بدأ يوم جديد، واخترقت أشعة الشمس زجاج النافذة بهدوء، وكأنها تحاول أن تخفف من التوتر الذي يملأ قلب أوليفيا.
تقلّبت في سريرها ببطء، ثم تأوّهت وهي تفتح عينيها بصعوبة.
— آه…
كان جسدها مرهقًا، لكن الإرهاق الحقيقي كان في رأسها.
كل ما حدث بالأمس، لم يختفِ مع النوم… بل بدا وكأنه يطاردها، ينتظر اللحظة المناسبة ليظهر مجددًا.
رنّ هاتفها فجأة بجانبها.
التقطته بسرعة، فظهر اسم جين.
— هايي، صباح الخير.
— صباح الخير… ماذا تفعلين الآن؟
— استيقظت للتو. هل هناك شيء؟
— ماذا؟! هيا استيقظي فورًا، أنا قادمة لأخذك في نزهة.
— ليس اليوم، أنا مرهقة جدًا…
لكن الخط أُغلق قبل أن تكمل اعتراضها.
— آه… لا أريد!
قفزت من السرير بارتباك، ثم شعرت بشيء غريب ينتابها.
جين اقتربت من المجيء بالفعل.
أسرعت إلى الحمام، بدّلت ملابسها وسرّحت شعرها على عجل.
لكن قبل أن تخرج، نظرت للكتاب الملعون في الخزانة.
إحساس غريب اجتاح قلبها، لكنها تجاهلت الكتاب، كأن شيئًا في أعماقها كان يحذرها من الاقتراب منه.
أصبح هذا الكتاب جزءًا من مخاوفها.
حاولت أن تركز في تحضيراتها، لكنها كانت تخشى من ما قد يحدث إذا اقتربت منه.
وفي الأسفل، جاء صوت والدتها:
— أوليفيااا! جين هنا!
— قادمة! فقط ثوانٍ!
فتحت جين باب الغرفة قبل أن تكملها.
— أهلًاا!
— كنت… كنت قادمة.
تأملتها جين من رأسها حتى قدميها، قائله:
— ما هذه الحالة؟
— ماذا؟
— ربما قليل من المكياج؟ لا تقلقي، سأهتم بالأمر.
أخرجت بعض الأدوات من حقيبتها، وبدأت تساعدها.
أوليفيا شعرت بشيء غريب وهي تضع المكياج، وكأن الوجه الذي أمامها ليس وجهها الحقيقي. لكن، لم تعترض.
— ها، ما رأيك الآن؟
— حسنًا… لا بأس. هيا بنا.
في الأسفل، كانت رائحة الفطور تملأ المكان.
— الفطور جاهز! (نادت والدتها).
— أنا جائعة جدًا! (قالت جين بحماس).
جلسوا معًا.
بعد الفطور، استعدتا للخروج.
قالت والدتها بجدية خفيفة:
— لا تتأخري اليوم. أريد التحدث معكِ في موضوع مهم.
توقفت أوليفيا لحظة، لكنها لم تُجب.
— لاحقًا…
خرجتا، وأُغلقتا الباب خلفهما.
ظلّت أوليفيا تمشي بجانب جين، لكنها كانت تشعر بشيء غريب. شعور بالقلق يتسلل إليها.
كانت تلتقط لمحات غريبة من حولها:
ورقة تتحرك فجأة،
ظل يختفي بسرعة،
همسة خافتة كأنها تتبعها من بعيد.
جين لم تلاحظ شيئًا، أو ربما كانت تتظاهر بعدم ملاحظته.
لكن هذا فقط زاد من إحساس أوليفيا بالعزلة والارتباك.
شعرت وكأن العالم من حولها بدأ ينسحب تدريجيًا، وكأن الوقت نفسه أصبح مشوّهًا.
كل خطوة كانت تكبر فيها دقات قلبها، وكل نفس كانت تملأ صدرها بالخوف والفضول معًا.
