بداية اعتراف

بداية اعتراف

11 0

وسط ذاك الحديث سمع صوت حركة خفية وسط أشجار الغابة رفقة همس الرياح، وتناغمه مع فزع الطير المحلق بسرعة، وهنا اتخذ كل من دينا وسائقها في وضعية دفاع هجومية، حيث وقف سائق دينا خلفها، يراقبان الوضع بحذر، عيونهما توزع نظراتها في كل ركن، مصوبان سلاحهما للأمام، وأصابعهما على زناد، في حالة ترقب شديد، وضربات قلبهما تخفق بسرعة، حيث همست دينا له

"تفقد الوضع من تلك الجهة، يبدوا أن الصوت صدر من هناك"

سمع كلامها دون أن يزيح نظراته من حوله مردفا

"هل ستكونين بخير....أقصد قدمك.."

رسمت بسمة ساخرة على وجهها ناظرة إلي قدمها المصابة، كادت تفر منها دمعة قد تعقبها اخرى لحالها، لم تلبث طويلا حتى رمت عكازها، توازن جسدها، مصوبة مسدسها نحو الأمام، مردفة بصوت قوي

"لست ضعيفة كما تعلم، فأنا لا تهزمني اصابة وتعجزني عن القتال، هيا انطلق"

نظرة بثقة له، وعادت لحالة التأهب التام، تبحث عن مصدر الخطر، أما سائقها نبس بجدية

"فهمت، سأذهب الآن"

هزأ رأسه وانطلق بخطوات حاسمة، أذنه وصلت بجهاز اتصال ليبقى على تواصل مع دينا لمعرفة آخر المستجدات، وبينما يبحث بحذر وسط الأشجار، ومن أصدرت الصوت اقشعر جسدها بسبب رؤية دينا التي كانت تستند على عكازها غير قادرة على الوقوف بثبات بدونه، فقدت توازنها أثناء تراجعها إلى الخلف، وقبل أن يلمحا طيفها كانت قد غادرت وفكرة القبض عليها وما ستناله من عقاب جراء فعلتها، جعلت من صدرها يعلو وينزل بسرعة، وما كادت تغادر المكان، حتى تعثرت بسبب خطاها المسرعة مصدرا صوتا نبه الآخرين، استدارت في وجل لمعرفة ردة فعلهما لتصدم بما رأته، ما جعلها تسرع في النهوض راكضة وعقلها يصور لها احتمال لحاقهما بها وموتها، عندما كانت تركض شعرت بحركة أخرى خلفها جعلتها ترتعش، وقبل أن تنبس بحرف كُمِم َفاهُها كاتما صراخها، تسمع كلمات محتجزها الهامسة:

"حرف واحد، وتسلم روحك لحاصد أرواح، كوني مطيعة، هل هذا واضح؟".

اهتز جسدها، وتوسعت عيونها، وبدأت تتصبب عرقا، تحاول التنفس بشكل سليم، لكن وضعها ذاك لم يسمح بذلك، وفؤادها ارتعد لما ينتظرها، وعقلها يحاول البحث على خيط نجاة، ساخطا فكرة الهروب في هذا الوقت، لم تتمكن ايرين من معرفة من ذاك الشخص حتى سمعت صوت دينا المناد المستفسر:

"لما كل هذا التأخير؟، هل وجدت شيئا؟، أجبني لا تبقى صامتا".

امتلأ صوتها بالخوف لتأخر سائقها في الخروج من الغابة، وكل وجدانها

يلتهب خوفا، لم تمضي دقيقة حتى دوت ضحكته في المكان ليردف بعدها:

"يبدو أن صبرك أضحى قصير أكثر مما سبق، لكن ارتاحي لم يكن هناك خطر كبير، فقط مجرد مشاكسة صغيرة هربت من البيت".

قال كلماته بينما يخرج من الغابة إلى مكان دينا رفقة ايرين، التي لم تلبث لدقيقة منذ امساكها لتنفذ بنفسها من عقاب آخر، وكي لا تقابل دينا حيث كانت الأخيرة على وشك الإنفجار بسبب تصرفات ايرين، ارتدت حلة الجدية والحزم، فلم تتمكن ايرين بعدها من مواجهتها وهي بتلك الحالة مرة أخرى، مختبئة خلف سائق دينا مرتعبة، متفاجئة من فعلتها فهي لا تخاف من أحد، فكيف تخاف منها هي؟، تقطع دينا ذلك الجو الصامت بكلماتها، بينما تعيد مسدسها لخصرها، تجلس بتعب على كرسي قريب منها، تتألم بصمت بسبب وقوفها على قدمها المصابة لبعض الوقت، كونها لم تشفى بعد.

