"فانوس الشارع.. وصِراعُ الأجيال"
اجتمع شمل العائلة في الصالة بعد صلاة العصر، حيث كان "عادل" يحاول تركيب فرع إضاءة "ليد" حديث يتغير لونه بالريموت كنترول، بينما كانت "سلمى" تمسك بهاتفها وتصور الزوايا وهي تقول: يا بابا، الإضاءة دي (تريند) جداً، بتخلي البيت شبه الكافيهات الغالية، والصور بتطلع فيها خرافية!
أما "عمر"، فكان يحاول إقناع والدته "زينب" بشراء فانوس ضخم من البلاستيك يغني أغاني المهرجانات بصوت صاخب، قائلاً : يا ماما ده اللي مكسر الدنيا في المحلات، صوته عالي وبيعمل أضواء ديسكو، لازم نساير العصر!
هنا، دخلت الجدة "هنية" وهي تحمل في يدها كيساً قماشياً قديماً، أخرجت منه فانوساً معدنياً كبيراً (فانوس نحاس بوهيمي) يحمل آثار شمع محترق وزجاجاً ملوناً يدوياً. وضعت الجدة الفانوس في منتصف الطاولة، وقالت بضحكتها الماكرة: إيه يا ولاد؟ واحدة عايزة يقلب البيت كافيه، والتاني عايز يقلبه فرح شعبي! الفانوس يا عمر مش راديو، والزينة يا سلمى مش استوديو تصوير. زمان يا ولاد، كان الفانوس ده هو (روح الشارع). كنا بنستناه من السنة للسنة، وننزل نشتري الشمع ونحرص إن النار متطفيش منه وإحنا بنلف في الحارة. كان الفانوس له (هيبة)، نوره دافي يخليك تحس إن رمضان دخل قلبك قبل ما يدخل بيتك.
نظر عادل للفانوس القديم بابتسامة حنين وقال: والله يا حماتي فكرتيني بأيام ما كنا بنجمع من بعض (برايز) وشلينات عشان نجيب فانوس الحتة الكبير ونعلقه بين البلكونات. كان الفانوس بيجمعنا، مش بيفرقنا زي دلوقتي كل واحد قدام موبايله. وملهي عن التاني
تابعت الجدة وهي تلمس الزجاج الملون للفانوس: يا سلمى، النور اللي في الريموت بتاعك ده (نور بارد)، ملهوش ريحة ولا ذكرى. لكن الفانوس ده، كل خدشة فيه وراها حكاية. ده الفانوس اللي شافه عادل وهو راجع من السفر، وهو اللي نور لزينب وهي بتجهز أول فطار ليها مع بعض. الفانوس الحقيقي هو اللي بيجمع القلوب حواليه في الضلمة، مش اللي بيعمل زحمة ألوان تعمي العين وتفصلنا عن بعض.
أمسك عمر بالفانوس النحاسي، ونظر لجمال النقوش اليدوية عليه، ثم قال : يعني يا تيتا، الفانوس ده هو (الأيفون) بتاع زمان؟ بس ده بطاريته بتخلص بشمعة مش بشاحن!
ضحكت الجدة وقالت: أيوة يا واد، وشحنة الشمعة دي بتدوم في الذاكرة سنين، مش زي شاحنك اللي بيفصل في نص اليوم. رمضان يا ولاد (أصالة)، واللي ملوش قديم ملوش رمضان.
الرسالة المستفادة:
"البساطة هي قمة الرقي.. والأصالة لا تموت." لا تجعلوا مظاهر التطور والزينة الحديثة تسرق منكم "روح" الأشياء. رمضان شهر التفاصيل الدافئة، والذكريات تُصنع بالبساطة واللمة، لا بالمظاهر الصاخبة التي تبهت بانتهاء الشهر. تمسكوا بما يربطكم بماضيكم، فالفانوس القديم ليس قطعة معدن، بل هو خزان ذكريات يضيء لنا الطريق نحو قيمنا الأصيلة.
الخاتمة:
في النهاية، اتفق الجميع على حل وسط؛ علق عادل فرع الليد، لكنه وضعه بعيداً ليكون الفانوس النحاسي هو "نجم" الصالة. أطفأت سلمى الأنوار القوية، وأشعلت شمعة داخل فانوس الجدة، فانعكست الألوان الدافئة على وجوههم جميعاً.
نظرت سلمى للفانوس وقالت بصدق وانبهار: تصدقي يا تيتا؟ النور ده فعلاً مريح للأعصاب أكتر من كل الفلاتر. الصور طلعت النهاردة دافيه بجد.
قالت الجدة هنية وهي تتكأ على أريكتها بوقار: عشان ده نور (البركة) يا بنتي.. والبركة دايماً في الحاجة اللي فيها ريحة الحبايب. ومنور دايماً بلمتكم.
Heba Nabil