الخلاص يكون بالدم

الخلاص يكون بالدم

13 0

الفصل السادس

استفاقت قولة مبكرًا على حفيفٍ غريب، كأن الهواء نفسه يتردّد قبل أن يجرؤ على الحركة. لم يكن ذلك الحفيف من رياح البحر، بل من أخبارٍ تنتقل في الأروقة والزوايا—أخبارٌ عن تهديدٍ قادم وعن صفقةٍ انقلبت. في الصباح رأى الناس وجوهًا مكتومة، وسمعوا همساتٍ تُشدُّها قساوةٌ أكبر من المعتاد. أما محمد علي فشعر بأن شيئًا بداخله ينتظر أن يُختبر مرة أخرى.

لم تمرُّ أيامٌ كثيرة على عرضه للانضمام إلى جهة توفر الحماية مقابل الولاء، ولم يكن قد قرّر بعد. لكن ما لم يتوقعه أن يُعرض عليه اختبارٌ عمليٌّ سريع يستلزم قرارًا لا رجعة فيه؛ أمرٌ صغير من حيث المساحة، عظيم من حيث الآثار.

في السوق، ثار نزاعُ حرفيٍّ على قطعة أرضٍ ضيقة تُستخدم لتحميل البضائع. صاحب الأرض أعلن أن رجلًا آخر دخل بدون إذن، ورفع صوته حتى علت الأصوات حوله. سرعان ما ظهر رجلٌ من جهة التاجر القوي ذاك الذي اتفق مع المجموعة السابقة—رجلٌ سمينٌ يلوّي في كلامه كمن يعبث بحبل رقيق لإحكام السيطرة. بدأ الحوار يتشنّج، ثم تطوّر إلى قرعٍ بالأيدي واستعراضٍ للقوة.

جاء الأمر إلى الإمام المحلي، دار حديثٌ سريع، لكن الحساب كان قد انقضى بالفعل: إنْ سكتوا، سيستمر الظلم؛ وإن تدخلوا، فقد يفتعلون حادثة تكلف الناس ثمناً أكبر. في وسط ذلك، طلب الرجلُ من محمد علي خدمةً بسيطة: أن يذهب ويراقب الرجل الآخر، يخبرهم بمكانه، وبذلك يسهل لهم توقيفه قبل أن يلجأ إلى مجلسٍ أو إلى حكمٍ قد يردّ توازنهم.

لم يكن العرض فيه دمٌ صريح، لكن الرجل الذي خاطبه لم يكن يرغب إلا في تحريك الأرض بخفة؛ أن يُزال ممثل الخصم قبل أن يحرك صفحته. وفي عالم قولة، الإبعاد غالبًا ما يبدأ بسحبٍ صغير ثم يتصاعد. قال الرجل بهدوءٍ محكم:

«سجل مكانه. لا حاجة لك لتورّط نفسك. أعلِمنا فقط. سنقوم بالباقي.»

تربّص داخل صدر الصبي سؤالٌ قديم: هل يملك أن يختار موقفًا يبقيه خارج لعبة الدم؟ أم أنّ البقاء بلا موقف هو نفسه مشاركة؟ تذكّر وجه الرجل المسجون، تذكّر يد والده، تذكّر الرياح في البحر. فكر في الحماية الموعودة، في الفضة التي وُهِبت له، وفي العيون التي بدأت تنظر إليه كأداةٍ يمكنها أن تغيّر المشهد.

خرج متردّدًا لكنه لم يذهب ليُخبر فحسب؛ ذهب ليتتبّع ويُراقب. اقترب من أحد الأزقة، رأى الرجل الذي يُقال عنه إنه قد يكون سبب المشكلات—ليس واضحًا إن كان مذنبًا أم مظلومًا—يدخل بيتًا صغيرًا، ويلتقي بامرأة تبعث عليه الخوف والحزن. جلس الصبي عند زاوية، يشاهد، ويُسجل كل حركة، كل طلعة وجه، كل همسة. عاد إلى الرجل الذي كلّفه وأخبره بالمكان.

في الليلة التالية، وقف الصبي على بعد خطواتٍ حين أُقتيد الرجل إلى خارج البيت بعد أن قيدوه في لحظةٍ سريعة. لم يَصرخ أحد، ولم تُرفع نداءات إنسانية تُغيّر مجرى ما حدث. سُحب الرجل، ووُضِع في صندوقٍ مقفلٍ على عربةٍ قديمة. في أعين الرائي الصغير بدا المشهد وكأنه مشهدٌ بِرْنيّ، لا يقبل التمييز بين الجاني والمظلوم—كلهم أُجبروا أن يلعبوا دورًا في مسرحٍ لم يُعرَف ما نهايته.

