صانعة الدمى: نبضُ الخزف.

صانعة الدمى: نبضُ الخزف.

27 0

كان البياض يتنفس.

جدران القسم المركزي لم تكن مجرد أسطح مطلية، بل كانت غشاءً حيًا، مسامياً، يلمع ببريقٍ ثلجي عدائي. بياضٌ معقم، مصقول لدرجة أنه لم يكن يعكس الضوء فحسب، بل كان يمتصه ثم يلفظه على وجوهنا الباهتة، فيجردنا من أقنعتنا اليومية، ويسلخ عن ملامحنا طبقات الإنهاك ليكشف عن أشباحٍ من التعب تسكن تحت جلودنا. وقفتُ هناك، أتنفس هواءً كثيفاً، صلباً، يمكنك أن تشعر بوزنه وهو يهبط إلى قاع رئتيك. هواءٌ مشبع برائحة "النظام البارد"؛ تلك الرائحة التي أعرفها جيداً، والتي تتسلل إلى حاسة الشم المعززة لدي كسيمفونية مقززة.

كانت النوتة الأولى هي رائحة ورق التقارير الجاف، رائحة حادة تشبه رائحة الأوراق الميتة في خريف لا ينتهي. تليها النوتة الثانية، نكهة القهوة المحروقة، ذلك المذاق المر الذي لا يبقى في الفم، بل يعلق في مؤخرة الحلق كغبارٍ مرير، ذكرى سائلٍ داكن شُرب على عجل بلا أي متعة. ثم تأتي النوتة الثالثة، الأعلى والأكثر نفاذاً: رائحة مطهر كيميائي لاذع، رائحة نظافة مصطنعة تحاول عبثاً، وبشكل مثير للشفقة، أن تطمس الرائحة الحقيقية لهذا المكان؛ رائحة الخوف العالق في مسام الجدران، ذلك العبق المعدني الخافت الذي يشبه رائحة عملة نقدية قديمة قُبض عليها بقوة في يدٍ متعرقة. وفوق كل ذلك، كانت تحوم الرائحة الأم، رائحة البيروقراطية العفنة، رائحة الملفات التي تُركت لتموت في الأدراج، وأحلام المحققين التي تحولت إلى حبرٍ جاف.

"إفادات روتينية". هكذا قالوا. استدعونا لنتحدث عن قضية "المرآة البشرية". مجرد إجراء سخيف، مسرحية إدارية هزلية أعرف فصولها عن ظهر قلب. الهدف الحقيقي لم يكن جمع المعلومات، بل تذكيرنا بمكاننا. تذكيرنا بأننا، نحن الوحدة الرابعة، رغم كل الدماء التي نخوض فيها والأهوال التي نشهدها، ما زلنا مجرد تروس صغيرة في آلة القانون العملاقة؛ الآلة التي نحميها بأرواحنا ونمقتها في آنٍ واحد. كانوا يريدون أن ينهلوا بشراهة من خبراتنا، تلك الخبرات التي تثير رعشة الرعب في قلوبهم بقدر ما تثير إعجابهم الفضولي.

وقفتُ بجانب فاندر. كان كعادته، ملفوفاً بمعطفه الجلدي الأسود الذي تشرب على مر السنين رائحة المطر والدخان. كان منتصباً كرمحٍ صلب، صخرة لا تتزحزح في وجه العاصفة. لكن عينيّ المدربتين، عدساتي التي ترى ما لا تراه العيون العادية، التقطتا التفاصيل التي يغفل عنها الآخرون. رأيتُ الارتعاشة الطفيفة، المتناهية في الصغر، في عضلة فكه المشدودة. رأيتُ البياض الذي كسا مفاصل أصابعه وهي تعتصر ملف القضية البلاستيكي، كما لو كان يحاول خنق الحقيقة المكتوبة فيه.

خلفنا، كان رورك يقف كجبلٍ صخري صامت. لم يكن يتحرك، لم يكن يرمش حتى. عيناه كانتا تحدقان في الجدار الأبيض المقابل، لكن نظرته لم تكن فارغة. كانت نافذة إلى بركانٍ يغلي، غضبٌ مكبوت يتصاعد ببطء تحت سطح هدوئه المصطنع. أما جينكس، فكانت تصنع إيقاعها الخاص. كانت تفرقع علكتها بنكهة النعناع الصناعي، "فرقعة" حادة وسريعة، "فرقعة" عصبية كانت تتوتر أعصابي مع كل نقرة. كان إيقاعها هو إيقاع القلق الذي يرفض السكون. بجانبها، انشغل كاين بتمرير أصابعه الطويلة والأنيقة خلال خصلات شعره المثالية. كانت حركة يائسة، محاولة لترميم قناعه الهادئ والمنمق الذي بدأت التصدعات تظهر على حوافه، كزجاج يتعرض لضغط يفوق قدرته.

«الوحدة الرابعة».

انبعث الصوت من خلف زجاج مضاد للرصاص، صوت ضابط بدين، وجهه منتفخ وبلا تعابير، يجلس خلف مكتبه كعنكبوتٍ راضٍ في شبكته. «العميد بانتظاركم».

لم تكد أقدامنا تستجيب للأمر، لم يكد جسدي يبدأ في الحركة، حتى شق الهواء صوتٌ حاد، صوتٌ تعرفه خلايا دمي قبل أذني. لم يكن مجرد نداء من جهاز الاسلكي المعلق على حزام فاندر. كان صفيراً مشفراً، نبرة الرمز الأحمر التي لا تنطلق إلا عندما يقرر الجحيم أن يفتح أبوابه على مصراعيها في شوارع "أورفيديا".

«القائد فاندر».

جاء صوت ميكا من القبو عبر اللاسلكي. لم يكن صوتها العادي، كان متهدجاً، مشوباً بتلك النكهة المعدنية التي يتركها الهلع الخالص على الأحبال الصوتية. «لدينا هدية... نافذة عرض متجر "ألعاب عجائب الطفولة" المهجور في وسط المدينة، شارع الحرفيين. الكاميرات العامة رصدت شيئاً... شيئاً ينتهك منطق العين».

