ليا.
سامي: طيب.. زي ما اتفقنا، أي حاجة تقابلك هتكلميه علطول.
رهف: حاضر يا بابا.
سلمى بدموع وهي تودعها: خلي بالك من نفسك.
رهف: حاضر يا ماما
سفيان: يلا يا رهف.. عشان الطيارة.
غدير وهي تحتضنها: لا إله إلا الله
رهف: محمد رسول الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في منزل «عزّ الدين»، كانت رائحةُ الطعام تملأ أرجاء المنزل، تمتزج بصوت الفنّ القديم، فتمنح المكان دفئًا مألوفًا.
من غرفة المعيشة، كان صوت التلفاز منخفضًا، وضحكاتٌ خافتة تتسلل بين الحين والآخر، بينما تحرّكت تيسير إلى المطبخ بين الأواني بخفّة، تحفظ تفاصيل البيت.
دخلت فيروز إلى المطبخ، وخطفت قطعة بطاطس: «يا عيني يا عيني.. الأكل ريحته تجنن»
ضربت تيسير على يدها بخفة: «بطّلي تخطيف، عشان تاكلي معانا.»
في تلك اللحظة، دخلت نجاة وهي تُدندن مع صوت الكاسيت أغنية لعبد الحليم:
أهواك وأتمنّى لو أنساك وأنسى روحي ويّاك
وإن ضاعت يبقى فداك لو تنساني
وأنساك وأتاريني بنسى جفاك وأشتاق لعذابي معاك
وألقى دموعي فاكراك أرجع تاني
في لقاك الدّنيا تجيني معاك ورضاها يبقى رضاك
وساعتها يهون في هواك في هواك طول حرماني
رنّ هاتف فيروز، فأجابت بسرعة، وما لبث صوتها أن ارتفع وهي تكمل غناء في الهاتف بصوتٍ مُزعج: « في لقاك الدنيا تجيني معاك ...»
جاءها صوت غدير متذمّرًا: «ودني الله يخربيتك، لو كنتِ موجودة قدّامي دلوقتي كنت سقّفت على وشّك جتك القرف.»
عدّلت فيروز ملابسها بغرور: «أيوه طبعًا، من الفرحة يا بنتي كنتِ سقّفتي على وشّي، ههههه.»
غدير بغيظ: «أبو فَصلانك يا جدع.. إنجزي، عملتي حاجة في المشروع ولا لسه زي حالاتي؟»
نظرت فيروز إلى تيسير من تحت لتحت: «لا.. ما هو ستّ الحبايب هتساعدني، بما إنّها خريجة هندسة وكده.»
غدير: «الله يساهله يا عم، أنا هطير أنا أحاول أخلّصه. يلا، في رعاية الله.»
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وصلت رهف أخيرًا إلى أبراج البرايتون»، فتتقدم نحو الباب الذي من المفترض أنه سيكون باب شقتها، وتخبط عليه برفق، منتظرة بحماس طلة زميلتها في السكن.
في نفس اللحظة، يخرج شخص من الشقة المقابلة:
عمر: مرحبًا..جوان ليس هنا الآن، هو ما زال في الجامعة، هل تودين أن تنتظريه؟
تتوقف رهف قليلًا هذا الصوت.. تعرفه تمامًا، يتوقف عقلها ويخفق قلبها بشدة، بينما تحاول تهدئة نفسها: رهف، اهدي.. اهدي.. أكيد مش عمر أنت حتى ولو هو متتبصيش، اتجاهلي.
عمر: هل تعتقدين أنه من الذوق ألا تردين عليّ؟ لا بأس.. سأخبرك مرة أخرى، جوان ليس هنا، وإذا احتجتِ المساعدة فأنا في الشقة المقابلة.
رهف بصوت خافت: هو ليه بيتكلم عن جوان كأنها ولد؟
في تلك اللحظة، يظهر جوان:
جوان: مرحبًا، أنا جوان، زميلك في السكن.
رهف بذهول وتلتفت نحوه فجأة: نعم يا عنيا أحم.. عفوًا، أنا لا أعلم بأن زميلتي في السكن ولد.
عمر بصوت خافت وهو يقف مذهولًا، لا يستطيع أن يصدق ما تراه عيناه، قلبه يخفق بقوة، وذاكرته تعيد له كل التفاصيل عنها لا يمكنه نسيانها: ر.. رهف.. مستحيل.
رهف تتنهد في نفسها بخفوت: يا حوستك السودة يا رهف.. ثم تقول بصوت عالي: نعم، مستر جوان هل تستطيع أن تدبر لي سكن آخر غير هذا؟
جوان: أعتقد أنني لا أستطيع في هذا الوقت.
رهف وهي تحمل حقيبتها وتستعد للمغادرة: لا بأس.
عمر: أنتِ رايحة فين في الوقت ده؟
رهف برفع حاجب: نعم؟ خير حضرتك.. محتاج حاجة؟
عمر: رهف، بطلي استهبال.. أنتِ رايحة فين دلوقتي؟
رهف: هو البعيد ما بيشوفش.. ولا مابيشوفش.. مع لينا هنزل أشوف سكن الطالبات.
