"طبق الجيران"
في عصر اليوم الثاني، كان المطبخ يغلي بنشاط يفوق اليوم الأول. الأم "زينب" كانت تقف أمام الموقد، وجهها محمر من الحرارة وهي تضع اللمسات الأخيرة على "طواجن المكرونة بالبشاميل". وبجانبها، كانت الجدة "هنية" جالسة تنقي الخضرة بتمهل وتسبح بصوتٍ خفيض.
بدأت زينب في رصّ أطباق صغيرة إضافية بجانب الأطباق الأساسية، وقامت بتغطيتها بعناية. نادت على "سلمى" التي كانت مشغولة بمتابعة "التريندات" على هاتفها: يا سلمى.. تعالي يا بنتي، خدي الأطباق دي وديها للجيران قبل الأذان.
خرجت سلمى وهي تتأفف: يا ماما، هو إحنا لسه بنعمل الحركة دي؟ الدنيا اتغيرت والناس مابقتش تحب حد يقتحم خصوصيتها، وكل واحد عنده أكل يكفيه. وبعدين شكلي بيبقى غريب أوي وأنا رايحه اخبط على الأبواب، كأننا بنوزع وجبات خيرية!
توقفت الجدة هنية عن تسبيحها، وقالت بنبرة حكيمة: وجبات إيه يا خايبة؟ ده (طبق الجيران) ده كان 'الراديو' اللي بنعرف بيه أخبار بعض من غير كلام. زمان يا سلمى، مكنش فيه بيت بيطبخ طبخة حلوة إلا ولازم الجار يشم ريحتها ويذوق طعمها. كان الطبق يخرج من عندنا فيه (كبة)، يرجع لنا من عند طنط فوزية فيه (محشي)، ويروح لبيت 'مدام ماري' برقاق يرجع لنا بـ (بسكويت).. الطبق كان بيلف البيت كله وميرجعش لصاحبه أبداً فاضي، كان دايماً يرجع محمل بالبركة والمحبة.
نزلت سلمى على مضض، وطرقت باب " فوزية". ما إن فتحت السيدة الباب حتى انفرجت أساريرها، ولم تترك سلمى تخرج إلا وهي تضع في طبقها "قطايف بالعسل" قائلة: سلمي لي على ستك هنية، ريحة بشاميلكم ردت فيا الروح! وكل سنه وانتوا طيبين وبيتكم دايما عامر
السحور و"طعم الامتنان"
جاء وقت السحور، وكانت سلمى لا تزال تفكر في ردود فعل الجيران. وجدت الجدة تحضر "الجبنة القديمة بالطماطم" وبعض البيض المسلوق، فقالت سلمى بابتسامة: تصدقي يا تيتا؟ المهندس المغترب اللي ساكن في الدور اللي تحتنا، لما ادتله الطبق، عينه لمعت وكأنه شاف كنز. قالي إن ريحة الأكل فكرته بلمة أهله اللي وحشوه. في اسماعليه
هزت الجدة رأسها وقالت وهي تقشر البيض : شفتي يا بنتي؟ السحور واللقمة اللي بنشاركها هي اللي بتخلي للبيت (حس). زمان كان المسحراتي ينده: 'يا فلان وحد الله'، فكنا نعرف إن الجار ده صاحي وبخير. واللقمة اللي بعتيها في الفطار، هي اللي خلت المهندس الغريب ده يفطر وهو حاسس إنه وسط أهله مش لوحده. السحور يا سلمى مش بس عشان نتحمل الجوع، ده عشان نتحمل (الغربة) و(القسوة) بلمة القلوب.
الرسالة المستفادة:
"البيوت تُبنى بالود لا بالخرسانة." إن "طبق الجيران" ليس صدقة، بل هو جسر تواصل يكسر جدران العزلة التي فرضتها علينا التكنولوجيا. رمضان يعلمنا أننا لا نعيش جزرًا منعزلة، بل نحن أمة يشدّ بعضها بعضاً.. ولو بلقمة. وجبر الخواطر هو العبادة الخفية التي تباركنا في سحورنا وفطورنا.
الخاتمة:
وضعت سلمى قطعة من القطايف التي أرسلتها فوزية في فمها وقالت: فعلاً يا تيتا، طعم القطايف دي أحلى بكتير لأنها جاية من بيت جيرانا. ضحكت الجدة وقالت: عشان مدهونة بـ (المعروف) يا قلب تيتا.. تسلم إيد اللي طبخ واللي ودى واللي جبر الخواطر. اتسحري يلا قبل الاذان، بكرة وراكي مشوار بالأطباق تاني!
ضحكت سلمى وقالت بحماس: أنا جاهزة يا تيتا، ومن بكرة أنا اللي هختار الأطباق الملونة عشان تفتح نفسهم!
Heba Nabil