الفصل الأول: حين سقط البيت فوق الطفل
كان الفجر يتسلل على قولة ببطء، كأنه يخشى أن يوقظ أحدًا. ضباب خفيف كان يعلق نفسه فوق أسطح البيوت الحجرية، ورائحة البحر تأتي من بعيد ممزوجة برائحة دخان المواقد الباقي من الليلة الماضية. في ذلك الصمت البارد، كان صراخ واحد فقط يشق الهواء… صراخ امرأة خرج من أعماق بيتٍ صغير عند أطراف البلدة.
كانت أم الطفل تجلس على الأرض، يداها ترتجفان فوق جسد زوجها المسجى. لم تكن تدري هل تبكيه أم تبكي نفسها. والطفل محمد كان يقف في الزاوية، ينظر إلى الجسد كأنه شيء غريب، شيء لا يعرف إن كان يجب أن يقترب منه أو يهرب بعيدًا عنه. كان عمره لم يتجاوز سنواته الأولى، ورغم ذلك عرف أن شيئًا كبيرًا تغير، كبيرًا لدرجة أن العالم كله بدا كأنه انكمش فجأة.
في تلك اللحظة لم يفهم معنى الموت… لكنه فهم الفراغ.
الفراغ الذي يبتلع البيت، والفراغ الذي يبتلع صدر أمه، والفراغ الذي سيسكنه هو بقية حياته.
سقط الضوء الأول على وجه الرجل الراحل، فبانت معالمه بوضوح. ملامح قاسية كأنها تشكلت من صخور قولة نفسها، لكنها ملامح لرجل كان يعرف كيف يحمي… والآن لم يعد هنا ليحمي أحدًا.
وقفت الأم بصعوبة، ومسحت دموعها بظهر يدها، ثم نظرت إلى ابنها نظرة لم يعرف ترجمتها وقتها، لكنه سيفهمها لاحقًا:
أنت وحدك الآن… حتى وأنا بجانبك.
---
لم تترك البلدة للعائلة وقتًا للحزن. في قولة، الموت ليس حدثًا… هو عادة. الناس يمرون بجانب البيت يلقون نظرة سريعة ثم يكملون طريقهم. بعضهم يتمتم بـ"الله يرحمه"، وبعضهم يهمس:
"ترك ولد صغير… كيف سيعيش بقية حياته؟"
لكنّ أحدًا لم يتوقف ليسأل ماذا يحتاج الصغير، أو كيف ستتدبر الأم حياتها.
قولة لم تكن مدينة للقلوب الضعيفة، ولا للغرباء، ولا لليتامى. كانت مدينة تتغذى على القسوة، وتعيش على صوت النزاعات، وتتنفس من فم السلطة العثمانية الثقيلة التي ترخي بظلها فوق كل بيت.
في عصر ذلك اليوم جاء قريب بعيد، رجل بشارب كثيف ووجه يبدو كأنه مرسوم بالحجر، وقال للأم بلهجة تقريرية لا تحمل نقاشًا: "الولد سيعيش معنا… أنتم لا تملكون قوت يومكم."
كانت تلك أول مرة يشعر الطفل بأنه شيء… لا أحد يتحدث معه، بل عنه.
شيء يُنقل من يد إلى يد.
نظرت الأم للطفل نظرة تجعل قلبه الصغير يرتجف، ثم انحنت فوقه، مسحت شعره بحنانٍ أقرب للوداع منه إلى الطمأنينة. لم تقل شيئًا. الكلمات كانت ستكسرها تمامًا. ثم رفعه الرجل بيد واحدة كأنه يحمل كيسًا من القمح، وأخذه خارج البيت.
لم يبكِ الطفل.
ليس لأنه قوي… بل لأنه لم يفهم كيف يبكي على شيء لم يفهمه أصلًا.
---
البيت الجديد كان مليئًا بالوجوه التي تحدق فيه وكأنهم فوجئوا بوجود كائن لا يعرفون ما يجب أن يفعلوا به. نساء يهمسن، أطفال يضحكون عليه، ورجلان جالسان في الداخل يتجادلان بصوت مرتفع. واحدة من النساء قالت وهي تنظر إليه من أعلى:
"يتيم… اليتامى يجلبون النحس."
كانت أول جملة تُقال عنه أمامه مباشرة، وكان لها وقع غريب عليه.
جملة ستظل تعود إليه شكلٍ آخر في حياته مرارًا.
وُضِع الطفل في غرفة صغيرة ذات جدران رطبة، ونافذة تطل على زقاق ضيق تتراكم فيه القاذورات. لم يكن هناك فراش، فقط قطعة قماش مهترئة ووسادة محشوة بالقش. نام فوقها وهو يشعر بأن البيت ينكمش حوله، كأن الجدران تتآمر لتصغر وتضيق حتى تبتلعه.
كانت تلك أول ليلة في حياته دون أب، ودون أم، ودون صوت يعرفه.
وأول ليلة يسمع فيها صوتًا داخليًا بلا كلمات يقول له:
لا تنتظر أحدًا.