عمر: هعتبر نفسي مسمعتش الجزء الأول، أنتِ عارفة الساعة كام دلوقتي؟
رهف: إحنا في أمريكا مش في مصر.
عمر: أديكي لسه قايله.. إحنا في أمريكا مش في مصر.
رهف: أيوة يعني إي برضو؟
عمر: شوفي أنتِ واحدة بنت، لسه في أول يوم ليها في بلد غريبة.. ممكن يحصل لها أي.
رهف وهي تتحرك: ماشي.. ملكش دعوة.
عمر وهو يفتح باب الشقة: بطلي عناد يا رهف وادخلي دلوقتي..أنتِ عارفة أن الجامعة بدأت ومعظم سكن الطالبات اكتفى.
رهف وهي تتوقف و تفكر قليلاً، ثم تدخل بتعالٍ، دون أن تنظر إليه، محاولةً منها إخفاء أي أثر لتوترها.
في القاهرة، نرى «غدير» جالسة تعمل على المشروع، ثم جاءها تيليفون دولي.
عمر: حبيبة قلبي، عاملة إي؟
غدير: الحمد لله يا عمر، وحشتني أوووي.
عمر: وإنتِ كمان يا روحي وحشتني أووي عاملة إي في الكلية؟ مش ناوية تيجيلي بقى يا غدير ونعيش مع بعض؟
غدير: مش هعرف أعيش بعيد عن البلد اللي ماما وبابا كانوا فيها يا عمر، تعا أنت نعيش مع بعض في مصر.
عمر: ربنا يسهل يا حبيبتي.
غدير: مالك يا عمر؟
عمر: طول عمرك فاهماني يا غدير.
غدير: طيب يا سيدي.. اتكلم في إي بقى؟
عمر: في حد جه يسكن معايا في الشقة.
غدير: طب حلو جدًا. أنت كنت عايز حد يسكن معاك، إي المشكلة بقى؟
عمر: المشكلة إنها بنت.. ومش أي بنت كمان.
غدير: بنت؟؟
عمر: أيوة يا غدير.
غدير: إزاي بقى يا سي عمر مش أي بنت؟
عمر بتنهيدة: دي.. دي رهف.
غدير: لا يا عمر.. مينفعش ثم توقفت قليلاً عندما لاحظت الاسم: رهف؟ مين؟ آه..أوعى تكون بنت عمك.
عمر: أيوة.
غدير: حتى لو مش رهف.. مينفعش برضو يا عمر.
عمر: ما أنا عارف إنه مينفعش يا غدير، بس هتروح فين دلوقتي؟
غدير: دور لها على شقة يا عمر.. مينفعش الوضع ده يستمر.
عمر: ما أنا كنت ناوي على كده.
غدير: لحد ما ده يحصل يا عمر اتقي ربنا فيها، وتنسى خالص فكرة إنك بتحبها، جو روميو و جوليت ده تنساه.
عمر: بإذن الله يا غدير .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أمام فندق «هيلتون».
نجد «رفيف» تنفض ملابسها ببطء، عينيها تلمعان ببعض الدموع المكبوتة. همست بصوت خافت بالكاد سمعه ادهم، ولم تجرؤ على النظر إليه: آسفة..
أما هو، واقف أمامها، عيناه تلتقطان كل حركة صغيرة تفعلها، جاء ليوبخها، ليزرع فيها الخوف حتى لا تدخل أي مناقصة بعد وفاة والدها، لكنه توقف، لم يعرف لماذا لم يفعلها... هل لأنه رآها تبكي كالقطط الوديعة فشعر بالشفقةٍ عليها؟ أم لأنه وجد نفسه عاجزًا أمام ضعفها وملامحها البرئية؟ أم أن هناك شيئًا آخر يخفيه قلبه ولا يستطيع تفسيره؟
ادهم بصوت هادئ، حازم قليلًا: مفيش مشكلة.. البقاء لله يا آنسة.
في لحظة غير متوقعة، ابتسمت رفيف ابتسامة ساحرة، ومسحت دموعها بخفة.
في تلك اللحظة، استحضر ادهم بيتًا شعريًا للفنان الكبير فاروق جويدة، ووجد نفسه يردده بصوتٍ عالٍ قليلًا:
«يا من سرق الفؤاد بلا إذن
ضحكتكِ كالقمر، وسحرك يملأ الدنيا ضيًّا.»
تسللت الحمرة إلى خديها من الخجل، وهمست بصوت خافت: عن إذن حضرتك..ثم، بخفة فراشة، ركبت سيارتها وانطلقت ببطء، تاركة وراءها ذلك «الادهم» واقفًا يراقب سيارتها، يشعر بشيء لم يعرفه من قبل..
شيء يربطه بها بطريقة لا يستطيع تفسيرها بعد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وبكده، نقدر نقول أن الأحداث، ستبدأ من الفصل القادم كونوا على أتم الاستعداد يا رفاق.
#لكلِّ دنيا نهاية، والنهايةُ ليست سوى بدايةٍ لحكايةٍ أخرى.
#دمتم بخير.
يتبع...
#لكلٍ منّا طريقه.
لـ شهد مُسعد«إيلانا»
Shahd Mossad