وَاصْبِرْ
*********
تَاللَهِ إِنَّ الشَوقَ يَفعَلُ دَهرَهُ
بِالجِسمِ ما لا تَفعَلُ الأَسقامُ
ـ
رَحَلَ الحَبيبُ فَطالَ لَيلٌ لَم يَكُن
لِقَصيرِهِ بَعدَ الرَحيلِ مُقامُ
مقتبس..
**************
داخـل قصـر آل شـداد
وبعدمـا صرخت شغف بتلك الكلمة، حـث جــبار الجميع عـلى الدخـول لغـرفة المجلس الخاصـة بالنـساء، ليرتصوا بها بالفـعل بجوار بعضهم البعض، ليجـهر بعد ان اغـلق الباب قائلًا بـجديـة:
_دلوقتي هفـهمكم واقـولكم الخـطر اللي بقـينا فـيه عـشان مش عايـز غبـاء من حـد ويورط نفـسه ويعرضنا للخـطر من غير تفكير وجـهل..
كان يقف بالمنتصف بينما على يساره يجلس كلًا من الشيخ صابر تليـه جـبران وجـاد وجـود..
بينما مقابلًا له يجلس داغـر وجـواد..
وعلى يساره تجلس هناء تليها شموس ثم شغف وياسر ونـادر..
الجميع كان ينظر لجـبار الذي فـتح هاتفـه على صورةً ما ثم ووجـهها نحـوهم، قائلًا بعدها بـنفس نبرته السابقة:
_ده آنـدرو من اكبـر زعمـاء المـافيا في إيطـاليـا..
التمعت مقلتـي يـاسر لينكز شغف قائلًا بحماس وذهول:
_مـش ده كـان حـلمنا يابت يا شـغف؟!
نظرت نـحوه بضيق وسخط بينما تجيبـه:
_ خلاص الغي انت حـلم هندسة الـ مكانيـكا ودراسة الزرع ونـادر يسيب الهـندسة و كفاية عليه خـفة اليـد...
تسـأل جـود ببلاهـة، قائلًا:
_ايـــه خـفة يـد دي؟ بيدرسـوها فـين؟!
_دي عايـزة مـهارة وسـرعة تنفيذ مش بتدرس..
اجـابه نادر بـغرور، لينبس جـاد قائلًا بتـهكم وسـخريـة:
_حـرامـي، البيـه حـرامـي وشايف نفـسه وبيقولك عايـزة مهـارة..
اعترض نادر، مصححًا له بجديـة:
_لا لو سمحت دي اسمهـا إسـتلاف، انا بستلف الحاجة من وراهم وانا نيتي ارجـعها تاني عـادي..
_طب وبتـرجعها؟!
تسأل جواد بفضول، ليجيبه الأخر ببساطة:
_وهو من امتـى اللي بيروح بيرجـع؟!
هز الجميع رأسـه بعدم رضـا، ليتنتفض شموس، تسأل شـغف بفضول ولهـفة:
_وانـتِ يا شـغف درسـتي ايـــه؟
اجـابتها الأخرى قائلةً بخـفة:
_لا انا لقيت نفسي مش قـد فرهـدة الكـلية والمواصلات والمذاكـرة وكل الكلام ده، فقولت اخـد دروس في حـاجـة هتنـفعـنـي في المستقبل عـند ابلة كوثـر جـارتـنا..
_ دروس طـبخ؟
نبست هناء بتلك الكلمات، لتهز شغف رأسها بالرفض، فتنبس شموس قائلةً بتفكير:
_دفاع عـن النـفس؟
_لا، رقـــص..
انحنت تهـمس لها بتلك الكلمات بصوت لم تسمعه إلا هـي، لتشهق شموس بدهشة بينما تورد وجهها بالخـجل، ليستفسر جـود قائلًا بفضول:
_ايـــه؟ قالت ايـــه؟!
كان ينظر لهم بعدم تصديق، نظراته مغتاظة وكلما زاد حديثـهم شعر بالغضب والسأم منهم، ليصرخ بنفاذ صبر قائلًا بـحده:
_بقولكم زفت زعيـم مافيـا وحياتنا كلها في خطر وانتوا قاعدين تتـكلموا فأيــه؟!!
انتفض بعضهم بخضةً وخـوف ملتزمين الصمت، ليجهر جبران قائلًا بـقلة حـيله ونذاله بينما يقف فاردًا قامـته الفارعـة:
_انا هسيبك تتـعامل انت مـعاهم و هسافر يومين للـمديـنة، اجـيب مـراتـي عشان تنضم لدائرة الخـطر مـعانا..
لم يدع له فرصة للرد او لأحدهم للتعليق، بل انطلق للخارج بسرعة مغلقًا الباب خلفه مجددًا.. ليزفر جــبار بسأم وسـخط لتورطه مع عائلة وبشر مثل الذين امامه الآن، مكملًا ما يرغب بقوله بصبر:
_المهم الزفـت آنـدرو ده من اخـطر الناس اللي ممكن تقابلها في حياتك وشـغله الأساسي تـجارة البـشر وخصوصًا الأطفال واكيد كلكم سمعتوا وعارفين يعني ايـــه تجارة البـشر..
_مش ده نفسـه اللي شفته في البيت المهجور؟!
تسألت شغـف بأستفسار وتـذكر، ليجيبها هو بتأكيد:
_هــو فـعـلًا..
عادت تسـأله بأستغراب، قائلةً:
_طب واحد زي ده المفروض فيـه كتـير بيشتغل تحت ايـده وبأشاره منه ينفذو اي حاجة هو عايزها، ليـه جـه القـريـة هنـا بنـفسـه؟!
تنهد بـضيق ثم نبس قائلًا بما يضمر له الأخـر:
_جـاي عشـاني انا، ناوي يـعمل اي حاجـة تخليني ارجـع معاه واكـمل اللي سـبتـه..
انتفض الشيخ صابر بقوةً وصرامة ضاربًا عصاه بالأرض بينما يقول بأنفعال شديد:
_على جـثـتي الكـلام ده يحصل، انا لو شـفته قـدامي هطلع قـلبـه من صـدره..
هـو للأن لم يتخطى ما عاناه هو وزوجـته منذ إختطاف ابنه من بينهم وعـجزه عن إجاده.. زوجته ماتت من القهر على صغيرها المفقود.. وبسبب ذلك الملعون ؟..
اردف جــبار برفق متفهمًا ما يفكر به والده وخوفه عليه، قائلًا:
_متخفش يا حاج صابر، اللي قدامك دلوقتي مش عيـل صغير وعنـدو سبـع سنيـن، انا قـده وقـد عشرة زيـه، بس المهم دلوقتي عندي هـو انتـوا، انا مش هقـدر اكون مع الكل في نفس الوقت، عشان كدا خدو بالكم من اي حـد غـريب يقابلكم، لأن نـغم وآيــلا كانوا مـعاه..
جهر جـود بصدمة، شاعرًا بالغدر والخيانة قائلًا:
_ نــغـم الكـراش؟!! تـطلع مـافيـا!!
تراجع بتفكير واستسلام، قائلًا بتغزل:
_بس الصـراحة هي شكلها وامكانياتها مافـيا اوي..
_عندك صـورة ليها؟؟
تسأل نـادر بفضول ومـكر، ليتابع بعدما رأى نظراتهم الساخطة قائلًا بتبرير:
_عشان لو حاولت تضحك عليا كـدا ولا كـدا اكون عارف شـكلها..
اقتنعت شغف بكلماته، لتنبس قائلةً ببساطـة وسخط بينما تفتح الهاتف وتريه صورة لها وبجوارها الأخـرى:
_هـي دي نـغم، اللي جــبار بيه كان هيتجوزها قبل ما تهرب وتطفش مـنه..
خطف نادر الهاتف من يدها ليدفس رأسه هو وياسر بداخله والذي جهر قائلًا بأعجاب شديد:
_اقسم بالله دي لو طلبت حتة كبـدة ولا كليـة مـن جسمي لديهولها وهو مربوط بـفيونـكة..
زفر نادر بضيق وسخط، قائلًا:
_مقـدرناش نيجي بـدي شـوية كنا شفناها على الطبيعـة...
رأت شغف ما يفعلانه وهو قص الجزء الذي هي به، لتخطف الهاتف من بين يديهم، بينما تنهرهم بحده:
_والله انتـوا الأتنين ما شفـتوا ربـايـة..
_فعلاً اديـهم، مفيش غض بصر ولا ادب..
نبس جواد بتلك الكلمات داعمًا اياها، لتتابع هي قائلةً بـعصبية:
_ بقـى بتقصوا الجزء اللي ظاهرة فيـه عشانها هـي؟!
_ما انـتِ شكلك ده مينفعش يبقى معاها في صورة واحدة، انـتِ مش شايفها عاملة ازاي؟
اجابها ياسر ببرود شديد بينما يرمقها بأزدراء، ليزفر جواد بقلة حيله ويأس، لتجز شغف على اسنانها بغيظ، قائلةً:
_طب يارب ترجع تاني عشان تخزوقكـم زي ما خزوقت جــبار قـبلكم، وقـتها والله ما هواسي كلب فيكم..
_انتِ حـمارة يا شـغف!!
جهر جــبار بتلك الكلمات بسأم واستنكار، ليتابع بعدها قائلًا بسخط:
_بقولك عارف انها تبع المافيا وعشان كدا وافقت اتجوزها وهي لما عرفت اني كشفتها هـربت!
_عشنـا وشـفنا جــبار المتجبر بقـى يصحح ويـبرر!
جهرت هـناء بتلك الكلمات بخبث شديد بعدما مصمصت شفتيها بتعجب، لينظر الجميع نحو جــبار بخبث ومكر عدى نادر وياسر اللذان لم يفهموا شيء..
ليصدح بعدها صوت جـود قائلًا بأستفهام:
_صحيـح! هـي مـين آيــلا دي؟
_دي البت بتاعـة جـاد اخـوك، بس ايـــه؟ احـلى من نـغم بمراحـل...
اجابته شـغف بابتسامة خبيثة بينما تهز رأسها وتنظر لـجاد الذي ضرب على وجهه بيأس وضيق..
لينظر جـواد نحو تؤامه، قائلًا بعتاب:
_مقولتليش حـاجة عـنها يعني؟ ولا خـلاص بقينا نخـبي ونـداري على بعض؟!
كاد ان يجيبه بهدوء ويشرح له الأمر ولكن اسرعت شـغف تجيبه بسرعة تشرح له ما حدث ظنًا منها انها تصلح ما فعلتـه:
_لا مـهو اكـيد قطـع علاقـته بيها بـعد ما خزوقـته هو كمان وخـطفته وحـبستـه في البيت المهجور..
انتفض جـاد واقفًا بغيظ شديد وانفـعال، ينظر نحو جــبار قائلًا بـرغبة في داخله:
_يا تـسكتها يا هـفش غـلبي وغـلي فـيها..
_وهـي كذبت فأيـه؟! ما انا دخلت عليك الأوضة لقيتها ااا..
صمت لثوانيٍ ثم تابع قائلًا بتهديد وتنبيه:
_اكـمل واقـول لقيت ايـــه ولا تقعـد زي الشاطر مكانـك؟!
نـظر جـاد نحوها بغيظ شديد، يشكي له مجددًا بتذمر:
_ما هـي ما بتسترش و فضـحتني قدامـهم كـلهم..
_بـراحـتها، واقـعد مكانك عشان مشيلش انا باقي السـتر كـله..
رمقته شـغف بغرور وتـكبر، تغيظـه بنظراتها، ليزفر هو بسخط بينما يرمقها بتوعـد...
انحنى نـادر يهمس لشقيقته بشك، قائلًا:
_هو جــبار ده بيدافع عنك بقلب جامد كدا ليه؟
دفس ياسر رأسه بينهم، قائلًا بنفس نبرته:
_هـناك إنَ خلف كلماتـه بالتأكـيد..
********************
داخـل قصـر آل حـداد
خـرج مـهاب من غـرفـته ثـم توجه نحو خاصةً شقيقـته رضــوى والتـي ما ان فتحت الباب ورأته، جهرت قائلةً بعتاب وسـأم:
_اخــيرًا حـد منكم ظـهر؟! من ساعة ما سبتوني ورحتوا كتب كتاب شموس وانا مشفتش حـد فيكم تاني؟
تنهد مهاب بتعب، يجيبها بنبرة لا حياة بها، معتذرًا:
_حـقك عـليا، رجعنا متأخـرين وانا فضلت اليوم كله في اوضتي ولسـه خـارج دلوقتي..
تسألت بغرابة بينما يجلس هو اخيرًا بمواجهتها على السرير، تسأله عن إختفاء الاخـرى:
_امـال فين شـغف يا ابيـه؟
_طلقتها ومشيت...
اجابها بنفس نبرتـه السابقة، لتشهق هـي بخفة، تضع كفها على فمها بينما ترقرقت العبرات بعينيها، قائلةً بصعوبـة وحزن:
_ليه يا ابيـه؟ دي بنت كويـسة اوي وطيبة كمان، انا بحبها اوي وهـي بتحبـك وو
قاطعها قائلًا بقـلة حـيله ويأس:
_بتحب جــبار، هي بتحب جــبار يا رضـوى وهو كمان بيحبهـا..
