خفة يد

خفة يد

17 0

الفصل الثالث

كانت الشمس تقف فوق قولة كما لو أنها قاضٍ لا يرحم؛ تضرب بلا تمييز وتكشف كل شحوبٍ في الوجوه. خرج محمد علي ذلك الصباح مبكرًا، يحمل في صدره ثقل الليالي الماضية ووميضًا طفوليًا من الفضول. لم يعد الطفل الذي كان يختبئ على السطوح؛ شيءٌ بدأ ينمو داخله، يطالب بتجاربٍ عملية، بخبراتٍ تُحوِّله من مشاهد إلى فاعل.

أرسَلَه الرجل الذي ضمه البيت للعمل عند ورشةٍ صغيرة لبيع التبغ. الورشة كانت ملكًا لرجلٍ يُسمّى «طوسون»—تاجرٌ لا يبتسم إلا حين تُحتسب الأرباح، ووجهه يعلوه دائمًا شيء من الخسارة التي يحولها إلى رباطة جأش. أُعلِم محمد علي أن مهمته بسيطة: حمل الأكياس، ترتيب الحزم، ومراقبة الزبائن. لكن كل عمل في قولة له ثمنٌ غير مرسوم، ولمدةٍ قصيرةٍ سيكتشف الصبي أن العالم لا يُعلّمه سوى بطرقٍ قاسية.

دخل الورشة. رائحة التبغ تغشى المكان؛ عطرٌ يثقل الصدر ويعلّمه كيف تقرأ الأشياء بحاسةٍ جديدة. كان العمال يتبادلون نكاتٍ خشنة، ورجلٌ على الطاولة يكتب حساباتٍ بأحبارٍ سوداء وكأن الأرقام وحدها تقرر مصائر الرجال. نظر إليه طوسون بنظرة سريعة، ثم قال بصوتٍ لا يختلط فيه لُطف:

«احمل الأكياس جيدًا، ولا تفسد لنا بضاعة الرجل.»

ردّ محمد علي بفصحىٍ مختصرة: «سأفعل.»

لم تكن كلمات كثيرة مقتضبة. لكن في عيون الصبي كانت هناك مراقبة، كان يلاحظ كيف يغير الرجل نبرة صوته حين يذكر اسم أحد الزبائن، كيف يلوح بيده حين يريد أن يذلل حسابًا، وكيف يتلوى وجهه شفقةً حين لا تكفي الأموال. تعلّم أن لكل وجهٍ إشارة، ولكل إشارة مفتاحٌ.

لم يمضِ يومان حتى اصطدم محمد علي بمشهدٍ جديدٍ يُعرّف الإنسان على العالم: زبونٌ غني جاء ليشتري حزمة كبيرة، ودفع بثقةٍ، ثم حاول طوسون أن يقنص منه زيادة موجّهة باسم «الرسوم»، مبرّرًا أن العُملة قد تغيّرت أو أن لاجور النقل تستدعي رفع السعر. غضب الزبون، وبدأ يصرّخ، فجمع الناس حول الطاولة، وظهرت أعينٌ تُقاسِم الموقف كأنها تستمتع ببساطة الإذلال. في لحظةٍ سريعة، بسط طوسون يده وأشار إلى محمد علي قائلاً بنبرةٍ ودودةٍ مزيفة:

«خذ يا غلام، عبِّئ له شيءً مجانيًا، ربّما يهدأ.»

كان المقصد طمس الاحتكاك: يقدّم شيئًا صغيرًا مقابل أن يحفظ ماء وجهه. لكن أمرًا آخر حدث؛ الزبون، وهو يتفحص البضاعة، اكتشف أن بعض الحزم مخلوطة بأوراقٍ أقل قيمة، وفهم أن الطوسون قد رتّب العملية كي يكسب على حسابه. اشتدّ الموقف؛ ارتفعت الأصوات؛ وفي لحظةٍ ارتباكٍ لصقت أصابع الاتهام بطوسون.

تصاعد الحدث وكأنّه موجةٌ متعمدة. وقف محمد علي في الزاوية، يراقب. ثم حدث ما لم يتوقعه أحد: الزبون، بدل أن يصرخ ويغادر، أمسك بقطعةٍ من التبغ ووضعها في جيبه، ثم خرج. بعد دقائق عاد ومعه رجلان من ضُباط السوق—رجالٌ لا يلجأون إلا بالمقابل. اتّجهوا إلى طوسون، وطالبه أحدهم بدفع غرامة فورية، وطلب الآخر «حصة» مرنة تُسدّد فورًا. طوسون، رغم كل صلابته، بدا وكأن خشب صوته يتشقق؛ حساباته التي اعتاد أن تغض النظر عن بعضها انقلبت ضده.

