أعرف أين هو.»
خرجت الكلمات من فمي هامسة، لكنها بدت كطلقات رصاص في صمت القبو المظلم. وجهتُ مصباحي اليدوي الصغير نحو الخريطة الكبيرة المعلقة على الجدار، وشعاع الضوء الراقص استقر على منطقة زرقاء باهتة في أقصى جنوب الحي القديم.
«خزان المياه الجوفي.. تحت مصنع النسيج المهجور،» قلتُ بسرعة وأنا أشير للنقطة، وعقلي يستحضر صفحات من تاريخ المدينة كنت قد حفظتها عن ظهر قلب لتجنب النوم. «المصنع كان يستخدم قنوات تحت الأرض لتصريف الأصباغ الكيميائية مباشرة للنهر. القنوات أغلقت منذ عشرين عاماً، لكن الصمامات.. الصمامات يدوية.»
«يدوية؟» سأل رورك وهو يلقم سلاحه الآلي بصوت معدني حاد، وصوته يتردد في القبو.«نعم. إذا فتح أحد الصمامات، فإن مياه النهر ستتدفق للداخل ببطء.. وتغرق أي شيء محبوس هناك.» نظرتُ إلى فاندر الذي كان يرتدي سترته الواقية من الرصاص. وجهه كان منحوتاً من صخر في ضوء المصباح الشاحب، وعيناه الرماديتان تحولت إلى عاصفة صامتة.
«كم لدينا من الوقت؟» سأل فاندر دون أن ينظر إليّ، بل كان يحدق في الخريطة وكأنه يحاول حرقها بنظراتها ، أغمضتُ عيني، وتخيلتُ ارتفاع الماء في الفيديو. صوت خرير الماء في عقلي كان أعلى من صوت أنفاسي. «عشر دقائق.. ربما أقل قبل أن يمتلئ الغرفة للسقف.»
«تحركوا!»صرخة فاندر لم تكن عالية، لكنها دفعتنا جميعاً كتيار كهربائي.انطلقت السيارة المصفحة كالوحش الهائج في شوارع أورفيديا،رورك كان يقود بجنون، يحطم صناديق القمامة ويصعد فوق الأرصفة. صفارات الإنذار الخاصة بنا كانت تصرخ، والناس يقفزون بعيداً عن طريقنا كأننا الموت القادم.
في الخلف، كنتُ أجلس بجانب ميكا التي كانت تحاول اختراق شبكة كاميرات المرور لتفتح لنا الإشارات الحمراء. أصابعها تطير على لوحة المفاتيح، وقطرات العرق تسيل على نظارتها الكبيرة.
«أسرع يا رورك! أسرع!» صرخت جينكس وهي تتمسك بالمقبض العلوي ووجهها شاحب، علكتها سقطت من فمها لأول مرة.
وصلنا.
المصنع القديم كان يبدو كهيكل عظمي لديناصور ميت تحت المطر. مداخنه مكسورة، ونوافذه ثقوب سوداء تحدق فينا كعيون جماجم فارغة. صوت هدير الماء كان مسموعاً حتى من الخارج، كأنه وحش يزمجر تحت الأرض.قفزنا من السيارة قبل أن تتوقف تماماً. الطين تلطخ ببنطالي، لكنني لم أهتم.
«رورك، اكسر البوابة!» أمر فاندر.
لم يحتج رورك لتكرار الأمر. ركض نحو البوابة الحديدية الصدئة وضرب القفل بكعب بندقيته ضربة وحشية واحدة. انفتح الباب بصرير مدوٍ يشبه صرخة ألم معدنية.
دخلنا.
الداخل كان واسعاً ومظلماً، ورائحة الرطوبة والعفن تخنق الأنفاس. صوت خرير مياه قوي يأتي من الأسفل.«هناك!» أشرتُ نحو فتحة أرضية مفتوحة في وسط القاعة، وسلالم حديدية مائلة تنزل في الظلام الحالك.
نزل فاندر أولاً، ونحن خلفه. الدرجات كانت زلقة ومغطاة بالطحالب. كلما نزلنا، كان الهواء يصبح أبرد وأثقل. وصلنا لقاعة سفلية واسعة، أرضيتها مغطاة بالمياه حتى الكاحل. الماء كان بارداً كالثلج، ورائحته تشبه رائحة السمك الميت.
في منتصف القاعة.. رأيناه...غرفة زجاجية سميكة تشبه حوض أسماك عملاق مبنية وسط القاعة.وداخلها، الضحية...الماء وصل لصدره...الرجل، حارس الأمن، كان يصرخ، لكن صوته مكتوم بسبب الزجاج، وفمه المخيط يمنعه من فتح فكه بالكامل، مما جعل صرخاته تخرج كأنين حيوان ذبيح. عيناه جاحظتان من الرعب وهو يضرب الزجاج بقبضتيه المربوطتين، والدماء تسيل من مكان الغرز في فمه لتصبغ الماء حوله باللون الوردي.
«الزجاج مقوى!» صرخ رورك وهو يضرب الزجاج بكعب سلاحه بكل قوته، لكن الزجاج لم يخدش حتى. «إنه مضاد للرصاص!»
«ابحثوا عن الصمام!» صرخ فاندر وهو يخوض في الماء الذي بدأ يرتفع في القاعة الخارجية أيضاً. «أوقفوا تدفق الماء!»تفرقنا في الظلام...جينكس وكاين ركضا لليمين. مادز وميكا لليسار.
أنا بقيتُ واقفة أمام الزجاج للحظة. نظرتُ للضحية. كان ينظر إليّ. نظرة توسل يائسة. الماء وصل لرقبته الآن. بدأ يرفع رأسه للأعلى في محاولة أخيرة للتنفس.
رأيتُ شيئاً يطفو بجانبه داخل الخزان. مفتاح..مفتاح صغير مربوط بقطعة فلين تطفو على السطح...لكن لا يوجد ثقب مفتاح في الزجاج. نظرتُ للأسفل، عند قاعدة الخزان معدنية. لا يوجد مدخل. المفتاح بالداخل، والقفل بالداخل. القاتل وضع الأمل بجانبه، لكنه جعله مستحيلاً.
«فاندر!» صرختُ، وصوتي انكسر، «المفتاح بالداخل! القفل من الداخل!»
«هذا جنون!» صرخ مادز من الزاوية البعيدة، صوته يرتجف، «وجدنا الصمام لكنه صدئ! لا يتحرك!»كان رورك يساعده، عضلاته تكاد تتمزق وهو يحاول تدوير عجلة الصمام الضخمة الحمراء، لكنها كانت ملحومة بالصدأ والزمن.
الماء داخل الخزان وصل لأنف الضحية...بدأ الرجل ينتفض. فقاعات الهواء تخرج من أنفه بجنون..«سيموت!» صرخت جينكس بحدة هستيرية وهي تغطي عينيها..فجأة، شعرتُ بحركة سريعة بجانبي.«كيان.. تراجعي.»
كان فاندر. صوته كان هادئاً بشكل مرعب وسط هذه الفوضى.
كان يمسك بيده شيئاً صغيراً وأسود. قنبلة يدوية تكتيكية صغيرة لاصقة.«لكن.. الانفجار سيقتله!» صرختُ وأنا أمسك ذراعه.
«الماء سيمتص الصدمة،» قال فاندر ببرود وهو يلصق المتفجرة على زاوية الزجاج السفلية، وعيناه لا تريان سوى الهدف. «والزجاج سيتشقق ولن ينفجر للداخل. إنه أملنا الوحيد.»سحبني فاندر بقوة خلف عمود خرساني. رورك سحب البقية.
«غطوا آذانكم!»
ضغط الزر.
اهتز المصنع كله. سقط الغبار والحصى من السقف فوق رؤوسنا. وصوت تحطم الزجاج كان كالرعد، متبوعاً بصوت تدفق المياه العنيف...نظرتُ من خلف العمود...تدفقت المياه من الخزان المحطم كطوفان صغير، جارفة معها شظايا الزجاج وجسد الضحية...سقط الرجل على الأرضية الرطبة، يتقلب ويسعل بعنف، يتقيأ ماءً ودماً.ركضنا نحوه.«مادز! حقيبة الإسعاف!»
جثا مادز بجانب الرجل، وبدأ بقطع الحبال وفتح مجرى التنفس بحرفية عالية رغم ارتعاش يديه. «إنه حي.. النبض ضعيف لكنه حي!»تنفسنا الصعداء جميعاً. سقطت جينكس على ركبتيها في الماء الموحل من التعب، ومسح رورك وجهه المبلل بكم قميصه الممزق.
نجحنا. أنقذنا "الحارس المرتشي".
لكن.. الفرحة لم تدم طويلاً.
اقترب فاندر من الرجل الذي كان لا يزال يسعل ويرتعش من البرد والصدمة. أمسك بياقته المبللة ورفعه قليلاً.اللافتة الورقية ذابت في الماء، لكن الرسالة الحقيقية بقيت...عندما مزق مادز قميص الرجل لإسعافه، شهقت ميكا ووضعت يدها على فمها...على صدر الرجل العاري، كانت هناك كلمات محفورة، ليس بالخيط هذه المرة، بل بطرف سكين حاد، الجروح لا تزال تنزف ببطء:
"واحد نجا.. وأربعة سيدفعون الثمن."
نظر فاندر إلينا، والماء يقطر من شعره الأسود على وجهه الشاحب، وعروق رقبته بارزة من الغضب المكبوت.«لقد كان اختباراً..» همس فاندر، وصوته يحمل وعيداً مرعباً، «لقد ترك لنا هذا الحارس حياً ليروي لنا الرسالة. القاتل يلعب معنا.» نظرتُ حولي في المصنع المظلم، ورائحة البارود والماء العفن تملأ أنفي..أنقذنا واحداً..لكنني شعرتُ بثقل في صدري. الخيط الأحمر يلتف حولنا ببطء...شخصية "الطبيب السكير" هي التالية.
والعرض لم ينتهِ بعد…
رائحة المستشفى الحكومي كانت دائماً تذكرني بالموت المغلف بالبلاستيك. رائحة المطهرات الكيميائية القوية تحاول، وتفشل، في إخفاء رائحة المرض، الدم الفاسد، والخوف الذي يسكن الجدران المطلية بلون أبيض باهت ومقشر.
وقفنا أمام الغرفة رقم 304 في قسم العناية المشددة.
الشرطة النظامية كانت تحرس الباب، ضابطان يبدو عليهما الملل، يشربان قهوة رخيصة من أكواب ورقية. لكن بمجرد رؤية فاندر، اعتدلوا في وقفتهم وتراجعوا دون كلمة. سلطته هنا، وفي أي مكان مظلم، كانت مطلقة.
«تذكروا..» قال فاندر بصوت هامس قبل أن يضع يده على مقبض الباب البارد، «الرجل في حالة صدمة، وفمه مخيط. لن يتكلم. عليكم أن تقرؤوا عينيه.» التفت بنظره نحو كاين.
«هذه لعبتك يا كاين. اجعله يثق بنا.. أو يخاف منا. أيهما أسرع. ليس لدينا رفاهية الوقت.»
دخلنا.
كانت الغرفة شبه مظلمة، لا يضيئها سوى شاشة مراقبة نبضات القلب الخضراء التي ترسم خطوطاً متعرجة بإيقاع رتيب..الضحية، توم، الحارس السابق لمسرح الدمى المحترق، كان مستلقياً على السرير. وجهه متورم بشدة، ولونه أزرق مائل للصفرة. فمه مغطى بضمادة طبية بيضاء سميكة تخفي الغرز الوحشية التي وضعها القاتل. يداه، اللتان كانتا تضربان الزجاج قبل ساعة، مقيدتان الآن بالأصفاد إلى حافة السرير المعدنية.
عندما رآنا، اتسعت عيناه برعب وقفز مؤشر نبضات قلبه بجنون، ليتحول الصوت الرتيب إلى إنذار سريع...حاول الصراخ، لكن صوته خرج كأنين مكتوم ومؤلم من خلف الضمادة، وكأن هناك حيواناً حبيساً في حنجرته.
تقدم كاين ببطء. لم يقترب كشرطي، بل كصديق قديم. مشيته كانت هادئة، انسيابية. سحب كرسياً وجلس بجانبه، ووضع يده برفق، لكن بثبات، على ذراع الرجل المرتجفة.«اهدأ يا توم..» قال كاين بصوت دافئ، ساحر، ومطمئن بشكل مخيف. صوته كان يشبه ملمس المخمل. «نحن لسنا هنا لنعاقبك على الرشوة التي أخذتها قبل عشرين سنة. نحن هنا لنحميك من الشبح الذي عاد ليحاسبك عليها.»
هدأ تنفس الرجل قليلاً، لكن عينيه بقيتا مثبتتين على كاين.
أخرج كاين دفتراً صغيراً وقلماً من جيب معطفه، ووضعهما في يد توم المرتعشة.«لا تحاول الكلام وتمزق الغرز. اكتب لنا. صفه لنا.»
أمسك توم القلم. يده كانت تهتز بعنف لدرجة أن القلم كاد يسقط. ضغط على الورقة..كتب كلمة واحدة بخط متعرج وضعيف:
"الظل".
«الظل؟» سألتُ أنا من الخلف، وأنا أراقب حركة عينيه التي لا تستقر، تنتقل بيننا وبين زوايا الغرفة المظلمة. «هل رأيت وجهه؟» هز توم رأسه بالنفي بقوة، حتى اهتز السرير معه..كتب مجدداً، والدموع بدأت تتجمع في زوايا عينيه:"قناع.. يرتدي وجهاً.. ليس وجهه."
«أي نوع من الأقنعة؟» ضغط فاندر بحدة، وهو يقف عند حافة السرير كحكم الموت، ظله الطويل يغطي وجه المريض. «هل كان قناع حيوان؟ قناع مسرحي؟ تكلم!»
بدأ توم يبكي. دموعه اختلطت بالعرق البارد على وجهه.
كتب بسرعة جنونية، والورقة كادت تتمزق تحت ضغط القلم، وصوت خدش القلم على الورق كان مؤلماً:"وجهي.. كان يرتدي قناعاً يشبه وجهي أنا عندما كنت شاباً."
تجمدنا جميعاً. شعرتُ ببرودة تسري في أطرافي.
«قناع يشبه وجه الضحية..» همست ميكا من الزاوية برعب، وهي تسجل كل شيء في جهازها اللوحي. «هذا يعني أنه درسهم. صنع أقنعة مخصصة لكل واحد منهم. إنه يسرق هويتهم.»
«سألك عن الطبيب؟» سأل فاندر فجأة، موجهاً الحديث لتوم مباشرة، متجاهلاً دموعه. «هل ذكر الطبيب السكير؟»توم أومأ برأسه بالإيجاب, والرعب يملأ عينيه وكأنه تذكر شيئاً مرعباً.
كتب:
"قال إن الطبيب يجب أن يتذوق دوائه الخاص. قال إن السم سيشفيه من الخيانة."
«من هو الطبيب؟» سأل كاين، ونبرة صوته فقدت قليلاً من دفئها. «نريد اسماً يا توم! من كان الطبيب الذي وقع على شهادة وفاة حريق المسرح؟»توقفت يد توم عن الكتابة...تجمد القلم في الهواء...نظر إلينا، ثم نظر للباب بخوف، وكأنه يتوقع دخول القاتل الآن من الظلال ليخنقه..التردد كان واضحاً. هو يخاف من القاتل، لكنه يخاف أيضاً من فضح أسرار الماضي التي دفنها لعشرين عاماً.
تقدمتُ أنا هذه المرة.
اقتربتُ من أذنه، وهمستُ بصوت هادئ، مستخدمة كل ذرة من قدرتي على قراءة البشر، وكل ذرة تعاطف صادق وكاذب أملكها:
«توم.. القاتل خيط فمك لأنك صمتت عن الحق قبل عشرين سنة. هو يعاقبك على صمتك. الطريقة الوحيدة لتنجو، الطريقة الوحيدة لتفك الغرز عن روحك.. هي أن تتكلم الآن.»
نظر توم في عيني. لثانية واحدة، توقف الزمن. رأى الصدق في عيني، أو ربما رأى انعكاس خوفه...أمسك القلم بقوة مفاجئة.
وكتب اسماً واحداً بحروف كبيرة ومرتجفة، ضغط فيها على الورقة حتى ثقبها:
"د. أرنولد بلاك".
ثم سقط القلم من يده، وارتطم بالأرض بصوت خافت، وأغمض عينيه باستسلام، وكأن روحه غادرت جسده...سحب فاندر الورقة بسرعة.«دكتور أرنولد بلاك..» قرأ الاسم بصوت جليدي. «كان كبير الأطباء الشرعيين في المدينة قبل أن يُفصل بتهمة الإهمال ويختفي في قاع الزجاجة.»
استدار فاندر نحونا، ومعطفه الطويل يدور خلفه كعباءة سوداء، وعيناه تشتعلان بنار الصيد...«ميكا، حددي موقعه. جينكس، جهزي السيارة. رورك، تأكد من حراسة مشددة على هذه الغرفة. إذا مات هذا الرجل، سنفقد خيطنا الوحيد.»
خرجنا من الغرفة، تاركين خلفنا صوت جهاز القلب المنتظم، ورائحة الخوف التي لا تزول حتى مع أقوى المطهرات.
في الممر الطويل المضاء بالنيون الأبيض البارد، مشى فاندر بجانبي...خطواتنا كانت متناغمة.
«حركة جيدة في الداخل، يا كيان..» قالها بصوت خافت جداً دون أن ينظر إليّ، «الضغط على عقدة الذنب.. ذكي.»
شعرتُ بحرارة خفيفة تصعد لوجهي. هذا هو فاندر يمدحني للمرة الثانية. قلبي خفق بشدة لسبب غير الخوف..«إنه مجرد.. حدس،» قلتُ وأنا أحاول إخفاء ارتباكي.«الحدس هو ذكاء السرعة،» رد وهو يضغط زر المصعد بيده المغطاة بالقفاز الأسود. «والآن، لنذهب لاصطياد طبيب قبل أن يتجرع سمه الأخير.»
انفتح باب المصعد، ودخلنا. انعكست وجوهنا على المعدن اللامع من الداخل. وجوه متعبة، شاحبة، لكنها مصممة...اللعبة أصبحت أسرع...والقاتل يسبقنا بخطوة.
«وجدته.»
صوت ميكا جاء خافتاً عبر سماعة الأذن، لكنه اخترق غشاء الصمت المتوتر داخل السيارة المصفحة كإبرة باردة. كنا نحلق في شوارع المدينة كالخفافيش المعدنية، ننهب الإسفلت المبتل. المطر توقف في الخارج، لكن الضباب بدأ يزحف من النهر، خيوط بيضاء لزجة تلتف حول أعمدة الإنارة وتحول أورفيديا إلى مقبرة مفتوحة.
«أين؟» سأل فاندر باقتضاب. لم يلتفت للخلف، كان يحدق في الطريق المظلم، وأصابعه تعبث بقطعة معدنية صغيرة في جيبه، حركة عصبية نادرة تكشف البركان الذي يغلي تحت جليده.
«في المنطقة الرمادية،» أجابت ميكا، وصوت نقر أصابعها المتسارع على الكيبورد يشبه صوت حوافر خيول صغيرة تركض. «دكتور أرنولد بلاك.. أو ما تبقى منه.. يختبئ في قبو عيادة بيطرية مهجورة في شارع الجزارين. آخر عملية شراء مسجلة ببطاقته كانت قبل ساعة.. صندوق نبيذ فاخر، وكمية من الكحول الطبي تكفي لتعقيم فيل.»
«عيادة بيطرية؟» سخرت جينكس من الخلف، وصوت فرقعة علكتها بدا حاداً ومزعجاً. «مناسب جداً لطبيب اعتاد أن يعامل البشر كأنهم ذبائح.»
انحرف رورك بالسيارة بحدة قذفتنا جميعاً لليمين، ودخلنا في شبكة الأزقة الضيقة للمنطقة الرمادية. هذه المنطقة ليست فقيرة كالحي القديم، وليست غنية كالوسط. إنها منطقة النسيان... مبانٍ صناعية عمياء بلا نوافذ، مستودعات مغلقة بأقفال صدئة، وكلاب شاردة بضلوع بارزة تنبح على الظلال. الهواء هنا ثقيل برائحة الحديد والزيوت المحروقة.
«رورك، أطفئ الأضواء.» أمر فاندر بصوت منخفض.
انطفأت المصابيح الأمامية، وغرقت السيارة في الظلام. أكملنا الطريق ببطء، نعتمد على ضوء القمر الشاحب الذي يتسلل بخجل بين الغيوم المريضة. صوت الإطارات وهي تطحن الحصى كان الصوت الوحيد في الكون...توقفنا أمام مبنى من الطوب الأحمر المتآكل. نوافذه مغطاة بألواح خشبية مسمرة بعنف، ولافتة قديمة مائلة تصدر صريراً مع كل هبة ريح، تحمل صورة كلب باهتة بعين واحدة.
«كاين، جينكس، خذا الباب الخلفي. مادز، جهز الترياق.. مهما كان السم الذي سيستخدمه القاتل، أريدك جاهزاً لضخه في وريده قبل أن يلفظ أنفاسه.»ثم التفت إليّ. عيناه الرماديتان لمعتا في الظلام ببريق غامض.«كيان، أنتِ معي. لا تفارقيني خطوة واحدة.»
نزلنا بصمت.
الجو كان بارداً بشكل غير طبيعي، برودة تتسلل تحت الملابس وتلامس العظم. الأرضية موحلة ولزجة تحت أحذيتنا.
اقتربنا من الباب الأمامي. كان خشب الباب منتفخاً من الرطوبة. لاحظتُ شيئاً جعل قلبي يتوقف لثانية؛ الباب كان مفتوحاً بشكل موارب، شق صغير جداً لا يتجاوز السنتيمتر، لكنه يكفي لدعوة الموت للدخول.
«سيء..» همس فاندر، وسحب مسدسه بحركة انسيابية صامتة.
دفع الباب برفق بقدمه...صوت صرير خافت وطويل، كأنين شبح يستيقظ...الداخل كان مظلماً تماماً...لكن لم تكن الظلمة هي ما أخافني...كانت الرائحة..رائحة قوية، حلوة، ومقززة ضربت أنوفنا كصفعة..لم تكن رائحة دم. ولا رائحة كحول. ولا رائحة العفن المعتادة...كانت رائحة..لوز مر.. مركزة وثقيلة.
«سيانيد!» صرختُ بصوت مكتوم خلف كمي الذي رفعته لأغطي أنفي وفمي، وعقلي يصرخ بإنذار الخطر.
اندفعنا للداخل...أقدامنا تتعثر بأقفاص صدئة وأدوات جراحية متناثرة على الأرض...وفي الغرفة الخلفية، رأينا ضوءاً.
مصباح جراحي وحيد، قديم ومصفر، يتأرجح ببطء فوق كرسي الفحص، ويرسم دوائر من الضوء والظل على الجدران المقشرة..وهناك.. وجدناه.
الدكتور أرنولد بلاك.
كان جالساً على كرسي الفحص الطبي، مسترخياً بشكل غريب.
رجل بدين، أصلع، يرتدي معطفاً طبياً متسخاً ببقع صفراء قديمة.
لكنه لم يكن مقيداً. لم يكن ينزف...كان يمسك بيده اليمنى كأساً من النبيذ الأحمر الفاخر، الكريستال يلمع تحت الضوء الفقير.
وعلى الطاولة المعدنية الباردة بجانبه، زجاجة نبيذ مفتوحة، وإبرة طبية فارغة ملقاة بإهمال.
«تأخرتم..»
قال الطبيب بصوت ثقيل، لزج، ولسان متلعثم كأنه يمضغ قطناً. لم يلتفت إلينا. كان يحدق في الكأس في يده بابتسامة بلهاء وواسعة، ابتسامة طفل يرى حلماً جميلاً.
«العرض.. انتهى.. قبل أن يبدأ.»
ركض مادز نحوه كالمجنون، حقيبة الإسعاف تتخبط بجانبه. «لا تشرب! لا تبتلع أي شيء!»
ضحك الطبيب. ضحكة غرغرة خرجت من صدره الممتلئ بالسوائل. سال خيط رفيع من النبيذ الأحمر من زاوية فمه، وسقط على معطفه الأبيض كالجرح المفتوح«لقد شربتُ نخب خطاياي يا بني.. إنه نبيذ عتيق.. بنكهة اللوز.. ونكهة النسيان.»
أمسك فاندر بياقة الطبيب وهزه بقوة، حتى ارتج رأس الرجل البدين للخلف..«من كان هنا؟ متى خرج؟ انظر إلي!»
نظر الطبيب إلى فاندر. كانت عيناه تغيمان بطبقة بيضاء، حدقتاه متسعتان لدرجة أنها ابتلعت لون عينيه.«كان.. لطيفاً جداً..» همس الطبيب، وصوته بدأ يتلاشى كبخار.
«لم يصرخ.. لم يضرب.. جلس معي هنا.. على هذا الكرسي.. سكب لي النبيذ بيده.. وقال لي إن الموت هو الشفاء الوحيد من ذاكرتي.»اقتربتُ منه، ورائحة اللوز تحرق حلقي.«وجهه!» صرختُ أنا، أمسك بوجهه البارد والدبق، «هل رأيت وجهه؟»
ابتسم الطبيب ابتسامة أخيرة، مرعبة في هدوئها.«رأيتُ وجهي..» همس، والدموع تنزل من عينيه الميتتين، «رأيتُ نفسي شاباً.. في المرآة.. بريئاً.. قبل أن أبيع روحي للشيطان.»
ثم تشنج جسده فجأة. قوس ظهره للأعلى بقوة غير بشرية. سقط الكأس من يده وتحطم على الأرضية الخرسانية، وتناثر النبيذ الأحمر ليشكل بقعة تشبه خارطة دولة غارقة في الدم.
بدأ يختلج. رغوة بيضاء كثيفة خرجت من فمه.
«قلبه يتوقف!» صرخ مادز، وهو يغرس إبرة الأدرينالين الطويلة في صدره مباشرة، وصوت تحطم القفص الصدري تحت الضغط كان مسموعاً...لكن الجسد الضخم استرخى فجأة...ثقل كيس من اللحم...مات.
ساد الصمت في الغرفة, إلا من صوت أزيز المصباح المتأرجح وصوت تنفسنا اللاهث...فشلنا...الموت كان أسرع منا. الضحية الثالثة سقطت.
«اللعنة!» ضرب رورك الحائط بقبضته الفولاذية، فسقطت قطع من الجص القديم وتناثر الغبار.