_لا كذب لو مش بتحبك انت، اتجوزتك ليه؟
_عشان انا أجـبرتها..
اجابها بنبرة مختنقة، يبدأ بعدها بقص كل ما حدث اثناء فترة غيابها عن الوعي، بدايةً من محاولة إعتداء منذر لشغف بداخل المستشفى إلى ما حدث بالأمـس...
قص لها كل شيء حتى افعاله ومحاولاته بالتخلص منها هـي وجبــار اخبرها اياها..
بينما هي كانت تستمع له بصدمة كبيرة، لا تصدق ان شقيقيها فعلا كل ذلك لتلك الفتاة التي كانت تعاملها بحب شديد وكانت تساعدهم طوال الوقت!!
تعالت شهقاتها بينما تعلق على ما سمعته بصعوبة قائلةً بـعتاب وحـزن:
_ليه يا ابيـه؟ لـيه تعمل كل ده!! انا، انا مش عارفة اقولك ايـــه، بجد مش عـارفـة!
وقف بآلية وكأن جسده اصبح بلا روح، اقترب منها وقبل رأسها بجمود، ثم نبس قائلًا بـفتور:
_فـاطمـة هتـلم هدومك وهتـروح معاكي على بيت شداد وتفضل معـاكي هنـاك، ابقي خـلي بالك من نفسك..
هذا افضـل حل الآن لها وله..
هو يشعر بالتيه والضياع وكأن الحياة ليس لها قيمـة، يشعر بـعدم رغبـة بالحياة ووجودها هنا وبهذا المنزل الكئيب سيجعل حالتها تسوء بالتأكيد..
او ربما هو يهرب ويخشى ان تنظر له بزدراء وتـكره..
تعاتبه ربما وهو ليس لديه إجابـه تستحق كل ما فعلـه..
هبط الدرجات بنفس حالتـه تلك ثم توجـه نحو المطبخ، لتصطدم نـظراته بها هـي والتي كانت تتـحرك بالداخل وتـعد الطعام وما ان رأته حتى نبست قائلةً ببتسامة هادئـة:
_كنت هـجهز الأكـل واطـلع أناديك..
_قاعدة ليه لحد دلوقتي؟
تجاهل كلماتها، وسألها بجمود، لتتنهد هـي بخفة، وعادت لأكمال غـرف الطعام بالأطباق، قائلةً ببساطـة:
_عشان مش ناويـة اسيبـك ولا ابـعد تاني يا مـهاب..
انفعـل فصرخ قائلًا بحده:
_قولتلك مش بـمزاجك.. انا دلوقتي مبحبكيش ولا عايـزك، ارجعـي من مكان ما جيتي احـسن..
تجاهلت كلماته والتي آلمتها بشدة، تردف قائلةً ببساطـة، تسأله:
_تـحب اغـرفلك رز اكـتر ولا كـدا كـفايـة؟
ضرب المقعد الذي امامه بقدمه ثم تـحرك نحو الخارج بغضب وضـيق..
لتتنهد هـي بألم، قائلةً بنـدم:
_حقك عليا، انا اللي رفضتك الاول وكسرت قلبك وخاطـرك يا مـهاب، بس انت كمان اتخليت عني وبعدت من غير ما تحاول تاني حتى..
*****************
بقصر آل شـداد وبـعد مرور ساعة واحده..
كان قد انتهـى ذلك الأجتماع بعدما اندفع جــبار فاتحًا الباب بسأم وغضب منهم جميعًا..
لا ينبس بكلمة إلا وتحولت لعبث بينهم، ليستسلم اخيرًا ويخرج من الغـرفـة ...
وبيـنما يـتناول الجميع الطعام على السفرة وسـط هدوء غـريب عـجيب وهذا خوفًا من انفعال وغضب جــبار الظاهـر عليه الآن..
دلف مـرعي فجأة، قائلًا بـوجه مبتسم سعيد:
_يا ست شغف، يا ست شغف فيه واحد براا عايـز يشـوفك..
_مــيـن؟
جهر جــبار بتلك الكلمة بالطبع بحده وصـرامة، ليجيبه الأخر قائلًا بأرتباك:
_زز زكـريا، يا بـيه..
_طب ما تقول زكريا! ايـــه واحد دي؟
نهره بتلك الكلمات بضيق شديد، لتقف شـغف بينما تـقول بنبرة خافتـه مغتاظـة له:
_خلاص يا جــبار، وبعدين عـمي مـرعي عـفوي شويـة بـس..
