وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}"
*******************
فتحت شموس الباب بقوة، تخطو لداخل الغرفة بقلق وسأم، فالفتاة منذ صباح اليوم الماضي وبعد ان رحل عمها ناصر إلى المدينه وهي تتدثر تحت الغطاء بدون حراك!؟ امضت باقي اليوم نائمة،غائبة عن الغداء والعشاء وها قد حل الليل مجددًا ولم تخرج بعد من الغرفة ؟ الجميع كان يستغرب اختفائها، رغم ذلك اخبرها والدها ألا يزعجها احد ولكن مع الوقت شعر بالقلق والريبة لذلك حثها على رؤيتها منذ قليل..
اقتربت منها جالسةً بجوارها، قائلةً بلطف:
_شـغف، شـغف اصحي!
لم تجب الأخرى عليها، بل لم يتحرك جفن بها، لذلك اسرعت شموس تتلمس جبينها بقلق، لتشهق بعدها قائلةً بصدمه:
_ يا خرابي! دي مولعـه نار!!
وقفت بسرعة، تهرول بعدها إلى الأسفل، حيث يجلس الجميع حول طاولة الطعام حتى يتناولن العشاء، منتظرين عودة شموس برفقة شغف..
توجهت نظرات الجميع نحو شموس والتي وقفت بمنتصف السُلم، قائلةً بـصوت لاهس:
_بابا، شغف حرارتها مرتفعة اوي ومش بتصحى ولا بترد عليا..
نظر بسرعه نحو جـواد، بعدما انتصب واقفًا، قائلًا :
_قـوم اكشف عليها يا جواد، ولو محتاج حاجه قولي ابعت مرعي عشان يجيبها..
أومأ له بخفةً، ثم توجه نحو الأعلى مع شموس، حتى وقف فجأة امام الباب بعد ان جلب حقيبته، قائلًا بحرص:
_هي لابسه حجابها ولا لا؟
اجابته شموس بسرعه:
_آه هي بلبس امبارح لسه، متقلقش..
دلف إلى الداخل بسرعه، متوجهًا نحو الفراش، يضع الحقيبة بجواره ثم باشر يتفحصها بـدقة..
انهى ما يفعله ثم امسك ورقة وقلم يخط عليها كلماتٍ، ليعطيها لشقيقته، قائلًا:
_اديها لجود وخليه يروح مع مرعي يجيب الأبرة دي بسرعه، حرارتها عالية اوي ولازم تنخفض فأسرع وقت..
التقطت منه الورقة تهرول نحو الأسفل مجددًا، تعطي الورقة لجود قائلةً بلهفة:
_خلـي مرعي يجيب الأبرة دي بسرعه..
أومأ لها بسرعه، يهرول إلى الخارج، ليجهر جـبار قائلًا بتـهكم ساخر بينما مازال جالسًا في مـكانه ببرود:
_ ما تسبوها كدا احسن ! القصر من امبارح هادي، واهي رحمتني منها ومن مشاكلها..
نظر له الشيخ صابر قائلًا بغيظ:
_يأخي حرام عليك، البنت من امبارح وهي راقدة في فرشتها تعبانه ومحدش فينا حس بيها! وبعدين كفايه انها انقذتك من الحريقة، المفروض أنت اول واحد تقلق عليها!!
زفـر جبار بملامح متهجمة، ليقف بعدها يهمس لنفسه قائلًا بضيق:
_دخلت عشات تنقذني راحت شيلتني همها وهم أرنـبه معاها، لا وكمان لونها بمبي !!
_رايح فين؟
جهر صابر بتلك الكلمات بعدما رأه يتحرك بعيدًا عنهم، ليجيبه الأخر قائلًا بنزق:
_هروح اشوفها واطمن إذا كان فيه امل تفضل كدا لحد ما تمشي ولا لا؟
تنهد الشيخ صابر بسأم وضيق من ابنه ذو المشاعر الباردة والفاترة، هو يعلم ما بداخله ان ما رأه في الماضي ليس بهين ولا يتحمل شخصًا رؤيته ولكن ألن يستطيع ان ينسي ما حدث ويعود الفتى المرح والمشاغب مجددًا؟!
والأجابه بالتأكيد لا، لن يتأمل كثيرًا بذلك ولن يكذب على نفسه هو للآن لم ينسى تلك السنوات التي خُطف فيها ابنه عندما كان في السابعـة من عمره، لا يعلم للآن كيف ومن السبب ولكن ما يعلمه انه تم بيع صغيره إلى رجال خارج مصر، ظل يبحث ويبحث عنه وسط صراعه مع زوجته وصغيريه جاد وجواد الذين كانوا في الخامسة من عمرهم حينها بينما جبران في الرابعة عشر وهو وقتها من اعتنى بهم وبوالدته رغم سماعه لصوت بكائه طوال الليل على غياب شقيقه وعزيز قلبه جـبار..
والذي بعد يأس وسنين كثيرة مرت عاد بمفرده بعد ان اصبح في العشرين من عمره، عاد شخصًا أخـر صامت وبارد طوال الوقت، لم يخبره بما حدث له ولم يخبره اين كان او ماذا فعل، بل شاهد ورأى نتيجة ذلك بعد معرفته بموت " صــفا "والدته والتي رحلت عن هذا العالم بعد مرور سنه كامله على اختفائه وعدم وجود أثر له..
*********************
بالأعلى وبعدما دلف جـبار إلى غرفة شقيقته، نظر لجواد بأستغراب شديد، قائلًا بوجوم:
_بتعمل ايه يا زفت!! لاصق ودنك في وشها ليه؟
عاد جواد للخلف بينما يحاول قمع ضحكاته، يجيب جـبار بعدها بصعوبة:
_دي عامله مسلسل في دماغها،الحرارة خلتها تخترف وتلاقيها دلوقتي لسه بتقنعك تتجوز نـغم عشان تحسن السلالة وتجيب عيال مستوردة..
انفلتت ضحكاته عاليًا دون قدرةً منه، ليتجعد جبين جـبار بأستنكار وعدم فهم، ليقترب هو منها ينحني بأتجاهها قليلًا، ليسمع صوتها الخافت، قائلةً:
_هخطب بنتك او أبنك لبنتي او أبني..
صمتت بعدها لثوانيٍ ثم تابعت قائلةً بنفس النبرة ولكنها منفعله تلك المرة:
_وأنت تخطب لعيالي ليه؟ ما تخليك في عيالك!!
اعتدل جـبار بأستنكار وعدم فهم، قائلًا:
_دي اتجننت؟! حتى وهي تعبانه مش سيباني في حالي؟
نظر له جواد برغبة كبيرة في مواصله الضحك، فهل يخبره انها كانت تجادله الآن بقصة خيالية بينما هو يلف الوشاح حول رأسها؟ بالطبع لن يفعل، يكفي ما ستواجهه من صدمة عندما تفيق وتعلم ان كل هذا مجرد وهـم في خياليها هي فقط..
***********************
في صباح اليوم التالي..
كان قد غادر البعض إلى عـمله بالفعل، عدا جـبار الذي ظل بالقصر حتى يراقب العمال وهم يعيدون بناء الأسطبل ولكن هذه المرة لن يجعله من الخشب بالطبع..
لاحظ توقف الجميع عن العمل، ينظرون خلفه بأفواه مفتوحه وملامح متصنمه،علم السبب ولكنه بالتأكيد لن يعيرها اهتمام،لذلك جهر قائلًا بصرامة وحده :
_كـمل شغل منك ليه..
انتفض الجميع بفزعٍ وانتباه، يباشرن بالعمل بأرتباك شديد، بينما هي تـقدمت منه بخطوات متغنجة قائلةً بـرقة:
_ شكلك بتحب الخيول اوي، لأنك اكتر واحد شيفاه مهتم بيهم هنـا..
لم يعرها ادنى اهتمام بل لم ينظر لها مطلقًا، لذلك تحركت هي تقف امامه بمظهرها الفج والمغري لأي رجل، فقط كانت ترتدي بنطال جلدي يلتصق بها بشدة، تعلوه ستره قصيرة تبين جزءً من خصرها الأبيض النحيف.. بأكمام قصيره للغاية..
_هو أنت مبتردش عليا ليه؟
تسألت ببشاشة ونظرة قد توقع اعتى الرجال بحبها، سواه هو والذي نظر لمقلتيها بضيق وسأم، قائلًا بجمود:
_بفهمك أني مش عايز اتكلم ولا ارد عليكي، يمكن تحلي عن دماغي..
ابتلعت ريقها بأحراج شديد، قائلةً:
_انا بس كنت حابه اتعرف عليك ونتكلم مع بعض شويه!
_انا مش حابب ولا فاضي عشان اتكلم معاكي، روحي شوفي حالك بعيد عني، يلا..
اجابها بوقاحه ولا مبالاة بينما يراقب العمال بحرص شديد، ينتظر ان يحاول احدهم النظر لها وتجاهل عمله حتى يأمر بطرده فورًا..
تجاهلت وقاحته تلك، قائلةً بمزاح خفيف:
_على فكرة انا ضيفه عندكم، المفروض ترد عليا ألطف من كدا، صح؟
رمقها بتأفف، يجيبها بسأم:
_أنتِ ضيفة جبران، روحي بقى دوري عليه وصدعيه هو مش انا..
ما بال هذا الرجل؟! ألم يتعلم من قبل كيف يتعامل مع أمرأة وخاصةً لو كانت جميله مثلها!!
**********************
بالأعلى وتحديدًا بداخل غرفة شموس..
تملمت شغف بداخل الفراش بجسد منهك، تشعر بصداع شديد يفتك برأسها، لا تعلم حتى لما وفجأة جسدها اصبح على الفراش وهي الآن مع جبار ونغم بمنتصف القرية؟!
حركت اهدابها بخفةً، حتى اتضحت لها معالم الغرفة، استندت على كفيها، تجلس على الفراش بأرهاق شديد، تشعر بأن جسدها متيبس وكل جزء منه يأن من التعب..
دلكت رأسها ورقبتها بقوة حتى شعرت بألم غريب بيدها، نظرت لها بأستنكار وعدم فهم، بسبب وجود اثر لأبرة طبية!!
فُتح الباب فجأة ودلفت منه شموس ورحيل، والذين ما ان رأوها مستيقظة، هرولن بأتجاهها، محتضنين اياها بسعادة..
_حمدالله على السلامة يا شغف، اخيرًا فوقتي..
نبست شموس بتلك الكلمات، لتضيف رحيل قائلةً بمزاح:
_ده القصر ليه يومـين ملـوش طعـم ولا حـس من غـيرك..
نظرت لهم بأستغراب بعد ان ابتعدا عنها، بينما يرمقاها بسعادةً راتها هي بلاهة، لتنبس قائلةً بحيرة وتيه:
_هو انا مش كنت معاكم في الصبح على الفطار قبل ما جـبار ياخدني انا ونغم عشان نتفرج على القرية؟!
رمشن بأهدابهم غير مستوعبين ما قالته، لتردف رحيل قائلةً بأستنكار:
_صبح ايه؟ أنت أخر مره فطرتي معانا كانت قبل ما بابا يسافر المدينه؟
اسرعت شغف قائلةً بموافقة:
_آه وبعدها في الليل كانوا عاملين اجتماع لأهل القرية، لما وقتها اتهورت ودخلت عندهم فجبار اتعصب وخدني مكتب جبران جوزك، وقتها دغدغته على دماغه ورفعت عليه المسدس..
صمتت فجأة حين وجدت الأثناتان ينظران لها بعدم تصديق وأستغراب بنفس الوقت، حتى انفجرا بالضحك عاليًا، لتنتفض هي من فوق الفراش، تجلس امامهم بضيق، قائلةً بأنفعال:
_على فكره انا مش بهزر، انا بتكلم جد!!
ردت عليها شموس قائلةً بصعوبة وتهكم:
_ما ده انيل!! أنتِ ازاي تخيلتي ان ممكن ترفعي المسدس على جبار؟!
_وبعدين احنا ما بنعملش هنا اجتماع للقرية؟ اللي عندو مشكله ممكن عادي يجي يستشير الشيخ صابر فيها، بس..
اضافت رحيل تلك الكلمات برزانه، لتتهدل كتفي شغف بأحباط، قائلةً بتيه:
_يعني كل ده محصلش؟!
نظرت بعدها لهم بأدراك، قائلةً بلهفة:
_يعني فجلة لسه عايشة وفصعون مكلهاش؟!
_فجلة في الجنينة تحت، زي الفل..
اجابتها رحيل بأبتسامة واسعه، مستنكرة تخبط الأخرى والتي نظرت لشموس قائلةً بتسأل:
_هو اخوكي جـبار عندو عربية غالية اوي عندو وبيقلب الدنيا لو حصلها خدش؟
هزت الأخرى رأسها برفض، قائلةً:
_لا، هو عندو عربية بس عادي، ساعات بياخدها داغر او جواد مـنه..
زفرت بضيق شديد، تسمع رحيل تقول لها بأستفسار:
_ ليه بتسألي؟ اشرحيلنا بس أنتِ جايبة الكلام ده كله منين؟
اجابتها شغف بيأس وذهـول:
_ده انا طلعت عايشة في عالم تاني خالص! بس اللي اتخيلته بخصوصي انا وجبار ونغم ممكن ابلعه بسبب تأثير الروايات والمسلسلات على دماغي وتريندات الفيس اللي واكله دماغي، لكن أنتِ وجبران، مالي بيكم؟!
تحمست رحيل، تقترب منها بحماس شديد، تتسأل بفضول:
_اتخيلتي ايه؟ كان بيحبني ورمى الحرباية الملونة دي برا عشاني صح؟
اصدرت صوتًا متهكمًا وساخر، تخبرها بما رأته قائلةً:
_لا ياختي، اتخيلتك وأنتِ عندك كرامه وطالبة الطلاق منه ولما رفض وغاظك لميتي حاجته كلها ورميتيها من البلكـونه..
شهقت بخفة، تنظر لها بذهول، لا تصدق ان امرًا كهذا يصدر منها هي؟! لذلك تسألت بتيه وحيرة:
_طب وهو عـمل ايه؟
_معملش حاجه، عمك صابر هو اللي عمل وأمر ان كل واحد فيكم يعيش في اوضه لحد ما يعدي شهر وبعدها تقررو إذا كنتوا هتطلقوا ولا لا..
اجابتها بقلة حيله ونبرة ساخطة بسبب ان كل هذا ليس إلا وهمًا صنعه عقلها، لتدرك انها كانت مريضه فقد حدث هذا الأمر من قبل معها، فعقلها ينسج احداث بأشخاص في عالمها حتى تفيق وتعود للوعي، لتصطدم بحقيقة ان كل هذا كان مجرد خيال لا اكثر، تتذكر في احدى المرات قد مرضت فيها، ظلت ثلاث ايام تعيش قصة حب مع جُنيد افندي بعد ان تخلصت من زوجته زينب بسبب انها تأثرت بالمسلسل وتعلقت به، وكم شعرت بالأحباط وتحطم قلبها من الداخل بعد ان فاقت وعادت للوعي..
انتفضت شموس تسألها بلهفة حقيقية:
_طب وبعد كدا حصل ايه؟
زفرت بضيق بينما تنهض من فوق السرير وتهبط منه، قائلةً:
_ولا حاجه، الباقي كله وهـم ملوش لازمه..
دلفت بعدها إلى الحمام ثم اغلقته خلفها لتستند بظهرها على الباب تتذكر افعال جـبار وافعالها هي، لتتمتم بتهكم وانكار:
_بقى جـبار هيموت عليا وانا اللي منفضاله!؟ المره دي ظاطت مني خالص..
************************
بعـد قليل..
هبطت من الأعلى وداخلها فوضى عارمه، ما عاشته بداخل عقلها قد اثر عليها حقًا ولا تعلم كيف ستتعامل مـعه الآن، الشيء الوحيد الذي كان جيدًا بالأمر هو ان ارنبتها الوردية ما زالت على قيد الحياة..
كان الجميع قد عاد للقصر بالفعل لتناول الغداء ولعدم وجود اي اعمال مهمه،ولسبب أخر سنعلمه بعد قليل..
وبمنتصف الصاله وبينما الجميع يجلس متفرقين صدح صوت ما قائلًا..
_طب والله وحشتيني وكنت عايش في ملل من غيرك..
هتف جود بتلك الكلمات بحماس مبتسمًا بعدما رأها تهبط أخر الدرجات من السُلم، لتبادله هي الأبتسامة قائلةً بلطف و سخريه:
_شكرًا يا جود، اديني رجعت وهقرفك تاني..
ضحك بخفةً، بينما جهر الشيخ صابر قائلًا ببشاشة:
_حمدالله على سلامتك يا شغف، عامله ايه دلوقتي؟
_الله يسلمك يا شيخ صابر، الحمدلله احسن، وبجد شكرًا لتعبكوا معايا وآسفه لو كنت تقلت عليكم..
اجابته بتلك الكلمات بين شكر و خجل كونها اصبحت عبء عليهم، ويتحملن الكثير بسببها، ليردف الأخر قائلًا بأنزعاج وطيبه:
_هو انا مش قولتلك أنك بالنسبالي زيك زي شموس و رحيل!! ولا أنتِ عايزة تزعليني منك؟
_والله انا فكرت المشهد ده كان وهم كمان!!
تمتمت بداخلها بتلك الكلمات بحصره وتهكم، لتجيبه بعدها قائلةً بأحترام:
_مقدرش طبعًا على زعلك يا عمو، ربنا يعلم معزتك في قلـبي قد ايه..
أومأ لها بملامح وجه سعيدة وراضيه، لتبتعد هي عنه ثم تتجه نـحو هناء والتي ما ان رأتها حتى تهجم وجهها، لتجلس بجوارها على مضض، حتى نكزتها الأخرى قائلةً بنزق:
_مالك يا بت؟ شفتيني ووشك اتقلب كدا ليه! اكنش انا اللي رفعت حرارتك وخليتك شبه البصله الـ
_اهو تاني!! بتشبهيني بالبصله تاني يا هناء؟ انا بدأت اشك انكم عاملين خطه وبتمثلوا عليا زي فيلم زهايمر!!
اردفت بتلك الكلمات بأنفعال وتفاجؤ، لترمقها الأخرى بسخط، قائلةً:
_وده عشان ناخد منك الأرنـبة اللي وخداها شحاته اصلًا؟!
التفت شغف بسأم وضيق من تلك العجوز الهرمه، لا تعلم كيف لعجوز مثلها ان تتصرف بتلك الطريقـه؟!
وقعت عينيها عليه فجأة،وهو يجلس بجوار شقيقه جبران على الأريكه لينتفض شيئًا ما بداخلها تجهل ماهيته او سببه حتى، فقد تتذكر عندما مد يده بالمنديل لها معتذرًا منها او عندما عرض عليها صداقته وبعدها اصطحبها للسوق وابتاع لها ذلك الوشاح الأحمر وقام بلفه حول رقبتها.. تنهدت بوله وذهبت بخيالها بعيدًا تتذكر نظراته وحديثه حتى نظر هو فجأة لها بتلك النظرة الحاده المخيفه، جاعلًا اياها تنتفض بمكانها تلتف مجددًا نحو هناء بينما تتمتم بخوف:
_فوقي بقى يا موهومه يابنت الموهومه ده جبار متحجر القلب، القاسي صاحب النظرات الحارقه، مش النحنوح اللي في احلامك..
_هـو جاد اتأخر كدا ليه؟
صدح صوت جواد القلق على تؤامه ومما يمر به الآن، لتجيبه مشيرة، قائلةً بتهكم واستنكار:
_ربنا معاه ويرجع بعقله معاها، بس غريبه انه وافق يروح يجيبها من المحطه لحد هنا؟!
التزم الجميع الصمت، فمن العاقل الذي سيخبرها انهم اجرو قرعةً بينهم بالأمس داخل غرفة جواد حتى يقررن من الذي سيحضر تلك المرأة ويعيدها إلى المنزل؟! وصاحب الحظ العسر كان جاد للأسف..
انحنت شغف نحو هناء، تتسأل بعدم فهم:
_هما بيتكلموا على مين؟
_سيدة القصر..
اجابتها بنفس اللحظة التي دلف فيها جاد إلى الداخل حاملًا معه حقيبة قام بألقائها على الأرض بقوةً، بينما يظهر على وجهه ملامح الغضب والأنزعاج..
اقترب منه جواد بسرعه يربت على ظهره بحنو ويخبره بعض الكلمات حتى يهديء من حالته..
لتدلف من الباب سيدة ما ان تقع عينيك عليها حتى تشعر بأنك في زمن قديم، حيث الرقي والمظهر الراقي المتحضر، كانت خصلاتها متحررة بملابس نسائيه بتصميم رجالي..
والتي اقتربت منها شموس تُقبل كفها بأحترام قائلةً:
_حمدالله على سلامتك يا نازلي هانم..
همهمت الأخرى برضا حتى فعل مثلها جود وجواد وايضًا جـبران على مضض، كان محمود سيفعل المثل ولكن سحبته مشيرة جاعلةً اياها يعاود الجلوس بينما تقول بابتسامة باردة:
_اهلا وسهلا يا نازلي نورتي القرية تاني..
رمقتها الأخرى بنظرات غير مهتمة، حتى جاء الشيخ صابر ووقف مقابلًا لها، قائلًا بهدوء:
_حمدالله على سلامتك يا نازلي، اخوكي حالته ايه دلوقتي؟
_احسن بكتير طبعًا وألا مكنتش رجعت تاني..
اجابته بنبرة هادئة لا تتعامل بها إلا معه،تُقبل هي بنفسها كفه بأحترام شديد، فهي ذهبت منذ فتره إلى المدينه حتى تهتم بشقيقها بعد تدهور حالته الصحية، نظرت نحو ذلك الذي ما زال جالسًا بمكانه ببرود، تنتظر منه ترحيبًا كأخوته ولكن الأخر لا يبدو مهتمًا، لذلك كظمت غيظها منه بداخلها فماذا تنتظر من فتى ارعن ومثير للمشاكل مثله..
_حمدالله على سلامتك يا نازلي، بجد فرحانه من قلبي برجوعك واني فضلت عايشه لحد ما شفتك..
اردفت هناء بتلك الكلمات بنبرة هادئة وكاذبه، لتنظر نحوها الأخرى قائلةً بابتسامة فاتره:
_الله يسلمك انطي هناء، انا كمان فرحانه ومستغربة أنك لسه موجوده معانا هنا..
تنفست هناء بشدة تحاول عدم الأنقضاض عليها وطرحها ارضًا حتى تفرغ غضبها منها ومن حديثها الذي يشير لكبر سنها، فهل بلوغها لسن التسعين واجبار الجميع بقول انها والدة داغر وليست ست والدته يعني أنها عجوز حقًا؟!!
كانت شغف تراقب كل ما يحدث بصدمه وذهول، فالجميع يتصرف بغرابة عدا جبار بالطبع.. فمن تلك المرأة وما سبب تعامل الجميع معها بتلك الطريقه؟
وجدت تلك المرأة تنظر لها بأستغراب هي ونـغم التي اقتربت تفعل مثلهم، تمسك بكفها ثم تُقبله بخفةً جعلت الأخرى تنظر لها بأستحسان ورضا..
_ايه جو العثمانيين والملك ارطغول ده؟!
علقت شغف على ما تراه بسخرية وتهكم، تشاهد رحيل وهي تقترب وتفعل المثل ايضًا تحت نظرات والدتها المغتاظـة..
لتفهم انها المتبقية الآن بسبب نظرات الجميع نحوها، حتى جـبار ينتظر ردة فعلها وهل ستفعل المثل ام لا؟
بينما هي ابتسمت ابتسامةً واسعه ثم نبست قائلةً بأحترام ودهاء:
_بعتذر لحضرتك بس انا لسه قايمة من دور تعب كبير واحتمال اعديكي وتتعبي زيي، وبعدين حضرتك ازاي مش خايفه على نفسك من ان اي حد فيهم!؟ ده ممكن ينقلك ڤيرس او مرض لأن البق اسرع حاجه بتسبب العدوى ، أنا مرات عمي ماتت بسبب ان صاحبتها بستها في الفرح!!
انهت حديثها تنظر لها بعدم رضا واستنكار، لتصمت الأخرى لثوانيٍ، بينما تتحول ملامحها للأشمئزاز والتوتر، قائلةً بعدها بحزم:
_من انهارده ممنوع اي حد فيكم يلمسني او يبوس ايدي تاني، المدينه فعلاً منتشر فيها ڤيرس ولازم ناخد حزرنا كويس ونهـتم بصحتنا..
انهت حديثها ثم تحركت بخطوات رتيبه نحو الأعلى، بينما تتمتم شغف قائلةً بتهكم:
_ عيزاني ابوس ايدها قال!!؟ ده انا عمري ما عملتها مع امـي اللي تعبت فيا وربتني!
نظرت حولها تريد سؤال احد عن هوية تلك المرأة لتجد الجميع حتى الشيخ صابر ينظر لها بذهول واستنكار، لتبتلع ريقها، قائلةً بتوتر:
_فيـه ايه؟ بتبصولي كدا ليه؟
جاءها صوته الساخر من الخلف، يجيبها قائلًا:
_مستغربين ازاي نازلي هانم بنت زاهر باشا حد قدر يقنعها بسهوله كدا تلغي عادة اجبرتهم عليها من سنين..
اسرع جود نحوها يضرب كفيه بقوة اجفلتها، بينما يقول بأعجاب وعدم تصديق:
_أنتِ مذهلة! اكتشاف ولازم كلنا نتعلم منـك..
_يلا يا حبيبي من هنا بلا خالو بلا مالو، انا طايقة نفسي بالعافيه، لسه هعلم فيكم!!
اجابته بحنق شديد، لتتجه بعدها نحو جواد بالتحديد تسأله بخفةً وأدب:
_قولي يا دكتراا يا أأدب خلق الله، هي مين فيكتوريا هانم دي؟
تحمحم بخفةً يرفع نظارته بأرتباك وما كاد ان يجيبها حتى أسرع جود يقف بينهم قائلًا ببساطةً:
_دي أمــي..
_هي مش الله يرحمها ماتت؟!
اردفت كلماتها بتسأل مستغربةً ما قاله، تنظر لذلك الذي وقف فجأةً بوجه متهجم وغاضب يغادر المكان بأكمله..
ليجيبها تلك المره جواد بنبرةً التمست فيها الحزن قائلًا:
_دي أم شموس وجود لكن امي انا وجاد وجبران وجبـار اسمها صـفا الله يرحمها..
*********************
في المساء وقبل موعد العشاء بقليل..
كانت تقف بداخل الغرفة تنظر من النافذة بشرود تتذكر صدمتها بما عرفته اليوم ، يبدو ان هذه العائله تخفي الكثير من الاسرار وكلما ظلت هنا ستقابل اشياء وخبايا عنهم..
التقطت نظراتها أرنبتها عند جزع الشجرة، لتهلل اساريرها بسعادةً كبيرة...
وما هي إلا دقائق وكانت امامها تحملها داخل حجرها بلهفةً، قائلةً:
_وحشتيني اوي يا فجلة، لو تعرفي عملت ايه عشانك لما فصعون قرقشك زي التسالي قدام عيوني، هتعرفي وقتها معزتك عندي..
احتضنتها بـشدةً، بينما تلاعبها بمرح، تتابع بعدها قائلةً بحماس ساخر:
_تعرفي انهارده خدت صدمتين طلعوا من نفوخي، الأول ان جـبار اللي حن ورق طلع وهم، والتاني ان الشيخ صابر اللي بيمشي بالعافيه طلع نمس كبير ومتجوز واحده من زمن البكاوات والمزمزيلات!!
تعالت ضحكاتها كلما تذكرت تلك المرأة، لتسمع صوت صهيل الحصان، لتحمل فجلة وتقف سريعًا، تتوجه نـحو الصوت بفضول لمعرفة السبب..
رأت جـبار يهبط من فوقـه بجسد مشدود وملامح مكفهرة، يشرع في ربط الحبل بأحدى القطع الحديدة جانبًا، لتبتلع ريقها بتوتر، تقرر ان تغامر قليلًا وتذهب للتحدث معه..
وقفت خـلفه بأرتباك، تنظر لمظهره الضخم وكتفيه العريضه والمشدودة التي تظهر بوضوح بسبب القميص القطني الأسود الذي يرتديه على بنطال باللون الأزرق الغامق، لتتضح بشرته البيضاء وعضلات ذراعيه القوية بشدة..
وبينما هي تشرد بمظهره كان قد التف هو، يرمقها بنظرات مستنكرة لوقفتها تلك بينما تحمل تلك الأرنبـة، ليجهر قائلًا بوجوم:
_واقفة هنا بتعملي ايه؟
كانت قد انتبهت لرؤيته لها بالفعل بعد ان التف، لذلك تراجعت للخلف قليلًا تخفض رأسها بأحراج، تسمع سؤاله بتوتر بينما تشدد من احتضان الأرنبة، تجيبه بعدها بتلعثم:
_انا، انا بس كنت يعني، حابـه اخرج ووو
قاطعها قائلًا بصوت حاد ومنفعل:
_اياكي تقربي من البوابة ولا تفكري حتى تخرجي برا، أنتِ فاهمه.
انتفضت من نبرته تنظر له بخوف، قائلةً بصعوبة:
_انا بس كنت، كنت عايزا اشوف القرية؟
انقض نحوها جاعلًا اياها تلتصق في الجدار خلفها برعب،تحتمي بتلك المسكينة التي بين يديها، قائلًا بنبرة مخيفة ناهرًا اياها:
_إنتِ هنا مش جايه عشان تتفسحي ولا تهزري وتلعبي؟! إنتِ هنا امانه لحد معاد المحكمه اللي حق وسيرة واحد غلبان هترجعله بسببك وبعدها إنتِ حره، اعملي اللي نفسك فيه..
وجدت نفسها تتعمق بعينيه السوداء، تسأله بحذر وفضول، قائلةً:
_طب ولو حياتي فضلت في خطر بعد الحكم على منذر، هـتساعدنـي؟
اجابها بلا مبالاة، قائلًا:
_أنا مش الحارس الشخصي بتاعك ولا فاضي لحياتك عشان احميها، يوم المحكمه ده أخر يوم هتشوفي فيه وشي..
ارتعش جسدها وكأنها شعرت بلسعة برد تضربه، ترمش باهدابها بخوف من الفكرة نفسها، تراه وهو يبتعد عنها، يعطيها ظهره ثم يتحرك بأتجاه باب القصر.. لتهرول خلفه، قائلةً بتوجس وبصوت عالي
_طب لو طلبت منك حاجه دلوقتي قبل ما امشي هتعتبرها مسؤليتك وتعملها ؟
وقف بمكانه بملامح وجه مستنكرة لا يعلم ما يدور بخلدها، يجيبها على مضض دون الألتفاف حتى:
_للأسـف بما انك في حمايتي ومسؤليتي دلوقتي فـ آه هعملها..
اسرعت تقف امامه بعدما تركت الأرنـبة على الأرض، تنظر له بحماس ووجه مبتسم، قائلةً:
_علمني ازاي ادافع عن نفسي، علمني حركات اقدر احمي نفسي بيها ، ممكن؟
نـظر لها لثوانيٍ بتفكير، ليبتسم بعدها بخبث وشر، قائلًا بموافقة:
_ممـكن، بس افتكري أنك إنتِ اللي طلبتي..
_قولي بس أنت على اي حاجه وانا هعملها..
اجابته بحماس وغباء.. ليهز رأسه بيأس قائلًا:
_حتى لو قوينا الجسم، هنشغل عقلك ازاي؟
********************
بعد قليل وعلى طاولة العشاء..
تقدم الجميع نحو الطاولة، لتخرج من افواههم تنهيدة سخط بعد رؤيتهم لتلك الاطعمه التي لا يفضلها اي احد منهم، فبعدما عادت نازلي هانم بالطبع سيعودون للروتين الممل والخانق..
_ايه اكل العيانين ده؟ فين الصواني والمحمر والمشمر اللي كان بيعبي السفرة؟!
اردفت شغف بتلك الكلمات بتعجب بينما تنظر للأطباق المرتصه برقي وبجوار كل طبق شوكة وسكين وايضًا ملعقه، بينما بالمنتصف بعض اصناف الأكل والتي تختصر على الخضراوات فقط، ليجيبها جاد بينما يجلس قائلًا بسخط وغضب داخلي:
_لا مـهو الهانم بتأكلنا على مزاجها ومحدش يقدر يعترض..
نـظر له جواد بتنبيه وتحذير لوجود شقيقه جود وشقيقته شموس، فهي رغم معاملتها الجافه لهم بالتحديد إلا انهم يتحملن افعالها من اجلهم فقط..
نـظر لها جود، يسألها بفضول وبلاهه:
_ألا هو ايه المشمر ده يا شغف؟!
حكت ذقنها بجهلٍ، تفكر بإجابه منطقيـه، حتى وصلت اخيرًا لشيء، فاجابته بـعمق:
_بص أنا بسمعهم بيقولوا كدا، بس احتمال يكونوا يقصدوا الأكل اللي بنحتاج إننا نشمر فيه عشان منلغوصش الدنيا، مثلًا الأكل اللي قدامنا ده عبارة عن سلطة مش محتاج تمسح ايدك بعده حتى..
هز راسـه بتفهم، لتهبط نازلي اخيرًا من الأعلى بينما تمسك بيد صابر، لتمصمص شغف شفتيها، قائلةً بتهكم:
_مش عارفه ازاي هشوفك الراجل الرزين الحكيم بعد منظرك ده؟! دي كأنها بنتـه!!
_عندها ٥ ٤ سنـة وممكن تبان اصغر لأنها بتهتم بنفسها وبتعمل روتين صبحي وليلي يا خايـبه..
همست لها هناء بتلك الكلمات بسخط، لترد عليها الأخرى بضيق وحنق:
_صبحي مين يا هناء؟؟ ده انا اللي صبحي والله..
نظرن لها بصمت مراقبين اياها وهي تساعد الشيخ صابر وتتأكد انه ارتاح بمكانه ثم تلتف نحو الطاوله، تجلس مقابلًا له على الناحية الأخرى..
لاحظت شغف عدم بدء احدهم بتناول الطعام عدا جـبار الذي يأكل متجاهلًا الجميع، لتعاود النظر لتلك المرأة فتجدها بالفعل تنظر بأتجاهها هي ونـغم بتفحص، لتعكف كفيها اسفل ذقنها بينما تسند كوعيها على المنضدة، قائلةً بأستفسار:
_بدري طلعت على طول عشان ارتاح من السفر، من غير ما اعرف انتوا مين وبتعملوا ايـه هـنا؟!
جاءها صوت زوجها، قائلًا بهدوء:
_شغف ونغـم يبقوا ضيوف ولادي لفترة يا نازلي..
لم تزيح عينيها عنهم بل تابعت تتسأل بفضول وشك:
_ولادك مين بالظبط؟ وبعدين من امتى الولاد بتجيب ضيوف بنات تقعد معاها في نفس البيت؟!
اتسع بؤبؤ عينيها بذهول من كلماتها المهينه، تسمع تلك التي بجوارها، قائلةً برقة مبالغًا بها:
_انا نـغم راكيـل صحفية من روسيا، اتعرفت من شهرين على جبران هناك و جيت هنا عشان اصور بعض الأماكن واكتب عنها، بس للأسف مستر جـبار رفض، عشان كدا قولت افضل كام يوم اشوف القرية كسياحه وكدا بما اني جيت هنا خلاص..
استمعت لها بحرص حتى انهت حديثها، فأومأت بعدها بخفة، قائلةً بلباقة:
_مفيش مشكله لوجودك طبعًا، ضيوف جبران ليهم كل الأحترام والتقدير..
مالت هناء نحو شغف تهمس لها بشماته:
_لو عرفت سبب وجودك او أنك تبع جـبار هتخلي ايامك اسود من ايام عروسه ساكنة في بيت عيلة في الصعيد..
انتفضت شغف تشير نحو جواد قائلةً بسرعه ودهاء:
_أنا تـبع الدكتور جـواد، حالة صعبـة عندو بيعمل عليا تجارب واختبارات لحد ما يكتشفلي علاج يشفيني..
_مش عارفه ازاي نبيهة وغبية في نفس الوقت؟
تمتمت هناء بحيرة وحصره بسبب ضياع جدال ناري ومشكلة كبيرة كانت ستسليها قبل الذهاب للنوم..
وتحت صدمة وذهول الجميع وخاصةً جـبار الذي تفاجاة من فعلتها كونه لا يعلم انها تعرف بكره الأخرى له،ولكن سيصمت فقط ويتقبل الأمر لانه لا يرغب بالحديث الآن،
بينما كانت تنظـر نازلي نحو جواد بـشك، والذي ظل ينظر لها ولشغف بدهشة مما نطقت به، ليومأ بعدها بقلة حيله جاعلًا اياها تنبس بهدوء ورضا:
_جواد شخص محترم وخلوق وضيوفـه اكيد زيه، وان شاءلله يقدر يلاقي علاج مناسب لحالتك.. هو أنتِ صحيح عندك ايه؟
تابع الجميع الحوار بتسلية، ينتظرن إجابة شغف، يقسمن ان هذا امتع عشاء مر عليهم بوجود نازلي معهم، بينما رمقتها شغف بغيظ داخلي، تجيبها بضعف واهي:
_للأسف عندي جزء في دماغي فيه خلل، بيأثر على افعالي وكلامي، يعني ممكن اعمل حاجه او اقول كلام غصب عني، وده سببلي مشاكل كتير في حياتي ومع الوقت الخلل ده هيخلي دماغي كلها تضرب وتتوقف عن العمل..
_جاحده، اقسم بالله معلمه!! ضمنت انها تتصرف براحتها من غير ما امي تديها على دماغها...
علق جود بداخله بعد سماعه لحديثها بأعجاب شديد، تلك الفتاة حقًا تبهره، ورغم عدم اقتناع نازلي بحديثها إلا انها أومأت بهدوء، تأذن للجميع بتناول الطعام.. اخيرًا..
********************
جلست شغف تلتصق بهناء التي تتمدد على الفراش، قائلةً بفضول واصرار:
_بالله عليكي يا هنون بقى احكيلي..
تأففت الأخرى بسخط منها، فهي منذ انتهاء الجميع من تناول الطعام وتفرق كلًا منهم بمكان وهي تتبعها ترغب بمعرفة كره نازلي لجبار تحديدًا..
لتنبس قائلةً بيأس:
_يخربيت زنك، قولي عايزا تعرفي ايه، عشان عايزة أنام..
تحمست شغف، قائلةً بتسأول فضولي:
_عايزا اعرف ليه نازلي بتكره جـبار بالذات؟
اجابتها الأخرى، قائلةً بقلة حيله ووهن:
_هي بتكره ولاد صفا كلهم بس جبار الوحيد اللي بيقف قدامها وبيعارض كلامها وبيديها على دماغها.. مع ان حتى ولادها بتعاملهم ببرود ومش حنينه معاهم، الله يرحمك يا صفـا كانت ملاك وحنية الدنيا فيها..
_هـي ماتت ازاي؟ وليه الشيخ صابر اتجوز عليها دي؟
تسألت مجددًا، لتجيبها هناء بصوت ناعس:
_ماتت من حصرتها على غياب ابنها جـبار لما اتخطف زمان، وصابر ما تجوزهاش إلا بعد ما حس بالعجز بين عياله وشغله وشغل ابوه ليضيع منه..
ذُهلت مما سمعته للتو، فهل جـبار حقًا خُطف؟! هي لا تصدق ما تسمعه، ترغب بمعرفة كل شيء وكيف عاد، لذلك سألتها، قائلةً بأهتمام وفضول:
_طب هو رجع ازاي؟ يعني هي توفت لما عرفت انه اتخطف على طول؟
تثائبت هناء بقوةً تغرق رغمًا عنها في النوم بعد ان نبست بتيه:
_لا، ده اتخطف وهو عندو سبع سنين رجع بعد ١٣ سـنه، هي ماتت بعد ما عدا سنتين على خطفه..
_طب مين خطـفه ورجع ازاي ؟ وحصل معاه ايه طول الـ ١٣ سنه دول!!؟
اخذت تتسأل بفضول وسأم فقد غفت بالفعل، تاركةً اياها تتأكل من الداخل ترغب بمعرفة كل شيء..
********************
بمكان أخر وتحديدًا على مقربةً من حدود القرية كان هناك منزل يضج بالحياة والفسوق..
حيث تصدح الأغاني والمعزوفات منه مع ضحكات عالية ماجـنه تثير من يسمعها لرؤية ما يحدث بالداخل...
وهو وبعدما دلـف بالفعل واصبح يقف بمنتصف المنزل ظل يرمق المكان بأزدراء مشمئز، حتى هرولت بأتجاهه أمرأة بخصلات حمراء وملامح مبهرجة، ذات جسد ممشوق تظهره بسخاء بتلك الملابس الفاحشة..
اسرعت باتجاهه تلمس عضضه برغـبة، قائلةً بترحيب:
_يا اهلًا بالباشا وزينة رجال القرية كلها..
ابعد يديها عنه بملامح مكفهرة، قائلًا بعدها بصرامه:
_هـو فـين؟
_جوا يا باشا، قاعد فأحسن اوضه ومروقه عليه عشان خاطرك يأبن الغالي..
اجابتـه بنبرة متغنجة ملتوية، ليتأفف هو متحركًا نحو الداخل بينما تتبعه هي قائلةً بأقتراح فج:
_ما تجي تسهر مره هنا وتشوف البنات، صدقني هتتبسط أوي؟
_مليش في الرمرمة والمستعمل يا فتون، كفايه عليكي باقي العيلة..
كان يقصد شقيقه الأصغر ووالده الذي يأتي لهنا بين الحين والفنيـة..
تمايلت هي في خطواتها، قائلةً بأعجاب ورغـبة:
_بس أنت مختلف عنهم كلهم يا سي مهاب، وبعدين متنساش أننا قرايب وستك كانت أخت جدي..
نفرت عروقه بغضب بينما اشتعلت راسه بنيران ترغب بأحراق المكان بأكمله، فأن كنت تخاف على حياتك لا تذكره بهذه النقطه وهي بكلماتها تلك، جعلته يقبض بيده على رقبتها، يلصقها بالجدار خلفه ، قائلًا بتهديد وحده:
_سـمعيني كدا تاني قولتلي ايه؟
_مم، مـ مقولتش..
اجابته بصعوبة تشعر بأن رقبتها ستنفصل عن جسدها بسبب قبضته القوية، لتحتد نظراته مقتًا ونفورًا بينما يتابع قائلًا بتحذير ووعيد:
_حاولي بس، حاولي تنطقي ولا تفكريني بالنسب ابن الكلب ده تاني وأنا هخليلك البيت ده رماد على الأرض..
سحب يده بعد ان انهى كلماته، جاعلًا اياها تقع على الأرض تحاول إلتقاط انفاسها بصعوبة..
بينما هو اكمل طريقه للداخل بوجه متهجم، يدفع باب الغرفه التي يعلم مكانها جيدًا بسبب عائلته المخجلة وتعلقهم بتلك الأماكن المقرفة..
وجـد الأخر على الفراش بوضع مشين مع إحداهن والتي انتفضت هي والأخر برعب بعد إقتحامه للغرفة.. ليصرخ مهاب بغضب حاد بوجهها:
_بـرا، غوري من هنا وفهميهم ان اي وسخة هتقرب منه تاني لحد ما يمشي من هنا، تستحمل اللي هعمله فيها، فاهمه؟
أومأت بسرعه مرتعبه منه، تلتقط ملابسها وتهرول للخارج، ليغلق هو الباب خلفها بقوةً ثم يقترب من الأخر والذي سحب الفراش يخفى جسده به بينما يتراجع للخلف ببرود، ينتظر إفراغ مهاب لـ غضبه والذي وقف بجانب التخت، ينهره بحده:
_ يعني انا طلع عيني عشان اهربك ودماغي هتنفجر وانا بدور على خطـه تطلعك من النصيبه اللي لبستنا فيها وأنت زي ما انت!! واحد وسخ بتمشي وراا مزاجك زي البهيمـه لما تتساق وبس..
تأفف منذر بضيق من صراخه عليه، يجيبه بعدها بسخط ولا مبالاة:
_يعني جايبني اقعد في مـكان كله مُحرمات ونسوان، وعايز لما تيجي تلاقيني قاعد على سجادة الصلاة مثلًا؟!
مسح مهاب على وجهه بقسوةً وانفعال بسبب غباء شقيقه، ليجيبه قائلًا بوجوم وغيظ:
_كنت فاكر ان السجن هيخليك تتعظ وتشغل مخك، دلوقتي الحكومة قالبة عليك القرية واللي براا كلهم هيعرفوا أنك متزفت ومستخبي هنا..
_خلاص بقى يا مهاب، كنت خارج مخنوق من اللي شفته في السجن وقولت افك عن نفسي شويه! وبدل ما تزعق فيا، شوفلي حل اخرج بيه من هنا لمكان تاني..
اجابة بحنق بينما يلتقط ملابسه كي يرتديها، ليركل مهاب المقعد الجانبي، قائلًا بسخط:
_حـل وسطك يا بعيد، ايه الذنب اللي عملته وانا في بطن امي عشان اتولد والأقي ان صالح ابويا وأنت اخويا وجدي متجوز رقـاصه جيناتها فسدت العيلة كلها!!
_العيلة فاسدة بسبب جدك حداد اللي لولا ستك زينات اللي حافظت وكبرت فلوسـه، كان زمانا شحاتين في الشارع..
اجابه منذر بتلك الكلمات ببرود، لينبس الأخر بسأم وتهكم:
_حـتى لو كنتوا شحاتين والله، كنتوا هتسيبوا الشوارع كلها وتشحتوا في شارع الـهرم..
************************
بداخـل الـقصر.. وتحديدًا الحديقه
كـانت تـقف شـموس جانبـيًا تتحدث مع شـخص ما بالهاتف، قائلةً بـبشاشة:
_أنا بجد ممتنه لكلامك ده بس الموضوع فعلاً صعب وأنا من نفسي معنديش رغـبة اني اكمل..
سمعت كلماته المعارضـة لقرارها، لتجيبه بعدها قائلةً بهدوء ومزح:
_الموضوع عدى عليه سنين ولسه عندك امل؟!
تعالت ضحكاتها بعد ان سمعت اجابته، تنبس بعدها بخفة:
_ماما فعلاً كانت مُصرة بس انا اللي رفضت، لأن المسافة والطريق بجد صعبين اوي ومش آمان ليا..