مشى فاندر ببطء نحو الجثة. لم يكن يصرخ، لم يكن غاضباً بشكل ظاهر، لكن هالته كانت سوداء قاتمة، تمتص الضوء من الغرفة. نظر إلى الرجل الميت بازدراء بارد...ثم التقط زجاجة النبيذ من الطاولة...كانت زجاجة فاخرة جداً، غبار القبو لم يمسها بعد...وعليها بطاقة اهداء صغيرة، ورق مقوى كريمي اللون، معلقة بخيط أحمر حريري.فتح البطاقة بأصابع ترتجف غضباً..قرأ ما فيها بصوت ميت، أجش، وكأنه يقرأ تعويذة ملعونة:
"الطب يداوي الجسد، والحقيقة تداوي الروح. لقد شُفي الآن."
ثم قلب البطاقة ببطء...على الوجه الآخر، كان هناك عنوان...ليس لغزاً هذه المرة...عنوان صريح، أنيق، ومباشر كدعوة حفل زفاف.
"مسرح الأوبرا الملكي - المقصورة رقم 5"
«الأوبرا؟» سألت جينكس باستغراب وهي تمسح العرق عن جبينها، «ما علاقة الأوبرا بكل هذا القرف؟»
«العاشقة الخائنة..» همستُ أنا، والذاكرة تضربني كالبرق، وتجمع شتات المعلومات في عقلي. «الشخصية الرابعة في المسرحية.. كانت مغنية أوبرا. العشيقة التي باعت صاحب المسرح.. وصوتها كان ثمن الخيانة.»
نظر فاندر إليّ. وفي عينيه رأيتُ انعكاس الخطر القادم..«الليلة.. هناك حفل افتتاح الموسم في الأوبرا.»نظر إلى ساعته الفضية الملطخة بقطرة نبيذ.«العرض يبدأ بعد ساعة. والقاتل دعانا لنشاهد الفصل الرابع.»
رمى الزجاجة لمادز الذي التقطها ببراعة.«حلل السم. تأكد أنه سيانيد فقط. البقية.. إلى الأوبرا. سنحضر حفلاً موسيقياً.»
مشى نحو الباب، وعباءته السوداء ترفرف خلفه كجناح غراب. توقف عند العتبة، ونظر إلى السماء المظلمة..«ولكن هذه المرة..» قال بصوت يشبه صوت سحب السكين من غمدها، «نحن من سيسدل الستار.»
كانت الساعة فوق لوحة قيادة السيارة المصفحة تومض باللون الأحمر كعينٍ محمومة، تعلن ببرود أننا لا نملك سوى أربعين دقيقة قبل أن يُرفع الستار. تركنا خلفنا المنطقة الرمادية الكئيبة، وانطلقنا نحو قلب أورفيديا النابض بالترف الزائف. الهواء في الخارج بدأ يتبدل؛ الرائحة المعدنية للمصانع والبيوت المتآكلة تلاشت، وحلّت محلها رائحة المطر النظيف الذي يغسل شوارع النخبة.
كنتُ أجلس في الخلف، وأصابعي تتحسس حواف الشارة المعدنية في جيبي، أحاول عدّ دقات قلبي لكي لا أنفجر.«رائحتنا تشبه رائحة الأقبية المنسية..» همست جينكس ريبل وهي ترفع خصلة من شعرها المصبوغ وتشمها باشمئزاز. «وملابسنا تصرخ بأننا غرباء عن هذا العالـم اللامع. حراس الأوبرا سيشمون رائحة الفوضى فينا قبل أن نعبر العتبة.»
نظر فاندر إلى انعكاسه في المرآة. لم يكن ينظر إلى وجهه، بل كان ينظر إلى القناع الذي يجب أن يرتديه الآن. مسح وجهه بيده المتعبة، وفي ثانية واحدة، تبدلت ملامحه؛ اختفت تجاعيد الإرهاق المحيطة بعينيه الرماديتين، وحلّ مكانها برود أرستقراطي مخيف.
«كاين..» نطق فاندر الاسم بهدوء جعل كاين يعتدل في جلسته. «أنت تحتفظ بتلك الخزانة المتنقلة في الصندوق الخلفي، أليس كذلك؟»
ابتسم كاين ابتسامة شاحبة، لكنها كانت تحمل زهو الممثل الذي استُدعي فجأة لخشبة المسرح. «دائماً يا زعيم. لدي بدلات تكفي لتحويل هذا الفريق من حفاري قبور إلى أسياد مجتمع في دقائق.»
انزلق رورك ستيل بالسيارة ببراعة في زقاق جانبي غارق في الظل خلف مبنى الأوبرا الضخم. فُتح الصندوق الخلفي، وفاحت رائحة القماش الفاخر والبخور الخفيف.«رورك، جينكس، ميكا..» أمر فاندر وهو ينزع معطفه الجلدي الملطخ بطين المنطقة الرمادية، «أنتم الفريق "ب". ابقوا في الظلال، راقبوا كل مخرج، وكل نافذة.
إذا لمحتم ظلاً يشبه شيطاننا، كونوا الجدار الذي يصطدم به.»
ثم التفت إليّ...كانت نظرته ثقيلة، تخترق كل دفاعاتي. أخرج كاين حقيبة مخملية سوداء وفرد منها فستاناً أسود طويلاً، قماشه ينساب كالحرير الذائب تحت الضوء الباهت.
«كيان..» قال فاندر، وصوته أصبح منخفضاً، أجشاً، وقريباً بشكلٍ جعل نبضي يتسارع. «تخلصي من "كيان جونيير" المحققة لليلة واحدة. أريد كيان التي تستطيع المشي وسط هؤلاء الخونة دون أن يرمش لها جفن. كوني ظلي، وكوني عيني التي لا تنام.»
بعد عشر دقائق، كنتُ واقفة أمام زجاج السيارة المظلل، أنظر إلى كائن غريب لا يمت لي بصلة..الفستان الأسود كان يعانق جسدي كأنه بشرة ثانية، قماشه البارد يلامس جلدي ويذكرني بكل خطوة أنني في مهمة تنكرية. شعري الاسود الذي كان دائماً مربوطاً بإهمال، تركته ميكا ينسدل على كتفي ليخفي جزءاً من حدة نظراتي. القفازات الحريرية الطويلة أخفت الندوب الصغيرة على يدي، تلك الندوب التي حصلتُ عليها وأنا أفتش في حطام الجرائم.
خرج فاندر من عتمة الزقاق..توقف أنفاسي في حلقي..لقد اختفى المحقق القاسي ذو النظرة الجليدية. أمامي وقف رجل يرتدي بدلة توكسيدو سوداء، قُصّت لجسده بدقة متناهية، قميصه الأبيض كان ناصعاً لدرجة مؤلمة للعين. شعره كان مصففاً للخلف، ووقفته كانت تنضح بسلطة طبيعية لا تحتاج لشارة شرطة لتُثبتها. بدا وكأنه ملك عاد ليطالب بعرشه، لا محققاً يطارد قاتلاً في الأقبية.