تحركت للخارج ومرعي بجوارها يمشي بوجه حزين، لتواسيه هي قائلةً:
_معلش يا عم مرعـي، اصل هـو متعصب مننا احنا وجات فـيك..
_عـادي انا متعود اكون الملطشـة بتاعة العيلة دي..
اجابها بضعف ووهن زائف، لتنبس هي قائلةً بتهكم:
_بلاش دراما يا عم مرعـي، ده انت اكـتر واحد مزاجه رايـق في البيت ده ومـرتاح..
تـركته بعد كلماتها تلك وتوجهت نحو ذلك الذي كان يقف جانبيًا بداخل الحديقـة وتحديدً اسفل تلك الشجرة الضـخمة...
والذي ما ان لـمح طيفها قريبًا منه، نبس قائلًا بأدب شديد:
_السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة..
_وعليكم السلام ورحمة الله وبركاتة..
اجابـته بهدوء وخفوت، ليتابع هو معتذرًا عن مجيئه فجأة وبهذا الوقت:
_بعتـذر لو جيت في وقت مش مناسب، بس كان لازم اجي اشـكرك بـعد ما سمعت بالخـبر وعرفت ان منـذر هيتعـدم..
اجابتـه بتفهم و اعتذار ، قائلةً:
_مفيش داعـي لـكل ده، انا معملتش حاجة، بالعكس هفضل طول عمري مديـونه لمنصف الله يـرحمـه، وانا اللي آسـفة لأني كنت سبب خسارتك لأعز صاحب ليك..
ابتلع زكريا ريقـه بحزن وألم يعصر قلبـه من الداخل على رفيـقه العزيز، ليكبت كل مشاعره تلك ويفرك كفيه ببعضهم البعض، قائلًا بـصعوبه:
_انتِ ملكيش ذنب، دي كلها تراتيب ربنا ومشيئته وسواء كنتي موجودة ولا لا وقتها او اختلفت الاحداث كان أجله وقتها مكتوب، كلنا على الارض لينا عدد انفاس ولما تخلص هنـروح منـها لأنها مش دايمـه لـحد..
تنـفـس بقوة وحاول الخروج من تلك الحالة، قائلًا بعدها بـبشاشـة وهدوء:
_عمومًا انا بشكرك لانك كنتي قويـة ومتمسكة بالحق لأخـر للحظة، واي وقـت تحتاجيني فيـه انا مـوجـود..
ردت عليه ببعض الكلمات الممتنة ثم انتهى الحوار بذهابـه وعودتـها هـي للداخـل..
*"*"*"************
بقصر آل حـداد
وبهذه الأثـناء كانت قد وضعت رهف الطعام على الصينية ثم حملتها وتوجهت بها نـحو الحديقة حيث يجلس هـو جانبيًا على المقعد وامامه تقبع طاولة صغيرة، وضعت هـي الصينية عليها بينما تقول بهمة وغـرور:
_يلا دوق الأكـل بتاعـي وقولي رأيك فيه، خد بالك دي اول مـره اطـبخ فـيها وادخل المطبخ عشانك انت بـس..
_مليش نـفـس..
اجابها بفتور دون ان يتحرك منه إنشًا حتـى، لتزفر هـي بغيظ، قائلةً بـحده:
_بقولك دي اول مـره ادخل المطبخ وليا تلات ساعات طالع عيني عشان اعملك أكـل وفي الأخـر تقولي مليش نفس!! مهاب بجد دي حاجة تعصب اوي، متجننيش..
زفر بضيق وسأم منها ومـنه، ليجهر بعد ذلك قائلًا بوجوم:
_هاكل بس بشرط، تقوليلي شغف حاكتلك ايـــه خلاكي تجـي هـنا؟
جلست على المقـعد الذي يـقابلـه بأزعان، تنظر نحوه بـشفقة، تخبره بما قالـته لها الأخـرى بـخجل منه:
_قالتـلي انك اتجـوزتها ولحد دلوقتي مش قادر تقـرب منها لحد ما عـرفت بيا من رضوى وعرفت قد ايـــه انت بتحبنـي ومش قادر تنسـانـي لدرجة انها اوقات كانت بتسمعك انت ونايم بتقول هاتولي رهـف انا عايـز رهـف..
تشنج وجهه بأستنكار وعـدم تقبل لكونها اخذت عنه تلك الفـكرة، يسمعها وهي تتابع قائلةً بحزن عليه:
_بعدها قالتلي ان افراد عيلتك كلهم عندهم امراض عقـلية ومتـخلفين وانت يا عيني شايل مسؤليتهم على كتافك لوحدك ومحتاج حـد يسندك ويهون عليـك..
اصدر صوتًا تهكميًا، يسألها بعدها بأستنكار:
_وانتِ طبعًا صدقتي كلامها وجيتي جـري..
_لا طـبعًا، انا عارفة عيلتك كلها وكل تاريخـها المـعفن ومع ذلك جيت..
اجابته بجدية وصـدق، ليسأل هو مجددًا بفضول:
_ليــه؟
_وحـشتنـي..
****************
بـقصر آل شـداد
وبعدما عادت شغف للجلوس بمكانها وإكمال تناول طعامها، تحت نظرات جــبار التي هدأت بعد عودتها سريعًا، هو لم يذهب معها كونه يعلم ما يريد زكريا قولـه ويعلم ايضًا ان هذا الشاب لن يرفع رأسـه عن الأرض حـتى..
مرت دقائق قليلـة
وبعدها دلف مـرعي مجددًا بهروله، قائلًا بنفس حالته الأولى:
_يا ست شغف يا ست شغف، حـمزة بيـه عايـز يشـوفك.. بـراا..
انتفض حينها جــبار صارخًا بحده، جعلته يتراجع للخلف بخوف وصـدمة:
_ايـــه حمـزة عايـز يشـوفك دي؟ هـو انت شايفـنا شجـرة جوافـة قاعـدة؟!
_وانا مالي؟ انا بعمل اللي بيطلب مني وبس.. وانت بدري زعلت لما قولت واحـد، عايزنـي المره دي اتكلم بالأشارة مثلًا؟!
نبس مـرعي بتلك الكلمات بتأفف وسأم، يغادر بعدها المكان وهو يشوح بيده بسخط منـه..
حاول الجميع عـدم الضحك عليه وعلى حالتـه تلك، اما عنه فقد لاحظ انها تنوي الوقوف، ليسبقها هو بينما يصرخ بحده:
_مـكانـك..
_انـت بتـزعقـلي؟!
نظرت نحوه تتسأل بعدم تصديق واستنكار، ليجز هو على اسنانه قائلًا بنبرة حادة ولكن اخـف:
_بقولك اقـعدي مكانك، عشان مش هتقابليـه يا شـغف..
نظرت شـغف نحو الشيخ صابر تستنجد به والذي تشابك مع ابنـه بالفـعل رغم كونه يعلم سبب مجيء الأخـر، جاعلًا اياها تـخرج بعد قليل بالفـعل..
ليضرب جــبار على الطاولـة بغيظ، يـفكر ماذا سيفعل قبل خروجـه خلفها ورؤيـة سبب مجيء الأخـر..
حتـى نظر بعد ثواني نحو التؤام، ليتحرك للخارج بينما يقول بخبث:
_نـادر ويـاسر.. ورايــا...
بالـخارج توجهت شـغف نحو المكان الذي كان يقف بـه زكريا قبل قـليل، لتـجد الضابط حمـزة بهيئة منمقـة ورائحـة عـطر انتشرت بالمكان بكثرة، بينما يحمل بين يـديه باقـة زهـور حمراء جملية للغاية..
اتسعت ابتسامتـه بشدة بعدمـا رأها تقترب مـنه، لينتظر حتى باتت امـامه، ينبس بعدها قائلًا بـلطف وخـفة:
_الف مـبروك عـلى انك اخيرًا رجعلك حقك وانتصرتي، وكمان على طلاقك من مـهاب..
_شـكرًا يا حضرة الظابط، كلك ذوق..
اجابـته بهدوء وامتنان، تتابع بعدها قائلةً بعرفان:
_انت كمان ساعدتـني وكنت واقف جـنب الحق دايمًا.. فـ شكرًا..
هـمهم بـخفوت وابتسامته مازالت ترتسم على وجهه تـزينـه، ليدرك انه ما زال يحمل باقة الورود بين يديه، فينتفض، يعطيها اياها بينما يقـول بـهدوء ونبرة حـنونـة:
_احـم، دي دي عـشانك، يارب تـعجبك يا شـغف..
