عندما تشتد الرياح في قولة، لا تكسر الأشجار فورًا، بل تجعلها تتلوّى حتى تتعلم موقفها. في صباح ذلك اليوم، لم تكن رياح البحر وحدها قد أثارت الأمواج؛ بل تصرّفات رجل واحد صنعت ارتجاجًا داخل حياة محمد علي، وجعلت واقع الصبي يواجه حقيقة لم يعد يملك في وجهها إلا قراره وحده.
استفاقت البلدة على خبرٍ مفاده أن شابًّا من الأهالي اعتُقِل بتهمة التسلّل إلى مخزنٍ يخصّ أحد التجار الأقوياء. لم تكن التهمة جديدة؛ دوائر الفقر تلد دائمًا اتهاماتٍ تُبرّر السرقة، لكن ما أثار حفيظة الناس هو كيفية اعتقال الشاب: جاء الجنود في ساعةٍ منسوبة، أمسكوا الرجل من وسط السوق، وجرّوه كالجاني أمام العيون، ثم قيدوه رقبته بحبلٍ مريرٍ، ووضعوه في قبوٍ مؤقت لدى أحد الأغنياء الذين لهم سطوةٌ على القضاء المحلي.
وقف محمد علي في زاوية الدكاكين يراقب المشهد. لم يكن يعرف الشاب معرفةً وثيقة، لكنّه رأى في وجهه انعكاسًا لما كان يمكن أن يكون مصيره لو بقي وحيدًا في هذا العالم. تذكّر صراخ تلك المرأة التي شاهدها ؛تذكّر أمواج البحر ودرس الخواجة نيقولا في اللحظة المناسبة. شعر بأن ثمة امتحانًا يُقدَّم له الآن—امتحانٌ لا يُقاس بالشجاعة الخام، بل بقدرةٍ على قراءة العواقب.
اقترب أحد رجال التاجر من مجموعةٍ من الأهالي وقال ببرودٍ:
«هذا الفاعل سيُعاقب حتى يتعلّم الناس درسًا. لا أحد هنا يسمح بأن يُسرَق بضاعته دون ثمن.»
ردّ عليه شيخٌ من أهل السوق بهدوءٍ مرير:
«إن تمّ الحكم عليه دون تحقيقٍ عادل، فليس للبلد من عدل.»
الأمر لم يتجه نحو تحقيق؛ لأن في مصلحة التاجر ما يكفي لإقفال المسألة بسرعة. وضع الرجل قسيمةً مختومة تطلب تسليم مبلغٍ من المال مقابل «فكّ الحبل»—سقفٌ يدفعه أهل الرجل إن أرادوا الإفراج عن ابنهم. ولأن أهل الفقير لم يملِكوا المبلغ، بقي الشاب في قفص الظلمة.
مرّ اليوم، ومرّت الليالي، وصار الصوت الوحيد الذي يسمعه محمد علي هو همهمة السوق ونحيب الريح. ثم جاء من يخترق هذا الركود: رجلٌ متوسّط الهيئة، ملامحه تُخفي أثرًا من الصرامة، ويمشي بثقةٍ تجذب الإنصات. كان رجلًا لم يظهر كثيرًا في السوق، لكنّ لعينيه قدرةً على قراءة الناس كما لو أنه يقرأ كتابًا مفتوحًا.
وقف الرجل أمام محمد علي، ونظر إليه مليًا، ثم قال بصوتٍ منخفضٍ لكنّه واضح:
«أعرف وجهك...ارى فيك شيئًا »
لم يردّ الصبي، لكنّ الحوار الذي دار في رأسه كان مكتوبًا بصفحةٍ كاملة من الأسئلة. فسأل الرجل مرة ثانية:
«لو عرضتُ عليك فرصةً لتصبح جزءًا من جهةٍ تحميك، هل تقبل؟»
كان العرض بسيطًا لكنه خطر: حماية مقابل الولاء، ولاء مقابل إمضاء اسمك في سجل الخاضعين. ليت العرض يقتصر على قوةٍ مرئية تُبعد الخوف عنك؛ لكنه كان في الحقيقة بداية عقدٍ لا يُرى فيه كل شيء. فكر محمد علي في طوسون، في الخواجة، في الرجل المسجون الذي لم يجد من يدفع عنه ثمن حريته. تذكّر كلمة واحدة قالها له طوسون من قبل أن يصبح الصمت ذا صوتٍ دائم: «إن النار في قلبك… يا تسيطر عليها أم تسيطر عليك.»
سكت لبعض اللحظات، ثم قال بصوتٍ هادئ:
«ما ثمن الحماية؟»
ابتسم الرجل ابتسامةٍ قصيرة، ثم دار ببعض الكلمات كما يُدوّر من يزن ذهبًا:
«ثمنها طاعة. طاعة في ما نطلب. ليس عليك أن تقتل، ولا أن تسرق؛ فقط أن تكون حاضرًا حين نحتاجك، وأن تُحافظ على حدودنا. وفي المقابل… قوتك ستكبر، واسمك سيأخذ مكانًا بين من لا يُمزقون بسهولة.»
كانت الجملة الأخيرة كافية لتوقظ شيءًا في داخله؛ مزيج من الطموح والخوف. لقد عُرض عليه طريقٌ يبدو واضحًا: استبدال الضعف بحمايةٍ يمكنها أن توفر له مواردٍ وموضعًا في العالم. لكن ثمنًا كذلك لا يُقاس فقط بالتصريحات؛ هو اختبارٌ للقيم، وربما بدايةُ بندٍ في عقدٍ يَسلبُ قليلًا من إنسانيته لِيُعطيه شيئًا أكبر—قوةً، أو نفوذاً، أو مجرد قدرةٍ على عدم السقوط.
أخذ الصبي وقتًا قبل أن يردّ. ثم قال، وكأن صوته يحمل وزن قرارٍ يتأهّب للنمو:
«سأفكر.»
ابتسم الرجل مرة أخرى، ثم وضع في يد محمد علي قطعتين من الفضة وقال:
«هذا لك. ولتأخذ الوقت، أمشِ إلى هناك، واجلس قرب البحر. أريد أن أعرف إن كنت من يهاجم الخوف، أم من يختبئ خلفه.»
لم تكن الفضة كثيرًا، لكنها كانت ثمنًا أوليًا. حين حملها الصبي في يده، شعر بنبضةٍ صغيرة تسرّ في قلبه—نبضة ليست فرحًا ولا حزنًا بالتمام، بل شيءٌ يترجم معنى الخيار. عاد إلى البيت، لكنه لم يعد نفس الطفل؛ كان في صدره قرارٌ يتبلور: أن يأخذ مكانًا، ولو كان ذلك بأثمانٍ لم تُحكى له.
مرت أيام، وذهب إلى الرجل—الذي تبين لاحقًا أنه أحد قادة مجموعة محلية لنزاعٍ صغير بين تجار الميناء—يعود ويطلّ على محمد علي وقتًا بعد آخر. علّمه كيف يُراقب، وكيف يقرأ مسار الحديث بين الرجال، وكيف يقتنص لحظةً صغيرةً لتغيير مسارِ نقاشٍ صار ساخنًا. أعطاه تدريباتٍ بسيطة: كيفية حمل السكين دون أن يشعر به أحد، كيفية دفع رجلٍ في توقيتٍ يمنحك سيطرةً على المشهد، وكيف تُغلق باب السؤال في وجه من يحاول أن يفتّكك بكلماتٍ مُضلّلة.
العلم كان عمليًا، لكن الثمن بدا يظهر في لحظاتٍ صغيرة: صمت الصبي حين رأى رجلاً ينهال بالضرب على آخر لم يرد للحق بعد، وابتسامةٍ خفيفة على وجهه حين رأى كيف تغيّر التوازن في السوق بعد تدخلٍ تكتيكيٍ من جهته بلا إعلان. كان يعلم أن ما يفعله يبعد الخطر عن نفسه الآن، لكنه بدأ يشعر أن شيئًا آخر يبتعد منه—شيئًا اسمه الرحمة.
في يومٍ ما، تكشّف له ثمنٌ مباشر. أثناء شجارٍ نشب بين جماعةٍ من الفتية في أحد الأزقة، رأى أحدهم يطعن الآخر بجنحٍ خفيفٍ وخفي. أسرع الرجل الذي درّبه نحو الموقف، وأمر محمد علي بأن يمنع الطاغية من الإقتراب، وأن يجلب الرجل الجريح بعيدًا قبل أن يصل الجنود. نفّذ الصبي الأوامر، لكن حين أمسك بجسد الشاب الجريح، رأى في عينيه نفس الخوف الذي رأه في صباحاتٍ كثيرة: خوفٌ من الأسرة، من الفقر، من عبث القدر. في تلك اللحظة، شعر بضغطٍ داخليّةٍ عظيمة: أنه صار قطعةً في آلةٍ تصنع توازناتٍ بواسطة ألمٍ مختار.
وقبل أن يختبر الأمر إلى نهايته، قرر أن يسأل نفسه سؤالًا لم يطرحه من قبل:
هل القوة التي أحاول أن أمتلكها ستحميني من الألم، أم ستصنع لي ألمًا آخر أضخم؟
لم يجد إجابةً فورية. لكنه فهم أن الطريق الذي بدأ يسلكه ليس مجرد مسلكٍ للخلاص من الذلّ، بل بداية تشكيل إنسانٍ آخر—إنسانٍ سيضطر أن يختار بين أن يبقى خاضعًا تحت رايةٍ توفر له الحماية، أو أن يبني قوته من داخل ذاته بلا أسياد.
عاد إلى فراشه تلك الليلة وقد تلاشت الضوضاء حوله. على وسادته، كانت قطعتا الفضة المدسوتان قبل أيام تلمعان بنور باهت، وكأنهما تذكرانه بأن لكل خيار ثمنه، وأن الصمت قد يكلف أكثر مما يظن. وكانت هذه اللحظة—لحظة إدراك الثمن—جرحًا جديدًا يبدأ في قلبه؛ جرح سيصحبه طيلة حياته، يُعلِّمه أن الحرية في هذه الدنيا تُقاس دومًا بما تُضحّي به لتنالها.
ياسر رضا شهاب