توقف الزمن. تجمد الهواء المعقم في الممر. كل الأصوات الأخرى تلاشت. التفتُّ ببطء نحو فاندر، ورأيتُ التحول يحدث. رأيتُ الكيمياء تتغير في عينيه الرماديتين. تبخر الضجر والازدراء الذي كان يسكنهما قبل لحظات، وحلت محلهما نظرة أخرى، نظرة الصياد الذي التقطت حواسه رائحة الدم الطازج في الهواء.

«هل هناك جثة؟» سأل فاندر. لم يكن صوته صوت محقق، بل أصبح صوت شفرة سكين تنغرس في الصمت.

«لا أعرف...» همست ميكا، وصوتها يرتجف عبر الجهاز كوتر قيثارة مشدود إلى درجة الانقطاع. «إنها... إنها مجرد دمية».

استدار فاندر نحونا بحركة واحدة، خاطفة ورشيقة كحيوان مفترس. لم ينطق بكلمة واحدة. لم تكن هناك حاجة للكلمات. عيناه كانتا تصرخان بالأوامر، لغة يفهمها كل فرد في الوحدة الرابعة. تحركنا كجسدٍ واحد، ككتلة متراصة من الغضب والترقب، واندفعنا عبر الممر. تجاوزنا الضابط البدين الذي فغر فاه بذهول، تاركين إياه يغرق في ذهوله. ركضنا نحو المصعد، تاركين خلفنا رائحة القهوة الرخيصة وعفن الروتين، لنهبط مسرعين نحو هاوية جديدة كانت تنتظرنا في الأسفل.

***

كان شارع الحرفيين يغرق في كآبة ضبابية رمادية، وكأن السماء قررت في ذلك الصباح أن تمسح كل ألوان المدينة بقطعة قماش مبللة. لم يكن ضباباً عادياً، بل كان ضباباً كثيفاً، له ملمس رطب على الجلد، وطعم كبريتي خفيف على اللسان. المباني هنا كانت هياكل عظمية لحقبة غابرة، واجهاتها الخشبية متآكلة، تظهر عليها بقع داكنة ورطبة كجلد مصاب بالجذام. شرفاتها الحديدية كانت تبكي دموعاً طويلة من الصدأ الأحمر، ترسم خطوطاً حزينة على الجدران المتداعية.

متجر "ألعاب عجائب الطفولة" كان يبدو كقبرٍ ملون وسط هذا الخراب. واجهته، التي كانت يوماً ما مزخرفة بألوان الحلوى الزاهية، كانت الآن متشققة، والطلاء يتقشر ليكشف عن خشبٍ رمادي ميت. على جانبي الباب، كانت تماثيل المهرجين الخشبية تبتسم ابتسامات مشوهة وفارغة، وقد غطى الغبار ألوانها البراقة، وجعل أعينها الزجاجية تبدو غائرة ومطفأة.

نافذة العرض الزجاجية العملاقة كانت مغطاة بطبقة سميكة من غبار السنين، غبار رمادي ناعم كالدقيق، جعل الزجاج يبدو معتماً. لكن في المنتصف تماماً، كانت هناك بقعة دائرية، نظيفة ومصقولة بعناية مريبة، وكأن يداً خفية مسحتها لتوها، لتصنع عدسة، نافذة تدعونا للنظر إلى الداخل، إلى قلب العتمة.

اقتربنا، والهدوء الوحيد الذي كان يكسر الصمت هو صوت حفيف معاطفنا، وصوت أنفاسنا التي كانت تخرج على شكل سحب بيضاء صغيرة في الهواء البارد. بحركات آلية، مكتسبة من مئات مسارح الجريمة، ارتدينا قفازاتنا وأقنعتنا. شعرتُ ببرودة اللاتكس وهي تلامس جلدي، رائحته المطاطية الخفيفة التي أصبحت جزءاً من عطري اليومي.

في الداخل، وسط العتمة المغبرة التي فيها خيوط الضوء الشاحب، لم يكن هناك سوى أرجوحة خشبية قديمة، تتدلى من السقف بسلاسل حديدية صدئة، كانت تئن بصمت مع كل تيار هواء خفي، أنيناً خافتاً يشبه تنهيدة روح معذبة.

وعلى الأرجوحة، كانت تجلس هي..

دمية بورسلين بالحجم الطبيعي لطفلة في السادسة أو السابعة من عمرها. كانت ترتدي فستاناً أبيض من الدانتيل الفاخر، فستاناً نقياً لدرجة أنه كان يكاد يضيء في العتمة، كزهرة شبحية تتفتح في الظلام. وحذاءً أسود صغيراً، مصقولاً يلمع كقطعة من زجاج السبج البركاني. شعرها الأشقر الطويل كان منسدلاً في ضفيرتين مثاليتين، كل خصلة في مكانها الصحيح، تستريحان على كتفيها الصغيرين. يداها الصغيرتان، المصنوعتان من البورسلين، كانتا موضوعتين في حجرها بسكون مطبق، ووجهها مائل قليلاً بزاوية حالمة، كما لو كانت تستمع إلى موسيقى لا يسمعها أحد غيرها.

وعيناها... عيناها الزرقاوان الواسعتان كانتا تحدقان في الفراغ، ببرود زجاجي، بصفاء مرعب لا حياة فيه..كانت مثالية... مثالية لدرجة تبعث على الغثيان. كمالها كان جارحاً، صرخة صامتة ضد فوضى العالم الخارجي.

«مجرد دمية»، تمتم رورك وهو يمسح البخار الذي تكثف على الزجاج بقبضته المغطاة بالقفاز. صوته الضخم كان يحمل نبرة من خيبة الأمل المكتومة. «ما الذي يريدنا العميد أن نراه هنا؟ هل تحولنا لفرقة مطاردة أشباح؟»

«لا... يا رورك».

خرج صوتي مخنوقاً، جافاً كأنني ابتلعت رماداً. شعرتُ بالدم يهرب من أطرافي، من أصابع يدي وقدمي، ليتجمع كله في قلبي الذي بدأ فجأة يقرع جدران قفصي الصدري كطبل حربٍ مجنون.

«إنها ليست دمية».

عيناي المعززتان تكنولوجياً لم تكونا تريان لعبة. عدساتي المجهرية، التي استجابت لأمري الصامت، بدأت في تكبير الصورة، في تحليل "التفاصيل" الدقيقة التي كانت تصرخ بالحقيقة المرعبة.

«انظر إلى أصابع يديها»، قلتُ وأنا أشير بيدٍ مرتعشة، «أظافرها... انظر إلى الحافة. هناك نسيج حي، حافة وردية باهتة. وتحتها... هناك خط رفيع جداً، حالك السواد، من الأوساخ الطبيعية. انظر إلى خصلات شعرها... الضوء لا ينعكس عنها كالألياف الصناعية. هذا كيراتين طبيعي. والأذن... هناك ثقب دقيق، التأم حديثاً، في شحمة أذنها اليسرى. ثقب لقرط».

شعرتُ بقبضة فاندر القوية تطبق على كتفي. لم تكن قبضة قائد، بل كانت قبضة إنسان يحاول تثبيت إنسان آخر في أرض الواقع قبل أن ينجرف مع تيار الجنون. شعرتُ بثقله، بصلابته، يرسل رسالة صامتة: «ارجوان... تنفسي».

تجاهلتُه. اقتربتُ أكثر من الزجاج، حتى لامس أنفي برودته الجليدية، وشعرتُ بها تتسلل إلى عظام وجهي.

«الرموش...» قلتُ بصوتٍ هامس يكاد يتلاشى في الهواء البارد، «إنها ترتجف. تيار الهواء المتسرب من الشرخ في زاوية النافذة يحركها. البلاستيك لا يرتجف. إنها... إنها طفلة».

بعد أن حطم رورك القفل الصدئ بحركة عنيفة واحدة، انفتح الباب بصرير موجوع. استقبلنا هواء راكد، ثقيل، له قوام يمكنك أن تشعر به وهو يغلف وجهك. كانت رائحة الغبار هي المسيطرة، غبار قديم عمره سنوات، يحمل في طياته قصص العناكب والأشياء المنسية. تحتها، كانت هناك رائحة الخشب المتعفن، رائحة رطبة وحامضية قليلاً. لكن كانت هناك رائحة ثالثة، دخيلة على هذا الموت البطيء، رائحة حلوة، لزجة، تشبه رائحة الفانيليا المكثفة الممزوجة بالعبير الثقيل لزهور الزنبق الأبيض؛ رائحة تجدها عادة في صالات العزاء الفاخرة، رائحة تحاول تغطية رائحة الموت بجمالٍ خانق.

جثوتُ على ركبتيّ بجانب الأرجوحة. ترددتُ للحظة. خفتُ أن ألمسها، خفتُ أن تتفتت الحقيقة الهشة بين أصابعي. كانت الطفلة أمامي، صرحاً من الجمود المرعب، تحفة فنية من الكوابيس.

«مادز...»

نادى فاندر، وصوته كان خشناً، مشروخاً، كصخرة تتشقق تحت ضغط هائل.

اقترب مادز، طبيبنا الشرعي، الرجل الذي رأيتُ يديه الجراحتين تفتحان الصدور وتستخرجان الرصاص من العظام دون أن تهتز. لكن يديه الآن، وهما ترتديان القفازات الزرقاء، كانتا ترتعشان كأوراق خريف يابسة في مهب الريح.

«سيدي القائد... الجلد...» همس مادز وهو يسلط ضوء كشافه الأزرق البارد على ذراع الطفلة. أظهر الضوء شبكة دقيقة من العروق تحت السطح اللامع. «ملمسه كالخزف، لكنه ليس طلاءً خارجياً. لقد تم تغيير النسيج الخلوي... وكأن الخلايا نفسها قد تحجرت، تبلورت».

بتهورٍ لم أعهده في نفسي، وبدافعٍ لا أفهمه، مددتُ يدي. لمستُ خدها بطرف إصبعي المغطى بالقفاز.

لم يكن ملمساً بشرياً دافئاً.

كان صلباً، بارداً كجليد الشتاء، وناعماً بشكل لا يصدق، كقطعة من البورسلين المصقول في أفران لا تنتمي لهذا العالم. لكن تحته... تحت تلك القشرة الزجاجية القاسية، شعرتُ به. دفء خافت، ضعيف جداً، كشمعة تحتضر في عاصفة. دفء حياة تنازع للبقاء، محاصرة داخل سجنها الخزفي.

شعرتُ برغبة عارمة في الصراخ، في التقيؤ. سحبتُ يدي بسرعة كما لو أنني لمست جمرة، وشعرتُ بقذارة لا مرئية تلتصق بروحي، قذارة لن يزيلها أي مطهر.

«هناك نبض...»

همس مادز وهو يضع مجسه الحسي الدائري على صدرها، فوق فستان الدانتيل. رأيتُ عينيه تتسعان خلف نظارته السميكة.

«لكنه ليس نبض قلب بيولوجي. إنه... إنه اهتزاز ميكانيكي منتظم..»

في تلك اللحظة، وبفعل حركة الهواء التي أحدثناها حولها، مال رأس الدمية قليلاً إلى الجانب، بحركة بطيئة وسلسة بشكل مخيف. ومع هذه الحركة، انزلق شريط مخملي أسود كان يطوق عنقها كقلادة رقيقة، وكشف عن جلدٍ ناصع البياض تحته.

سقطت معه ورقة صغيرة، مطوية بعناية، سقطت كريشة بيضاء على الأرضية الخشبية المغبرة.

التقطها فاندر بملقط معدني أخرجه من جيبه. فتحها ببطء، بحذر، وكأنه يخشى أن تكون مسمومة.كانت الكلمات مكتوبة بحبر ذهبي يلمع بخبث في الضوء الخافت، وبخطٍ أنثوي مبالغ في أناقته وزخرفته:

*"القلوب تنكسر، لكن الموسيقى أبدية."*

«الموسيقى؟» تساءل كاين وهو يمسح المكان بعينيه القلقتين، يده لا تفارق قبضة مسدسه. «لا يوجد أي صوت هنا سوى صوت أنفاسنا المتسارعة».

«بل يوجد»، قلتُ وأنا أغرق في زرقة عيني الطفلة الجامدة، تلك الزرقة التي كانت تسحبني إلى فراغ لا قرار له. «الصوت... يأتي من داخلها».

أشار فاندر لمادز. فهم الطبيب الإشارة على الفور. اقترب بجهاز الاستماع الصوتي الحساس، جهاز يمكنه التقاط صوت سقوط إبرة من مبنى مجاور. وضع السماعات في أذنيه، ووجه اللاقط الذي يشبه سماعة الطبيب نحو القفص الصدري للطفلة.

رأيتُ اللون يهرب من وجه مادز. رأيته يتحول من لونه الطبيعي إلى لون الورق الشاحب. رأيتُ عينيه تتسعان برعبٍ بدائي خالص، رعب طفل رأى وحشاً يخرج من خزانته. انتزع السماعات من أذنيه وألقاها بعيداً كما لو كانت عقارب سامة لدغته.

«ماذا سمعت؟» سأله فاندر بحدة، حدة كانت بالكاد تخفي نبرة قلق عميق.

«لحن...»

لفظ مادز الكلمة بصعوبة، وسقطت في صمت المتجر كقطعة جليد تتكسر. تراجع للخلف، واصطدم بطاولة خشبية قديمة، محدثاً ضجيجاً حاداً جعلنا جميعاً نقفز.

«لحن تهويدة... بطيء، حزين، وميكانيكي... يعزف بدلاً من دقات قلبها».

نقلتُ بصري ببطء شديد، ببطء مؤلم، من وجه مادز الشاحب كالموتى، إلى الطفلة الجالسة على الأرجوحة، ملاك البورسلين ذو القلب الموسيقي.

ليليث.

في تلك اللحظة، تلاشت طبقة البورسلين اللامعة من أمام عيني. لم أعد أرى الدمية. رأيتُ طفلة حقيقية، سُجنت داخل تابوت من الجمال القاتل، قفصها الصدري لم يعد يحوي قلباً نابضاً بالحياة، بل أصبح صندوق موسيقى يعزف لحن فنائها البطيء.

شعرتُ بمرارة العصارة الهضمية تصعد في حلقي، وببرودة لزجة تزحف على عمودي الفقري. هذه لم تكن جريمة قتل... كانت "انتهاكاً" لقدسية البراءة، تحويلاً للحياة إلى مجرد قطعة فنية مشوهة.

نظرتُ إلى فاندر.

القائد الذي واجه الجحيم في قضية المرآة البشرية ببرود جليدي، كان الآن يقف كتمثالٍ متصدع. كتفاه، اللذان كانا دائماً مشدودين، انحنيا قليلاً تحت ثقل غير مرئي. يده، تلك التي لا تفارق سلاحه أبداً، كانت معلقة بجانبه، ترتجف بعنفٍ فضحه القفاز الجلدي المشدود.

رأيتُ في عينيه الرماديتين انعكاساً قديماً ومؤلماً... رأيتُ الطفل الذي احترقت يده وهو يحاول إنقاذ ما لا يمكن إنقاذه. النيران القديمة التي ظننتُ أنها تحولت إلى رماد، اشتعلت من جديد في عينيه، لتأكل ثباته وصلابته.

«أخرجوها من هنا...» همس فاندر بصوتٍ مخنوق، كمن يصارع شيطاناً يعتصر حنجرته. لم يكن أمراً عسكرياً، كان توسلاً إنسانياً، صرخة رجل وصل إلى حافة الانهيار. «أخرجوها الآن... قبل أن أفقد السيطرة على نفسي».

تحرك رورك. العملاق ذو القبضات التي تحطم العظام، مشى نحو الأرجوحة بخطواتٍ ثقيلة ومترددة. لم يمد يديه بقوة، بل مدها برفقٍ وحنانٍ أبوي مفاجئ، كما لو كان يخشى أن يحطم هذه التحفة الهشة بلمسة خاطئة.

حملها بين ذراعيه الضخمتين. بدت صغيرة جداً، بيضاء كالثلج، وضائعة وسط ضخامته.

بينما كان يخرج، مر بمحاذاتي. رأيتُ وجهه الخشن المليء بندوب معارك الشوارع، وللمرة الأولى منذ عرفته، رأيتُ دمعة وحيدة، حارقة، تشق طريقها عبر غبار وجهه، تاركةً أثراً لامعاً على جلده المتشقق.

بقيتُ أنا وفاندر وحدنا في المتجر المهجور، وسط أصداء الضحكات المنسية التي كانت تملأ هذا المكان يوماً ما.

«إنها المُصلِحة»، قلتُ وأنا أحدق في الأرجوحة الفارغة التي ما زالت تتمايل ببطء، تصدر صريراً خافتاً يشبه النحيب. «إنها لا تقتل بدافع الكراهية... إنها تظن أنها تصلح ما هو مكسور. وهذه الطفلة... في نظرها المريض، كانت دمية مهملة تحتاج للصيانة. فأعطتها قلباً لا ينكسر».

التفت فاندر نحوي. ملامح القائد الصلب ذابت تماماً، وظهر مكانها وجه رجل محطم، يبحث عن طوق نجاة في محيط من الجنون.

«علينا أن نجدها.» قال بصوتٍ مكسور، ولأول مرة منذ زمن طويل، ناداني باسمي مجرداً من أي رتبة. «علينا أن نجدها قبل أن تعزف تهويدتها الأخيرة... قبل أن تصنع دمية أخرى».

في القبو، كان الهواء ثقيلاً لدرجة تجعل كل شهيق يبدو وكأنه صراع مع مادة لزجة غير مرئية. لم تكن هذه الرائحة تشبه رائحة القسم العلوي المعقمة؛ هنا، كان الموت يمتزج بالتكنولوجيا. رائحة الزيت المعدني الحاد، ونقيق الأجهزة الكهربائية المستمر، والبرودة القارصة المنبعثة من طاولات التشريح المصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ.

ليليث، كانت ممددة هناك. جسدها الصغير مغطى بملاءة بيضاء ناصعة، لكن أطرافها الخزفية كانت تبرز من الأطراف، تعكس ضوء المصابيح الفلورية المتذبذبة فوقنا. مادز كان يعمل بجانبها، لم يكن يتحرك بآلية المحقق الجنائي المعتادة، بل كان ينحني فوقها كطبيب يقاتل شبحاً في غرفة العناية المركزة.

«إنها معجزة شيطانية،» تمتم مادز، وصوته كان يخرج في سحب صغيرة من البخار. كان يحدق في عدسة المجهر الإلكتروني، وعيناه محمرتان من التركيز المفرط. «لقد دمجت تكنولوجيا النانو بتقنيات الخزف الصيني القديمة. هذا الغلاف الخزفي ليس مجرد طلاء؛ إنه نسيج ذكي يغذي الجسد بجرعات مجهرية من السوائل عبر مسام الجلد، يبقيه في حالة سبات دائم.. حالة بين الموت والحياة، لكنه يقتلها ببطء، يمتص حيويتها ليغذي الصندوق الموسيقي في صدرها.»

«واللحن؟» سألتُ، وخطوتُ خطوة نحو الطاولة، متجنبةً النظر إلى وجه الطفلة الذي كان يبدو في هذا الضوء وكأنه قناع من الشمع البارد.

«إنه لحن غير موجود في أي سجل،» أجابت ميكا من خلف جدار الشاشات العملاقة. كانت أصابعها تطير فوق لوحة المفاتيح بسرعة تجعلها تبدو كظلال مشوشة. «لقد طابقته مع كل أرشيفات الموسيقى الكلاسيكية، والأهازيج المنسية، وحتى سجلات براءات الاختراع. هذا اللحن شخصي جداً، كيان.. إنه ليس مجرد موسيقى؛ إنه توقيع روحي. إما أن القاتلة ألّفته من حزنها الخاص، أو أنه إرث عائلي حميم دُفن معها.»

انفتح الباب المعدني الثقيل بصرير حاد، ودخل كاين وجينكس. كان التعب بادياً على وجوههما، وملابسهما ملطخة بغبار رمادي من قصر عائلة فان هورن.

«طريق مسدود،» قالت جينكس وهي ترمي دفتر ملاحظاتها الجلدي بغضب على الطاولة، محدثةً صوتاً حاداً تردد في أرجاء القبو. «الوالدان مسافران في رحلة عمل قارية، لم يكلفا نفسهما عناء العودة. المربيات يقلن إن ليليث كانت طفلة شديدة الانعزال، تقضي ساعات طويلة في حديقة القصر تتحدث لدميتها الوحيدة.»

«ما اسم تلك الدمية؟» سألتُ فجأة، وشعرتُ بخيط رفيع من الحدس، يشبه ملمس الحرير البارد، يلمع في ذهني المعزز.

«إيلارا.. كانت تسميها إيلارا،» قالت جينكس وهي تفرقع علكتها بلامبالاة مصطنعة لتخفي توترها.

«إيلارا..» كررت ميكا الاسم، وبدأت أصابعها تعزف سيمفونية جديدة على المفاتيح.

ساد صمت مطبق، صمت ثقيل لم يقطعه سوى ذلك الصوت الخافت والمريع المنبعث من داخل صدر الطفلة.. "تيك.. توك.. تيك.. توك.." مع رنات موسيقية حزينة تتصاعد ببطء.

نظرتُ إلى فاندر. كان يقبع في الظل البعيد للغرفة، يفرك ندوب يده المحترقة بحركة عصبية دائرية، كأنه يستحضر ألم النار القديم ليظل مستيقظاً، ليظل ثابتاً في هذا العالم الذي بدأ يفقد منطقه.

«وجدتها!» هتفت ميكا، مما جعل قلوبنا جميعاً تقفز من أماكنها.

ظهرت على الشاشة الكبيرة صورة باهتة لطبيبة شابة. ملامحها كانت تحمل حزناً عميقاً غائراً في عينيها، وشعرها الأسود كان مسحوباً للخلف بصرامة.

«الدكتورة إيلارا.. جراحة أطفال عبقرية، طُردت قبل خمس سنوات بعد اتهامها بإجراء تجارب محظورة على الأنسجة الحية. كان لديها ابنة وحيدة.. ماتت بمرض قلبي خلقي نادر لم يستطع العلم إنقاذها منه.»

ضغطت ميكا زراً آخر، فظهر ملف طبي مغلق بالشمع الأحمر الإلكتروني.

«وهذه نوتة موسيقية وُجدت في مذكراتها.. التهويدة التي كانت تعزفها لابنتها كل ليلة قبل موتها.»

كان نفس اللحن. نفس النغمة الحزينة التي تخرج الآن من أحشاء ليليث السجينة تحت الملاءة البيضاء.

«إنها لا تقتل..» همستُ برعب، وشعرتُ ببرودة لزجة تزحف صعوداً من قدميّ، «إنها تعيد بناء ابنتها في أجساد الآخرين. إنها تحول أطفال المدينة إلى نسخٍ خالدة، صلبة، وغير قابلة للكسر من طفلتها التي فقدتها.»

«أين هي الآن؟» سأل فاندر، وصوته كان قادماً من مكان بعيد، من خلف حجاب من الغضب المكتوم.

«لديها ورشة قديمة، مسجلة كمصنع للأطراف الصناعية، في نهاية شارع الحرفيين،» قالت ميكا وهي تبرز الخريطة.

تبادلنا النظرات. الورشة كانت في نفس الشارع الذي وجدنا فيه الطفلة. كانت تراقبنا طوال الوقت.

«إنها هناك،» قال رورك وهو يشد قبضتيه الضخمتين حتى سمعنا طقطقة عظامه. «تحت أنوفنا تماماً.»

«تحركوا،» قال فاندر، وقد استعاد صوته صلابة الفولاذ البارد. «نحن لا نواجه مجرماً عادياً، يا وحدة رابعة.. نحن نواجه أماً محطمة القلب قررت أن تتحدى الموت بالخزف. وهذا يجعلها أخطر من أي وحش واجهناه من قبل.»

خرجنا من القبو، وشعرتُ أن هواء "أورفيديا" الخارجي لم يعد ملوثاً بدخان المصانع فقط، بل أصبح مشبعاً برائحة الدموع والبورسلين المكسور. كنا ذاهبين لمواجهة صانعة الدمى، لكنني كنتُ أخشى في أعماقي أن نجد في ورشتها مرايا تعكس كسور أرواحنا نحن.

***

عدنا إلى شارع الحرفيين، لكن هذه المرة كان الليل قد ابتلع المدينة تماماً، ولم يترك وراءه سوى أضواء النيون الباهتة التي تتراقص فوق البرك المائية الرطبة. الصمت هنا كان له صوت؛ صوت ترقب ثقيل، يشبه الهدوء الذي يسبق هجوم الإعصار.

ترجلنا من السيارة المصفحة، ومشينا كظلالٍ بلا صوت فوق الحجارة الرطبة. رائحة الزيت والصدأ والمطر كانت تخنق المكان. وصلنا إلى باب حديدي متآكل، عليه لافتة باهتة مكتوب عليها "خردة".

كاين عالج القفل بحركات رشيقة، وانفتح الباب ببطء، مصدراً أنيناً طويلاً مزق الصمت.

دخلنا. لم تكن مجردَ ورشة، بل كانت محراباً وثنياً للجنونِ الجميل.كان الهواءُ هناك يملكُ وزناً؛ ثقيلاً، لزجاً، ومشبعاً برائحةِ "الفانيليا" التي لم تعد ترمزُ للحلوى، بل أصبحتْ قناعاً كيميائياً يحاولُ طمسَ رائحةِ الزيتِ المعدنيِّ والخشبِ المتآكل. من السقفِ المرتفع، كانت تتدلى أطرافٌ بشريةٌ من البورسلينِ اللامع، أذرعٌ وسيقانٌ معلقةٌ بسلاسلَ دقيقةٍ كأرجوحاتٍ للموتى، تتمايلُ ببطءٍ مع كلِّ نسمةِ هواءٍ ندخلُها معنا، فتصدرُ حفيفاً خزفياً يشبهُ طقطقةَ العظام.

رؤوسُ الدمى كانت تصطفُّ على الرفوفِ الخشبية، عيونُها الزجاجيةُ الزرقاءُ لم تكن تنظرُ إلينا، بل كانت "تخترقُنا". كان لكلِّ رأسٍ شعرٌ بشريٌ حقيقي، خصلاتٌ شقراءُ منسدلةٌ بعنايةٍ مريبة، تتراقصُ في الظلالِ كأعشابٍ بحريةٍ في قاعٍ مظلم. وفي المنتصف، تربعتْ طاولةُ عملياتٍ مغطاةٌ بالمخملِ الأحمرِ القاني، وكأنها مذبحٌ ينتظرُ قربانَه؛ فوقها جسدٌ خزفيٌّ نصفُ مكتمل، تنبثقُ من جوفهِ أسلاكٌ نحاسيةٌ دقيقةٌ تتلوى كأمعاءٍ معدنيةٍ تحاولُ استجداءَ الحياة.

انزلقَ رورك بقدِمِه على شيءٍ صلبٍ تحتَ الغبار. انحنى بهدوء، وحملَ بين يديهِ الضخمتينِ مجسماً صغيراً من الطينِ الجاف؛ كان لطفلةٍ بملامحَ حزينةٍ غائرة، وقد رُشقتْ في صدرِها تروسُ ساعةٍ ميكانيكيةٍ صدئة. لم نكد نلتقطُ أنفاسنا وسطَ هذا الذهول، حتى شقَّ الصمتَ صوتٌ ناعم، هامس، كأنَّ الرِّيحَ تقشرهُ عن جدرانِ الغرفة.

«أهلاً أيها المحققون.»

لم يأتِ الصوتُ من حنجرةٍ واضحة، بل كان يحومُ في الفراغ، يلتفُّ حولَ أعناقنا كدخانِ الفانيليا الخانق. التفتنا بحدة، ومسدساتُ الفريقِ ترسمُ دوائرَ من القلقِ في العتمة، لكنَّ الغرفةَ لم تكن تملكُ سوى تلك الوجوهِ الخزفيةِ الجامدة.

«من يتحدث؟» سأل فاندر ببرودٍ حاد، وصوتُه كان شفرةً تشقُّ هذا الضجيجَ الصامت. كان يقفُ كتمثالٍ من الفولاذ، وعيناهُ الرماديتانِ تمسحانِ الظلالَ بحثاً عن "الشق" الذي تختبئُ فيه القاتلة.

«أنا صانعةُ السلام، أيها القائدُ الغاضب،» جاء صوتُ إيلارا مجدداً، أكثرَ صفاءً وسخريةً هذه المرة. «أنا من يُنقذُ الفتياتِ من هشاشةِ الحياةِ المزرية. ألا ترون؟ هذه الغرفةُ هي متحفُ الكمال. انظروا إلى هذه الأطراف، خاليةٌ من كدماتِ اللعبِ العنيف، ومن ندوبِ السقوط.. والقلوب.. آه، القلوبُ هنا لا تنبضُ بالخوفِ أو الخذلان، بل بالإيقاعِ الميكانيكيِّ السعيد.»

شعرتُ برعشةٍ لزجةٍ تزحفُ على عمودي الفقري. اقتربتُ من الطاولةِ المخملية، حيثُ يلمعُ الخزفُ تحتَ الضوءِ الشاحبِ كأنهُ جلدٌ ميتٌ صُقل بعناية. شعرتُ بـ "الشقوق" في منطقِها؛ لم تكن هذه ورشةَ بناء، كانت "مقبرةً للنمو".

«طفلتُكِ ماتت يا إيلارا،» صرختُ، وصوتي اخترقَ هدوءَها المصطنع، متجاوزةً أوامرَ فاندر الصامتة. «لم تتمكني من حمايةِ قلبِها الرقيق، فقررتِ أن تسرقي حياةَ الأخرياتِ لتُصلحي عجزَك! هذا ليس كمالاً، هذا جُبنٌ محض. تحويلُ الروحِ إلى جمادٍ ليس إنقاذاً، بل هو سجنٌ باردٌ لا يملكُ حتى حقَّ الصراخ!»

ضحكت إيلارا. لم تكن ضحكةَ جنون، بل كانت زفيراً من المرارةِ التي تحجرتْ عبر السنين. «خطأٌ يا كيان،» – نطقت اسمي بسلاسةٍ مرعبة، وكأنها كانت تحفظهُ في درجٍ سري – «الجمالُ لا ينكسر. البورسلينُ لا يذرفُ الدموعَ عندما يرحلُ الآباءُ ويتركونَ خلفهم غرفاً فارغة. الخالدُ لا يموتُ لأنَّ طبيعتَه خانتْه. أنا لا أسرق، أنا أُحسّنُ قبحَ الواقع. والآن.. كُفوا عن تخريبِ فنّي.»

في تلك اللحظة، وبحركةٍ رشيقة، سحبَ فاندر ستارةً مخمليةً ثقيلةً في نهايةِ الرواق. وراءَها، ظهرت إيلارا.

كانت تجلسُ فوقَ كرسيٍّ خشبيٍّ قديم، ترتدي ثوباً أبيضَ ناصعاً، وتحتضنُ بين ذراعيها دميةً صغيرة، تغني لها بسلامٍ موحشٍ جعلَ الدماءَ تتجمدُ في عروقي. كانت تبدو حقيقيةً لدرجةِ أنني شممتُ عطرَها. لكنَّ فاندر، بحدسهِ القاتل، لم يتقدم.

انطفأ الضوءُ لثانيةٍ واحدة، نبضةُ قلبٍ واحدة، وعندما عاد، كانت الأصفادُ في يدِ رورك تقبضُ على "العدم". تلاشى الجسدُ الأبيض، وتبخرت التهويدة، ولم يتبقَّ سوى غبارٍ ذهبيٍّ يرقصُ في مكانِها، وعدسةٍ لاصقةٍ دقيقةٍ سقطت فوقَ الأرضيةِ الخشبية.

«هولوغرام..» همس فاندر، وعيناهُ تشتعلانِ بنارٍ قديمةٍ من الغضبِ والإعجابِ المُر. «كانت تسخرُ منا من مكانٍ لا تصله عيونُنا».

لم تكن الصدمةُ في اختفاءِ إيلارا، بل في ذلك الفراغِ الذي تركتْهُ خلفَها؛ فراغٌ يضجُّ برائحةِ الفانيليا والموتِ الأنيق. وفي تلك اللحظة، وسطَ ذهولنا، انبعثَ صوتُ ميكا عبر اللاسلكيِّ حاداً كالشفرة، يمزقُ سكونَ الورشة: «سيدي! نبضُ ليليث يتوقف! الصندوقُ الموسيقيُّ يتباطأ.. إنها تتلاشى!»

رأيتُ الرعبَ يسكنُ عينيّ فاندر، رعباً حقيقياً لم تستطع برودتُه المعتادةُ حجبَه. عدنا إلى القبوِ بأقصى سرعة، كانت المدرعةُ تشقُّ شوارعَ أورفيديا كوحشٍ هائج، وفي الداخلِ كان الصمتُ يغلي.

وصلنا، وكان مادز يصارعُ الزمن؛ العرقُ يتصببُ على جبينه وهو يحاولُ حقنَ محاليلَ كيميائيةٍ في المسامِ الخزفية، لكنَّ الإبرَ كانت تنكسرُ واحدةً تلو الأخرى فوقَ ذلك الجلدِ الحجريّ. اللحنُ المنبعثُ من صدرِها بدأ يترنح، النوتاتُ أصبحتْ متباعدة، ثقيلة، كأنَّ التروسَ في داخلها قد أصابَها الصدأُ القاتل.

«المفتاح!» صرختُ، وشعرتُ بوميضٍ من الشقوقِ ينفجرُ في عقلي، متذكرةً كلماتِ إيلارا الأخيرة "ابحثوا عن المفتاح". «المفتاحُ ليس معدناً يا مادز.. المفتاحُ هو اللحنُ نفسه!»

لم أكن أملكُ وقتاً للتفسير. بأصابعَ مرتعشةٍ بالخوفِ واليقين، قمتُ بعكسِ ترددِ التهويدةِ عبرَ أجهزةِ ميكا. تلاعبتُ بالموجاتِ الصوتية، جاعلةً اللحنَ يرتدُّ على نفسه، وكأنني أجبرُ الموسيقى على التهامِ صمتِها.

وفجأة، حدثَ ما لم يتوقعهُ بشر...تكسرُ الحلمِ الحجريّ

بصوتٍ يشبهُ تكسرَ الجليدِ تحتَ أقدامِ الربيع، بدأتِ الطبقةُ البورسلينيةُ على وجهِ ليليث تتصدع. كان صوتاً مريحاً ومرعباً في آنٍ واحد؛ رأيتُ الشقوقَ الدقيقةَ تزحفُ فوقَ وجنتيها، تتفرعُ كخيوطِ العنكبوتِ الفضية. سقطتْ قطعٌ صغيرةٌ بيضاءُ على الطاولةِ المعدنية، محدثةً رنيناً خافتاً، وظهرَ من تحتِها جلدٌ بشريٌّ ورديّ، دافئ، ومبللٌ بدموعٍ كانت محبوسةً لدهورٍ خلفَ قناعِ الخزف.

شهقتِ الطفلةُ شهقةَ حياةٍ قوية، شهقةً مزقتْ حجابَ الموت، شهقةَ ألمٍ وأملٍ استعادتْ بها رئتاها حقَّ التنفس. وبدأت تبكي.. بصوتٍ بشريٍّ حقيقي، صوتٍ مكسورٍ وحيّ، مزقَ سكونَ القبوِ الجليديّ.

لقد عادت. لقد انكسرَ السجنُ الجميل.

بزغَ الفجرُ فوق أورفيديا، فجراً باهتاً بلونِ الرماد، وكأنَّ المدينةَ تعتذرُ عن خطايانا بضوءٍ شاحب. كنا نقفُ أمام بوابةِ قصر "فان هورن"؛ ذاك الصرحِ الذي يفيضُ بالفخامةِ ويفتقرُ للحياة.

حملتُ ليليث بين ذراعيّ. كانت خفيفةً كفراشة، لكنَّ وزنَ نجاتِها كان ثقيلاً على روحي، ثقلاً يجعلُ أنفاسي تخرجُ بصعوبة. خرجَ والدُها، اللورد فان هورن، برداءٍ منزليٍّ فاخرٍ من الحريرِ الداكن، ونظرَ إلى ساعةِ جيبِهِ الذهبيةِ قبل أن ينظرَ إلى ابنتهِ العائدةِ من الموت.

«لقد وجدتموها.. جيد،» قال ببرودٍ يفوكُ برودَ الخزفِ الذي تحررتْ منه. لم يركض، لم يضمها، لم تدمعْ عيناه. «ضعيها هناك.»

أشار بإصبعهِ المرصعِ بالخواتمِ إلى أريكةٍ باردةٍ في الردهة، ولم يمدَّ يدهُ ليلمسَ خيطاً واحداً من شعرِها الأشقر.

شعرتُ بغضبٍ حارقٍ يغلي في عروقي، غضبٍ كاد يدفعني لصفعِ هذا الوجهِ المتغطرس، لكنَّ يدَ فاندر التي وُضعتْ فوقَ كتفي كانت كابحاً قوياً. ضغطَ على كتفي برفقٍ يحملُ تحذيراً وصمتاً مشحوناً. وضعنا الطفلةَ وخرجنا، تاركينَ خلفنا قصراً يسكنهُ الموتى الأحياء.

على الدرجِ الرخاميِّ الخارجيّ، توقفَ فاندر ونظرَ إلى القصرِ الصامتِ الذي تبتلعهُ خيوطُ الضباب.

«إيلارا كانت محقةً في شيءٍ واحد،» همسَ، وعيناهُ الرماديتانِ تزدادانِ قتامة. «هنا، في هذا البيت، ليليث ستبقى دمية، سواءً كانت مصنوعةً من لحمٍ أو من بورسلين.»

في تلك اللحظة، ركضتْ جينكس نحو السيارةِ وهي تحملُ مغلفاً أسودَ وجدتهُ تحتَ المساحات، وكأنهُ نبتَ من العدم. فتحه فاندر ببطء، وحركةُ أصابعهِ كانت تنذرُ بشؤمٍ جديد.

سقطتْ من المغلفِ ريشةُ غرابٍ فضية، تلمعُ ببريقٍ معدنيٍّ خبيث، وورقةٌ صغيرةٌ كُتبتْ بحبرٍ ذهبيٍّ يشبهُ خطَّ إيلارا، لكنه أكثرُ حدة:

> "المسرحيةُ لم تنتهِ يا غراب.. ابحثوا عن الميقاتي قبل أن تدقَّ الساعةُ الثالثةَ عشرة."

>

نظرنا إلى بعضنا البعض. ريحٌ باردةٌ عصفتْ بنا، محملةً برائحةِ المطرِ والبارود، ريحٌ كأنها آتيةٌ من فجواتِ الزمن.«الميقاتي؟» تمتمتُ، وأنا أنظرُ إلى برجِ الساعةِ البعيدِ الذي يشقُّ الضبابَ كإصبعٍ يحذرُ من هولِ القادم. «لا توجدُ ساعةٌ ثالثةَ عشرة في منطقِنا.»

«لا وقتَ للحزن،» قال فاندر وهو يضعُ نظارتهُ السوداء، مخفياً عينيهِ المرهقتينِ خلفَ حجابٍ من الغموض. «الموتُ في أورفيديا لا ينام، ونحنُ كذلك.»

انطلقتِ السيارة، وبقيتُ أنظرُ من النافذةِ الخلفية. رأيتُ ظلاً صغيراً يقفُ خلفَ زجاجِ القصرِ العالي، يداً صغيرةً تلوحُ لنا ببطء.. وداعاً طويلاً من طفلةٍ استعادتْ قلبَها، في مدينةٍ تحاولُ سرقةَ القلوبِ كلَّ يوم.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سيمفونية الجريمة

المؤلف ريتاج.
2025/12/27 مستمرة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة