كان الهواء في القاعة الكبرى ثقيلاً، لزجاً ككفن رطب. رائحة الصوف المبلل بماء المطر تمازجت مع شمع الأرضيات الرخيص، مشكلة غلالة خانقة من عرق الخوف البارد الذي ينزّ من مسام مائتي خريج يحلمون بالمجد. انزويتُ في أقصى الركن الخلفي، حيث يلفظ ضوء الثريات الكريستالية أنفاسه الأخيرة قبل أن يلمس الأرض، تاركاً الظلال تتطاول كأشباح جائعة تزحف بصمت على الجدران العتيقة.
أسندتُ ظهري إلى برودة العمود الرخامي، وبدأتُ طقوسي المعتادة لترويض الضجيج في رأسي. واحد، اثنان، ثلاثة... أربعة عشر شقاً طولياً في الحجر، وثلاثة شروخ متفرعة تشبه أوردة يد عجوز تحتضر. الأرقام هي ملاذي؛ في أورفيديا ، تلك المدينة الغارقة في الفوضى، الأرقام وحدها لا تكذب، ولا تخون. كل صدع في هذا العمود هو صرخة صامتة للزمن لم يسمعها أحد غيري.
«المتدرب ماركوس.. القسم الأول، الحماية الدبلوماسية.»
اخترق صوت العميد طنين الصمت عبر مكبرات الصوت، محدثاً صريراً مؤلماً في طبلة أذني اليمنى. راقبتُ ماركوس يتقدم؛ كتفاه مشدودان بزهو زائف، وابتسامته تلمع تحت الأضواء كإعلان تجاري رخيص. إنه يجسد المدينة تماماً: قشرة لامعة تغلف فراغاً مخيفاً.
أنا لا أنتمي لهذا القطيع.
في عتمة جيبي، كانت أصابعي تداعب حواف قطعة معدنية صدئة التقطتها من الرصيف صباحاً. ملمسها الخشن يذكرني بأنني موجودة، بأنني حقيقية وسط هذا المسرح العبثي. عيناي، كعدسة كاميرا لا تعرف الغمض، تمسحان القاعة. أرصد الخيط المنسول في سترة العميد الفاخرة الذي يهدد بسقوط زر هيبته الذهبي، ألمح الارتعاش الخفي في عضلة ساق الفتاة الواثقة أمامي، وأشم رائحة الكحول الرديء المنبعثة من مسام الضابط الواقف عند الباب.. يشرب ليخدر الملل، أو ربما ليغسل ذنباً قديماً.
فجأة، بُتر صوت العميد.
هبط صمت ثقيل، ملموس، وكأن الهواء سُحب من رئتي القاعة دفعة واحدة. تغيرت نبرة العميد، ذابت غطرسته لتحل محلها نبرة تشبه الاعتذار، أو ربما الشفقة على محكومين بالإعدام. أخرج ظرفاً أسود اللون من جيبه الداخلي، خشناً كأنه قُدّ من جلد وحش ليلي، بدا كقطعة فحم ملوثة وسط بياض الظروف الأنيقة.
«الأسماء التالية..» قالها وصوته يترنح، يمسح عرقه بمنديل مرتعش، «..تم طلبها بقرار إداري مباشر.. للانضمام إلى الوحدة الرابعة.»شهقة جماعية مكتومة امتصتها الجدران.
الوحدة الرابعة.
لم تكن قسماً، بل منفى. "مقبرة المواهب"، "سرداب المجانين". أسطورة تقول إن مقرهم يقبع تحت جذور المدينة، حيث لا تجرؤ الشمس على الدخول. بدأ قلبي يقرع طبولاً غير منتظمة، ليس خوفاً، بل استجابة لنداء غامض.بدأ العميد يقرأ الأسماء وكأنه يتلو قائمة ضحايا في مشرحة:
«رورك ستيل..»
تحركت كتلة من الظلام على يساري. جبل بشري، رقبته خارطة من العضلات الموشومة برموز العصابات السفلية. مر بجانبي فلفحتني رائحة تبغ رخيص وعنف مكبوت يغلي تحت جلده. خطواته جعلت ألواح الأرضية تئن وتشتكي.
«مادز إيمرسون..»
شبح فتى، جلده بلون الورق القديم ، يطوق عنقه بسماعات ضخمة، ويفرك أصابعه ببعضها بهوس كأنه يحاول غسل دماء غير مرئية. بدا هشاً كأنبوب اختبار زجاجي، لكن خلف زجاج نظارته، كانت عيناه تتقدان بذكاء يقارب الجنون.
«جينكس ريبل..»
قفزت فتاة قصيرة بوقاحة قطة زقاق، شعرها بنفسجي وتمضغ العلكة بصوت طقطقة رطب ومستفز خدش جلال الصمت. عيناها اللصوصيتان سرقتا تفاصيل جيوب الحاضرين قبل وجوههم.
«كاين بلاك..»
الفتى الذهبي الذي كان ينتظر التتويج. تجمدت ابتسامته الساحرة وتحولت إلى قناع شمعي للرعب. جر قدميه ببطء، لكنني شممت رائحة عرقه البارد تخترق عطره الفاخر، رائحة تشبه رائحة زهور ذابلة في جنازة.
«ميكا رايفر..»
فتاة ضئيلة تختبئ خلف نظارات تلتهم نصف وجهها، وتحتضن ملفاتها كدرع واقٍ. صوت احتكاك الأوراق بيديها المرتجفتين كان مسموعاً كحفيف أوراق خريفية تحت الأقدام.
أربعة منبوذين. أربعة كسور في هيكل المدينة المثالي. نظرات العميد للمتدربين تقول إنه بقي اسم واحد..شعرتُ ببرودة ميتافيزيقية تخترق معطفي. الهواء تكثف، والظلال زحفت نحوي وكأن الغرفة تضيق لتعتصرني. رفع العميد عينيه، بحث عن احدهم في زاويتي المعتمة. تلاقت نظراتنا للحظة بدت كالأبدية.