حين ارتفعت العربة وصوت العجلات اختفى، عاد إلى البيت يثقل قلبه شيءٌ لا يَصفه الكلام. لم تكن الموقف فقط فقدانًا لشخصٍ من أهل البلد، بل درسًا مرًّا: أن الحماية تُؤخذ أحيانًا بثمنٍ غير مرئي حتى تدرك أنك دُفعتَ لِتكون من يأخذها. وأدرك أيضًا أن الصمت قد لا يحميه؛ بل يجعل منه شاهدًا على فعلٍ صُنِع بغير اسمه.

في صباحٍ تالي، استدعاه الرجل—الذي صار الآن أكثر تطلعًا له—وأعطاه وعودًا جديدة: «لقد فعلت ما طلبناه بدقة. هذه البداية. من يأتي معنا، سيجد وضعًا مختلفًا.» لكن بينما كان الرجل يتكلم، لاحظ الصبي وجوهًا تمرّ في الشارع تنظر إليه بنوعٍ من الاحترام والخوف معًا. ظهر في قلبه مزيجٌ من الامتنان والخجل. علم أن قدرًا ما بدأ يتحقّق من وعود الحماية، لكنه دفع ثمنًا آخر: شعورٌ داخلي يبرق باللوم.

وجاء أقسى ما في الدرس عندما سمع حكايةً قصيرة عن الرجل الذي أُخذ: استدعى بعض أهل السوق أحدهم، وقالوا إن الرجل المسجون كان قد أخذ شيئًا من تاجرٍ كبيرٍ قبل أيامٍ ليستدرك خطأه. تذكّر محمد علي الحكاية كما رُوِّيت—بصيغٍ متباينة—لكن في كل رواية كان ثمة تقليلٌ من قيمة إنسانٍ انتهت حياته الاجتماعية في لحظة. لم يسأل أحدٌ عن ظروفه. لم يسأل أحدٌ إن كان قد سرق بدافع جوع أم بدافع تحدٍ.

بدأ شيءٌ جديد ينمو في داخله؛ ليس الكراهية فقط، ولا القبول، بل استفسارٌ أشدّ حدة: هل تُنتزع حقوق المرء لأن آخرين يجدون في ابتعاده راحةً لهم؟ وهل تكون الحماية حقيقية إذا كانت تُبنى على إقصاء الآخرين؟ هذه الأسئلة لم تنجُ من الإجابات السريعة، فبقيت تراوده كالظلّ الذي لا يزول.

في ليلٍ تأمّلي، جلس على السطح ينظر إلى النجوم التي تشقّ طريقها فوق البحر الخافت. تساءل: ماذا لو خسر هذا الطريق إنسانًا آخر مهمًا؟ ماذا لو أعاد هذا الفعل نيران أوسع عليه وعلى من يحب؟ كان الخوف يختلط بالغضب، والغضب يختلط بالفضول، والفضول يصبح مشروع قرارٍ محتمل: أن يتعلّم كيف يحصل على قوةٍ تكفيه ليحمي من يحب دون أن يكون أداةٍ في يد غيره.

وفي اليوم التالي أخذ خطوةً صغيرة لكنها حاسمة؛ بدلاً من أن يختار فقط أن يكون تابعًا، قرر أن يعلّم نفسه كيف يصنع مخرجًا لا يجرح آخرين بغير ضرورة. بدأ يقصد الأشخاص الذين لم يتعرّضوا لمظلمةٍ بعد، يسأل، يراقب، يتعلّم فنون المساومة—ليس لأجل النفوذ فحسب، بل لأجل أن يُقوّي موقعه حتى يُصبح قادرًا على أن يواجه الظلم مباشرة حين يراه. لم تكن هذه خطة مضادة في لحظةٍ واحدة، لكنها نواة استراتيجيةٍ تؤسس لصراعٍ داخلي طويل: كيف تمتلك قوةٍ دون أن تفقد إنسانيتك.

حين أنهى اليوم، لم يكن الجواب قد تجلّى له بعد. لكنه عرف شيئًا واحدًا واضحًا كالجرح: أن الطريق الذي بدأ يسلكه لا يمر بلا دماء—ليس دومًا دماؤه، لكن دماءً ستترك أثرًا. وأن الاختبار الحقيقي ليس في أن تُنقذ نفسك، بل في أن تعرف متى تُنقذ غيرك دون أن تقلب نفسك حكما بلا رحمة.

وبذلك تركت قولة في قلبه درسا جديدا، أثقل من الفضة، وأعمق من أي وعد: أن الحماية التي تُبنى على إقصاء البشر قد تخلقُ ملكًا هشًا، وأن القوة الحقيقية قد تكون في السعي لصياغة ما يُحمي الجميع دون أن يُشرد أحدهم بلا سبب.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ما قبل الباشا

المؤلف ياسر رضا شهاب
2025/11/18 مستمرة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة