انتزعتني اليقظة من أحلامي المضطربة قبل أن تجرؤ شمس أورفيديا الباهتة على ملامسة الأرصفة العلوية للمدينة. هنا في الأسفل، في جوف قبو محطة القطارات المهجورة، لا سلطان للشمس ولا للوقت، فقط ذلك التغير الطفيف في نبرة أنين الأنابيب النحاسية الممتدة فوق رؤوسنا كأمعاء وحش معدني ضخم، تضخ الحياة في شرايين المدينة الميتة. رائحة الغرفة كانت قد تبدلت؛ تلاشت بقايا عطر المطر والدخان العالق بملابسنا من ليلة الأوبرا الدامية، وحلت محلها رائحة أنفاسنا الثقيلة المشبعة بالتعب، ورائحة الصدأ الحادة المنبعثة من هياكل الأسرة الحديدية الباردة
فتحتُ عيني ببطء مثقل، فبدا السقف الخرساني المتشقق قريباً جداً، وكأنه سماء رمادية تطبق على صدري. شعرتُ بخشونة الملاءة الرمادية تحت وجنتي، وبرودة الهواء الرطب تلسع كتفي المكشوف كقبلة جليدية. تحركتُ بحذر شديد، عضلاتي تصرخ ألماً، خائفة أن يصر السرير ويفضح استيقاظي أمام هذا السكون. عيوني، وبشكل تلقائي لا إرادي، بحثت عن السرير الأول في الصف. سرير فاندر.
كان فارغاً.
ومرتباً بدقة عسكرية صارمة، زوايا الملاءة مشدودة بحدة تجعلني أتساءل: هل نام عليه حقاً؟ أم أنه قضى الليل منتصباً كالتمثال في الظلام، يراقبنا ونحن نغرق في كوابيسنا؟
نهضتُ، وحين لامست باطن قدماي الحافيتين الأرضية الخرسانية، سرت قشعريرة باردة كالإبر في عمودي الفقري، أيقظت حواسي المخدرة بعنف. مشيتُ نحو الحوض المعدني في الزاوية، فتحتُ الصنبور الصدئ، فسعل الأنبوب بحدة وتشنج قبل أن يبصق ماءً كدراً تفوح منه رائحة الحديد والتراب. غسلتُ وجهي، والبرودة القاسية أعادت ترتيب شظايا ليلة أمس في رأسي كفيلم سينمائي مشروخ: القصر الفخم، الخنجر اللامع على رقبة القاضي، وتلك العيون الميتة للقاتل الشاب.
«لا يزال الوقت مبكراً جداً على مطاردة الأشباح يا كيان..»
جاء صوته من الخلف، منخفضا، أجش، وعميقا كأنه جزء من عتمة المكان. التفتُ بسرعة، وقلبي يقفز في صدري. كان فاندر يقف عند المدخل، يسند كتفه العريض على الإطار المعدني. قميصه الأبيض كان مشمراً عند الساعدين، يبرز عروق يديه النافرة التي تشهد على القوة الكامنة، ويحمل في يديه كوبين من القهوة يتصاعد منهما بخار كثيف يرقص في الهواء البارد كرواح صغيرة.
«هل نمتَ أصلاً؟» سألتُه وأنا أجفف وجهي المبلل بطرف كم قميصي القطني، أحاول إخفاء ارتباكي الصباحي.
«النوم رفاهية لا أملك ترفها حالياً،» رد بهدوء وهو يخطو نحوي، مقدماً لي أحد الأكواب. عندما التقطته، تلامست أصابعنا لجزء من الثانية؛ كانت يده دافئة وجافة، خشنة الملمس، وحرارتها سرت في أوصالي أسرع من حرارة القهوة نفسها. «القاتل بدأ يتحدث. لكنه لا يتحدث إلينا... إنه يتحدث عنا.»
ارتشفتُ من القهوة المرة. كانت قوية، سوداء كقلب هذا القبو، لا سكر يخفف حدتها، لكنها أعادت لي توازني. «ماذا تقصد؟»
«يريدكِ أنتِ،» قالها فاندر، وعيناه الرماديتان تضيقان بتركيز شديد جعلني أشعر أنني عينة تحت المجهر. «قال إنه لن يكمل نص المسرحية إلا أمام المحققة التي رأت الطحالب على حذاء المانيكان... إنه مهووس بالتفاصيل، ويرى فيكِ مرآة مشوهة له.»
بعد ساعة، كنا نخترق فوضى مركز الشرطة المركزي.
المبنى كان يغلي كخلية نحل مذعورة؛ ضباط يركضون بملفات متكدسة، هواتف ترن بلا انقطاع، صحفيون كغربان جائعة يحاولون اقتحام البوابات الزجاجية للحصول على سبق صحفي، ورائحة الحبر الرخيص والقهوة المحترقة والتوتر تخنق الأنفاس. مشينا وسطهم كأننا كيان منفصل، غابة مظلمة تتحرك وسط المدينة المضيئة؛ فاندر في المقدمة بخطواته التي لا تعرف التردد، معطفه يرفرف خلفه، وأنا خلفه مباشرة، وبقية الفريق يتبعوننا بصمت ثقيل. كان رورك يبعد الفضوليين بنظرة واحدة من عينيه المتعبتين، بينما مادز يتمتم بشيء غير مفهوم وهو يضبط نظارته التي انزلقت على أنفه.
وصلنا إلى المنطقة المحرمة... غرفة المراقبة المظلمة خلف الزجاج العاكس.
كان هناك. سيباستيان. يجلس في نفس الوضعية التي تركناه عليها طوال الليل، مقيداً إلى الطاولة المعدنية المثبتة في الأرض. لم يتغير فيه شيء، لم يذبل، لم يرتعش. كان يدندن لحناً خافتاً لا يسمعه سواه، وابتسامة طفولية بريئة ومرعبة في آن واحد ترتسم على شفتيه.
«ادخلي،» همس فاندر، ووضعت يده الثقيلة على كتفي، ضغطة خفيفة حملت كل معاني التحذير، وربما... الحماية. «سأكون هنا خلف الزجاج، صوتك وصورته أمامي. لن يلمسكِ.»
أخذتُ نفساً عميقاً، مشبعاً برائحة فاندر، ثم دفعتُ الباب الثقيل ودخلتُ غرفة الاستجواب.
كانت الغرفة شديدة البرودة، والأضواء البيضاء مسلطة بقسوة على الطاولة، مما جعل الظلال في الزوايا تبدو كوحوش متربصة. سحبتُ الكرسي المعدني وجلستُ قبالته. رائحته صدمتني؛ لم تكن رائحة سجين، بل رائحة صابون باهظ الثمن ممزوجة برائحة دم قديم وحبر جاف.
رفع رأسه ببطء، وكأنه يستيقظ من حلم جميل. ابتسامته اتسعت، وكأنه يستقبل ضيفة عزيزة في صالون منزله، لا محققة جاءت لتنتزع اعترافاً.
«المحققة كيان جونيير نيموسين...» نطق اسمي بتلذذ مقيت، يمدد الحروف كأنه يتذوقها. «لقد أفسدتِ مشهد الميناء بذكائكِ الفطري. لم أتوقع أن يلاحظ أحد تلك الطحالب الجافة العالقة على حذاء الضحية البلاستيكية...خصوصًا الوحدة الرابعة..مجموعة من المتدربين الاغبياء»
«العرض انتهى يا سيباستيان،» قلتُ بصوت حاولتُ أن أجعله صلباً كالصخر، رغم أن قلبي كان يقرع طبول الحرب في صدري. وضعتُ ملفاً فارغاً على الطاولة لإيهامه بالقوة. «أنت في قبضة الوحدة الرابعة الآن. أخبرنا عن الضحايا الخمسة، ولماذا اخترت هذه المسرحية التراجيدية تحديداً؟»
ضحك...ضحكة ناعمة، مخملية، تتدفق كجدول ماء سام. ثم مال بجسده للأمام حتى كاد أنفه يلامس الزجاج الفاصل بيننا، وبدت عيناه واسعتين بشكل غير بشري، يملؤهما فراغ مخيف.
«انتهى؟ لا يا عزيزتي كيان... العرض الحقيقي يبدأ عندما يسقط الستار ويصفق الجمهور المغفل. هل تظنين حقاً أنني كنت أعمل وحيداً؟ هل تظنين أن شاباً يتيماً مثلي يمكنه التلاعب بالقضاة والأطباء دون مفاتيح من الداخل؟»
سرت برودة مفاجئة شلت أطرافي. الكلمة علقت في الهواء كدخان سام. نظرتُ بلهفة نحو الزجاج العاكس حيث يقف فاندر، لكنني لم أرَ سوى انعكاس وجهي الشاحب وعيني المتسعتين.
«ماذا تقصد بـ "الداخل"؟»
مد يديه المقيدتين ببطء، ووضع سبابته الطويلة على شفتيه بحركة مسرحية.
«هناك خيط سادس يا كيان ..خيط لا يراه أحد، خيط حريري يربط بين قبوكم الرطب وبين المكاتب الوثيرة في الطوابق العليا لهذا المبنى. أنا لستُ القاتل الوحيد في هذه القصة... أنا فقط الأكثر أناقة ووضوحاً.»
فجأة، وقف، وبحركة خاطفة وسريعة كالأفعى، اقترب من أذني قبل أن يتمكن الحراس من التحرك. همس بكلمات سقطت كالرصاص المنصهر في طبلة أذني:
«اسألي قائدكِ عن مشروع الغراب اسأليه لماذا اختاركِ أنتِ تحديداً من بين مئات الخريجين الأكفاء. اسأليه عن الحريق الذي لم ينطفئ أبداً في قلبه الأسود.»
قبل أن أستوعب، اقتحم رورك وفاندر الغرفة كالعاصفة. سحبني فاندر من ذراعي بقوة آلمتني وأبعدني للخلف، بينما قام رورك بتثبيت سيباستيان ودفعه فوق الطاولة بعنف. كان القاتل يضحك بهستيريا، وصوت ضحكته يتردد في الغرفة البيضاء المعقمة كأنه صدىً قادم من الجحيم.
خرجنا للممر. كنتُ ألهث، ورأسي يدور في دوامة من الشكوك. استندتُ إلى الجدار البارد.
نظرتُ إلى فاندر...كان وجهه شاحباً بشكل مرعب، وقبضته ترتجف بجانبه وهو يحاول كبت غضب لا أفهمه.
«ما هو مشروع الغراب يا فاندر؟» سألتُه، وصوتي يخرج مخنوقاً، متوسلاً للحقيقة.
لم ينظر إليّ... حدق في نقطة مجهولة في الفراغ، ثم قال بصوت ميت، خالٍ من المشاعر:«إنه يتلاعب بكِ. يريد تدمير الفريق من الداخل بزرع الشك. لا تستمعي إليه.»
لكن طريقته في قول ذلك، وكيف هربت عيناه من مواجهة عينيّ، أخبرتني بكل شيء...كان هناك سر. سر مظلم يربط بين فاندر، وبين ذلك الحريق، وبيني أنا.
مشيتُ مبتعدة عنه في الممر الطويل، وشعرتُ بأن جدران المركز الزجاجية تضيق وتطبق عليّ. الوحدة الرابعة لم تكن مجرد فريق للتحقيق... كنا جزءاً من لعبة أكبر لم نفهم قواعدها بعد.
كان الممر طويلاً وبارداً، وانعكاس صورتي المشوهة على الأرضية الرخامية المصقولة بدا كشبح يلاحقني. تركتُ فاندر غارقاً في صمته المطبق، ومشيتُ نحو المخرج، أريد هواءً نقياً.
فجأة، مزق رنين هاتف أرضي معلق على الحائط الرمادي سكون الممر. توقفتُ. لم يكن هناك أحد سواي. رفعتُ السماعة بآلية، مدفوعة بحدس غريب، ويدي ترتعش قليلاً.«الوحدة الرابعة، المحققة كيان جونيير...» ، «كيان؟ ابنتي؟ هل هذه أنتِ؟»
تجمد الدم في عروقي. الصوت كان دافئاً، مألوفاً، مليئاً بذلك الفخر الساذج الذي يكسر قلبي في كل مرة...«أبي؟ كيف... كيف حصلت على هذا الرقم؟ هذا خط داخلي...» ، «سألتُ في المقر الرئيسي، حولوني من مكتب لمكتب حتى قالوا إنكِ في مهمة خاصة. أردتُ فقط سماع صوتكِ. هل انتهيتِ من مراجعة أوراق التأمين لتلك الشركات؟ أخبرتُ الجيران اليوم أن ابنتي أصبحت الذراع اليمنى لكبار المحققين الماليين. أنتِ فخرنا يا كيان ..ترفعين رأسنا عالياً.»
أغمضتُ عيني بقوة، وشعرتُ بغصة حارقة في حلقي كطعم الرماد. نظرتُ إلى يدي القابضة على السماعة؛ كانت لا تزال ملطخة بآثار سخام الأوبرا، وتحت أظافري بقايا طين من مسرح الجريمة. هو يرى ابنته المحاسبة الأنيقة التي تجلس خلف مكتب نظيف، وأنا أرى فتاة غارقة في دماء المدينة ومجاريها.
«نعم يا أبي... الأوراق... كثيرة جداً. أنا بخير، لا تقلق.»،
«خذي، والدتكِ تريد الحديث معكِ.»انتقل الهاتف، وجاء صوتها الحاد ليخترق طبلة أذني كسكين بارد.«كيان؟ صوتكِ يبدو باهتاً ومبحوحاً. أخبرتكِ، هذا الذكاء الذي تتباهين به لن ينفعكِ إن ذبل وجهكِ وشحب لونك. الضباط المرموقون يبحثون عن زوجات جميلات للواجهة الاجتماعية، لا فتيات يدفنّ رؤوسهن في الملفات والحسابات حتى تسودّ جفونهن. انظري لنفسكِ، ستظلين وحيدة إن لم تهتمي بجمالكِ أكثر من عقلكِ.»
«شكراً يا أمي... عليّ الذهاب، العمل لا ينتظر.»وضعتُ السماعة مكانها بعنف، ويدي ترتجف. كلمات أمي كانت تذكرني دائماً بأنني خطأ في معادلتها الجمالية، وأن والدي يعيش في كذبة جميلة صنعتُها له بدمي لأحميه من حقيقتي القبيحة...
عدنا إلى القبو والذي هو الوحيد الذي يقبلنا كما نحن...كانت الساعة قد تجاوزت الثالثة فجراً، والمطر يجلد سقف المحطة المهجورة بإيقاع رتيب... دخلنا من الباب الفولاذي، وهبطنا السلالم نجرّ أجسادنا المنهكة التي نسينا أنها بشرية.
في الغرفة الواسعة ذات الجدران الطوبية الرطبة، أضاءت جينكس عود ثقاب، وأشعلت مصباح الكيروسين المعلق. الضوء الأصفر الباهت كشف عن الأسرة الحديدية السبعة المصطفة كثكنة لأرواح ضائعة، تتراقص حولها الظلال.
«أهلاً بكم في الأجنحة الحديدية» قالت جينكس بسخرية مريرة وهي ترمي جسدها النحيل على السرير، محدثة صريراً مزعجاً تردد في الفراغ. «القائد يريدنا أن نشعر بصلابة القانون حتى في نومنا.»
جلسنا جميعاً على حواف أسرتنا، رؤوسنا منكسة. الصمت كان ثقيلاً، لكنه مشبع بحاجة ماسة للتفريغ، للكلام.«والدي يظن أنني أحتسي القهوة مع النبلاء وأراجع الحسابات،» قلتُ بصوت خافت وأنا أحدق في يدي المرتجفة. «هو فخور جداً... وأمي تعتقد أنني أضيع حياتي لأنني لستُ جميلة بما يكفي لتعجب رجلاً. هي لا تعرف أنني هنا، أطارد الوحوش في الظلام بينما هي نائمة في سريرها الوثير.»
«على الأقل لديكِ عائلة تنتقدكِ،» قال رورك وهو يفك رباط حذائه الضخم، وصوت ارتطام الحذاء بالأرض كان له صدى حزين كطرقات المطر. «أنا لا أعرف شكل أمي. نشأتُ في شوارع اورفيديا الخلفية، بين القمامة والقطط. عائلتي كانت العصابة التي علمتني كيف أضرب لأعيش. فاندر هو أول إنسان ينظر إليّ كبشري بأختياره لي..لا كأداة للكسر.»
«أنا لدي نصف عائلة،» تمتم مادز وهو يعبث بسماعاته بهوس عصبي. «والدي كيميائي نسي أن لديه ابناً. كان يتحدث معي بالمعادلات والرموز. جئتُ هنا لأثبت له أنني أستطيع حل ألغاز لم يفهمها هو، وأنني لست مجرد معادلة فاشلة.»
ميكا كانت تحتضن وسادتها وتهمس، وعيناها تلمعان خلف نظارتها: «عائلتي من كبار المحامين والقضاة. أنا بالنسبة لهم وصمة عار لأنني اخترتُ الميدان والوحل. لقد شطبوا اسمي من سجلات العائلة منذ انضممتُ للوحدة الرابعة.»
كنا نغرق في دفء هذه الاعترافات، نتشارك جراحنا المفتوحة، وفجأة...خطوات عسكرية صارمة قطعت حبل أحزاننا كالساطور. دخل فاندر. كان لا يزال بمعطفه الجلدي المبتل، وعيناه تلمعان كشفرتين في الضوء الخافت. وقف في الوسط، وظله الطويل ابتلعنا جميعاً.
«انتهى وقت جلسة العلاج النفسي،» قال بصوت أجش، قاسٍ، وخالٍ من أي تعاطف ظاهر. «كفوا عن هذه الثرثرة. أنتم هنا لتكونوا محققين، لا أبطال تراجيديا تبكون على الأطلال. العالم في الخارج لا يكترث لماضيكم، وأنا كذلك.»
ساد صمت محرج ومؤلم. شعرتُ بوخزة خيبة؛ كيف يجرؤ على سحق لحظتنا الإنسانية الوحيدة؟ كيف يمكنه أن يكون بارداً هكذا؟ ، نظر فاندر إلى رورك. «أنت... اذهب واجلب طعاماً. المحلات في المحطة القريبة لا تزال تعمل... تحرك.»
خرج رورك مطأطأ الرأس، وتبعه مادز وجينكس هرباً من التوتر الخانق. بقي فاندر واقفاً مكانه كصخرة، ونظر إليّ تلك النظرة الطويلة، المكثفة، التي تحمل شيئاً غامضاً لا أستطيع فك شفرته.
«كيان...» صوته انخفض قليلاً، «إلى مكتبي.. حالاً.»
صعدتُ السلالم الحديدية خلفه، ودخلتُ مكتبه الغارق في العتمة إلا من ضوء مصباح مكتبي يرتجف بضعف. رائحة التبغ وخشب الصندل كانت قوية هنا، تخلق جواً من الحميمية القسرية. كان فاندر يجلس خلف مكتبه، يحدق في صورة قلبها فور دخولي على وجهها.
«اجلسي.» جلستُ على الطرف، وراقبتُ يديه تقلبان الأوراق بعصبية. «لماذا فعلتَ ذلك بالأسفل؟» سألتُه بحدة لم أعهدها في نفسي. «لماذا قاطعتنا بتلك القسوة؟ كنا نشعر لأول مرة أننا لسنا مجرد تروس صدئة في آلة.»
رفع رأسه، وعيناه اخترقت دفاعاتي كالسهم. «المشاعر ثقب في الدرع يا كيان ..في الوحدة الرابعة، لا نملك رفاهية الانكسار أو البكاء على الماضي. القاتل يتغذى على ضعفنا. أنا لا أقسو عليكم كرهاً... بل لأضمن أن تعودوا لهذه الأسرة أحياءً كل ليلة.»
«وماذا عن مشروع الغراب؟» سألتُه بجرأة، وقلبي يخفق بعنف يوجع أضلعي. «لماذا أنا هنا يا فاندر؟ لماذا اخترتني؟»
سند ظهره للكرسي، ونظر إليّ بعمق وكأنه يرى روحي العارية.
«أنتِ هنا لأنكِ تمتلكين ما فقده الجميع. أنتِ ترين الجريمة كقصة، لا كمعادلة حسابية. مشروع الغراب ليس مؤامرة كما يظن ذلك المعتوه، إنه محاولة يائسة لإنقاذ ما تبقى من شرف في هذا الجهاز. اخترتكِ لأنكِ نقية... وأنا أحتاج لهذا النقاء بجانبي لكي لا أغرق في ظلامي الدامس.»
«والحريق؟» همستُ، والكلمة خرجت بصعوبة.
انقبض فكه، ثم سحب ملفاً أسود سميكاً من الدرج ودفعه نحوي عبر الطاولة.
«الضحية الخامسة، القاضي سوليفان، ليس بريئاً. والقاتل لم ينتهِ منه رغم سجنه. أريدكِ أن تدرسي سجلاته المالية القديمة. ابحثي عن أي صلة بـ مسرح الطيور المهاجرة..أريد دليلاً يربطه بالحريق، دليلاً ملموساً.»
أمسكتُ الملف. كان ثقيلاً، وكأنه يحمل وزن خطايا المدينة. نهضتُ والتفتُّ لأغادر، لكن صوته أوقفني عند الباب.
«كيان...»استدرتُ. كان قد نهض واقترب مني بخطوات هادئة، حتى صار صدري يلامس قميصه تقريباً. حرارة جسده ورائحته ملأت رئتي وأربكتني. «نعم... فاندر؟» نطقتُ اسمه بعفوية، ونبرة صوتي خانتني..تغيرت ملامحه لصرامة مرعبة ومفاجئة. حاصرني بينه وبين الباب، صوته انخفض لهمس خطير يلامس وجهي: «ليس فاندر... بل القائد فاندر. لا تنسي رتبتكِ ولا رتبتي أبداً. أنا لا أحتاج لصديقة هنا، أحتاج لمحاورة عبقرية تعرف حدودها. هل هذا واضح... يا سيادة المحققة؟»
احمرّ وجهي غضباً وارتباكاً، وشعرتُ بالدم يغلي في عروقي. «واضح جداً... سيدي القائد.»
دفعتُه برفق وخرجتُ، والعاصفة بداخلي لا تهدأ، وصوت إغلاق الباب خلفي كان كطلقة رصاص أخيرة.
في تلك الليلة، جلستُ وحدي تحت ضوء المصباح الخافت في القبو، والجميع نيام، أنفاسهم تعلو وتنخفض بانتظام. فتحتُ الملف الأسود، وقلبي مليء بالأمل في إيجاد الخيط الذي سيحل اللغز ويثبت لفاندر كفاءتي.
بدأتُ القراءة. صفحة تلو الأخرى. كشوفات حسابات بنكية، فواتير قديمة، تقارير طبية باهتة. رائحة الورق القديم كانت تخنقني.
مرت ساعة... ساعتان. الشمعة بدأت تحتضر.
لا شيء.
كانت الأوراق نظيفة بشكل مثير للغثيان والريبة. القاضي سوليفان كان حريصاً كالشيطان، أو ربما بريئاً من هذه التهمة تحديداً. لا تحويلات مشبوهة، لا ذكر لاسم المسرح، لا تواريخ تتطابق مع الحريق. الملف كان فارغاً من أي دليل حقيقي، مجرد أرقام باردة لا تحكي شيئاً.
أغلقتُ الملف بضربة يائسة، وشعرتُ بثقل الخيبة يجثم على صدري كصخرة. هل كان فاندر يختبرني؟ أم أنه يطارد وهماً صنعه عقله المعذب؟
في الصباح التالي، صدر الحكم. سيباستيان، "القاتل الأنيق"، نُقل إلى سجن القلعة المعزول بانتظار حكم مؤبد. تم إغلاق ملف القضية رسمياً بختم أحمر كبير ومستفز.
"تم الحل".
لكنني كنتُ أعلم، وأنا أنظر إلى ذلك الختم، أن شيئاً لم يُحل. وأن المسرحية الحقيقية... قد بدأت للتو.