في أورفيديا، تخلّى العابرون عن سؤال الريح عن وجهتها؛ فالريح هنا لا تهبُّ لترحل، بل لتقصَّ أثراً. هنا، يمتلك الهواءُ ذاكرةً حديدية، رئةً تختزن الخطايا القديمة وتأبى الغفران، كأن كل شهيقٍ يمرُّ عبر حنجرة المدينة هو استحضارٌ لزمنٍ رفض أن يمضي.
تحت سماءٍ بلون الرصاص، تنزف الغيومُ مطراً لا يغسلُ دَرَناً ولا يُطهرُ رصيفاً، بل يكتفي بصقل الحجارة العتيقة لتلمع مثل نِصال الخناجر، مانحاً الظلالَ فرصةً لتتمدد وتتعمق، كأنها ثقوبٌ سوداء تبتلعُ واجهات المباني.
يقول العجائز..اولئك الذين لم تستطع عتمة الحاضر إطفاءَ الجمر المتبقي في أحداقهم.. إنَّ للمدينة أوتاراً صوتية مخفية تحت أرصفتها؛ ففي زقاق صانعي الفضة ، لا يزال المعدن يئنُّ تحت مطارق الغياب ببرودةٍ جارحة، بينما تهمسُ ممرات الحي القديم بحفيفِ حريرٍ ممزق، كأنَّ أذيالَ فساتين الراحلين لا تزالُ تتعثرُ في عتمة الزوايا.
وإذا ما استسلمت المدينةُ لغيبوبة منتصف الليل، وتوقفت ضوضاء الأحياء، ستسمع صريراً موحشاً لأرجوحةٍ خشبية في متجر ألعابٍ نَسِيَه الضوء، أو وقعَ قطرة ماءٍ وحيدة تسقطُ في جوف خزانٍ مهجور، بإيقاعٍ رتيبٍ يشبه دقات قلبٍ توشكُ على التوقف.
الزمن في أورفيديا ليس نهراً يتدفق، بل هو مستنقعٌ من الدوائر المفرغة؛ حلقاتٌ من الصدأ تتآكل وتتسعُ في صمت. هنا، تتقاطع الأزمنةُ بوقاحة؛ فقد يبغتُك في انعكاس بركة ماءٍ عكرة صدى جريمةٍ لم تقع بعد، أو تتسللُ إلى رئتيك رائحةُ حريقٍ أكلَ المكان منذ عشرين عاماً، لا تزال ذراته عالقةً في مسام ستارةٍ مخملية ثقيلة، ترفض أن تنفض عنها غبار المأساة.
لقد توقفت أورفيديا عن النظر في المرآة منذ أمدٍ بعيد؛ فالمرايا لا تجيدُ الكذب، والمدينةُ تخافُ وجهها الحقيقي. في الليل، حين تتراقص أضواء النيون الباردة فوق الزجاج الساكن، ترتدي المدينةُ قناعاً من الجمال المريض، زينةً باهتةً تواري تحتها ندوباً غائرة، وكسوراً لا يجرؤ أحدٌ على ملامسة حوافها الحادة.
لكنَّ العتمة لا تُرهب الجميع.
ثمة عيونٌ اعتادت أن تخترق السواد، وأرواحٌ نبتت في برودة القبو حتى صار الدفءُ غريباً عنها، وأصابعٌ تعلمت كيف تتهجى لغة الغبار فوق الرفوف المنسية. ليسوا أبطالاً مخلصين، ولا قديسين يحملون النور؛ هم مجرد أشباح تطاردُ أشباحاً أخرى، في متاهةٍ كبرى شُيدت من الحجر والماء والوعود المنكوبة.
وهذه.. ليست حكايتهم هم.
بل هي السيمفونية السوداء التي عزفتها المدينة بجبروتها، على أوتار أرواحهم الممزقة.