---
مرت أيام دون أن يعرف الطفل ماذا يجب أن يفعل. لا أحد يعلمه. لا أحد يهتم. كان يستيقظ على صراخ البيت، وينام على صراخه. بيت مليء بنزاعات على الطعام والمال والسلطة، صراعات لا يفهمها لكنه يشعر بقسوتها. كان يرى الرجال يرمقون بعضهم بنظرات تحمل غضبًا مكبوتًا، والنساء يتصارعن على أصغر الأشياء.
تلك البيئة لم تترك داخله فرصة للبراءة.
كانت البراءة رفاهية لا يملك ثمنها.
في يوم جلس بجانب باب البيت، يراقب الشارع. مر تاجر كان يعرف والده، وقف لحظة، نظر إلى الطفل بنظرة طويلة ثم قال لنفسه بصوت مسموع كأنه يحكم عليه: "إن عاش… سيكون شيئًا عظيمًا."
لم يفهم الصغير معنى الجملة، لكنها استقرت بداخله كحجر في قاع بئر.
---
حين بلغ سبع سنوات، بدأ يخرج بمفرده. الشارع كان مدرسته الأولى.
تعلم كيف يتفادى الضرب من الصبية الأكبر.
تعلم كيف يهرب بخفة إن شعر بالخطر.
وتعلم شيئًا أهم: كيف يراقب.
كان يختبئ خلف الدكاكين، يراقب الرجال وهم يتفاوضون، وكيف يتغير وجه الرجل عندما يقترب من الربح، وكيف يضيق حاجباه عندما يشعر بالخسارة. كان الطفل يحفظ تلك الوجوه… كأنه يجمع قطعًا من لغز سيحتاجه يومًا.
وفي إحدى الليالي، حين عاد متأخرًا، جلس الرجل الجدي الذي أخذه من أمه في الفناء وهو يدخن. نظر إليه بحدة وقال: "أنت ابن رجلٍ كان يعرف قيمته. لا تكن أقل منه."
لم تكن جملة حنان… كانت أمرًا.
لكن الطفل شعر بشيء يتحرك في داخله.
كأن شخصًا ما صفعه ليستيقظ.
> ..:
تلك الليلة فهم شيئًا لم يفهمه من قبل:
هو ليس مجرد طفل تُنقله الأيدي.
هو ابن رجل مات واقفًا.
وإن لم يَبنِ قيمته بنفسه، لن يفعلها أحد من أجله.
---
بدأت ملامح الصبي تتغير. صار أقل صمتًا. أقل خوفًا. أكثر تركيزًا.
كان يراقب كل شيء: حركة الأبواب، طريقة مشي الرجال، نبرة أصواتهم حين يكذبون أو يخافون أو يهددون.
تعلم أن القوة ليست عضلات… بل قراءة صحيحة للعالم.
وفي صباح أحد الأيام، دخل البيت رجل من رجال قولة المشهورين بالغلظة. صاح بصوت مزعج: "نريد الصبي… ليساعدنا في السوق."
لم ينتظر ردًا. أمسكه من ذراعه واقتاده معه.
وفي السوق، رأى الطفل العالم الحقيقي لأول مرة:
رجال يساومون رجالًا.
تجار يبتلعون صغارًا دون رحمة.
أصوات، ورائحة تبغ، وضربات السوط على ظهر حمار مرهَق.
ودرس واحد يتكرر أمامه طوال النهار:
من لا يأخذ… سيُؤخذ منه.
وقف الطفل في زاوية السوق، ينظر لكل شيء بعينين لا تناسب سنه، عينين أكبر منه بكثير. كان هناك رجل ضخم يتشاجر مع آخر، والناس تجمعوا يشاهدون.
سمع أحدهم يقول: "هذا هو الذي يتحكم في نصف تجارة قولة… يخشاه الجميع."
توقفت عينا الطفل على الرجل.
وقفته، طريقته، جرأته في الكلام…
كانت تلك لحظة صغيرة، لكنها كانت الجذرة الأولى التي ستنمو يومًا إلى فكرة ضخمة:
ماذا يعني أن يخشاك الجميع؟
---
عاد الطفل للبيت تلك الليلة وهو يسير ببطء. كان يشعر أن في رأسه حركة، كأن أفكارًا صغيرة تولد وتتشابك. لم تكن أفكارًا واضحة، لكنّها كانت بداية… بداية شيء سيكبر ويتحوّل.
وعندما حاول أن ينام، سمع صوت البحر من بعيد.
الصوت كان يأتيه مثل همس خافت، كأنه يناديه.
أغمض عينيه، وفجأة رأى صورة أبيه.
ليست صورة واضحة، فقط ظل رجل واقف… ثم يتراجع إلى الخلف ويختفي.
فتح الطفل عينيه فجأة.
وحين فعل… لم يكن الطفل نفسه بعد الآن.
تلك الليلة، وللمرة الأولى، شعر أن العالم ينقسم إلى نوعين من الناس:
الذين يعيشون الحياة… والذين يصنعون الحياة.
وفي ظلام الغرفة الرطبة، تشكلت بداخله نواة صغيرة لرجلٍ سيغيّر اتجاه التاريخ.
لم يفهمها الآن… لكن الشعور كان واضحًا:
لن أكون ظلًا بعد اليوم.
ياسر رضا شهاب