"زكاةُ الفطر.. وبركة الميزان"
كان الصالون مزدحماً بـ "أكياس الحبوب"؛ أرز، ومكرونة، وتمور، وبعض الأموال الموضوعة في أظرف مغلقة. كان "عادل" يمسك بورقة وقلم ويحسب بدقة قيمة الزكاة لكل فرد في الأسرة، و"عمر" و"سلمى" يساعدانه في تعبئة الأكياس.
قال عادل بجدية: يا جماعة، دار الإفتاء حددت مبلغ معين للفرد، وإحنا 5 أفراد بالجدة، يعني المجموع كله على بعضه كده(5000)ج. أنا هخرجها فلوس عشان الناس تشتري اللي ناقصها للعيد، أسهل وأسرع.
تدخلت "زينب" وهي تحمل كيس أرز إضافياً: بس يا عادل، جارتنا 'أم فوزي' وعامل النظافة في الشارع بيحتاجوا خزين للبيت برضو. إيه رأيك نخرج جزء حبوب وجزء فلوس؟ عشان نضمن إن بيتهم فيه عمار يوم العيد.
هنا، رفعت الجدة "هنية" رأسها عن سبحتها، ونظرت للأظرف والأكياس وقالت: يا عادل يا ابني، الزكاة دي مش فاتورة كهرباء بتدفعها وتخلص منها. دي اسمها تطهير للصائم. زمان يا ولاد، كان يوم خروج الزكاة ده يوم 'جبر خواطر'. مكنش فيه حسابات بالمليم، كنا بنخرج أحسن ما عندنا. لو بناكل رز نضيف، نخرج منه. لو بناكل تمر غالي، نخرج منه. البركة يا ابني مش في العدد، البركة في الجود. وياسلام بقي لو مع الحاجه ادينالهم كحك وبسكوت من اللي عندنا احنا عاملنا بزيادة ماشاء الله واحنا مش هناكل كل ده وهيتركن فا ممكن نوزع منهم ونخلي اللي عارفين اننا هناكله مش هنركنه
تابعت الجدة وهي تمسك بظرف من الأظرف: وإنت يا واد يا عمر، وإنتي يا سلمى.. الزكاة دي لازم تخرج بـ إيدكم. مش بابا يدفع وإنتوا قاعدين تتفرجوا. انزل يا عمر، ودّي الشنطة دي لعمك 'حسني' المكوجي، وقوله 'كل سنة وإنت طيب' بابتسامة صافية. الصدقة اللي بتخرج بـ عزة نفس للمحتاج، ربنا بيردها لك أضعاف. إحنا مش بنمنّ على حد، إحنا بنرجع حق ربنا اللي في مالنا، عشان ربنا يبارك لنا فيه
قال عمر وهو يحمل كيساً ثقيلاً: يا تيتا، أنا مستعد أوزع على الحارة كلها، بس هو ليه لازم نخرجها قبل صلاة العيد بالظبط؟ ما كنا نخرجها من أول الشهر ونرتاح من الزحمة دي؟
ردت الجدة بحكمة: عشان يا حبيبي ميبقاش فيه بيت جعان ليلة العيد. الحكمة إن الكل ينام وشبعه مضمون وفرحته موجودة. رمضان بيعلمنا الإحساس، والزكاة هي الاختبار الأخير؛ هل قلبك لسه حاسس بغيرك ولا انشغلت بـ 'كحكك' ولبسك الجديد؟
قالت سلمى وهي تضع عطراً صغيراً فوق أحد الأكياس: أنا حطيت المسك ده مع كل شنطة يا تيتا، عشان اللي ياخدها يحس إنها هدية مش مجرد مساعدة.
ضحكت الجدة وقالت: أهو ده الذوق اللي بتكلم عنه! ربنا يبارك في أصلك يا سلمى. يا ولاد، الزكاة دي بتمسح السيئات والذنوب زي الصلاة و الصيام بظبط وبتمحي اللي عملتوه طول الشهر. يعني خناقاتكم انتو الاتنين، وتقصير عادل في الصلاة، كله بيتمسح بـ 'لقمة' تروح لواحد محتاج بقلب راضي.
نظر عادل للأكياس بعد أن زاد فيها "الكرم" بناءً على كلام الجدة، وقال بابتسامة: والله يا حماتي، الحسابات الورقية طلعت غلط، وحساباتك إنتي هي اللي بتكسب دايماً. البيت فعلاً حسيت فيه ببركة غريبة والشنط دي بتتحضر.
ردت الجدة وقالت: عشان البركة مبتدخلش من الآلة الحاسبة يا عادل، البركة بتدخل من باب الكرم. قوم يا واد يا عمر، خد الشنط دي ووزعها بـ نَفَس راضية، وخلي بالك.. اللي يبتسم في وش الغلبان، كأنه تصدق مرتين!
الرسالة المستفادة:
"زكاةُ الفطرِ تطهير للنفس وإغناءٌ للمحتاج." لا تتعاملوا مع الزكاة كواجب ثقيل تريدون التخلص منه، بل اجعلوها "رسالة حب" وتكافل. اخرجوا من أطيب ما عندكم، وعلموا أولادكم لذة العطاء باليد. الزكاة هي التي تكتمل بها رحلة صيامكم، وهي التي تضمن أن يبتسم الجميع في العيد. تذكروا أن المال لا ينقص من صدقة، بل ينمو بالبركة ودعوات البسطاء.
الخاتمة:
نزل عمر وسلمى ووزعا الشنط في المنطقة، وعادا بوجوه تشع بالراحة والرضا. ساد البيت جو من الطمأنينة بعد أن "تطهرت" الأموال والأنفس.
قالت الجدة هنية وهي تغلق آخر ظرف: الحمد لله.. كدة نقدر نقول تمت بحمد الله. بكرة ليلة الوقفة، وعايزة الكل يصحصح لي من بدري كده، عشان ورانا 'ماراثون' اللمسات الأخيرة!
غمز عادل لزينب وقال: يا ترى فيه خناقة جديدة في ليلة الوقفة ولا هنعديها بسلام؟
قالت الجدة ببتسامه: ليلة الوقفة يعني كوافير لزينب وسلمى، وحلاق ليك أنت وعمر.. يعني خناقة المواعيد جاية جاية يا عادل، استعد!
Heba Nabil