«كيان جونيير نيموسين»
لم يصفق أحد. لم يهمس أحد. كان اسمي حكماً بالنفي.
أجبرتُ قدميَّ على التحرك. تقدمتُ، ولم تكن مجرد خطوات، بل كانت إيقاعاً مدروساً من الثبات؛ كل ضربة كعبٍ على الأرض كانت تعلنُ تمردي على الانهيار الوشيك.
وسط هذا السكون المطبق، رفعتُ يدي ببطءٍ متعمد، وبحركةٍ آلية اعتادتها أناملي، تلمستُ ضفيرة شعري السوداء الطويلة. شعرتُ بملمس خصلاتها الباردة تحت أطراف أصابعي قبل أن أنبذها بحركة هادئة إلى خلف ظهري، لتستقر هناك كعباءةٍ من ليلٍ حالك، كاشفةً عن وجهي بوضوحٍ قاسٍ أمام الجميع.
كانت عيناي، تلك الهوتان اللتان ورثتا سواد الفحم، تمسحان المكان بجمود. لم أرمش. ثبتُّ بصري نحو الجدار البشري المصطف أمامي؛ وجوهٌ مألوفة وأخرى غريبة، لكنها جميعاً توحدت في تعبيرٍ واحد. كانوا يحدقون بي وكأنني طيفٌ غادر قبره للتو، أو أسيرةٌ تُساق عارية الروح نحو منصة الإعدام، تنتظر سماع صليل النصل وهو يسقط.
قرأتُ كل شيء في عيونهم المتسعة. رأيتُ تلك الشفقة المهينة التي تجعل الدم يغلي في عروقي، ولمحتُ الصدمة التي ألجمت ألسنتهم، وحتى الرعب... نعم، الرعب من أن تصيبهم العدوى. كانت نظراتهم تصرخُ بما تعجز شفاههم عن قوله؛ رأيتُ في عمق حدقاتهم المرتجفة صلاةً خفية، ابتهالاً أنانياً، وشكراً صامتاً للرب لأن المصيبة طرقت بابي وتجاوزت أبوابهم، لأنهم يقفون هناك في بر الأمان، بينما أقف أنا هنا... في عين العاصفة. وقفتُ بجوار رورك ومادز. كنا لوحة سريالية من قطع غير متناسقة، مسخاً مركباً من كسور لا يمكن جبرها.
«انظروا للأعلى.» همس مادز، صوته جاف كحفيف الرمل.
رفعتُ رأسي ببطء نحو الشرفة العلوية، تلك المنطقة الغارقة في الظلام المخصصة للآلهة المراقبين.
كان هناك.
لم أستطع تمييز ملامحه، لكنني شعرتُ بثقل حضوره الطاغي يسحق الهواء. رجل يقف بثبات مرعب، معطفه الطويل يبتلع الضوء، ووقفته تشبه وقفة جنرال يراقب رماد معركة أحرق فيها الجميع.
فاندر ستورم.. كابوس الأكاديمية وحارس الجحيم السفلي.
شعرتُ بنظراته تخترق المسافة، لا يرانا كبشر، بل كقطع غيار صدئة يقلبها صانع ساعات مجنون، يقرر أيها سيصلح لتشغيل آلته الجهنمية وأيها سيلقى في النار. رأى الفوضى المرتبة في عقلي، ورأى خوفي الذي أغلفه بالجليد.
دون كلمة، استدار ببطء، حركة انسيابية كدخان أسود، واختفى في الظلام، تاركاً إيانا معلقين بخيوط مصير مجهول.
دفعنا الحراس نحو مخرج الطوارئ الخلفي، حيث تفوح رائحة القمامة المتخمّرة وزيت القلي المحروق. السماء كانت تبكي رذاذاً رمادياً لزجاً، يلتصق بالبشرة كطبقة دهنية قذرة. أمامنا، ربض وحش معدني أسود. شاحنة نقل سجناء مصفحة، محركها يصدر هديراً عميقاً ومتقطعاً، كحيوان جريح يلفظ أنفاسه.
«اصعدوا.» بصق السائق الكلمة مع لعابه على الأرض.
صعدتُ ببطء. برودة المعدن اخترقت بنطالي فور جلوسي على المقعد الجانبي الصلب. المساحة في الداخل كانت ضيقة، خانقة، ورائحتها مزيج مقرف من العرق القديم، الصدأ، ومطهر كيميائي رخيص يحاول إخفاء رائحة الدم واليأس.
انغلق الباب الثقيل خلفنا، فابتلعنا الظلام إلا من ضوء أحمر خافت يرمش في السقف كعين مريضة.
جلستُ قبالة رورك. كان يشغل مساحة مقعدين بكتفيه العريضين. عيناه تحدقان في الأرض، وقبضته تنقبض وتنبسط بإيقاع متوتر، كأنه يستعد للكم الهواء. بجانبه جينكس، تفرقع علكتها وتنظر للسقف بملل مصطنع، لكن ساقها كانت تهتز بعصبية تفضح قلقها. كاين كان يمسح بقعة وهمية على كم سترته، يحاول تجنب النظر لأي أحد، بينما ميكا تدفن وجهها في ملفاتها وتنشج بصمت، وصوت بكائها المكتوم كان يملأ الفراغات بين هدير المحرك.
بدأت الشاحنة تتحرك. شعرتُ بالمعدن يهتز تحتنا. انعطفنا يميناً، ثم شعرنا بمعدتنا ترتفع لحلقنا.. نحن ننحدر لأسفل. الزاوية كانت حادة جداً. أذناي انغلقتا بسبب تغير الضغط. نحن نغادر المدينة العليا، نغوص أعمق من المترو، أعمق من المجاري. نحن ذاهبون إلى أمعاء أورفيديا.
بعد دقائق بدت كساعات، توقفت الشاحنة بحدة قذفتنا للأمام. انطفأ المحرك، وساد صمت الموت.فُتح الباب بصرير معدني مؤلم.
نزلنا في مكان يشبه الجحيم البارد. محطة قطارات مهجورة من العصر الفيكتوري. السقف عالٍ وتختفي تفاصيله في العتمة، والأعمدة الحديدية الضخمة التي أكلها الصدأ تبدو كأضلاع وحش عملاق ونحن نقف داخل قفصه الصدري. الهواء هنا ثقيل، رطب، ومشبع برائحة الورق القديم والحديد والنسيان.
مشينا خلف الحارس نحو باب فولاذي دائري ضخم، يشبه باب ملجأ نووي. كُتب عليه بخط اليد الملطخ بالشحم:الوحدة الرابعة.
فُتح الباب، ودخلنا.
لم يكن مكتباً. كان مزيجاً بين مكتبة قديمة ومختبر عالم مجنون.
الجدران مغطاة من الأرض للسقف بخرائط ضخمة للمدينة، موصولة بخيوط حمراء متشابكة كشبكة عنكبوت. أكوام من الملفات الصفراء تتكدس على الأرض كأبراج مائلة آيلة للسقوط. أنابيب نحاسية تضخ بخاراً خفيفاً قرب السقف، وفي الزاوية، طاولة تشريح نظيفة بشكل مرعب تلمع تحت ضوء نيون أبيض بارد.
وفي قلب هذه الفوضى المنظمة.. كان يجلس فاندر.
خلف مكتب خشبي ضخم محفور عليه ندوب الزمن. لم يرفع رأسه عندما دخلنا. كان الضوء المسلط من مصباح المكتب يضيء يديه فقط.
يدان ثابتتان كالصخر، تفككان مسدساً أسود اللون ببطء وحرفية.
صوت الأجزاء المعدنية وهي توضع على الطاولة كان الصوت الوحيد المسموع في الغرفة. صوت يشبه عدّاد الموت.
توقفنا في صف غير منتظم، أنفاسنا محبوسة.
ركّب مخزن الرصاص بحركة خاطفة، ثم رفع رأسه ببطء.
التقيتُ بعينيه للمرة الثانية. كانت رمادية، باردة، لا تحمل أي دفء ولا أي كراهية. نظرة موت سريري.. مسح وجوهنا واحداً تلو الآخر. توقف نظره عندي لثانية أطول، وكأنه يرى ما في جيبي، يرى خوفي، ويرى عدّي القهري للشقوق في الجدران. شعرتُ وكأنني عارية أمام تلك النظرات، مجردة من كل دفاعاتي.
ثم تكلم. صوته كان منخفضاً، أجش قليلاً، كصوت الحصى الذي يطحن تحت الأقدام.
«توقعتُ أن يرسلوا لي قمامة..» قالها بهدوء وهو يضع المسدس المكتمل على الطاولة برفق، «لكن يبدو أنهم أرسلوا لي كارثة.»
لم يجرؤ أحد على الرد. حتى جينكس توقفت عن مضغ علكتها.
مد يده وضغط زر تشغيل جهاز راديو قديم مشوش على طرف مكتبه. صدح صوت استغاثة، متقطع ومليء بالذعر:
«دورية 10.. نحن أمام متجر سيلفر للأزياء.. الوضع غير مفهوم.. أكرر، الوضع غير طبيعي.. وجدنا شيئاً في واجهة العرض.. إنه ليس دمية! يا إلهي، عيناه تتحركان!.. لا، إنهما ثابتتان.. أرسلوا الدعم حالاً..»
أغلق فاندر الراديو بإصبع واحد. عم الصمت مجدداً.
وقف ببطء، فبدا أطول مما هو عليه، وظله امتد على الخريطة خلفه ليبتلع نصف المدينة المرسومة. رمى مجموعة من الشارات المعدنية الصدئة على الطاولة، انزلقت إحداها وسقطت عند قدمي تماماً.
ارتدى قفازاته الجلدية السوداء ببطء متعمد، وقال وهو ينظر إلينا بازدراء:«أمامكم عشرون دقيقة للوصول إلى المتجر. من يتقيأ، يُطرد. من يلمس شيئاً دون إذن، يُطرد. ومن يظن أنه هنا ليحقق العدالة.. فليعد لتلك الشاحنة الآن.»
رمى مفاتيح سيارة باتجاه رورك الذي التقطها بذهول.
مشى فاندر نحونا، وتجاوزنا متجهاً للباب، لكنه توقف بجانبي وهمس دون أن ينظر إليّ، وكأن الكلمات موجهة للظلام:
«التقطي الشارة...اللعب بدأ.»
انحنيتُ، وأصابعي لامست المعدن البارد للشارة. كان قلبي يدق بعنف في أذني، ليس خوفاً هذه المرة.. بل شيئاً آخر. شيئاً يشبه الإثارة المظلمة. رفعتُ الشارة، ونظرتُ إلى ظهره وهو يختفي في الممر المظلم. شددتُ معطفي حولي، وركضتُ خلفه.
لقد هبطنا إلى الجحيم رسمياً.
كانت السيارة التي أشار إليها فاندر مركونة في زاوية مظلمة من النفق. لم تكن سيارة شرطة، بل سيارة دفع رباعي سوداء، ضخمة ومصفحة، تشبه مدرعة حربية نُزعت عنها المدافع.قفز رورك خلف المقود وكأنه ولد هناك. ابتسامته الوحشية ظهرت لأول مرة وهو يدير المحرك الذي زأر بصوت أيقظ الخفافيش النائمة في سقف المحطة.
حشرنا أنفسنا في الخلف...رائحة السيارة من الداخل كانت خليطاً من الجلد القديم، والقهوة الباردة المنسكبة، وشيء آخر.. رائحة دماء قديمة تمت تغطيتها بمنظفات قوية. رائحة تذكرك بأن من جلس هنا قبلك، ربما لم يخرج حياً.
انطلق رورك كالصاروخ. لم يصعد عبر المنحدر الطبيعي، بل اقتحم بوابة حديدية صدئة تؤدي إلى أنفاق الصيانة القديمة تحت المدينة. كنا نتحرك في الشرايين السفلى لـ أورفيديا.
«هل سنبقى صامتين هكذا؟» سأل كاين، وهو يحاول تثبيت شعره الذي بعثره الهواء المتسرب من النافذة. «أعني.. ألسنا فريقاً الآن؟»
أجابته جينكس وهي تنفخ فقاعة علكة ضخمة انفجرت على وجهها: «نحن لسنا فريقاً يا وجه الدمية.. نحن أكياس جثث مؤجلة.»
بقيتُ صامتة، أضغط جبهتي على زجاج النافذة البارد. كنتُ أحصي الأنفاق التي نمر بها. سبعة.. ثمانية..فجأة، انحرفت السيارة وصعدنا إلى السطح..صفعتنا أضواء المدينة.
أورفيديا في الليل تبدو كإمرأة عجوز تضع الكثير من المساحيق لتخفي تجاعيدها. ناطحات السحاب تلمع بالنيون الأرجواني والأزرق، بينما الأزقة السفلية تغرق في العتمة والنفايات. المطر هنا يبدو ملوناً بسبب انعكاس الأضواء، وكأن السماء تبكي دماءً نيونية.
توقفنا أمام متجر "سيلفر".
كان المشهد فوضوياً. أضواء سيارات الشرطة العادية الزرقاء والحمراء تصبغ الشارع المبتل بالدماء الضوئية. الشرطة النظاميون كانوا قد طوقوا المكان بالشريط الأصفر، ووقفوا يتهامسون ويضحكون ويشربون القهوة الساخنة.
لكن ضحكاتهم ماتت فور رؤيتهم لسيارتنا السوداء المصفحة.
«لقد وصلوا..» سمعتُ أحدهم يهمس باشمئزاز. «حفارو القبور.»
نزلنا. كان الهواء بارداً ومشبعاً بالرطوبة. وصل فاندر بعدنا بدقيقة، على دراجة نارية سوداء كلاسيكية، محركها يصدر صوتاً هادئاً كدقات قلب بطيء. نزل عنها ببرود، ولم يخلع خوذته فوراً، بل وقف يمسح المكان بنظرة واحدة.
«لا أريد أخطاء.» قالها فاندر بصوت منخفض وهو يمر بجانبنا، متجاوزاً الشريط الأصفر دون أن يرفعه حتى. الشرطة النظاميون تراجعوا للخلف بخوف واحترام مكروه.
اقتربنا من واجهة المتجر.
كان زجاج العرض ضخماً، نظيفاً جداً لدرجة أنك قد تظن أنه غير موجود. بالداخل، وتحت إضاءة مسلطة درامية، كانت هناك ثلاثة تماثيل عرض ترتدي بدلات رسمية رمادية فاخرة.
التمثال الأيمن كان يرفع قبعته..التمثال الأيسر كان ينظر لساعته...والتمثال الأوسط..شعرتُ بقشعريرة تسري في عمودي الفقري.
التمثال الأوسط كان رجلاً.
لكنه لم يكن يبدو بشرياً تماماً. وجهه مغطى بطبقة كثيفة من كريم الأساس الشمعي، وجنتاه ملطختان بأحمر خدود فاقع، وشفتاه مرسومتان بدقة بقلم تحديد داكن. كان يقف بجمود تام، يداه في جيوبه، ورأسه مائل قليلاً لليمين بزاوية غريبة.
والأكثر رعباً.. عيناه.
كانتا مفتوحتين على آخرهما. جاحظتين، زجاجيتين، وتحدقان مباشرة فينا. تحدقان فيّ أنا.«يا إلهي..» همس كاين واقترب من الزجاج، ونسي خوفه للحظة أمام الفضول، «أنا أعرف هذا الرجل. إنه فاليريوس، ناقد الموضة.. ذلك الوغد الذي دمر عرض أزياء الموسم الماضي بمقال واحد.»
تقدم رورك بحماس غبي، وعضلاته مشدودة: «سأكسر الباب الزجاجي يا زعيم، دعنا ندخل وننزل الجثة.»
رفع يده الضخمة ليهم بتحطيم القفل.
«توقف!»
لم يكن صوت فاندر. كان صوتي أنا...خرجت الكلمة من فمي قبل أن أدرك ذلك. تجمد الجميع، واستداروا نحوي. رورك نظر إليّ بغضب وكأنه يريد سحقي، وفاندر أمال رأسه ببطء ناحيتي، عيناه تلمعان بفضول بارد.
«لماذا؟» سأل فاندر بهدوء.
بلعتُ ريقي. صوتي كان يرتجف، لكن عقلي كان ثابتاً. اقتربتُ من الزجاج حتى لامس أنفي سطحه البارد.«انظروا إلى الأرضية..» همستُ، وأنا أشير بإصبعي نحو حذاء الضحية داخل الفاترينة. «الأرضية داخل الواجهة مغطاة بسجاد مخملي أبيض ناصع. لا توجد ذرة غبار واحدة عليه.»
نقلتُ بصري إلى رورك.«إذا كسرتَ الباب ودخلت بحذائك القذر، ستدمر الدليل الوحيد الموجود.»،«أي دليل؟» سألت جينكس بملل.«حذاؤه..» قلتُ وأنا أحدق في قدم الضحية. «الحذاء جديد، لامع، ماركة إيطالية باهظة. لكن.. انظروا إلى الكعب من الخلف. هناك طبقة رقيقة جداً من الطحالب الخضراء الجافة ورمل رمادي دقيق.»
التفتُ إليهم، وشعرتُ بالكلمات تترتب في رأسي كمعادلة رياضية:
«هذا الرجل لم يُقتل هنا. ولم يمشِ إلى هنا. هذا الرمل لا يوجد إلا في منطقة الميناء القديم، على بعد خمسة كيلومترات. القاتل حمله، ألبسه، ووضعه هنا.»
«وماذا في ذلك؟» سخر كاين. «ربما مات هناك ونقله القاتل.»
«لا..» قاطعنا صوت مادز لأول مرة. كان يقف خلفي تماماً، يحدق في وجه الضحية عبر الزجاج، وقد اتسعت حدقتا عينيه برعب حقيقي.
«إنه لم يمت هناك..» همس مادز بصوت مرتعش. «انظروا إلى العرق.»
دققتُ النظر في جبين الضحية تحت طبقة المكياج الكثيفة. كانت هناك قطرات عرق دقيقة جداً قد جفت واخترقت طبقة البودرة.
«الموتى لا يتعرقون..» قال مادز وهو يرجع خطوة للوراء، «هذا الرجل كان حياً عندما وُضع هنا. لقد تم حقنه بـالتيترودوتوكسين أو شيء مشابه.. سم يشل الحركة تماماً ويخفض النبض لدرجة تشبه الموت، لكنه يبقي الضحية واعية.»
ساد صمت مرعب في الشارع. المطر كان يهطل، لكننا لم نشعر به.
نظرتُ مجدداً إلى عيني الضحية الجاحظتين. فهمتُ الآن. الرعب المتجمد فيهما.
«لقد كان واقفاً هنا لساعات..» قلتُ بصوت مخنوق. «مشلولاً.. عاجزاً عن الصراخ.. يرى الناس يمرون أمامه وينظرون إليه كدمية.. يشعر بعضلات صدره تتوقف ببطء عن العمل.. يختنق ببطء بينما العالم يحدق فيه.»،
«عرض أزياء للموت.» قال فاندر.جاء صوته من خلفنا، حكماً نهائياً أغلق النقاش. مشى فاندر بهدوء، ووقف بجانبي أمام الزجاج. كانت رائحته مميزة، رائحة جلد قديم ومطر.
«رورك،» قال دون أن يلتفت، «اذهب للباب الخلفي. استخدم المفاتيح العمومية. لا تكسر شيئاً.»
«مادز، جهز حقيبتك. أريد عينة من الجلد خلف أذنه فوراً.»
«كاين، ابحث عن قائمة أعداء هذا الناقد.»
ثم، ولأول مرة، خفض فاندر بصره نحوي...لم يبتسم...لكن البرود في عينيه انكسر قليلاً بشيء يشبه التقدير.«ملاحظة جيدة..» قالها بصوت خافت، «أيتها المستجدة.»
ثم استدار وتبع رورك..بقيتُ واقفة أمام الزجاج للحظة أخرى. نظرتُ لعين الضحية الميتة، وشعرتُ برابط غريب. لقد رآه الجميع كدمية. وأنا الوحيدة التي رأته كإنسان يتألم..هذه هي وظيفتي إذن. أنا لستُ شرطية. أنا مترجمة لصرخات الموتى الصامتة.
تحركنا نحو الباب الخلفي للمتجر، تاركين الأضواء والجمهور خلفنا. الزقاق الخلفي كان ضيقاً ومزدحماً بصناديق الكرتون الفارغة. رائحة البول القديم والقمامة كانت قوية هنا.
فتح رورك الباب بمهارة مدهشة بالنسبة لضخامته، ودخلنا.
داخل المتجر، كان الجو مختلفاً تماماً. هادئاً، بارداً، ومعطراً برائحة الخزامى والملابس الجديدة. المفارقة بين الفخامة في الداخل والموت في الواجهة كانت تثير الغثيان.«أغلقوا الستائر.» أمر فاندر.
قام كاين وجينكس بسحب الستائر المخملية الثقيلة خلف واجهة العرض، ليعزلوا الجثة عن عيون الشارع. أصبحنا الآن وحدنا مع الضحية في صندوق زجاجي ضيق.
«أنزلوه.»أمر فاندر بصوت جاف.تقدم رورك ومادز. كانا مترددين. لمس جثة لا تزال دافئة ومكياجها سليم يختلف عن لمس جثة مشرحة باردة. أمسك رورك بالضحية من تحت الإبطين، بينما حرر مادز الأقدام. كان الجسد متصلباً تماماً. بدا وكأنهما يحملان تمثالاً خشبياً ثقيلاً.
وضعاه على الأرضية المغطاة بالسجاد الأبيض.
«مادز، وقتك.» قال فاندر وهو يشعل سيجارة رفيعة.
جثا مادز بجانب الجثة. يداه النحيلتان كانتا ترتجفان وهو يخرج أدواته.«سيدي.. أنا لم أفعل هذا خارج المختبر من قبل..»
«هناك مرة أولى لكل شيء. افعلها.»
أخذ مادز مسحة من زاوية فم الضحية، ثم استخدم ملقطاً دقيقاً لرفع جفن العين.«الحدقات متسعة تماماً..» همس مادز وهو يكتسب بعض الثقة، «هناك نزيف دقيق في بياض العين.. علامة على الاختناق البطيء. عضلات الصدر توقفت تدريجياً.»
ثم توقف فجأة.
«مهلاً..»قرب مادز ضوء كشافه الصغير من رقبة الضحية،وتحديداً عند ياقة القميص.«هناك شيء هنا.»اقتربتُ أنا وفاندر.
تحت ياقة القميص الفاخر، كان هناك خيط رفيع جداً، لونه أحمر قاني، مخيط في جلد رقبة الضحية مباشرة. لم يكن خيطاً عشوائياً. كانت غرزة جراحية دقيقة جداً، لكنها شُكلت لترسم حرفاً واحداً صغيراً على الجلد:
"S"
«إس؟» سألت جينكس وهي تنحني فوق كتفي. «ماذا يعني؟ سوبرمان؟»
«لا..» قال كاين بصوت مخنوق، وجهه شاحب كالموتى. «ليس حرفاً. إنه شعار.»نظر كاين إلى فاندر برعب.
«أنا أعرف هذا الشعار. إنه توقيع سيباستيان فالي.. خياط النخبة. كان يصمم بدلات للمافيا والسياسيين في الثمانينات قبل أن يختفي.»
«لكن سيباستيان مات!» ابتسم فاندر ابتسامة صغيرة وباردة، ونفث الدخان نحو السقف.«الموتى في هذه المدينة لا يبقون موتى طويلاً يا كاين.»
التفت فاندر إلينا، وعيناه تلمعان بتحدٍ جديد.«القاتل ليس سيباستيان، بل شخص يقلده.. أو شخص ورث إبرته.»
مشى نحو الباب.
«لدينا 12 ساعة قبل أن تتدخل الصحافة وتحول الأمر لسيرك. مادز، خذ الجثة للقبو... البقية.. سنزور الحي القديم. سنبحث عن خياط يستخدم خيوطاً من أمعاء القطط.» نظرتُ إلى الجثة للمرة الأخيرة. حرف S الأحمر كان يبدو وكأنه يبتسم لي من عنق الضحية. لقد كانت مجرد بداية.
بعد أن غادرنا المتجر الفاخر، قاد رورك السيارة نحو الطرف الشرقي للمدينة. كلما اقتربنا، كانت أضواء النيون تختفي تدريجياً، وحلت محلها مصابيح الشوارع الصفراء الباهتة التي تومض باحتضار.«أغلقوا الأقفال.» قال فاندر عبر اللاسلكي.
دخلنا الحي القديم..الشوارع ضيقة جداً لدرجة أن المرايا الجانبية للسيارة كادت تحتك بالجدران. رأيتُ من النافذة وجوهاً تطل من خلف الستائر الممزقة. عيون تراقبنا بحذر وكراهية. أطفال حفاة يركضون في الوحل توقفوا ليرموا سيارتنا بنظرات حادة أكبر من سنهم.
«هذا المكان يوترني..» همست ميكا وهي تحتضن جهاز التابلت الخاص بها. «لا توجد تغطية شبكة هنا. نحن عميان رقمياً.»
توقفنا أمام مبنى قديم كان يوماً ما مصنعاً للنسيج، والآن تحول لكتلة من الخرسانة المتآكلة. لافتة خشبية مائلة فوق الباب تحمل اسماً بالكاد يُقرأ: "إبرة وخيط".
نزل فاندر أولاً. خطواته كانت واثقة، لكن يده كانت قريبة من حزامه. نزلنا خلفه...كانت الأرضية موحلة ولزجة. الهواء هنا كان ثقيلاً برائحة الصباغ الكيميائي والجلود المدبوغة..«جينكس،» قال فاندر بصوت خافت، «راقبي السيارة. إذا اقترب أحد منها، شغلي الإنذار.»، «رورك، معي. البقية.. كونوا ظلالاً.»
دفع فاندر الباب الخشبي الثقيل. لم يكن مقفلاً. رن جرس نحاسي صغير فوق الباب بصوت ناعم ومخيف.الداخل كان مظلماً، مليئاً بلفافات القماش المكدسة كالجثث. الغبار يرقص في شعاع ضوء وحيد قادم من نافذة علوية. وفي الزاوية، خلف ماكينة خياطة أثرية ضخمة.. كان يجلس عجوز أحدب.
لم يرفع رأسه. كان يخيط شيئاً بتركيز شديد. صوت الإبرة وهي تخترق القماش كان إيقاعاً منتظماً..«لم أرَ شرطياً هنا منذ زمن المذبحة الكبرى..» قال العجوز بصوت أجش يشبه احتكاك ورق الصنفرة، دون أن يتوقف عن الخياطة. «ما الذي أحضر كلاب الحكومة إلى جحري؟» تقدم فاندر ببطء، ووضع صورة الضحية ورمز حرف S على طاولة الخياطة أمام العجوز.
«لسنا هنا من أجل الحكومة يا إيغور..» قال فاندر بنبرة احترام غريبة، «نحن هنا لنسأل عن شبح.»
توقفت ماكينة الخياطة..رفع العجوز رأسه. كانت إحدى عينيه بيضاء تماماً، والأخرى سوداء وصغيرة كعين غراب. نظر للصورة، ثم ارتجفت يده المليئة بالندوب..«هذا التوقيع..» همس العجوز برعب حقيقي، «لقد حذرته.. قلت له ألا يوقظ الماضي..»
«من؟» سألتُ أنا باندفاع، فالتفت العجوز نحوي. «من الذي حذرته؟»
ابتسم العجوز بأسنان صفراء ومكسورة.«الشيطان الصغير.. الذي جاء يطلب خيوطاً حمراء من الحرير الصيني.. الخيوط التي لا تنقطع إلا بالنار.»
تحرك رورك من خلفي، وخطى خطوة ثقيلة للأمام قاصداً تخويف العجوز، فصرّت ألواح الأرضية تحت وزنه..«من هو؟» زمجر رورك بصوت خشن، «تكلم أيها العجوز قبل أن أحول محلك هذا إلى كومة حطب.»لم يرتجف العجوز. بل ضحك. ضحكة جافة ومتقطعة انتهت بسعال.
«عضلاتك لا تخيفني يا بني.. أنا رأيت رجالاً يقتلعون عيون بعضهم بالملاعق في هذا الحي. تهديدك تافه»
تدخل كاين، محاولاً تدارك الموقف بأسلوبه االدبلوماسي. عدل ياقة معطفه وابتسم ابتسامته الساحرة المزيفة:«يا سيد إيغور.. نحن لا نريد مشاكل. نحن فقط نريد أن نعرف من اشترى هذا الخيط. زبون مميز، أليس كذلك؟ شاب أنيق ربما؟»بصق العجوز على الأرض بجانب حذاء كاين اللامع، فتلاشت ابتسامة كاين فوراً وتراجع للخلف بقرف.
تنهد فاندر.
سحب كرسياً خشبياً متهالكاً وجلس أمام العجوز مباشرة. أخرج علبة سجائره، وعرض واحدة على العجوز. تردد العجوز لحظة، ثم قبل السيجارة بأصابع مرتعشة وملطخة بالحبر. أشعلها له فاندر.
ساد صمت لدقيقة، لم يقطعه سوى صوت اشتعال التبغ وأنفاسنا المحبوسة.
«كان جميلاً..» قال العجوز فجأة، وهو ينفث الدخان باستمتاع. «جمالاً يؤذي العين. بشرته شاحبة كالرخام، وشعره أسود كليل بلا قمر.»نظر العجوز إليّ أنا تحديداً، وكأنه يرى شيئاً مشتركاً بيني وبين ذلك القاتل.
«دخل هنا قبل أسبوع. لم يمشِ.. كان ينساب فوق الأرض. طلب حرير التوت البري.. وخيطاً أحمر مصنوعاً من ألياف دقيقة تستخدم في خياطة الجروح قديماً.»سألتُ بصوت خافت، وأنا أشعر ببرودة تسري في أطرافي:«هل.. هل قال اسمه؟»
«لا..» هز العجوز رأسه، «لكنه كان يدندن لحناً. وطلب مني أن أطرز له منديلاً واحداً.»مد العجوز يده إلى درج طاولته المليء بالإبر، وأخرج قطعة قماش صغيرة بيضاء.
«ترك هذا لي.. كبقشيش.»التقط فاندر المنديل باستخدام ملقط معدني. تجمعنا حوله. كان المنديل مطرزاً بدقة لا تصدق بخيط أحمر، لكنه لم يكن يحمل حرفاً..كان يحمل رسماً دقيقاً لـ قفص طيور مفتوح.«قفص..» همست جينكس وهي تتوقف عن مضغ علكتها لأول مرة. «ماذا يعني هذا؟»
«يعني أن الضحية الأولى كانت مجرد عصفور تجربة..» قال مادز وهو يمسح نظارته بتوتر شديد، «إنه يقول إنه أطلق سراح شيئاً ما.»فجأة، انتفض العجوز وأمسك بمعصم فاندر بقوة مفاجئة.«لقد اشترى خمس بكرات..» همس العجوز وعينه السليمة تتسع برعب، «خمس بكرات من الخيط الأحمر يا سيدي القائد. هل تفهم؟»
سحب فاندر يده ببطء، ووجهه المظلم ازداد قتامة. نظر إلينا، وصوته الهادئ نزل علينا كحكم بالإعدام:«البكرة الواحدة تكفي لخياطة بدلة كاملة.»صمت قليلاً، ثم أكمل:
«خمس بكرات.. تعني خمس جثث أخرى.»
دوى صوت صفارة إنذار السيارة في الخارج.«رورك!» صرخ فاندر وهو يقفز عن الكرسي ساحباً سلاحه بحركة خاطفة. «السيارة!»
ركضنا نحو الباب. اندفعنا إلى الشارع المظلم والموحل.
كانت سيارتنا المصفحة لا تزال مكانها، لكن الزجاج الأمامي كان مغطى بشيء سائل ولزج. لم يكن دماً..كان طلاءً أحمر، كُتب به على الزجاج بخط عريض وأنيق:
"الدرس الأول: الملاحظة."
وقفتُ متسمرة في مكاني. المطر بدأ يهطل بغزارة الآن، يغسل الطلاء الأحمر ليسيل كالدماء على واجهة السيارة. نظرتُ حولنا. المباني المظلمة، النوافذ المكسورة، الأزقة الضيقة.
شعرتُ بوجوده...كان يراقبنا. القاتل لم يذهب. لقد كان هنا، بيننا، يشاهدنا ونحن نسأل عنه...وضع فاندر يده على كتفي، ضغطة قوية وثقيلة أعادتني للواقع.«لا تبحثي عنه في الظلام الآن..» همس بجانب أذني، وصوته يحمل تحذيراً ونوعاً من الحماية، «إنه يريدك أن تخافي...لا تمنحيه هذه المتعة.»
التفت فاندر للفريق، وعادت نبرة القائد الصارمة:«مادز، خذ عينة من الطلاء. جينكس، افحصي محيط السيارة بحثاً عن بصمات أحذية. رورك، نظف هذا القرف ولنعد للقبو.»ثم نظر إلى السماء الرمادية لمدينة أورفيديا..«الليلة ستكون طويلة جداً.»
لم ينطق أحد بكلمة واحدة طوال طريق العودة. كان صوت مساحات الزجاج الأمامي وهي تزيح المطر المختلط بالطلاء الأحمر هو الصوت الوحيد الذي يخرق صمت السيارة المصفحة.. إيقاع رتيب وموتر للأعصاب.
رورك كان يقود بقبضة بيضاء من شدة الضغط على المقود، وكأنه يتمنى لو كان عنق القاتل بين يديه بدلاً من عجلة القيادة. في المقعد الخلفي، كانت ميكا تضم جهازها اللوحي إلى صدرها وتحدق في الفراغ، بينما جينكس توقفت عن فرقعة العلكة، وهو دليل على أنها خائفة حقاً.
وصلنا إلى المحطة المهجورة. نزلنا إلى القبو.بمجرد أن أغلق الباب الفولاذي الثقيل خلفنا، وعزلنا عن المدينة، دبت الحياة في المكان. تحول الصمت إلى فوضى منظمة.«رورك، أغلق المداخل. لا أحد يدخل أو يخرج دون إذن صوتي مني.» أمر فاندر وهو يخلع معطفه المبلل ويرميه بإهمال على أحد الكراسي. القميص الأبيض تحته كان نظيفاً بشكل مستفز، وكأن قذارة العالم الخارجي لا تجرؤ على لمسه.
«مادز.. الميكروسكوب. الآن.»، «ميكا.. أريد تاريخ سيباستيان فالي كاملاً. كل بدلة خاطها، كل عميل، كل فضيحة..كاين.. اصنع لنا قهوة. سوداء. ولا تتحدث.»تحرك الجميع كتروس في ساعة ضخمة... اما أنا بقيتُ واقفة في المنتصف، أشعر ببرودة تسري في عظامي. جيوبي ثقيلة بالأدلة التي جمعناها: المنديل المطرز، وقارورة صغيرة تحوي كشطاً من الطلاء الأحمر الذي كان على السيارة.
«وأنتِ..»جاء صوته من خلفي. التفتُ لأجد فاندر يقف قريباً جداً، رائحة التبغ والبارود تفوح منه. مد يده المفتوحة نحوي.«أعطني المنديل.»