— هل حدث شيء مع والدتك؟ تبدو لي قَلِقَة،
سألتها جين، محاولة إنهاء التوتر الذي سيطر على الجو.
— كانت تريد الحديث معي البارحة، أظن الموضوع عن والدي. لهذا لا أريد الحديث عنه.
— أظن يجب أن تسمعيها، ربما هناك شيء آخر.
— سآري ماذا سأفعل…
— هل نذهب للاطمئنان على إيفي بعد ما حدث؟ أم ما رأيكِ؟
— لا أعرف، أنا متأكدة أنها تخفي الكثير… (قالت بعد صمت قليل)
— حسنًا، هيا بنا نذهب لنرى ما يحدث.
عندما وصلوا إلى منزل إيفي، فتحت والدتها الباب وقالت:
— أهلاً بكم…
— جين: أهلاً يا سيدتي، هل إيفي موجودة؟ نريد الاطمئنان عليها.
— لا، لقد خرجت للبحيرة قليلاً. يمكنكما الذهاب ورؤيتها.
— حسنًا، شكرًا، وداعًا.
أغلقت والدتها الباب، وكانت غير مرتاحة.
وعندما خرجوا، شعروا بغموض حديثها وبالريبة التي شعروها.
اقتربوا من البحيرة، شعرت أوليفيا بهواء بارد يمر من خلفهم، كأنه يحيي شيئًا خفيًا. لم تستطع رؤية مصدره، لكنها شعرت بشيء يتغير في المكان.
إيفي كانت جالسة هناك، ظهرها لهم، تبدو هادئة،
لكن لأوليفيا كانت نظراتها الخفية على الماء كأنها تحمل سرًا لا تريد كشفه.
— "أهلاً…" همست جين، محاولة كسر الصمت.
إيفي التفتت ببطء، عيناها اللامعتان تحملان شيئًا غريبًا، شعورًا بالكتمان والغموض.
أوليفيا: (نظرت إلى ساعة يدها)
— الوقت لا يتحرك كالعادة أو ببطيء. ألقيت اللوم على ساعتِها وقالت:
— يبدو أنها تالفة، ولم أُعِرها الاهتمام...
إيفي:
— اجلسوا، جيد أنكم أتيتم.
جين: (بتعجب)
— تريدين التكلم؟ هل هناك شيء يجب أن تقوليها لنا؟ وما الذي حدث البارحة؟ ولماذا كانت تنزف يديكِ؟
أوليفيا: (بعصبية)
— هل لكِ علاقة بكل ما يحدث؟ ولم تأتين لمساعدتي من الأساس؟ فلم يصدقني أحد وقتها، وإذا كنت ستنسحبين الآن، فلماذا جئتِ في الأساس؟
إيفي:
جلست إيفي على الجذع بقرب البحيرة، وضعت يدها على رأسها، همّت بالسكوت ثم نزلت من عينيها بعض الدموع ومسحتها بسرعة.
جين:
— ماذا هناك؟ لم أقصد، هل أنتِ بخير؟ ماذا يحدث معكِ؟ لنساعدكِ.
إيفي:
— لا… لا… لا أريد مساعدة أحد. أريد فقط التحرر منه، ومن كل مشاكلي، ومن كل شيء... (قالتها بانهيار).
أوليفيا:
— التحرر من ماذا؟ ممن؟
ثانية، من تقصدين؟
إيفي:
— لا… لا أعرف شيئًا، لا أريد الحديث عن الأمر. لا أريد إيذاء أحد، أرجوكم.
جين:
— عن من تتكلمين؟ ولم تخافين أن يتم إيذاؤنا؟
إيفي:
ازدادت انهيارًا، ومرت بجانب أذن أوليفيا.
— لا أستطيع قول شيء إلا أن كل شيء بسبب جيفلين.