التقطتها منـه وهي تبتسم على مضض حتى لا تخجـله، ليتابع هو قائلًا بتوتر بينما يضع يده بـجيبه:
_كنت، كنت عايز اتكلم معاكي في حاجة مـهمة، هـو انا كنت مستني نخلص من موضوع منـذر ده نهائي وانتِ تـستقري في بيـتكم، عشان عشان اجي اتقـدملك..
نبس اخر كلماته وهو ينظر نـحوها بتوجس، ينتظر اي لمـحة قبول على وجهها، وعندما لم يجد سوى الصدمـة والتعجب، اكمل قائلًا بـصدق ولهفة:
_شـغف انا حاسس بمشاعر اتجاهـك ولو وافقـتي انا هستنى عدتك تخلص وهجي اتقدملك ونتـجوز على طول، لأنـي..
ابتلع ريقـه ثم تابع قائلًا بخفوت:
_بـحـبك..
_التـور فـك، التـور فـك، اجـرو بـسرعـة..
هرول نادر بتلك الكلمات بينما يهرول في المكان وهو يلوح بيديه عاليًا، لتفيق شغف من الحالة التي كانت بها، تنظر حولها بذعـر، لتجحظ عينيها بذهول حينما رأت ثور هائج يجري بالفعل نـحوهم، ليأتي ياسر الأخـر مهرولًا من الناحية الاخرى يصرخ عاليًا:
_ الكلب فك والخيول هـربانه وفيه عـربية بيـضة براا وقعت عليـها عـمارة ويختيييييييي..
اتسعت مقلتي حمـزة بذهول وعدم تصديق يجد الخيول تخرج بالفعل وتهرول في المكان وايضًا الكلب يركض نحوه هو تحديدًا بسرعـة، ليتراجع للخلف بهلع وخـوف، ينسى التي امامـه ويركض للخارج حتى يلحق سيارته ايضًا التي كان يقصدها الاخـر منذ قليل..
بينما هـي نظرت لما فعله بصدمه ثم عادت تنظر للكلب و للثور وللخيول ايضًا بـهلع وخـوف شديد، تتراجع للخلف بعينين اوشكت على البكـاء.. ليقطع حالتها تلك يـدًا ظهرت امامها فجأة وصوته الذي حثها على التمسك بها..
لتفعل ذلك سـريعًا، فتجده يسحبها للأعلى بسرعـة وخـفة.. لتشعر لثوانيٍ بنفسها تطير عاليًا ثم تستقر جالسةً على جزع الشـجرة وأمامها يجلس جــبار والذي ما ان رأت ابتسامـته تلك علمت انه وراء كل ذلك...
لذلك اخذت تضربـه بباقـة الظهور التي بيدها بينما تنهره بصوت اوشك على البـكاء وقلب يخفق بجنون من شدة الخـوف:
_مـجنون، غـبي ، مجنون... كنت هـموت بسببـك..
اجابها بـنبرة واثـقة بينما يستقبل ضرباتها بسعة صدر:
_ روحـي تـطلع قـبلك ولا كنت هسـمح لحيوان مـنهم يلمـسك حـتى..
توقفت عن ضربـه ثم اخذت تتنفس بشهيق وزفـير بينما تضع كفها عـلى قلبها الذي لا يـهدأ عن الخفقان بقـوة..
كادت ان تنظر للأسفل ولكن وجدته يحذرها ويطمئنها، قائلًا:
_ماتبـصيش ، متخفيش شـويـة وهيـجوا الرجـالة يحبسوهـم تاني..
رمقـته بنظرات حـادة بينما تتمسك جيدًا بالشجـرة بيدها اليسرى..
كان الفرع ضخم وفسيح لا يحتاج لأن تخاف حتى فهو امامها يجلس براحـة كبيرة وكأنه على فراش من حـرير...
تأفف هو من نـظراتها تلك، ليردف قائلًا بجدية ونزق:
_اكيد مش عيـزاني اشوفه بيتقدملك وكمان بيعترفلك بحبه واقـعد ساكت يعني؟! ودي ابسط ردة فـعل منـي على اللي شـفته، ده انا كان هاين علـيا ابلعـه القنبـلة بعد ما اسحب السلك منها.
انكمش وجهها باشمئزاز من التخيل، بينما تابع هو قائلًا بـتهكم سـاخر:
_وبعدين احمدي ربـنا اني بينـتلك حقيقـته الجبان، اللي سابك وسط الخطـر وجـري يطمن على عـربيـته!! بـجد اخـص..
_ليه بتتكلم كأني وافقت وخلاص الفرح بـكرة؟! ما انا كدا كدا كنت هرفـض..