سلمته المنديل الأبيض المطرز بخيط الحرير الأحمر. وضعه فاندر تحت عدسة مكبرة ضخمة مثبتة على مكتبه، وأشعل ضوءاً قوياً سلطه على القماش.«انظروا هنا.»
تجمعنا حول الطاولة. مادز عدل نظارته واقترب بوجهه الشاحب من العدسة. تحت التكبير، لم يعد الخيط مجرد خيط.«يا إلهي..» همس مادز، «هذا ليس حريراً عادياً. انظروا إلى الألياف.. إنها ملتوية بطريقة غريبة.»
ركض مادز نحو خزانة الكيماويات، عاد ومعه قطارة تحوي سائلاً شفافاً. وضع قطرة واحدة على طرف الخيط. فار السائل قليلاً وتحول للون الأزرق.
«إنه خيط جراحي..» قال مادز بصوت مرتعش، «مصنوع من أمعاء القطط المعالجة، لكن تم صبغه يدوياً بصبغة الكارمين.. وهي صبغة تُستخرج من طحن الخنافس الميتة. طريقة قديمة جداً.. تعود للقرن التاسع عشر.»
«خياط وجراح؟» سأل كاين وهو يضع أكواب القهوة على الطاولة بيدي مرتعشتين.«أو فنان مجنون.» قاطعتهم ميكا من خلف شاشاتها المتوهجة. «لقد قمتُ بمسح أرشيف المدينة بحثاً عن رمز القفص المفتوح الموجود على المنديل.»
ظهرت صورة قديمة بالأبيض والأسود على الشاشة الكبيرة المعلقة على الجدار. الصورة كانت لمبنى محترق، واجهته سوداء متفحمة، لكن اللافتة الحديدية فوق الباب كانت لا تزال واضحة. لافتة تحمل رسماً لقفص طيور مفتوح.
«مسرح الطيور المهاجرة..» قرأت ميكا بصوت خافت. «كان مسرحاً للدمى المتحركة في الحي القديم. احترق قبل خمسة عشر عاماً. الشرطة قالت إنه ماس كهربائي، لكن السكان قالوا إنهم سمعوا صراخاً من الداخل قبل اندلاع النار.»
«مسرح دمى..» كررتُ الكلمة، وشعرتُ بقطعة اللغز تستقر في مكانها في عقلي.نظرتُ إلى فاندر.«الضحية في المتجر.. المانيكان. لقد حوله لدمية.»
مشيتُ نحو اللوح الزجاجي وبدأتُ أرسم بإصبعي خطاً وهمياً.
«القاتل لا يخيط بدلات.. إنه يصنع دمى بشرية. الخيط في الرقبة، المكياج المسرحي، الوقفة الجامدة.. هو يعيد تمثيل مسرحية قديمة.»
نظر فاندر إليّ، ثم إلى صورة المسرح المحترق.«خمس بكرات خيط..» تمتم فاندر وهو يشعل سيجارة جديدة، وعيناه تلمعان ببريق خطير. «خمس شخصيات في المسرحية.»
«ميكا..» قال فاندر بصوت آمر، «ابحثي عن مسرحيات ذلك المكان. ما هي آخر مسرحية عُرضت قبل الحريق؟ وما هي شخصياتها؟»
نقرت أصابع ميكا على لوحة المفاتيح بسرعة جنونية.
«وجدتها.. مسرحية بعنوان "الملك الأعمى وحاشيته الخائنة".»
بلعت ميكا ريقها بصعوبة.
«الشخصيات هي: الناقد الكاذب، الحارس المرتشي، الطبيب السكير، العاشقة الخائنة.. و.. الملك الأعمى.»
ساد الصمت في القبو. صمت أثقل من صمت المقابر.«الناقد الكاذب..» قال رورك بصوت خشن، «الضحية الأولى كان ناقد أزياء.»
«بالضبط.» قال فاندر، ونفث الدخان ببطء. «بقي أربعة.»فجأة، انقطع التيار الكهربائي في القبو.غرقنا في ظلام دامس. توقفت مراوح أجهزة الكمبيوتر عن الدوران.
«رورك! المولدات!» صرخ فاندر.
لكن قبل أن يتحرك أحد، سطع ضوء واحد فقط. شاشة الكمبيوتر الرئيسية لـ ميكا أضاءت من تلقاء نفسها، رغم انقطاع الكهرباء..لم تكن تعرض بيانات. كانت تعرض بثاً مباشراً.
كاميرا مهتزة تصور من زاوية منخفضة. المكان في الفيديو كان غرفة مظلمة، أرضيتها مغطاة بالماء. وفي وسط الغرفة.. كرسي واحد..مربوط عليه رجل يرتدي زي حارس أمن، فمه مخيط بنفس الخيط الأحمر..وعلى صدره لافتة مكتوب عليها بدمه: "الحارس المرتشي."
شهقت جينكس ورجعت للخلف مصطدمة بالطاولة. الرجل في الفيديو كان حياً. عيناه تتحركان بذعر جنوني، والماء يرتفع ببطء حول قدميه.سمعنا صوتاً يخرج من مكبرات الصوت في القبو. صوت مشوه، معدني، وكأنه قادم من قاع بئر:«أهلاً بكم في العرض الأول.. يا وحدة الظل. هل يمكنكم إنقاذه قبل أن يسدل الستار؟»
انتهى البث. وعادت الشاشة سوداء...في الظلام،.«ميكا..» جاء صوت فاندر من الظلام، هادئاً كالموت، «حددي مصدر الإشارة. الآن.» ، «رورك، جهز الأسلحة الثقيلة.»
«أما أنتِ...أخبريني أين يمكن أن تكون غرفة تغمرها المياه ببطء في هذه المدينة اللعينة؟»أغمضتُ عيني في الظلام. بدأتُ أعد.
واحد.. اثنان.. ثلاثة..الماء.. الحي القديم.. الأنفاق..فتحتُ عيني.
«أعرف أين هو.»