"أعدها إلى القرية، اجعلهم يضاعفون واجباتها، على ما يبدوا أنها أحبت الشقاء والعناء في هذا المكان".

أنهت كلامها تبعد ناظريها عنها كي لا ترتكب جريمة فيها، نظرت نحو اصابتها بعين حملت مزيجا من القهر والأسى مشكلة قبضة في يدها وجهتها نحو قدمها بكل قوة نابسة:

"كنت قريبة، لما الآن لما".

تكرر تلك الضربات في نفس المكان، مخفضة جفنيها لمنتصف العين، والدموع تجمعت بمقلتيها، وشفاهها ترتجف تحاول البوح باعتراف ترفض الإقرار به، فكل ما عملت لأجل الوصول إليه تحطم بسبب إصابتها، فالألم من ذلك الوقت لم ينطفئ، ذكراه لم تنسى بعد، هو دافعها لتسعى أن تكون أفضل محققة، وكل شيء إنهار في لحظة واحدة، حيث كان سائقها قد استدار مباشرة منفذا أوامرها، ممسكا بيدي ايرين يجرها خلفه بعد أن فهم تعابيرها قبل أن تنهار، أثناء ذلك حاولت ايرين التحدث بتلعثم

"ه... هل حقا لن أعود... لمنزلي وأهلي...؟ لما هي هكذا؟ أليس مجرد إلتواء بسيط وسيشفى مع الوقت؟".

كان حديثها متوتر لكنها أكملت بإنفعال دفعة واحدة، أما سائق دينا أثر الصمت في بداية لشفقته عليها في الجزء الأول لكنه سرعان ما اعتاره الحزن على دينا فتنهد نابسا:

" قد تكون اصابة بسيطة لك، لكنها ليست كذلك فهي... "

توقف عن كلامه محاولا إدراك فعلته، يفكر في عواقب فعلته لو استمر في الكلام، نفض عن نفسه التفكير ليسارع في استدراك كلامه

"على كل حال، عليك التعلم من أخطاءك، وتحمل مسؤولية ما تفعلينه، اليوم كنا نحن، لكن إن تجرأت على فعلها مرة أخرى، فلا أحد سيضمن عودتك حية في المرة القادمة، إن صادفك شخص آخر، هل فهمت".

ابتلعت ريقها بصعوبة نظرا لصرامة نبرته، سارحة في مخيلتها، حول ما قاله، مستوعبة حجم الخطر الذي يحوم في هذه الغابة حتى في وضح النهار، مرت قرابة ساعة ونصف على مغادرتهما المكان ليصلا إلى القرية التي قلبت تماما بعد اكتشاف هروب ايرين، حيث وجدوا السكان في حالة استعداد لمداهمة الغابة، بملامح جادة، هالة قوية، وكل واحد يحمل ما قد ينفع للدفاع في حالة وجود خطر ما، بينما الذنب قد أكل العائلة التي كلفت برعاية ايرين، حيث كانت جوري تبكي بشدة، عيونها حمراء من البكاء، وجهها الشاحب، وشفاهها الجافة، يدها المرتجفة، أما أبناءها فكانوا في حالة لا تقل عنها بشيء، حيث كان ابن الأكبر يذهب ويعود في ساحة القرية، يعض على أصابعه، عاقدا حاجبيه، وفي ذهنه تصور أبشع الأفكار، أما أخته كانت جالسة بجوار والدتها تربت على ظهرها نواسيها بأنها ستكون بخير غير ان جسدها المرتعش وكلامها المتلعثم وعيونها مدمعتين تفضحانها رغم ارتداءها ثوب القوة، اما ايرين توسعت عينيها، ورجعت خطوة للوراء، رافعة يدها نحوا ثغرها المفتوح، ترمش عدة مرات تتأكد مما تراه، ليطرح التساؤل في ذهنها

"ماذا حدث هنا؟، هل يعقل كل هذا لأجلي أنا؟...."

"إنها هي تلك فتاة عادت يا راجال هي بخير لقد عادت حقا"

نطق احد القرويين بعد لمحه لها بصوت مرتفع تخللته الفرحة برؤيتها سالمة، ما إن انتهى جتى ركضت جوري نحوها تحضنها بقوة غير مصدقة أنها عادت لتردف بعد تركها.

"هل تعلمين مدى خوفنا عليك؟، لما هربت؟، يا حمقاء ارعبتني عليك للغاية".

سكتت تنظر لم يرافقها فأفتر محياها على بسمة ممتنة مكملة

"سعيدة أنها صادفتكم، وإلا لا ندري أي ورطة كانت ستحل علينا".

في مكان آخر حيث الجو معبق برائحة ألذ كعك والحلويات، المتناغمة مع رائحة القهوة، وكل ركن في ذلك المكان ألسنة تستمتع بطراوة تلك الحلويات وخفة الكعك وآخرون يتلذذون بنكهة القهوة استثنائية، كانت هي تنتقل هنا وهناك في المطبخ ما بين العجين والفرن، ومحياها مشرق بإبتسامة صغيرة، وعيون لامعة، يدين تشكل العجين بخفة ومهارة، وفي الخارج تتوالى الطلبات دون توقف والحماس يتملك الجميع، أما العمال ستحركون سعيا لتنفيذ كل تلك الطلبات يوزعون ضحكات ظريفة على الجميع، جو مريح اكتسى ذلك المحل الذي طليت جدرانه بألوان هادئة ورسومات لطبيعة خلابة، على صوت طفلة باكية في المكان بينما كان رجل طويل يرتدي معطفا أسود متوسط الطول مفتوح وقميص أبيض سميك رفقة سروال كلاسيكي بالون رمادي، مرتبك لما حدث ولا يدري كيف يتصرف ليسكت الطفلة الصغيرة التي راحت تصرخ

" إنه سارق الكعك، سرق كعكتي، اعد لي كعكتي... "

كلام متقطع بنبرات بكاء والجميع يحاول تهدئتها، لتخرج مرتدية مئزرها الأبيض الذي يعلو فستان بني شتوي ذو رقبة بيضاء، مسرعة نحو تجمع الجميع بعد للضجة من الداخل، اخترقت الحشد لتصل إلى مصدر الصوت لتلمح تلك الطفلة الباكية وذلك الرجل الذي يحاول تهدئتها رادفة

"ما الذي يحدث هنا، ولما هذه الأميرة الصغيرة تبكي هكذا، آهة قلبي يؤلمني لتلك الدموع الساقطة على وجتتيك ورديتين يا عزيزتي، هيا هيا اذهب يا حزن وأزهر يا فرح فأميرتي هنا لا يناسبها الشجن هيا هيا"

قالت جينا كلماتها بجدية ثم لانت لاحقا عندما نزلت لمستوى الصغيرة تحاول ايقافها عن البكاء تربت بلطف على رأسها، ببسمة واسعة، لتنهض بعد لحظة لتفض الحشد، أصناء ذلك تمتد أنامل صغيرة مترددة تمسك فستانها تسحبه قليلا ببطء لتقول

"كعكة أريد كعكة"

وعباراتها تهرب دون ارادة منها، إلتفت جينا إليها وقد تهلل وجهها تنظر لها بحنان مردفة

"حسنا، لك ذلك عزيزتي، لكن قبل ذلك لنفهم ما حدث معك أولا"

نطقت بمودة بداية حديثها لتتحول بعدها إلى أخرى مشككة ومشددة على آخرها تناظر ذلك الرجل الذي تقدم خطوات يمسح وجه الفتاة من اثر الدموع نابسا بعد فهم كلام الأخرى

" أعتذر فأنا دخلت مسرعا لسبب ما، لم أنتبه لها واصطدمت بها فسقطت كعكتها على أرض، لكني سأدفع ثمن الكعكة هذه المرة، لذا توقفي عن البكاء فالأميرات لا يكن جميلات عندما يبكين"

أشرق وجه الصغيرة بتلك الكلمات أما الأخرى نست نفسها لثوان بسبب مواجهة بعد انهائها كلامها لتحمحم بعد إدراك شرودها فيه قائلة:

"إنه سوء فهم إذن، حسنا سأذهب لأحضر واحدة لك يا أميرتي، أما عنك يا سيد تفضل واطلب ما شئت واعتذر إن كان تصرفي وقحا معك".

أفرج محياه عن ضحكة جميلة، وارتخى جسده المتوتر إثر ما حدث، والصغيرة كانت تقفز هنا وهناك مصدرة أصوات تعلم كل الموجودين أنه أبسط أشياء أحيانا كفيلة بجعلنا نحلق لفضاء سعادة دون تكلف أو عناء، في تلك لحظات كانت آلة التصوير تخلد تلك اللحظة لتنبس صاحبتها بعد آخر واحدة

"....

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حب من سوء فهم

المؤلف حروف ناطقة
2025/11/30 مستمرة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة