"شاشةُ الموبايل.. وفوازيرُ زمان"
كانت مائدة الإفطار في اليوم الرابع ملكية بامتياز؛ "زينب" أبدعت في عمل "البط بالتوابل" و"الأرز المعمر"، وكان "عادل" يستمتع بكل قضمة وهو يشيد بنفس زوجته في الأكل. لكن الملاحظ كان صمت "سلمى" و"عمر"؛ فكل واحد منهما يمسك هاتفه بيد، ويأكل بالأخرى، وعيونهما ملتصقة بالشاشات يتابعان "مقاطع تيك توك" وسخرية المسلسلات.
تنهدت الجدة "هنية" وهي تنظر إليهما، ثم وضعت ملعقتها وقالت بنبرة فيها مكر الجدات: يا خسارة يا عادل يا ابني.. الأكل طعمه مرّ النهاردة، رغم شطارة زينب.
ارتبك عادل ونظر لطبقها: ليه بس يا حماتي؟ ده البط لوز والرز زبدة!"
قالت الجدة وهي تشير للصغيرين: الأكل اللي يتاكل والعيون باصة في حتة تانية ملوش طعم. عارفين زمان يا ولاد، كان الإفطار ده هو (السينما) بتاعتنا. كنا بنخلص الأكل ونقعد نتحايل على الراديو يشتغل، ونستنى (فوازير نيللي) و(شريهان) مكنش فيه شاشات صغيرة تخلي كل واحد فينا في جزيرة لوحده، كانت الشاشة واحدة، والضحكة واحدة، والتعليق واحد."
رفعت سلمى رأسها للحظة: يا تيتا دي حاجات قديمة أوي ومملة، دلوقتي الموبايل فيه كل حاجة، وبنختار اللي يعجبنا.
ردت الجدة بضحكة واثقة: اللي بيعجبك بيخليكي (لوحدك) يا سلمى. زمان كانت الفوازير بتشغل عقولنا، وتخلينا نفكر ونتناقش. دلوقتي إنتوا بتستهلكوا 'هري' بيخلي عقولكم تنام. كانت اللمة بعد الفطار حوالين (فطوطة) ولا (عم فؤاد) ولا (بوجي وطمطم) بتخلينا عيلة بجد، مش مجرد ناس قاعدة جنب بعض وشاحنة موبايلاتها.
سحور "الحكواتي"
جاء وقت السحور، وأراد عمر أن يشغل "فيديو" بصوت عالٍ على السفرة، فتدخل عادل بحزم: عمر.. يلا الموبايلات تتحط في الصالون، السحور ده وقتنا إحنا.
وضعت زينب طبق "المش بالطماطم والخيار" والزبادي، وبدت الغرفة هادئة بشكل غريب. بدأت الجدة هنية تحكي عن ذكريات "ليالي الحلمية" ورأفت الهجان وكيف كانت الشوارع تخلو من المارة وقت المسلسلات، وكيف كان الجيران يتجمعون في بيت صاحب التلفزيون الملون" الوحيد في الشارع.
قالت الجدة وهي تُغمس لقمة صغيرة: عارفين يا ولاد؟ القعدة دي، وإحنا باصين في وشوش بعض، هي الفزورة الحقيقية اللي لازم تحلوها. إزاي نفضل عيلة في زمن كل واحد فيه شايل شاشته في جيبه؟ السحور بركته في (الحكايات) مش في (الفيديوهات). اللقمة بتنور لما يسبقها كلام طيب، مش موسيقى صاخبة.
نظر عمر لسلمى، ثم نظر لجدته وقال: تصدقي يا تيتا، أنا مكنتش أعرف إنك كنتي بتعرفي تحلي فوازير شريهان الصعبة دي! طب ما تحكي لنا واحدة من اللي فاكراهم؟
انطلقت الجدة في حكاية فزورة قديمة، وبدأ عادل وزينب يشاركان في التخمين، وعلت الضحكات في أرجاء البيت، واكتشفت سلمى أنها لم تنظر لهاتفها منذ ساعة كاملة، وأن "فوازير تيتا" أكثر إثارة من أي "تريند".
الرسالة المستفادة:
"الشاشات تُقرب البعيد، لكنها أحياناً تُبعد القريب." رمضان هو شهر "التواصل البشري" قبل أن يكون شهر "التواصل الاجتماعي". اللمة الحقيقية هي التي تتبادل فيها العيون النظرات، لا التي تنعكس فيها أضواء الموبايلات على الوجوه الشاحبة. اجعلوا من سحوركم وفطوركم مساحة للحكي، فالحكايات هي التي تبقى في الذاكرة، أما الـ (Scroll) فبينتهي في لحظة.
الخاتمة:
قبل الفجر بدقائق، قامت سلمى بتصوير "سيلفي" للعائلة كلها وهي تضحك حول الطاولة، وقالت: دي أول صورة أنزلها وأنا مش مهتمة بالـ (لايكات)، أنا بس عايزة أفتكر إننا ضحكنا النهاردة من قلبنا من غير موبايلات.
ضحك عادل وقال: طب بمناسبة الفوازير، فزورة بكرة عليكي يا سلمى، بس بشرط.. ممنوع تستخدمي جوجل!
قالت الجدة هنية وهي ترتشف جرعة الماء الأخيرة: برافو يا ولاد.. أهو كده رمضان بدأ يدخل قلوبكم بجد. تصبحوا على نور وبركة.
Heba Nabil