اقترب مني. رائحة التبغ والبارود التي كانت ترافقه دائماً اختفت، وحلّت محلها رائحة عطر خشب الصندل والجلد الفاخر. مد ذراعه لي بحركة كلاسيكية.«هل أنتِ جاهزة لرقصة الموت هذه؟» همس بجانب أذني، ولفحة أنفاسه جعلت قشعريرة تسري في جسدي. «في الداخل، لا مجال للأخطاء. ابتسمي كأنكِ تملكين العالم، وامشي ببطء»
أمسكتُ بذراعه. شعرتُ بصلابة عضلاته تحت القماش الناعم«جاهزة.» قلتُ، وحاولتُ جاهدة أن أكتم رعشة صوتي.
دخلنا من البوابة الرئيسية لدار الأوبرا الملكية..الرخام يلمع تحت أقدامنا كأنه بحيرة متجمدة، والثريات العملاقة تتدلى من السقف كعناقيد من الماس المقطر ضوءاً. كانت النخبة في اورفيديا تملأ المكان؛ نساء يرتدين مجوهرات تفوح منها رائحة الجشع، ورجال بوجوه مشدودة وعيون خاوية يتبادلون أحاديث تافهة.
شعرتُ بالغثيان، لكنني رسمتُ على وجهي ذلك القناع البارد الذي علمني إياه فاندر بنظرته.
«المقصورة رقم 5..» همس فاندر وهو يحيي أحد الحراس بإيماءة متغطرسة، جعلت الحارس ينحني لنا ويفتح الطريق فوراً دون أن يجرؤ على طلب بطاقاتنا...صعدنا الدرج المفروش بالسجاد الأحمر الذي يشبه لون الدم القاني. كاين بلاك كان قد سبقنا، يرتدي بدلة بيضاء ويحمل كأساً، يختلط بالجمهور كالحرباء، عيناه تمسحان المكان بذكاء.
وصلنا للمقصورة...كان الباب الخشبي الثقيل مغلقاً، وعليه لوحة ذهبية صغيرة: "محجوز". نظر فاندر يميناً ويساراً، ثم أخرج أداة معدنية دقيقة من ساعة جيبه...انفتح الباب بصوتٍ خفيض...دخلنا، وانغلق الباب خلفنا ليعزلنا عن ضجيج الجمهور.
المقصورة كانت غارقة في عتمة مخملية، تطل مباشرة على خشبة المسرح الضخمة حيث كانت الفرقة الموسيقية تعزف ألحاناً جنائزية حزينة تمهيداً للعرض...في الزاوية، كانت تجلس امرأة.
كانت ترتدي فستاناً أحمر قانياً، يمتد على السجاد كأنه بركة دم. قناع ذهبي يغطي وجهها بالكامل، يلمع تحت الضوء الشحيح المتسرب من المسرح. كانت جالسة بجمود تام، يداها موضوعتان على حجرها في وضعية ملكية، وعيناها خلف القناع كانتا موجهتين نحو المسرح.. لكنهما لا تريان شيئاً.
«سيدتي؟» همس فاندر، ويده اتجهت ببطء لداخل سترته، يتحسس سلاحه.
لم تجب. ولم تتحرك...اقتربنا بحذر شديد. رائحة عطر الورد القوية في المكان كانت تحاول إخفاء رائحة أخرى.. رائحة النهاية.
عندما أصبحتُ بجوارها، رأيتُ الرعب الحقيقي..لم تكن ترتدي قناعاً ذهبياً من القماش أو المعدن...لقد تم استخدام مادة ذهبية سائلة وباردة، غلفت وجهها بالكامل وسكنت في تفاصيله، لتتحول ملامحها الجميلة إلى تمثال ذهبي صامت للأبد. كان فمها مفتوحاً تحت الذهب في صرخة مكتومة لم يسمعها أحد.
«ماتت..» همستُ بصوت مرتعش، وشعرتُ بالدوار يهاجمني. «العاشقة الخائنة.. لقد أسكتها بالذهب الذي طمعت فيه دائماً.»
فجأة، رن هاتف موضوع على الطاولة الصغيرة بجانبها..الشاشة أضاءت في الظلام باسم واحد، اسم جعل قلبي يسقط في هاوية من الرعب:"الملك الأعمى"
نظر فاندر إليّ، والظلال ترقص في محجر عينيه..أمسك الهاتف، وفتح الخط دون أن ينطق بكلمة..من الطرف الآخر، جاء صوت رجل عجوز، صوته كان يرتعش كغصن في عاصفة:
«هل انتهيت؟ هل قتلتهم جميعاً؟.. أرجوك.. أعرف أنني التالي.. خذ أموالي، خذ قصري.. لكن اترك لي ابنتي..»
أغلق فاندر الخط ببرود.«لم يكن القاتل.» قال فاندر وهو يشد قبضته على الهاتف. «كان الضحية الخامسة. القاضي سوليفان إنه يتصل ليتوسل لجلاده.»دوى صوت تصفيق الجمهور العنيف في القاعة بالأسفل...نظرتُ من خلف الستارة المخملية للمقصورة، أبحث في بحر الوجوه بالأسفل...وسط مئات الأشخاص المصفقين،في الصف الأول تماماً.. رأيتُ شخصاً واحداً لا يصفق. كان يرتدي معطفاً طويلاً أسود، وقبعة تخفي ملامحه...كان الشخص الوحيد الذي لا ينظر للمسرح...كان ينظر للأعلى.. مباشرة نحوي.
رفع يده ببطء شديد، وأشار بحركة التحية المسرحية الساخرة، ثم استدار وبدأ يشق طريقه بهدوء وثبات نحو المخرج الجانبي، ينساب وسط الزحام كالدخان.
«إنه هو!» صرختُ، ونسيتُ فستاني، ومكانتي، والذهب، وكل شيء. ضغطتُ على اللاسلكي المخفي في أذني بقوة:
«رورك! جينكس! الهدف في القاعة الرئيسية! يتجه للمخرج الشرقي! أغلقوا الأبواب! لا تدعوا أحداً يخرج!»تحول المكان الهادئ إلى فوضى عارمة...قفز فاندر فوق حاجز المقصورة بحركة انتحارية، ونزل للشرفة السفلية وسط صرخات النساء المذعورات. «كيان! خذي الدرج! اقطعي عليه الطريق من الردهة!»
ركضتُ كالمجنونة...مزقتُ طرف فستاني الطويل بيدي لكي أستطيع الركض، وخلعتُ حذائي، وركضتُ حافية القدمين على السجاد الأحمر. شعرتُ ببرودة الأرضية تحت قدمي وبحرارة الأدرينالين في صدري...الناس في الردهة تراجعوا برعب وهم يرون سيدة المجتمع تركض وبيدها مسدس أسود لامع.
«جينكس! هل ترينه؟» صرختُ عبر اللاسلكي.
«أراه!» جاء صوت جينكس لاهثاً، «إنه يتحرك بسرعة غير بشرية! رورك يحاول الوصول إليه لكن الزحام يعيقه.. اللعنة! لقد ألقى شيئاً!»وصلتُ للردهة الشرقية..رأيته في نهاية الممر الطويل، يقف عند باب الطوارئ المؤدي للزقاق...توقف للحظة. التفت نحوي.
رأيتُ لمعة عينيه تحت ظل القبعة.. كانت مليئة بالنشوة، كأنه يستمتع بهذه المطاردة...رفع يده، ورمى أسطوانة صغيرة على الأرض.
انفجر دخان رمادي كثيف وحارق، ملأ الممر في ثوانٍ، وحجب الرؤية تماماً. انطلقت صافرات إنذار الحريق في المبنى كله بصوتٍ يصم الآذان، وبدأ الجمهور يتدفق نحو المخارج بهستيريا.
دخلنا في الدخان، وعيناي تدمعان وحلقي يحترق.«فاندر! لقد فقدته!»
شعرتُ بيد قوية تمسك ذراعي وتسحبني وسط الدخان. كان فاندر. وجهه كان ملطخاً بالسخام، وبدلته الأنيقة ممزقة عند الصدر، لكن عينيه كانتا كالجمر المشتعل..«لم نفقد شيئاً..» قال فاندر وهو يلهث، ونظر للممر الفارغ. «لقد تتبعنا المكالمة. عرفنا مكانه.»نظر إليّ بجدية قاتلة، ويده لا تزال تمسك بكتفي.
«الهدف الأخير.. القاضي سوليفان... والقاتل ذاهب لينهي مسرحيته.»أمسكتُ بيده، وشعرتُ بنبض قلبه المتسارع تحت جلده.«إذن، لنذهب لإنهاء العرض.»
كان الطريق المؤدي إلى قصر القاضي سوليفان يشبه الصعود إلى الجحيم عبر غابة من الأشجار الميتة. رورك ستيل كان يقود السيارة المصفحة بجنون، وإطاراتها تصرخ وهي تنزلق فوق الحصى المبتل بماء المطر. في الداخل، كان الصمت أثقل من الرصاص. كنتُ أجلس بجانب فاندر ستورم، وشعرتُ بحرارة جسده تنبعث رغم البرودة، يده كانت تقبض على سلاحه بقوة جعلت عروق يده تبرز كحبالٍ مشدودة.
اقتحمنا البوابة الحديدية الضخمة للقصر. لم يكن هناك حراس؛ كان الصمت هو الحارس الوحيد. ترجلنا من السيارة، فاستقبلتنا رائحة الصنوبر الممزوجة برائحة الكهرباء التي تسبق العواصف. ركضنا نحو الأبواب الخشبية العملاقة التي كانت مفتوحة بشكل موارب، وكأنها فمٌ ينتظر ابتلاعنا.
«رورك، جينكس، ميكا.. اقطعوا الكهرباء وراقبوا المخارج الخلفية. كاين.. ابقَ قريباً مني.» أمر فاندر، وصوته كان همساً حاداً كالشفرة.
دخلنا الردهة الرئيسية. كانت الثريات الكريستالية تتأرجح ببطء، وتصدر صوتاً خافتاً يشبه احتكاك الأسنان. كانت الجدران مغطاة بلوحات لرجال يرتدون حللاً رسمية، عيونهم كانت تلاحقنا في الظلام. صعدنا السلم الرخامي العريض، ونبضات قلبي كانت تدق في أذني بإيقاع واحد.. اثنان.. ثلاثة.
من خلف باب المكتب المذهب في نهاية الممر، سمعنا صوتاً. صوت دندنة هادئة.. لحن حزين كان العجوز في الحي القديم قد ذكره.
دفع فاندر الباب بقدمه في حركة خاطفة..المكتب كان واسعاً، يفوح برائحة التبغ القديم والورق الفاخر. في المنتصف، كان القاضي سوليفان جثاً على ركبتيه فوق السجاد الفارسي، وجهه شاحب كالشمع، ويداه ترتجفان وهي تغطيان وجهه. وخلفه مباشرة، كان يقف هو.
القاتل.
كان يرتدي بدلة توكسيدو سوداء لا تشوبها شائبة، وقفازات بيضاء ناصعة. لم يكن يرتدي قناعاً هذه المرة. وجهه كان شاباً، ملامحه هادئة وجميلة بشكل مرعب، وعيناه كانتا تحملا حزناً عميقاً لا ينتمي لشخص في مثل عمره. كان يمسك بخنجر طويل، نصله الفضي يلمع تحت ضوء المصباح المكتبي، ويضعه برفق فوق رقبة القاضي.. وكأنه يداعب أوتار كمان.
«توقف!» صرخ فاندر، وسلاحه مصوب نحو جبهة القاتل بدقة متناهية. «ضع الخنجر وارفع يديك. اللعبة انتهت.»
أمال القاتل رأسه قليلاً، ولمعت عيناه بابتسامة تائهة.«انتهت؟» سأل بصوت ناعم، كحفيف الحرير. «العرض لم ينتهِ يا سيدي، لقد وصلتم في الوقت المناسب للفصل الأخير. هذا الرجل.. "الملك الأعمى".. هو من أمر بحرق أحلامي قبل عشرين عاماً. هو من قبض ثمن تفحم الأطفال مقابل قصر يملأه الغبار.»
خطوتُ خطوة للأمام، وشعرتُ بضغط فاندر على ذراعي ليمنعني، لكنني لم أتوقف. «القتل لن يعيد المسرح يا.. سيباستيان الصغير،» قلتُ بنبرة حاولتُ أن أجعلها هادئة رغم العاصفة في صدري. «أنت تريد العدالة، وهذه الوحدة.. نحن.. سنعطيك إياها. لا تجعل آخر مشهد في مسرحيتك يكون جريمة أخرى.»
نظر إليّ. لثانية، رأيتُ في عينيه الطفل الذي فقد كل شيء في الحريق. اهتز الخنجر في يده.«العدالة؟» ضحك ضحكة قصيرة، جافة. «أنتم تعيشون في قبو تحت الأرض لأن المدينة تخجل منكم، وتعدونني بالعدالة؟»
لكنه، وبحركة مفاجئة، أبعد الخنجر عن رقبة القاضي المذعور، ورماه على الأرض بصوت معدني رنّ في أرجاء الغرفة. رفع يديه البيضاوتين في الهواء باستسلام مسرحي.«فلتأخذوا ملككم العجوز.. لقد مات من الخوف بالفعل قبل أن ألمسه.»
اندفع كل من رورك وجينكس وقاموا بتكبيل يديه بعنف. لم يقاوم. ظل يحدق في فاندر وفيّ، بابتسامة لم تصل لعينيه الباردتين.
لم نأخذه للقبو. فاندر أصر على أخذه إلى مقر الشرطة المركزي.
المبنى كان عبارة عن غابة من الزجاج والصلب تحت الأضواء الكاشفة. الرائحة هناك كانت تختلف عن رائحة الوحدة الرابعة؛ كانت تفوح منها رائحة الأوراق الجديدة، القهوة المرة، والبرود الرسمي.
غرفة الاستجواب كانت بيضاء تماماً، سقفها منخفض، ومضاءة بأنوار نيون تجعل العيون تحترق. جلس القاتل خلف الطاولة المعدنية، يداه مقيدتان، بينما وقفنا نحن خلف الزجاج العاكس في الغرفة المجاورة.
«انظري إليه،» همس فاندر وهو يقف بجانبي، أنفاسه كانت قريبة من أذني. «إنه لا يرمش حتى. إنه ينتظرنا لنبدأ الاستجواب، وكأنه الضيف لا السجين.»كان القاتل يجلس بظهر مستقيم، ينظر للزجاج الذي نقف خلفه وكأنه يرانا. لم يكن هناك خوف في قسمات وجهه. كان يمثل دور السجين الوقور..مرّت ساعات الليل ثقيلة. فاندر لم يغادر الغرفة، كان يراقب كل خلية في وجه القاتل عبر الشاشات.
«اذهبي يا كيان» قال فاندر أخيراً، وصوته كان مثقلاً بإرهاق السنين. «خذي الفريق وعودوا للمحطة. سأبقى هنا.. أريد أن أكون أول من يسمع الحقيقة حين تخرج من بين شفتيه المخادعتين.»
نظرتُ إليه، إلى ذقنه التي بدأ ينبت فيها الشعر الخفيف، وإلى عينيه اللتين أكلتهما الظلال. شعرتُ برغبة في لمس يده، لكنني اكتفيتُ بالإيماء.
عدنا إلى محطة القطارات المهجورة تحت المطر الذي استحال إلى طوفان...دخلنا من الباب الفولاذي الثقيل للوحدة الرابعة. بصريرٍ مؤلم، انغلق الباب خلفنا، فعاد إلينا ذلك الجو المألوف: رائحة الصدأ، بخار الأنابيب، وصمت المكان الذي يحفظ أسرارنا.
كنا جميعاً حطاماً بشرياً. جينكس كانت تجر قدميها، وشعرها المصبوغ التصق بوجهها المبلل. ميكا رايفر كانت ترتجف حرفياً، وتحتضن جهازها اللوحي كأنه الرابط الوحيد بالواقع. كاين بلاك فقد كل أناقته، سترته الفاخرة كانت ممزقة عند الكتف، ووجهه الوسيم كان ملطخاً بالسخام.
«أنا جائع لدرجة أنني قد آكل الورق،» تمتم مادز وهو يضع حقيبته الطبية فوق الطاولة.
بدأنا نستكشف القبو بحثاً عن مكان لنريح فيه رؤوسنا الثقيلة. لم نكن قد دخلنا الجزء الخلفي من المحطة من قبل. خلف صف من خزائن الملفات الحديدية التي تآكلت أطرافها، وجدنا باباً خشبياً عريضاً، طلاؤه الأخضر متقشر كجلد جرب.
دفعه رورك بكتفه. انفتح الباب بصريرٍ طويل ومستمر، كأنه يشتكي من إيقاظه بعد عقود.
دخلتُ أولاً. كانت الغرفة واسعة، جدرانها من الطوب الأحمر العاري الذي اكتسى بطبقة من الرطوبة الباردة. السقف كانت تعبره أنابيب نحاسية ضخمة، تخرج منها أنات مكتومة وصوت مياه تجري في أحشائها. الهواء كان محملاً برائحة الغبار القديم، والحديد، وشيء يشبه رائحة الذكريات المنسية...وعلى الأرضية الخرسانية الرمادية الباردة، اصطفت سبعة أسرة حديدية ضيقة.
كانت هياكلها سوداء، متآكلة في بعض الزوايا، وملاءاتها من القطن الخشن الرمادي الذي يبعث القشعريرة في الجلد بمجرد لمسه. الوسائد كانت مسطحة وصلبة، ورائحة التخزين تفوح منها. لم يكن هناك أي أثاث آخر، سوى منضدة خشبية واحدة في المنتصف، تعلوها شمعة كبيرة نصف محترقة ومصباح كيريوسين قديم يتدلى من سلسلة صدئة.
«هذا هو الجناح الملكي إذن،» قالت جينكس بسخرية، وهي ترمي بنفسها فوق السرير الأول. صدر من السرير صرير معدني حاد اهتزت له الغرفة الصامتة. «أفضل من النوم فوق طاولات التشريح، أليس كذلك؟»
مشيتُ ببطء بين الأسرة. كنتُ أسمع وقع خطواتي الحافية -بعد أن خلعتُ حذاء الأوبرا اللعين- فوق الخرسانة الباردة. شعرتُ بالرطوبة تتسلل لأقدامي..جلستُ على السرير الذي بدا لي أنه في نهاية الصف، بجانب جدار تتسرب منه قطرة ماء بطيئة.. كان السرير صلباً كالصخر، وشعرتُ ببرودة الحديد تخترق فستاني الممزق.
رورك جلس قبالتي. بدأ بنزع أحذيته العسكرية الضخمة، وصوت ارتطامها بالأرض رنّ في القبو كقنابل صغيرة. تمدد بظهره، فانحنى السرير تحت وزنه الضخم بصرير طويل كأنه يتأوه..كاين كان ينظر لملاءته باشمئزاز، قبل أن يغلبه التعب ويرتمي عليها ببدلته الملطخة. ميكا ومادز انزويا في سريريهما بصمت مطبق.
بقيتُ أنا مستيقظة، أحدق في السرير الفارغ في بداية الصف.
سرير فاندر..كان مرتباً بدقة مبالغ فيها، وملاءته مشدودة بإحكام مرعب. كان يبدو كصاحبه؛ بارداً، وحيداً، ومستعداً دائماً للمواجهة.
تخيلته الآن في تلك الغرفة البيضاء الساطعة، يواجه عيون القاتل الماكرة، بينما نحن هنا في ظلام القبو. شعرتُ بثقل في صدري، رغبة في أن يكون هنا، ليس كقائد، بل كإنسان يشاركنا هذا البرد.
أغمضتُ عيني.
صوت المطر في الأعلى كان بعيداً، لكن صوت أنفاس رورك وميكا المنتظمة كان قريباً جداً. هنا، وسط الطوب البارد والأسرة الصدئة، شعرتُ ولأول مرة منذ تخرجي من الأكاديمية، أنني لستُ "كيان جونيير" المنبوذة...لقد كنا "الوحدة الرابعة". الفريق الذي يلملم قذارة المدينة التي لا تريده.
وفجأة، وسط شبه غيبوبة النوم، سمعتُ الصوت..الباب الفولاذي الخارجي فُتح وأُغلق ببطء مدروس...ثم.. وقع خطوات منتظمة على الخرسانة. خطوات ثقيلة، واثقة، وصارمة...لم أفتح عيني، لكن قلبي قفز في صدري...لقد عاد المايسترو..الآن فقط، يمكن للظلام أن يصبح ملاذاً.