> ..:
المقدمة
هناك لحظات في التاريخ لا تُكتب… بل تُخفى.
ولأنها تُخفى، ينساها الناس، ثم يتحولون إلى جمهور يشاهد المشهد الأخير فقط، دون أن يعرف كيف بدأ الفيلم من الأصل.
محمد علي الذي صار يومًا ما “مؤسس الدولة الحديثة”لم يُولد وفي فمه سيف، ولا جاءه المجد جاهزًا يطرق بابه.
قبل مصر… كان هناك طفل يتيم يحاول أن يفهم العالم.
وشاب فقير يحاول أن يبقى على قيد الحياة وسط بلدة لا ترحم.
وشخص لا يعرف أن اسمه سيصير بعد سنوات عنوانًا لفصل كامل من تاريخ الشرق.
هذه القصة ليست عن الحاكم.
وليست عن الباشا الذي رأيناه في الكتب.
وليست عن الرجل الذي وقف أمام الدولة العثمانية وأوروبا.
هذه القصة عن النسخة المنسية منه ، النسخة التي عاشت في الظل، وذاقت الفقر، والخوف، والضرب، والإهانة، والشك… النسخة التي لم يكتب عنها أحد لأنها صغيرة، هامشية، لا تُثير ضوء الكاميرا.
لكن الحقيقة أن أعظم الرجال يُصنعون في اللحظات الصغيرة، في الهزائم التي لا يراها أحد، وفي الندوب التي تتركها الأيام على الوجوه قبل أن تتعلم الوجوه كيف تُخفي الندوب خلف “هيبة”.
ولد محمد علي في “قولة”، مدينة لا تعرف الهدوء، يقف الناس فيها على حدود الخوف كل يوم، كأن الحياة نفسها تُدار بقبضة.
كبر وهو يرى الرجال يتصارعون على نفوذ ضيق، يرى الجنود العثمانيين يعبثون بالأرض والناس، ويرى أن القوة لها أثمان… وأن الضعف له أثمان أكبر بكثير.
في تلك البيئة وُلِد الدهاء قبل أن يولَد الباشا.
وتشكلت في رأسه أول فكرة عن السلطة قبل أن يفكر أحد أن يرسل اسمه إلى مصر.
لم يكن طريقه ممهدًا، ولا حياته مستقيمة.
لم يكن ذكيًا فقط؛ كان جائعًا.
جائعًا لأن يفهم لماذا يعيش بعض الناس فوق العالم… بينما يعيش آخرون تحته.
جائعًا لأن يكسر السقف الذي تربى تحته.
وجائعًا لأن يثبت لنفسه أولًا قبل أي أحد… أنه لا يريد أن يكون تابعًا.
لا يريد أن يكون ظلًا.
ولا يريد أن ينتهي مثل آلاف الوجوه التي مرت على قولة ولم تتذكرها حتى المقابر.
هذه القصة هي محاولة لإعادة الضوء إلى المنطقة المُعتِمة من حياته، تلك السنوات التي لم يذكرها المؤرخون إلا في سطر واحد، رغم أنها حملت في داخلها بذور الرجل الذي سيعيد تشكيل الأمة لاحقًا.
سنقف معه في طفولته التي لا تشبه طفولة أحد.
سنمشي بجانبه في طرق ضيقة تفوح بدخان التبغ والخصومات القديمة.
سنراه يتعثر، ينهزم، ينهض، يتعلم، يراقب، ويصمت… ذلك الصمت الثقيل الذي يصنع رجالًا لا يمكن توقعهم.
هذه ليست رواية عن السياسة.
ولا عن الحروب.
ولا عن انتصاراته التي حفظها التاريخ.
هذه رواية عن "الإنسان" الذي كان قبل كل ذلك…
الإنسان الذي كان يسعى للنجاة، ثم صار يسعى للفهم، ثم صار يسعى للسلطة، ثم في النهاية… صار يسعى لأن يكتب اسمه بيده، لا بيد أحد غيره.
وأنت تقرأ هذه الفصول… تذكر أن التاريخ لا يصنعه الأقوياء فقط، بل يصنعه ايضًا الذين جاعوا للقوة طويلًا.
وتذكر أن من يرى نفسه صغيرًا في أول الطريق… قد يكون هو الشخص الذي سيتغير من أجله الطريق كله.
وهذه هي قصة ذلك الطفل… قبل أن يصبح محمد علي الكبير.
ياسر رضا شهاب