استمعت لحديثه بتمعن، لتجيبه بعدها بخجل:
_ لا طبعاً بابا واخواتي مستحيل يوافقوا اني اقعد في المدينه وفي نفس البيت معاكم..
_بيت مين؟
اتاها صوته من الخلف لتغلق بوجه الأخر دون إهتمام بينما تلتفت له، قائلةً بخجل رقيق:
_ده ابن خالو بيحاول يقنعني ادخل الجامعـة..
اكفهرت ملامحه عند ذكرها ل هذا الشاب المائع ، يتسأل بعدها بحنق:
_ وأنتِ بقى عايزة ايـه؟
_عايزة اتـستت..
اجابته بأندفاع ومغزي بنفس الوقت، تنتظر اجابته بشدة والتي كانت عبارة عن:
_إن شاءلله ربنا يكرمك..
افتغر فاهها بدهشةً، لتحاول كظم غيظها منه، قائلةً بتسأل وغيظ:
_وأنت مش ناوي تتجوز يا داغر؟ هناء نفسها تشيل عيالك قبل ما تدخل على الـ ١٠٠..
حاول كبت ضحكاته بصعوبة على حديثها، يعلم جيدًا بمشاعرها اتجاهه والتي لا تقارن بما يحمله لها بداخل قلبه، ولكن إن كانت والدتها تكره جبار قيراط فهي تمقته وتكهره اربعةً وعشرين قيراط..
فهو ايضًا خُطف مـعه وعاد كذلك مـعه وما يخفيانه لا يتحمـله عقل ولا يتقبله احـد..
خلف هدوئه هذا يكمن بركان خامد وخلف مزاحه وبساطته يختبيء شاب فاسد ومدنث بالكثير.. هو كاللون الأسود القاتم فكيف سيقترب منها وهي تبدو كاللون الأبيض النقي؟! بالتأكيد سيدنثها ويلطخ نقائها بـشوائبه..
لذلك تنهد قائلًا بقلة حيله وأستسلام:
_لا مش نـاوي..
************************
في صباح اليوم التالي وقبل بذوغ الشمس..
جلست شغف على العشب الرطب امامه، قائلةً بصوت باكي حانق:
_انا عيله واستاهل ضرب الجزمه عشان طلبت منك حاجه..
كان يقف امامها يتأفف بضجر وسخط من تذمرها المستمر،فـ هل لأنه بعث لها الخادمه توقظها الساعة الرابعة صباحًا وأمرها بالركض حول القصر خمس مرات فقط حتى الآن، تتصرف بهذه الطريقه؟!
_لو خلصتي ندم، قومي عشان فاضل خمس مرات كمان..
_لِفهُم أنت يا حبيبي مع نفسك، انا خلاص مش هكمل، الغي رحلتـي..
اجابته بأنفعال ورفض، تشعر بالألم في انحاء جسدها الذي تعود على الراحه وعدم القيام بأي رياضة من قبل، تتابع بعدها قائلةً بحصره:
_انا اصحى الساعه اربعه يا جاحد؟! ده انا كنت بفتح عيني على آذان الضهر؟!!
جلس على ركبةً واحده امامها، يرمقها بنظرات جاده قائلًا بجمود:
_طلبتي ادربك يبقى تتحملي مسؤلية كلامك وتكوني قده، بلاش تتصرفي كأنك طفله صغيره..
لاحظ تغير ملامحها للأنزعاج ، ليتابع قائلًا بمغذى وتنبيه:
_وعشان تكوني عـارفه، منذر هرب امبارح من السجن ومحدش عارف مكانه فين لحد دلوقتي، مهاب عرف يهربه ويخبيه كويس للأسف، ومن دلوقتي مش هيكون قدامه غيرك أنتِ وبـس..
اتسعت مقلتيها بذهول بأول حديثه تتذكر ذلك المقيت وما فعله معها ومع ذلك الشاب البريء، لتتغير نظراتها بعدها لأصرار وعزيمه لفعل وأستغلال جبار اشد استغلال لتدريبها جيدًا...
*****************
_بـقر؟!! هتسيبني متخبي وسط البقـر يا مهاب؟
اردف منذر بتلك الكلمات بسخط وغضب بينما ينظر للبقر حوله بشمئزاز ونفور، ليجيبه الأخر قائلًا بسخرية:
_طب والله خايف عليهم مـنك، سألت الراجل لو فيه مزرعة عجول احطك معاهم، بس للأسف المنطقه كلها مفهاش إلا بـقر بس..
اشتد غضب منذر، ينظر له بعصبية قائلًا:
_مهاب انا مستحيل اقعد هنا، فاهم؟
ضحك الأخر بتهكم، يفتح باب سيارته، قائلًا:
_مش بمزاجك يا منذر، لحد معاد المحكمه هتفضل هنا وسط البقر ، وياريت تحترم نفسك معاهم عشان هما متربين وممكن ينطحوك لو قربت منهم، مش زي فتون وزبالتها..
انطلق بالسيارة بعد الأنتهاء من حديثه، تاركًا الأخر خلفه يصرخ بكلماتٍ بذيئة للعالم اجمع..
بينما نظر مهاب امامه يلاحظ شروق الشمس، قائلًا بوعيد:
_اما نشوف اخرتها ايه معاكي يا شغف؟
****************
حملت شغف بعض الأثقال الحديديه الضئيلة للغاية بداخل غرفة الشباب الرياضية التي تقبع بجوار المخزن الذي به فصعون، ترفعهم للأعلى والأسفل بينما يصدح صوت هاتفها بأحدى الأغاني والتي كانت..
"اللي قادرة عالتحدي وعالمواجهة
واللي قادره، انها تعلن احتجاجها..
يبقى هي دي الأحق،
أنها تقول الف لا..
عافيه ذوق
طول ما انا صاحبة حقوق
مش هبان مكسورة ولا هبان ضعيفة..
عافـيه ذوق..
عارفة اني مقامي فوق
واللي عاشت ملكة مش هتعيش وصيفه..
بينما كان جـبار يركض على الأله الرياضية ويفكر ما الذي فعله بحياته حتى يقابل تلك الكارثه؟!
هل يقتلها الآن ويريح عقله؟ ام يبعثها لـمهاب بنفسه وهو سيتولى الأمر؟
عم الهدوء المكان فجأة إلا من صوت اقدامه التي تركض بسرعه على الأله لتنكمش ملامحه بأستغراب، انمحى عندما وقفت امامه تلقي ما تحمله بيدها، قائلةً بتذمر وسأم:
_اللي بنعمله ده كلام فاضي ومعندناش وقت ليه، انا مش رايحه اشارك في الأولومبيات؟! علمني ازاي ادافع عن نفسي؟ ازاي اهزم اللي قدامي حتى لو كان اقوى مني.. او حتى لو كان أنت يا جـبار..
*************
رَبِّ اجْعَلنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ .
***********
يتبع....
ميريـت