اجابته بحنق وسـخط، لينفعل هو فجأة ساحبًا باقة الزهور من حجرها بينما يصرخ بغيـظ:
_ولما هترفـضيه خدتي الزفت ده مـنه لـيه؟
انهى حديـثه ثم القاه بعيدًا، ليعلق باحدى فروع الشـجرة...
نظرت نحـوه بضيق ثم نظرت للأخـر ونهرتـه بتذمـر:
_حـرام عليـك كان عاجـبني اوي، واللي زيك مش بيجيب ورد، بيجيب قـنابـل يعني مش هشـوف شـكله تانـي...
***************
بداخل قصر آل حداد
وتحديدًا بداخل الحديقـة، بثق مهـاب الطعام من فمـه، قائلًا بوجه منكمش بسبب سوء الطعم:
_هـي المـلوخيـة ملـهاش طـعـم ليـه؟
_والله عـملاها بـ ميـة مـعدنـية..
اندفعت قائلةً تلك الكلمات تـدافع عن صنيعـة يدها، ليتجعد جبينه بأستنكار، قائلًا:
_مـية معدنية؟!! امال شـربـة الفراخ فيـن؟
_ شـربـة فـراخ ايـــه؟ انا عاملـة بانيـة!
اجابـته بعدم فـهم، ليترك الملعقـة بوجـه حانق، قائلًا بصبـر:
_طب سيبك من الفراخ، فين الطـشـة؟
بررت بسرعـة:
_ما انا شـهقت والله..
مصمص بشفتيه بحسرة، قائلًا:
_هـي الطـشـة بالنسبالك الشهقـة بس؟ امال التوم والكلام ده راح فـين؟!
زفـر بـضيق ثم حـاول ان يعطيها فرصة ثانية، لينبس قائلًا على مضض:
_طب هـاتي الرز..
اسرعت تمسك إحدى الأطباق وتعطيه له، لينظر هو لما بين يديـه بتعجب ونـفور، قائلًا:
_فـين الرز؟ او فين حُبايبات الـرز!! ده عجين يا رهـف اللي في الطبق ده عـجين..
_هـو انا ممكن زودت مـية شـوية..
_لا ده مش ممكن، ده اكـيد وكتيـر كمـان مش شـويـة..
اجابها بتأكيـد سـاخط، لتسحب هي من بين يديـه الطبق، بينما تقول بأرتبـاك وإحـراج:
_خلاص دوق البانـية وسيبك من الـرز..
زفـر بـيأس ثم أومأ لها بـصبر، لترفع هي الغطاء عن قطع الفـراخ والتي ما ان رأها، عـلق قائلًا بـتهكم:
_هـي دي قـطع فـراخ ولا فـحم؟! دي لونها لون ايـامـي..والله.
****************
عـودة لـقصر آل شـداد
والذي ما ان هبـطت شـغف على الأرض صرخت بوجه قائلةً بـعصبيـة:
_مش عايزة اشـوف وشـك تاني وحساب ياسر ونـادر معايا بـعدين..
اسـرعت بعدها نـحو الداخـل بخطوات منفـعلة، ليسرع هـو خـلفها يحاول تهدئـتها قائلًا بجدية وانفـعال:
_طـبعًا ما الهـانم فـرحانه بالظابط اللي جاي متشيك وجايب ورد في ايـده ومسبسبلي شـعره..
_اهــو احـسن منك يا فـلاح..
اجابته بكل وقاحـة واندفاع، ليمسك هو بمرفقها مانعًا ايـاها من الدخول، قائلًا بغـيظ:
_والفـلاح مش عاجبك فـ ايه بقـى يابت عبد السلام!
اجابته بتلكع بينما تغيظة بوجهها قائلةً:
_ مـتهور ومش عاجـبني وبـكرة مع اول عريس هيتقـدملـي هوافق واتـجوزه يا جــبار..
شـدد من قبضـته عليـها بينما يتعمق النـظر لمقلتيها التـي تطيح بعـقله، قائلًا بخبث وتوعـد:
_طب وعـيونك اللي مـدوخـيني دول ما حـد هيـقيم نتيجـة دروس ابــلة كـوثر غــيري..
*************
وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ
* * * * *
قسماً بِمن سوّى بَنانكَ يامَلَك
وحباكَ بالحُسنِ الرفيعِ وجَمَلك
لو كانَ كلّ العالمينَ بِصُحبتي
لتركتُ كلّ العالمينَ وجئتُ لَك.
مـقتبس...
ميريـت