أوليفيا:
— جيفلين ليس شخصًا، صحيح؟! ما علاقتك به؟ أرجوكِ وضحي الأمر، وما لغز الكتاب؟
جين:
— لا أفهم شيئًا، هل كل هذا بسبب هذا العالم الغريب؟
إيفي:
نظرت بسرعة لأوليفيا وقالت:
— أين كان؟ ومتى حدث هذا!!! (قالت بقلق)
أوليفيا:
— هل تعرفينه أيضًا؟ ولم كل هذه الألغاز؟
إيفي:
— لا يرجع أحد كاملاً، هذا ما يمكنني فقط قوله.
أوليفيا:
— هذه الجملة سمعتها من قبل... (محدثة نفسها).
إيفي:
— أنا ذاهبة، يجب علي الذهاب.
جين:
— انتظري، أين تذهبين؟
أوليفيا:
أمسكتها من يدها لتوقفها، وأومأت برأسها لتتركها تذهب.
جين:
— لماذا تركتِها تذهب؟ نريد معرفة الحقيقة، وما الذي يحدث يا أوليفيا؟
أوليفيا:
— لا، سنكتشف بأنفسنا. لن تدلنا على شيء. هي مرتبطة بـ جيفلين وهناك من يهددها بشيء قوي، وهي تخاف منه.
جين:
— من هو جيفلين؟ أسمع اسمه كثيرًا، ألا تلاحظين ذلك؟
أوليفيا:
— حسب ما فهمت، إنه اسم عائلة خائنة للعالم الذي حكيت لكِ عنه.
جين:
— وماذا؟
أوليفيا:
— أعتقد أنها على علاقة بهذه العائلة، لكن يجب قتل الشك باليقين.
ما الساعة الآن؟
جين:
— 11:23، لم تسألين؟
أوليفيا:
— لا أعرف، لكن الوقت غريب اليوم، هناك شيء خاطئ.
لنذهب إلى المكتبة ونتأكد مرة أخرى، لعلنا نجد دليلا. هل يمكننا؟
جين:
أومأت بهدوء.
في طريقهما إلى المدرسة، ظلت أوليفيا تعيد في ذاكرتها ما حدث معها في المكتبة، وتحاول تذكر كل تفصيل حدثت.
وصلا إلى المدرسة ودخلا.
ظلت جين في استغراب:
— لم أر مديرة المكتبة منذ فترة، لا أعرف ماذا حدث لها.
أوليفيا:
— ظلت تتمشى في المكتبة، لكن كل شيء يبدو طبيعيًا أكثر من اللازم.
قالت في نفسها:
— إذا كنت أتخيل... لم أشعر أنني نسيت شيئًا ما…
فجأة، نظرت إلى الساعة المعلقة الكبيرة، وجدتها مكسورة، لتتأكد شكوكها.
جين:
— هل وجدتي شيئًا؟
أوليفيا:
— لا، كل شيء كما هو. لا أعرف، لكنني أشعر أنني فقدت شيئًا ما، ولا أعرف ما هو.
جين:
— حسنًا، لنذهب، المدرسة ستغلق.
أوليفيا:
— حسنًا...
عندما ذهبت كل منهما إلى منزلها، دخلت أوليفيا من باب المنزل لتجد والدتها تنظف المنزل.
— أهلاً أوليفيا، كيف كان يومك؟
— كنت تريدين الحديث معي، صحيح؟
— أجل، صحيح، اجلسي هنا.
جلستا على السفرة، وضعت أمها يدها على الطاولة وكان وجهها يظهر وكأنها تملك حديثًا جادًا.
— ألم تسأليني عن والدك أكثر من مرة؟
— ورجعنا للموضوع مرة أخرى، ألم تقولي أنكِ لا تريدين الحديث عن الأمر؟
— قررت أن أحكي لكِ كل شيء وأن نفض خلافاتنا هنا والآن. أريد أن نكون أما وابنتها مثل قبل، ليس عدوتين.
— السبب في إخفاائي للأمر هو كي لا أجرح مشاعرك، لا أكثر، وأن لا أجعلك تكرهين والدك. (بوجه كله جدية)
— لم أكره، أنا فقط أريد معرفة الحقيقة.
— حسنًا، اسمعي...
_____________
# نهاية الفصل
fa» rooh