شعر محمد علي بشيءٍ داخله: لا شيء يُحفظ إلا ما يُدفع ثمنه.

ولم يكن القهر وحده ما ولد الجرح—بل خيبة الأمل في من تعلّم منه. طوسون لم يكن البيت الحنون؛ كان رجل تجارة يبدأ بابتسامةٍ تحملُ حسابًا. وفي ذلك اليوم اعتقد الصبي أن الاعتمادية على الآخرين أمرٌ مخاطِر.

ولكن ما تبع الصدمة كان أكثر درسًا براءة القسوة: حين خرج الزبون بعد أن تظاهر بالغضب، جاءه من خلفه أحد الأطفال الأكبر سنًّا، وضع قطعة نقودٍ على طاولة الورشة وقال بصوتٍ خفيٍّ: «هذا للبائع حتى يكتم قضيته.» ثم رمق الصبي بنظرةٍ تقول: «هات يا صغير وكُن صامتًا.»

كان الرد الأول في قلب محمد علي رغبةً في التجربة. ماذا لو استطاع أن يقلب قواعد اللعبة؟ ماذا لو كان له دورٌ في صنع موازين القوة بدل أن يُحمَل على كفّها كشيءٍ هامشي؟ تذكّر كلمات الآغا سردار: «من يعيش… هو من يعرف متى يخاف ومتى يهاجم.» لم يعد ذلك مجرد مبدأٍ عام؛ صار اختبارًا عمليًا.

في اليوم التالي، بينما كان يرتّب الحزم، لاحظ أن أحد العمال يترك السجل مفتوحًا قليلاً، ويغادر في عجلة. كانت يدٌ صغيرة يمكن أن تتسلّل وتُحرِّك رقماً هنا أو هناك، لكنها لم تكن رغبةً في السرقة؛ كانت تجربة لمعرفة تأثير حركةٍ بسيطة على حساباتٍ أكبر. أغلق محمد علي عينيه لثوانٍ، ثم وضع قطعة نقودٍ صغيرةً—اقترضها من جيبٍ لم يسأل عنه—في مكانٍ ظاهر، ثم أعاد الحساب كما لو لم يحدث شيء. كانت فلسفة صغيرة: أن تظهر الساحة أمام الآخرين أن كل شيءٍ يمكن أن يُنظم، وأن الخلل يمكن أن يُستعاد بسيطرة قليلة وخفة يد محسوبة.

لم يكتشف أحد فعلته. لكن ما اكتشفه هو أثرها: في اليوم التالي، حين راجع طوسون السجلات، لم يجد فرقًا كبيرًا؛ وبدلًا من اتهام العمال، نظر طوسون كله إلى الوجوه وابتسم ابتسامةٍ قصيرة، حادّة. لم تستطع عينُه أن ترصد مصدر التعديل، لكن حدثًا طفيفًا قد خفَّف من وطأة الخسارة. عندها أدرك محمد علي أن القوة قد تُستعاد بأقلّ التحركات الممكنة، وأن الخضوع ليس الخيار الوحيد.

لم يسرق الصبي ثروةً، ولم يعلن عن نفسه بطلًا. لكنه اختبر لأول مرة كيف يمكن لحركةٍ صغيرةٍ ذكية أن تغيّر مجرى حدثٍ كبير. تعلّم أن الامتثال ليس دوماً وسيلة النجاة، وأن التصرّف المدروس يمكنه أن يحجّم الخطر ويعيد توازنًا لصالح من يريد أن يفعل.

في تلك الليلة، حين عاد إلى السطح ورأى البحر يهتز في ضوء القمر، تلمّس محمد علي لأول مرة مفهومًا صار واضحًا: ليس المطلوب أن يكون المرء أقوى جسديًا، بل أن يكون أخفّ وزنًا في اللعبة، أن يقرأ الإيقاع ويدخل في اللحظة المناسبة. تلك كانت نواة درسٍ أكبر: أن الدهاء، حين يتكامل مع الجرأة المحسوبة، يصنع سلطةً أقوى من أي سيف.

وبينما غطى الليل المدينة، تسلل إليه إحساسٌ جديد: ما بدا بين يديه اليوم لم يكن سرقةً صغيرةً بقدر ما كان اختبارًا أوليًا لدهائه. ونواةٌ أخرى تشقّ طريقها في قلبه: أن القوة الحقيقية تَبدأ بخطواتٍ صغيرة، وتُنمو بصمتٍ حتى تأتي اللحظة التي لا يعاد فيها حساب الخاسر.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ما قبل الباشا

المؤلف ياسر رضا شهاب
2025/11/18 مستمرة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة